الكسب بلا سبب
أجاز القانون في حالتين أوردهما على سبيل الحصر انتقال المال من شخص لأخر، وهو ما يُطلق عليه اصطلاحًا “الفعل النافع”، أولهما اتفاق الشخصين على نقل الملكية بأي صورة كانت، وثانيهما انتقال المال بموجب القانون. وفي حالة انتقال المال بغير هاتين الحالتين فإنه يتوجب إعادة المال إلى صاحبه وذلك سندًا للقاعدة القانونية الموسومة بقاعدة “الكسب بلا سبب” والتي تنص على أنه لا يسوغ لأحد أن يأخذ من مال غيره بلا سبب شرعي، فإن أخذه فعليه رده. وسوف نتناول جميع ما يتعلق بها من خلال هذا المقال، وذلك من خلال العناصر الرئيسية التالية:
ثانيًا: مشروعية قاعدة الكسب بلا سبب
ثالثًا: التأصيل القانوني للكسب بلا سبب
خامسًا: دعوى الكسب (أو الإثراء) بلا سبب
سادسًا: كيفية تقدير الكسب بلا سبب
ثامنًا: السوابق القضائية الخاصة بالكسب بلا سبب
ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: تعريف الكسب بلا سبب
تناول المشرع الأردني الكسب بلا سبب في المواد (293-295) من القانون المدني الأردني غير أنه لم يضع تعريفًا محددًا للكسب بلا سبب تاركًا ذلك للفقه وللقضاء.
ويمكننا في هذا الصدد تعريف الكسب بلا سبب على أنه: “الاغتناء الذي حصل لشخص ما نتيجة لافتقار ذمة شخص أخر من دون أن يكون هناك مسوغ شرعي أو قانوني لهذا الاغتناء”([1]).
ثانيًا: مشروعية قاعدة الكسب بلا سبب
أورد المشرع الأردني في نص المادة (293) من القانون المدني الأردني: “لا يسوغ لأحد أن يأخذ مال غيره بلا سبب شرعي فإن أخذه فعليه رده”، ويتبين من النص أن المشرع الأردني قد منع نقل مال مملوك لشخص محدد إلى الغير دون وجود سبب مشروع.
وقد نص المشرع فيما يخص الكسب بلا سبب في المادة (294) من التشريع ذاته تعقيبًا على ما ورد في سابقتها: “1- من كسب مالًا من غيره بدون تصرف مُكسِب؛ وجبت عليه قيمته لهذا الغير مالم يقض القانون بغير ذلك”، وما ورد هنا يختلف عن سابقه في أن المال المكتسب هو ليس مملوك للغير، وإنما ذلك الغير هو من كان سببًا في اكتساب الطرف الآخر لهذا المال دون أن يكون لهذا الأخير أي دور في كسب ذلك المال، وفي هذه الحالة أجاز المشرع للطرف الآخر الاحتفاظ بالمال المكتسب، غير أنه ألزم من آل إليه ذلك المال أن يدفع إلى الغير قيمته.
وجاء في الفقرة الثانية من المادة (294) ما نصه: “2- لو خرج ملك شخص من يده بلا قصد واتصل قضاءً وقدرًا بملك غيره اتصالًا لا يقبل الفصل، دون ضرر على أحد المالكين، تبع الأقل في القيمة الأكثر بعد دفع قيمته مالم يقض القانون بغير ذلك”، وفي هذه الفقرة فقد عالج المشرع خروج مال مملوك لشخص محدد بموجب تصرف منه ولكن دون أن تتوافر لديه النية لإيقاع هذا التصرف، واتصل ذلك المال بملك غيره اتصالًا لا يقبل الفصل؛ فحينها يتبع المال الأقل قيمة الأكثر مع وجوب دفع مقابل المال الأقل قيمة إلى مالكه.
