اعتراف المتهم في قانون الإثبات الأردني

اعتراف المتهم في قانون الإثبات الأردني

من أجل الحفاظ على حقوق الأفراد ومعرفه مرتكب الجريمة وتحقيق العدالة وإثبات وقوع الجريمة ونسبتها للفاعل وإنزال العقاب المناسب به، كل ذلك دفع المشرع الأردني في قانون أصول المحاكمات الجزائية إلي تحديد وسائل وطرق الإثبات، ومن بين هذه الطرق والوسائل اعتراف المتهم الذي يعد من أهم عناصر أدلة الإثبات في الدعوي الجزائية، إلا أنه لا ينبغي المبالغة في قيمته، فقد لا يكون صادقا ممن قام به، وقد يكون له دوافع أخري الأمر الذي معه يجب على القاضي الجنائي تبين مدي صحه الاعتراف وقيمته من خلال المطابقة بينه وبين الواقع من جهة وبينه وبين الأدلة المادية والقولية من جهة أخري، فللقاضي أن يأخذ به أو لا يأخذ وفق قناعته الوجدانية، كما له أن يقوم بتجزئة اعتراف المتهم بحيث يأخذ منه ما يطمأن له وذلك استنادا لمبدأ تساند الأدلة الجنائية، فالاعتراف يعتبر أقوى الأدلة تأثيرا في اعتقاد القاضي متي اقتنع به فقد يحكم بالإدانة بناء عليه، وكان في الماضي يقال علي الاعتراف أنه سيد الأدلة، وكان الاعتراف يتم انتزاعه من المتهم بكافة الطرق، الأمر الذى دفع المشرع في العصر الحالي لتنظيم طرق الإثبات وتنويعها فمنها الشهادة والمعاينة والخبرة والقرائن والبيئة الخطية، أو أي وسيلة أخري يمكن من خلالها نسبة الجريمة لمرتكبها، بالإضافة لذلك فإن هناك ضوابط وشروط للاعتراف يجب توافرها، وهو ما نحاول بحثه وإيضاحه من خلال هذا المقال كالتالي:[1]

أولا: ماهية الاعتراف وأنواعه:

ثانيا: شروط الاعتراف والفرق بينه وبين الإقرار المدني والشهادة:

ثالثا: حجية الاعتراف وآثاره في الإثبات:

رابعا: العدول عن الاعتراف وبطلانه:

خامساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن اعتراف المتهم:

أولا: ماهية الاعتراف وأنواعه:

1ـ تعريف الاعتراف:

 هناك العديد من التعريفات القانونية والقضائية التي أقرها فقهاء وعلماء القانون في العالم، ويمكن القول إن الاعتراف هو عبارة عن قول أو إقرار صادر من المتهم يفصح فيه أمام القاضي عن قيامة بارتكاب الوقائع المكونة للجريمة كلها أو بعضها، وإضفاء الوصف القانوني وتكيفه لهذه الوقائع فيكون من اختصاص المحكمة ، على أن يكون الاعتراف قد تم بشكل صريح.[2]

هذا وقد عرفه قانون المحاكمات الجزائية الأردني في المادة ( 172/2 ) بأنه: ” إذا اعترف الظنين بالتهمة يأمر رئيس المحكمة بتسجيل اعترافه وتحكم عليه بالعقوبة التي تستلزمها جريمته إلا إذا بدت لها أسباب كافيه تقضي بعكس ذلك”

ـ كما نصت (المادة 216) من ذات القانون على أن: ” 2ـ مع مراعاة أحكام الفقرة (4) من هذه المادة إذا اعترف المتهم بالتهمة يأمر الرئيس بتسجيل اعترافه بكلمات أقرب ما تكون إلى الألفاظ التي استعملها في اعترافه ويجوز للمحكمة الاكتفاء باعترافه وعندئذ تحكم عليه بالعقوبة التي تستلزمها جريمته إلا إذا رأت خلاف ذلك، 3ـ …………..،4ـ إذا أنكر المتهم المتهمة أو رفض الإجابة أو لم تقنع المحكمة باعترافه بها أو كان الجرم معاقبا عليه بالإعدام تشرع ـ المحكمة ـ في الاستماع إلى شهود الإثبات”.

وهنا يتضح أن المشرع الأردني أكد على إرساء مبدأ هام في الأخذ بالاعتراف وهو مدي قناعة القاضي والظروف المحيطة بارتكاب الجريمة.