ثالثًا: التأصيل القانوني للكسب بلا سبب
اختلف الفقه القانوني قديمًا في تحديد الأساس الذي تقوم عليه نظرية الكسب بلا سبب وذلك على النحو التالي:
1. الرأي الأول:
كانت الفكرة الأولى لتأصيل الكسب بلا سبب تأصيلًا قانونيًا تتعلق بربط النظرية بنظرية الفضالة، ولكن بالنظر إلى شروط الفضالة؛ فيستبعد أن يكون الإثراء بلا سبب من باب الفضالة؛ لأنه في الإثراء بلا سبب يظن الشخص أنَّ ما تصرف به من حقه وليس بنية إثراء الغير، وفي هذه الحالة لا تُطبق أحكام الفضالة عليه، حيث إن في الفضالة يشترط أن يكون الفضولي يتصرف بنية إثراء الغير.
2. الرأي الثاني:
ذهب بعض الفقهاء إلى إقامة نظرية الكسب بلا سبب على أساس قيامها على العمل غير المشروع. فالكسب بلا سبب يعتبر في حد ذاته عملًا غير مشروعًا. وبالتالي لا يجوز لمن أثرى على حساب غيره أن يستبق هذا الإثراء. ولكن تعرض هذا الرأي إلى الكثير من الانتقادات نظرًا لوجود فرق بين كلًا منهما من حيث مدى التعويض. فالمتضرر عن العمل غير المشروع يحصل على تعويض تام. أما المفتقر في الكسب بلا سبب فيحصل على تعويض مساوي للقيمة الأقل من قيمتي الافتقار والإثراء.
3. الرأي الثالث:
ذهب بعض الفقهاء إلى إسناد نظرية الكسب بلا سبب إلى تحمل التبعة. فوفقًا لهذه النظرية من كان نشاطه مصدر لغرم تحمل تبعته، ونظرية الكسب بلا سبب تمنح من كان نشاطه مصدرًا لغنم الحق في جني فائدته.
4. الرأي الرابع:
أخيرًا نبذ القائمون على تشريع التقنيات المدنية الحديثة جميع الآراء سالفة الذكر، استنادًا إلى أن نظرية الكسب بلا سبب غير قائمة على نظرية أخرى، بل هي نظرية مستقلة قائمة بذاتها ومصدرًا مستقلًا للالتزام، وأنها تتصل مباشرةً بقواعد العدالة التي تعتبر المصدر لكل القواعد القانونية. إذ إنه باب العدالة أن كل من أثرى بحق غيره وعلى حسابه دون وجه حق أن يلتزم بتعويض المفتقر.
رابعًا: شروط الكسب بلا سبب
نحاول من خلال هذا العنصر البحث في مدى تحقق أركان قاعدة الكسب بلا سبب، والملاحظ أن قاعدة الكسب بلا سبب تتطلب تحقق ثلاثة أركان، وذلك على النجو التالي:
1. إثراء المدين:
“لا يكون هناك التزام بالرد تبعًا لقاعدة الكسب بلا سبب ما لم يجعل الكسب هذا الشخص مدينًا لمن افتقر بسبب هذا الكسب. والكسب هنا قد يكون مادي أو معنوي يتحقق بدخول قيمة مالية أو منفعة مادية أو معنوية إلى ذمة المثري، والمنفعة المادية هذه تكون إما بإضافة عنصر إيجابي إلى ذمة المثري فيكون الكسب هنا إيجابيًا ومثاله انتفاع المثري من عين تعود للمفتقر، أو بانتقاص عنصر سالب من ذمة المدين فيكون الكسب هنا سلبيًا ومثاله قيام المستأجر بالترميمات الجسيمة بالعين المؤجرة وهي نفقات واجبة على المؤجر. والكسب قد يكون مباشرًا، وذلك بإدخال عنصر موجب أو اخراج عنصر سالب مباشرة من ذمة المثري كما في الأمثلة المتقدمة، وقد يكون غير مباشر بأن يتحمل المفتقر ضررًا جنَّب به المثري خسارة أكيدة، مثل ربان السفينة الذي يلقي ببعض الأمتعة التي تعود للمفتقر لينقذ بضاعة المثري من الغرق”([2]).