2ـ أنواع الاعتراف:

الاعتراف إما أن يكون أمام جهة قضائية، كالاعتراف أمام النيابة العامة والذي يدلي به المتهم بنفسه سواء بحضور محامي عنه أو بدون محامي وقد أكد المشرع الأردني في مادته رقم (63) من قانون المحاكمات الجزائية الأردني على توفير الضمانات الكافية لحماية المتهم، وقد يكون الاعتراف أمام المحكمة وهذا الاعتراف يخضع لاقتناع القاضي وعقيده فإذا اقتنعت المحكمة بالاعتراف قضي به والعكس، وهو ما سبق ذكره في نص (المادة 216/2) من ذات القانون.

وهناك الاعتراف أمام جهة غير قضائية، وهو الاعتراف الذي يصدر من المتهم أمام جهات غير قضائية كمأموري الضبط القضائي، أو في التحقيقات الإدارية، أو أمام أحد الأشخاص، أو في التسجيلات الصوتية، وتتوقف قيمة الاعتراف هنا على مدي تمتع الجهة التي صدر أمامها من ثقة، أو شهادة من صدر الاعتراف أمامهم، أو قيمة الورقة التي حرر عليها الاعتراف، وهو ما يحتاج إلى دعم من سائر الأدلة في الدعوى للتأكيد على مطابقة الاعتراف للواقع، إلا أن ذلك كله يخضع لتقدير القاضي، وحريته الجنائية في تكوين عقيدته لتقيم مدي صحه الاعتراف وتوائمه مع باقي الأدلة، والاعتراف سواء كان قضائي أو غير قضائي يخضع لقناعة القاضي والفرق بينهما أن الاعتراف الغير قضائي لا يكفي وحده للحكم به بغير سماع الشهود.[3]

3ـ الاعتراف دليل لإثبات الجريمة:

في بعض الجرائم يكون الاعتراف ملزم كونه مصدر الإدانة كما هو الحال في جريمة الزنا وهو ما يسمي بالاعتراف القانوني كون المشرع أوجبه لإثبات الجريمة، وقد يكون الاعتراف شخصي أي يجب أن يحقق قناعة القاضي الشخصية بصحه الاعتراف وتوافقه مع باقي الأدلة.

4- الاعتراف دليل للإعفاء من العقوبة:

 قد يكون الاعتراف في جريمة معينة سببا للإعفاء من العقوبة، وذلك هو الحال في الجرائم التي يتم ارتكابها في الخفاء ويصعب إثبات التهمة فيها فكان الاعتراف هنا كوسيلة لتشجيع الجناة على كشفها والإرشاد على المساهمين فيها، فمن الجائز إعفاء الجناة من العقوبة إذا اعترفوا بشروط معينة.[4]

ثانيا: شروط الاعتراف والفرق بينه وبين الإقرار المدني والشهادة:

1ـ شروط الاعتراف:

 كما سبق وأوضحنا أن الاعتراف ليس حجية في ذاته وإنما هو خاضع للتقدير الشخصي للقاضي وقناعته به، وهو دليل من أدلة الإثبات، ولكل دليل يفتقر إلى مجموعة من الشروط التي يجب أن تتوافر به حتى يكون صحيح كالتالي:

أـ توافر الأهلية القانونية للمعترف:

بحيث يكون المتهم المعترف بالغ وعاقل ورشيد قادر على فهم وإدراك ماهية ما يقوم بالاعتراف به، ومن ثم لا يقبل اعتراف الصغير الذي لم يبلغ سبع سنوات ويعفي من المسئولية كونه منعدم التمييز، ولا يقبل الاعتراف من السكران نتيجة تناوله عقاقير مخدرة أو كحول طالما السكر أفقده كامل وعيه، كما أنه لا يقبل اعتراف المجنون أو المصاب بعاهة عقلية.

ب ـ يجب أن يصدر الاعتراف بإرادة حرة:

الأصل العام هو أن الاعتراف كي يكون صحيحا يجب أن يصدر عن إرادة حرة من المتهم دون ضغط، أو إكراه، أو تعذيب، أو بأي سبب يجعل إرادة المعترف مسلوبة ومن ثم يكون اعترافه باطلا، وهو ما أكدت عليه محكمة التمييز الأردنية في قرارها رقم ( 271/91) من استبعاد الاعتراف الصادر نتيجة العنف.