2. افتقار الدائن المترتب على إثراء المدين:
فلكي يتحقق إثراء في جانب المدين يشترط أن يتحقق افتقار لدى الدائن، وأن توجد علاقة سببية بين الافتقار الذي لحق بالدائن وبين الإثراء الذي عاد على المدين، وقيام علاقة السبيبة أمرٌ هامٌ وضروريٌ لقيام قاعدة الإثراء بلا سبب؛ فينبغي أن يكون هناك افتقار، وهو السبب الرئيسي والمباشر للإثراء الذي تحقق، أي أن تكون هناك علاقة واحدة هي التي ربطت بين الافتقار والإثراء.
ويقصد بالافتقار: “نقص مجموع محتويات الذمة المالية أيًا كان سبب هذا النقص، سواء كان فعل المفتقر أو فعل المثري أو فعل الغير أو فعل الطبيعة، أو هو الخسارة التي يتكبدها الدائن أو المنفعة التي تفوته. ويعد الافتقار ركنًا في قاعدة الكسب بلا سبب، فالملتزم لا يلتزم إلا بدفع أدنى القيمتين قيمة الإثراء أو قيمة الافتقار، فإذا لم يتحقق الافتقار فإن المثري لا يلتزم بشيء”([3]).
والافتقار قد يكون إيجابيًا وذلك إذا فقد المفتقر حقًا أو انتقص حقًا له، كما لو دفع شخص دينًا في ذمة غيره. وقد يكون سلبيًا وذلك إذا فات المفتقر منفعة كان من حقه أن يحصل عليها فيفتقر بقدر ما فاته من منفعة. فإذا سكن شخص منزلًا لأخر دون عقد، افتقر صاحب المنزل بما فاته من منفعة وهي أجرة منزله.
والإثراء المباشر يقابله افتقار مباشر والإثراء غير المباشر يقابله افتقار غير مباشر. فإذا انتقلت القيمة المباشرة من مال المفتقر إلى مال المثري كان الإثراء والافتقار مباشرين، وإذا انتقلت القيمة المالية بتدخل أجنبي تدخلًا ماديًا أو قانونيًا كان كل من الإثراء والافتقار غير مباشر. وكذلك يمكن أن يكون الافتقار ماديًا أو معنويًا.
3. انعدام السبب القانوني:
“لكي يقوم الكسب بلا سبب ينبغي ألا يكون هناك سبب يبرره، فهو إثراء يحدث لشخص دون سبب وانعدام السبب هذا أمر ضروري لنشوء الالتزام المدين برد ما أثرى به على حساب الغير. فإذا كان للإثراء سبب يبرره فلا محل لاسترداده وللمثري أن يحتفظ بالإثراء”([4]).
“ويقصد بالسبب هنا، المصدر القانوني الذي يكسب المثري الإثراء، فيجعل له الحق في استبقائه. وهو إما يكون تصرفًا قانونيًا أو واقعةً قانونيةً. ويُمثل عقد الهبة مثال التصرف القانوني حيث إنه لا يجوز للواهب أن يرجع على الموهوب له بدعوى الإثراء بلا سبب، وذلك لنشوء تصرفًا قانونيًا بين العاقدين يسوغ افتقار أحدهما وإثراء الأخر. ومثال الواقعة القانونية واقعة التقادم، فلا يمكن المطالبة بإرجاع الحقوق المكتسَبة بالتقادم بدعوى الإثراء بلا سبب؛ وذلك لحصول المثري عليها بسبب قانوني ألا وهو مرور الزمان (التقادم)”([5]).
أيضًا لا يجوز للمشتركين في قنوات اليوتيوب الرجوع على أصحاب هذه القنوات بدعوى الكسب بلا سبب على اعتبار أن ملايين المشاهدات تجني لأصحابها الكثير من المال. فصاحب المحتوى الرائج والحال هذه لم يثرى بلا سبب، فالثراء هنا ناتج عن عمل ألا وهو صناعة محتوى.
خامسًا: دعوى الكسب (أو الإثراء) بلا سبب
إذا توافرت شروط الكسب بلا سبب ترتب حكمه، وهو وجوب تعويض المفتقر من قِبل المثري وهذا هو جزاءه، ووسيلة الوصول إلى هذا الجزاء هي “دعوى الكسب بلا سبب”. وسنتناول من خلال هذا العنصر بعض أحكام دعوى الكسب بلا سبب كأطراف الدعوى وعبء الإثبات وتقادم الدعوى، وذلك على النحو التالي:
1. أطراف دعوى الكسب بلا سبب
يمثل الدائن المفتقر والمدين المثري أو من ينوب عنهما أو يخلفهما طرفي الدعوى. ولا يشترط في كل من المدعي والمدعي عليه الأهلية الكاملة، فقد يكون كل منهما ناقص الأهلية أو عديمها.
2. عبء الإثبات:
يقع عبء الإثبات على عاتق الدائن المفتقر، فعليه أن يثبت تحقق إثراء المدين، وأن يثبت افتقاره ومقداره وترتب ذلك الإثراء من هذا الافتقار، كما يجب عليه أيضًا إثبات انعدام وجود سبب قانوني للإثراء المذكور.
3. تقادم دعوى الكسب بلا سبب
يجب على الدائن أو المفتقر أن يُقيم دعوى المطالبة بالتعويض خلال ثلاث سنوات من علمه بحقه في الرجوع على المثري، وإذا لم يتحقق العلم فتنقضي الدعوى بمرور خمسة عشر سنة من تاريخ نشوء حقه في الرجوع أي من تاريخ تحقق الافتقار، وذلك وفقًا لما نصت عليه (المادة 311) من القانون المدني الأردني على أنه: “لا تسمع دعوى الإثراء بلا سبب في جميع الأحوال المتقدمة بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه الدائن بحقه في الرجوع. وعلى كل حال لا تسمع الدعوى بانقضاء خمس عشرة سنة من اليوم الذي نشأ فيه حق الرجوع.
4. الفصل في دعوى الإثراء بلا سبب
إذا أقام المفتقر الدعوى خلال المدة المحدد أعلاه، وأثبت تحقق أركان دعوى الإثراء بلا سبب بأي طريقة من طرق الإثبات؛ ألزمت المحكمة المثري بدفع التعويض طبقًا لنص (المادة 294) من القانون المدني الأردني. ويقدر التعويض بالنظر الى قيمة الضرر الذي أصاب المفتقر، ولكن يجب أن يُقدر الكسب أولًا، وماهي المنفعة التي تحققت للمثري سواء كانت نقدية أم غير نقدية، وكذلك سواء كان المثري حسن النية أم سيئها.
سادسًا: كيفية تقدير الكسب بلا سبب
يقف تقدير الكسب بلا سبب على عاملين أساسين هما تقدير الإثراء وتقدير الافتقار، وذلك فيما يلي:
1. كيفية تقدير الإثراء:
قد يكون الإثراء الذي دخل في ذمة المثري نقدًا أو تحسينات أو منفعة أو خدمة كما أنه قد يكون إثراء سلبي. فإذا كان الإثراء نقدًا كما إذا استولى المثري على مبلغ من النقود للمفتقر فإن قيمة الإثراء هو هذا المبلغ النقدي دون النظر إلى ارتفاع وانخفاض قيمة العملة، أما الفوائد فلا تستحق إلا وقت المطالبة بها. أما إذا كان الإثراء عبارة عن تحسينات استحدثها المفتقر في مال المثري كأعمال الترميمات مثلًا فيقدر الإثراء بما زاد في مال المثري على إثر هذه التحسينات وقت إحداثها. وإذا كان الإثراء منفعة كما لو سكن المثري منزل المفتقر بغير حق أو استهلك الكهرباء فتقوم المنفعة بأجرة المثل. أما إذا كان الإثراء خدمةً أو عملًا فيقوم بقدر الفائدة التي عادت على المثري نتيجة لهذه الخدمة.