وقد جرم قانون العقوبات الأردني ذلك وأنزل على مرتكبه العقاب وذلك كما جاء في المادة رقم (208) من قانون العقوبات الأردني التي نصت على أن: ” إذا استخدم شخص أي نوع من أنواع العنف والشدة التي لا يجيزها القانون بقصد الحصول على إقرار بجريمة، أو على معلومات بشأنها عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات”، ومن ثم فإن المشرع قد أكد على ضرورة أن يصدر الاعتراف عن إرادة المتهم الحرة دون ضغط أو إكراه أو وعد أو تهديد أو عنف أو بأي وسيلة قد تؤثر على اعتراف المتهم وتجعله يدلي بأقوال واعترافات تخالف الحقيقة ومن ثم يقع الاعتراف باطلا غير معتد به.

ج ـ يجب أن يكون الاعتراف واضح وصريح مطابق للواقع:

وهو أن يصدر الاعتراف بدون لبس أو غموض مطابق للواقع لجواز الاستناد إليه كدليل إدانة للمجرم، فلا يجوز الاستناد لاعتراف غامض يحتمل التأويل، ولا يمكن اعتبار صمت المتهم على الوقائع المستندة إليه بأنه اعتراف بالجريمة، إذ من الممكن أن يكون السكوت بسبب خوفه أو رغبته في انتظار محامية لأخذ مشورته.[5]

د ـ يجب أن يكون الاعتراف صادر عن إجراءات صحيحة:

 لكي يقبل الاعتراف ويكون صحيح يجب أن يستند إلى إجراءات صحيحة، استنادا للقاعدة الفقهية ” ما بني على باطل فهو باطل” فإذا شاب البطلان أحد إجراءات التحقيق ونتج عن ذلك الإجراء اعتراف المتهم كان الاعتراف باطلا، ولمحكمة الموضوع وحدها النظر في تقدير قيمة الاعتراف الصادر من المتهم نتيجة إجراء باطل، فإن كان الاعتراف قائم بذاته مستقل عن الإجراء الباطل فإنها تأخذ به.

ومن أجل أن يصدر الاعتراف صحيح مستند إلى إجراءات سليمة لا بد أن يتم توفير كافة الضمانات القانونية الكافية للمتهم كحقه في الاستعانة بمحامي وهو ما نصت عليه المادة ( 63/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، وللمتهم ووكيله الحق في الاطلاع على كافه أوراق ومحاضر التحقيقات حتي يكون على علم تام بالوقائع والأدلة القائمة والمسندة إليه، حيث أعطى المشرع الأردني في المادة (64/2) من ذات القانون للمهتم، والمسئول بالمال، والمدعى الشخصي، ووكلائهم، أن يطلعوا على جميع إجراءات التحقيق، وأن يطلعوا كذلك على الإجراءات التي جرت في غيابهم.

2ـ الفرق بين الاعتراف والإقرار المدني والشهادة:

قد يتشابه الاعتراف مع بعض أدلة الإثبات الأخرى مما قد يثير اللبس والغموض عند البعض، ومن هذه الأدلة التي قد تتشابه مع الاعتراف كل من الإقرار المدني والشهادة:

أـ الإقرار المدني: هو إقرار خصم لخصمه بالطلبات أو الحقوق التي يدعيها ويكون المقر على علم بالتزامه وما قد يؤدي إليه من نتائج، وهو على خلاف الاعتراف الذي سبق وأن أوضحناه بأنه إقرار المتهم بفعله للجرم أو لأحد العناصر المكونة له، ومن هنا يتضح أن النية تقف كحاجز أمام الإقرار المدني إذ يجب توافرها للمقر بينما لا يشترط نية المعترف، فضلاً عن أن الإقرار المدني لا يمكن تجزئته بعكس الاعتراف يمكن تجزئته، والإقرار المدني يمكن أن يكون صريحا ويمكن أن يكون ضمنيا، وهو عكس الاعتراف الذي يجب أن يكون صريحا، بالإضافة إلى أن الإقرار المدني سيد الأدلة في المسائل المدنية ولا يستطيع المقر  العدول عنه إلا لوجود خطأ في الوقائع أو توافر عيب من عيوب الإرادة وعلى المقر إثبات ذلك، وهو  بعكس الاعتراف الذي لا يعتبر حجة في ذاته بل أمر يخضع لتقدير القاضي، ولا يعفي النيابة العامة من البحث عن باقي أدلة الدعوى، والإقرار المدني يشترط اكتمال الأهلية بأن يكون المقر متمتع بأهليه التصرف فيما يقر به فالقاصر لا يقبل الإقرار المدني منه، وهو بعكس الاعتراف الذي وإن اشترط الأهلية ولكن الأهلية هنا هي أهليه ادراك وتمييز وليس أهليه تصرف، كما أنه في الإقرار المدني يعتبر إقرار المحامي الصادر أثناء المحاكمة ملزم لموكلة بعكس الاعتراف الذي يجب أن يصدر عن شخص المتهم وليس محاميه.[6]

ب ـ الشهادة: كما أن هناك فرق بين الشهادة والاعتراف، فالشهادة وإن كانت تتشابه مع الاعتراف في أن كل منهما يعد دليل من أدلة الإثبات إلا أنهما يختلفان في أن الاعتراف يكون من شخص المتهم فيعتبر إقرار على نفسة، على عكس الشهادة التي تكون من الغير للإدلاء بمعلومات عن الدعوى، والاعتراف يخضع لمشيئة المتهم دون ضغط أو إكراه، بينما الشهادة فهي واجبة على الشاهد متي دعي للشهادة أمام المحكمة، قول المعترف خلاف الحقيقة لا يعرضه للعقاب، بينما إدلاء الشاهد بمعلومات وبيانات غير صحيحة لا يعرض الشاهد للعقاب بالشهادة الزور .

 ثالثا: حجية الاعتراف وآثاره في الإثبات:

كما سبق وأن بينا فالاعتراف قد يكون أمام المحكمة أو أمام المدعى العام وهنا يسمي اعتراف قضائي وهو الاعتراف الذي يصدر من المتهم أمام محكمة الموضوع أو أمام النيابة العامة، وقد يكون غير قضائي أمام جهات التحقيق وجمع الاستدلالات، فالمشرع الأردني أعطي الحرية للمحكمة في الاكتفاء باعتراف المتهم من عدمه وليس لمحكمة التمييز رقابة عليها في ذلك شأنه شأن سائر أدله الإثبات، أما الاعتراف غير القضائي فيجب أن تقدم النيابة العامة معه بينه على الظروف التي أدت لارتكاب الجريمة واقتنع القاضي  بها، ويجوز للمحكمة أن تستند لاعتراف المتهم أمام سلطة التحقيق وجمع الاستدلالات (الشرطة).

ويترتب على الاعتراف والأخذ به إما الإدانة وإما البراءة، ولا نفرق هنا بين الاعتراف القضائي وغير القضائي، المهم في ذلك أن محكمة الموضوع أخذت به واطمأنت إليه وأسست حكمها عليه فإن كان اعتراف إدانة حكمت بالعقوبة المقررة للجريمة، وإلا الإعفاء من العقوبة.

ويختلف القرار الصادر في الدعوى بناء على الاعتراف بالمرحلة التي تكون عليها الدعوى، ففي مرحلة جمع الاستدلالات يجب على جهة التحقيق التأكد من مدي صدق المعترف ومطابقة اعترافه بالواقع، ومحاولة جمع الأدلة التي تعزز هذا الاعتراف، ثم تحيله للنيابة العامة، وهي مرحلة التحقيق الابتدائي والتي يجب عليها أن تقوم باستجواب المتهم ومناقشته في اعترافه، ومواجهته بالشهود، ولها الحق في الإفراج المؤقت عنه لحين إحالته للمحكمة التي هي جهة الاختصاص الأصيل للفصل في الدعوى، كما أنه حين تصدر النيابة العامة قرار بحفظ الدعوى وتفرج عن المتهم، فإن ذلك لا يمنعها من العودة للتحقيق في الموضوع من جديد إذا اعترف المتهم بعد قرار الحفظ.

 وقد يعترف المتهم أمام المحكمة فيجوز للمحكمة الاكتفاء بالاعتراف متي اطمأنت المحكمة إليه وهو أمر جوازي للقاضي فيمكن له أن يستعرض باقي الأدلة لتكوين عقيدته، وهو ما أكدت عليه محكمة التمييز الأردنية في قرارها رقم (174/87) من أن ” الاعتراف أمام المحكمة هو دليل صالح للحكم، ويجوز للمحكمة الاكتفاء به في التجريم عملا بنص المادة (216/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردنية”.

هذا وقد يصدر الاعتراف بعد صدور حكم قضائي غير بات وهو الحكم الذي يجوز الطعن عليه بإحدى الطرق التي رسمها القانون فإن كان الاعتراف يدين المتهم بعد الحكم عليه فلا مشكلة في ذلك، إلا أنه إذا كان الاعتراف قد يتسبب في براءة المتهم فالأمر مختلف فإن كان هذا الاعتراف أمام محكمة الاستئناف فإن للمحكمة أن تقضي فيه باعتبارها محكمة الموضوع، وذلك وفق قرار محكمة التمييز الأردنية رقم ( 199/85) ،وإذا كان الاعتراف أمام محكمة التمييز فيجب أن نفرق بين أمرين وهما إذا كان الحكم الصادر من المحكمة الأدنى ببراءة المتهم وطعنت النيابة العامة بالتمييز على الحكم واعترف المتهم فمن ثم يعتبر الاعتراف هنا دليل جديد وعلى محكمة التمييز عدم التعرض له كونها محكمة تطبيق قانون وليست محكمة موضوع، ولكن الأمر يختلف حال صدور حكم من المحكمة الأدنى بالإدانة وطعن المتهم للمرة الثانية أمام محكمة التمييز وظهر اعتراف المتهم فهنا يجوز لمحكمة التمييز أن تستند لهذا الاعتراف كونها أصبحت محكمة موضوع، وهو ما أكدت عليه المادة ( 289) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني من أن: ” في غير الأحوال المنصوص عليها في المادة السابقة إذا خالفت محكمة الاستئناف التي أعيد إليها الحكم منقوضا ما ورد في قرار النقض وميز الحكم مرة ثانية للأسباب نفسها التي قبلتها محكمة التمييز في قرار النقض تعيد محكمة التمييز النظر في القضية فإذا قررت نقض الحكم ثانية للأسباب التي أوجبت النقض الأول يجوز لها: 1ـ أن تعيد القضية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم فيها وعندئذ يترتب عليها أن تمتثل لقرار النقض، 2ـ أن تفصل محكمة التمييز نفسها في الدعوى بالوجه الذي تراه موافقا للعدل والقانون”.

رابعا: العدول عن الاعتراف وبطلانه:

1ـ العدول عن الاعتراف:

معني العدول عن الاعتراف هو رجوع المتهم عن الأقوال التي سبق وأن أدلي بها أمام الشرطة أو النيابة أو محكمة أول درجة، هذا وقد استقرت قرارات محكمة التمييز الأردنية على أنه من حق المتهم العدول عن اعترافه في أي وقت كانت عليه الدعوى حتى ولو بعد قفل باب المرافعة، ويخضع العدول عن الاعتراف للسلطة التقديرية للقاضي فمن حق الأخير الأخذ بالاعتراف المأخوذ من المتهم في مرحلة التحقيق وجمع الاستدلالات رغم عدول المتهم عنه، فالعدول عن الاعتراف مثل الاعتراف نفسه يدخل في السلطة التقديرية لقاضي الموضوع ومدى توافقه مع غيره من الوقائع.

2ـ بطلان الاعتراف:

 إذا ما تم مخالفة شروط صحة الاعتراف أو أيا منها يصبح الاعتراف باطل وتبطل كل الأثار المترتبة عليه وتزول عنه قيمته القانونية كدليل في الدعوى وقد يكون الاعتراف باطلا للآتي:

أـ عدم توافر الأهلية الإجرائية للمعترف.

ب ـ عدم صدور الاعتراف عن إرادة حره: إن الاعتراف الذي عول عليه كدليل في الدعوى يجب أن يكون صادرا عن إدارة حره فلا يجوز التعويل على الاعتراف إذا كان وليد تهديد أو إكراه، وقد أبطلت محكمة التمييز الأردنية في قرارها رقم ( 68/86) الاعتراف الذي جاء وليد إكراه مادي أو أدبي وذلك بأن قضت” إن الاعتراف الذي يعتبر حجة ضد المتهم الذي يصدر عن إرادة واعية فإذا شاب إرادته إكراه مادي أو أدبي عد الاعتراف باطلا”.

ج ـ عدم صراحة الاعتراف وعدم مطابقته للواقع: كما سبق وأن بينا فإنه يجب أن يكون الاعتراف صراحة وليس ضمنا ومن ثم يجب ألا يشوب الاعتراف لبس أو غموض، وأن يكون مطابق للحقيقة والواقع وفي حال عدم وضوحه أو حال عدم مطابقته للحقيقة يعتبر باطلا ولا يعتد به.

د ـ استناد الاعتراف لإجراءات غير صحيحة: إن الإجراءات التي تسبق الاعتراف هي الأساس القانوني للاعتراف فإن صحت صح الاعتراف والعكس صحيح فبطلان ما قد يسبق الاعتراف من قبض وتفتيش واستجواب يبطل الاعتراف المترتب عليه.

ـ ويمكن القول إن البطلان الذي يلحق بالاعتراف هو من النظام العام الذي يجوز الدفع به في أي مرحلة كانت عليها الدعوى، بل ويجوز للمحكمة أن تطرحه من تلقاء نفسها دون طلب من الخصوم، والدفع بالبطلان من الدفوع الجوهرية التي يجب على محكمة الموضوع الرد عليه ومناقشته.

خامساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن اعتراف المتهم:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 645 لسنة 1998 ما يلي:

إذا توصلت محكمة الموضوع إلى أن المتهم الثاني كان حين ارتكابه الجرم المسند إليه مصابا بمرض عقلي سبب اختلالا في قواه العقلية وجعله عاجزا عن إدراك كنه أفعاله وقررت بالنتيجة عدم مسؤوليته فلا يجوز للمحكمة أن تعتمد أقول هذا المتهم ضد المتهم الثاني لأن هذه الأقوال صادرة عن شخص غير مسؤول ولا يجوز أن تكون سببا في تقدير مسؤولية غيره إضافة إلى عدم تأييد هذه الأقوال بأية بينة أخرى.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 746 لسنة 1997 ما يلي:

1- يكون اعتراف المتهم لدى الشرطة وليد الإكراه والضرب بدليل وضعه في النظارة مدة تزيد على أسبوع خلافا لأحكام المادة (100) من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي لا تجيز للضابطة العدلية إبقاء المقبوض عليه في نظارة الشرطة مدة تزيد على ثمان وأربعين ساعة يتوجب بعدها إرساله إلى المدعي العام، فإبقاؤه هذه المدة في النظارة يعني تعريضه لممارسة وسائل الإكراه لحمله على الاعتراف، إضافة إلى أن المتهم اشتكى لاحد مسؤولي المركز الأمني بممارسة التعذيب والإكراه عليه مما كان يتوجب على ذلك المسؤول التحقيق في هذه الواقعة.

2- إذا تبين أن اعتراف المتهم غير مطابق للحقيقة ويتناقض مع شهادة المشتكي ويتناقض مع تقرير الكشف على موقع السرقة فتكون الوقائع الواردة بالاعتراف غير صحيحة ويكون الأخذ بالاعتراف الذي جاء وليد التأثير على إرادة المتهم وغير المطابق للحقيقة مخالفا للقانون.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 120 لسنة 1993 ما يلي:

الاعتراف غير القضائي قد يصلح كبينة في الدعوى الجزائية، بالرغم من عدول المتهم عنه أمام المدعى العام، وإنكاره له أمام المحكمة، إذا توافرت فيه الشروط المنصوص عليها في المادة (159) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، واقتنعت المحكمة بشروط صحته، وقد لا يصلح الاعتراف غير القضائي كدليل إثبات، لوجود قرائن على أنه انتزع بالإكراه والتعذيب، فتعمل المحكمة على طرحه من أدلة الدعوى، وكل ذلك يعود إلى قناعة القاضي الوجدانية والشخصية”.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 114 لسنة 1955 ما يلي:

إن رجوع المتهم عن اعترافه في إفادته الفورية التي أدلي بها أمام المدعى العام فيما بعد لا يؤثر على الوقائع التي اعترف بها ما دام أنه لم يرد في القضية ما يشير إلى أن تلك الإفادة لم تؤد بالطوع والاختيار”، هذا وإن كان الاعتراف والعدول عنه يخضع للسلطة التقديرية للقاضي إلا أن هذه السلطة ليست مطلقة، إذ يجب على القاضي أن يتبين من مدي صحة الاعتراف والعدول عنه ومدى توافقه مع الوقائع المحيطة بالدعوى وأن يبين ذلك في حكمة.

إعداد/ د. محمد سعيد عبد المقصود.

[1] محمد صبحي نجم، أصول المحاكمات الجزائية الأردني، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 1991، صـــ 276.

[2] أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1985، صــ 333.

[3] عبد الحميد الشواربي، ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائي، منشأة المعارف، القاهرة، 2000، صــ 417.

[4] سامي صادق الملا، اعتراف المتهم، الطبعة الثانية، القاهرة، بدون دار نشر،  1975، صــ 13.

[5] عدلي خليل، اعتراف المتهم فقها وقضاء، دار الكتب القانونية، القاهرة، 2004،  صــ 127. و محامي في الأردن ،

[6] عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، الجزء2، الطبعة الثالثة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 1998، صــ 498.

Scroll to Top