2. كيفية تقدير الافتقار:
ويقدر الافتقار وعلى النحو الذي يُقدر به مدى الإثراء فإذا كان الافتقار نقدًا فإن مدى الافتقار هو عين مدى الإثراء ذلك أن مقدار النقد الذي دخل في ذمة المثري هو عين مقدار النقد الذي خرج من مال المفتقر ويكون التعويض هو هذا المبلغ وفوائده على نحو الذي بيناه عندما يكون الإثراء نقدًا دخل في ذمة المثري. وإذا كان الافتقار تحسينات استحدثها المفتقر قُدر مداه بما أنفقه في استحداثها ويُعطى أقل القيمتين ما أنفقه في استحداث التحسينات وهذا هو مدى الافتقار وما زاد في مال المثري بسبب هذه التحسينات وهذا هو مدى الإثراء. أما إذا كان الافتقار منفعةً استهلكها المثري فالغالب أن يكون للافتقار والإثراء مدى واحد وهو أجر هذه المنفعة فيعطى المفتقر قيمة الأجر تعويضًا.
أما وقت تقدير الافتقار هو أمر مهم، ويجب القول هنا أن الافتقار لا يقدر وقت تحققه كما هو الأمر بالنسبة للإثراء ولا وقت رفع الدعوى بل وقت صدور الحكم ذلك أن الافتقار في دعوى الإثراء يقابل الضرر في دعوى المسؤولية التقصيرية.
ويعللون الفرق بين الافتقار والإثراء فيما يتعلق بوقت تقدير كل منهما بأن الإثراء يدخل في ذمه المثري من وقت تحققه ويصير جزء من ماله له غنمه وعليه غرمه. أما الافتقار ويقابل الضرر في المسؤولية التقصيرية فإن طبيعته لا تسمح بتقديره تقديرًا نهائيًا إلا من وقت صدور الحكم وذلك لاحتمال تغيره حتى هذا الوقت.
سابعًا: تطبيقات الكسب بلا سبب
تنص (المادة 311) من القانون المدني على أنه: “لا تسمع دعوى الإثراء بلا سبب في جميع الأحوال المتقدمة بانقضاء ثلاث…”. وبالتالي فقد اعتبر المشرع الأردني قبض غير المستحق والفضالة وقضاء دين الغير من تطبيقات الكسب بلا سبب. لذلك، نتناول فيما يلي قبض غير المستحق والفضالة وأركانها وقضاء دين الغير باعتبارهم من تطبيقات الكسب بلا سبب، وذلك على النحو التالي:
1. قبض غير المستحق:
نظم المشرع الأردني أحكام قبض غير المستحق في (المادة 296) من القانون المدني فقد نصت المادة سالفة الذكر على أنه: “من أدى شيئًا ظانًا أنه واجب عليه، ثم تبين عدم وجوبه فله استرداده ممن قبضه إن كان قائمًا ومثله أو قيمته إن لم يكن قائمًا”. ويتضح لنا من نص المادة سالفة الذكر أن كل من أدى شيء على ظن أنه دين عليه ثم اتضح له خلاف ذلك فله الحق في الرجوع على من قبضه بما أدى إن كان قائمًا ومثله أو قيمته إن كان تالفًا.
ويشترط لقيام قبض غير المستحق ثلاث شروط سندًا لنص (المادة 297، 298، 299). فقد نصت (المادة 297) على أنه: “يصح استرداد غير المستحق إذا كان الوفاء قد تم تنفيذه لدين لم يتحقق سببه أو لدين زال سببه بعد أن تحقق”. ويستفاد من نص المادة سالفة الذكر أنه يشترط لقيام دعوى قبض غير المستحق ألا يوجد على الدافع التزام مستحق الدفع تجاه المدفوع له أو أن الدافع لم يعد ملزمًا بناء على أمر لاحق للدفع.
ونصت (المادة 298) على أنه: “يصح كذلك استرداد ما دفع وفاء لدين لم يجل أجله وكان الموفي جاهلًا قيام الأجل”. ويستفاد من نص المادة أنه يشترط لإمكان استرداد ما دفع أن يكون الدافع قد وفى وهو يعتقد عن خطأ أنه يوفي بدين واجب في ذمته مستحق الأداء؛ وبالتالي إذا كان الدافع قد وفى به وهو يعلم بعدم وجوب ما دفع فلا يكون له الحق في الرجوع على المثري بدعوى قبض غير المستحق.
أما الشرط الثالث فيستفاد من نص (المادة 299) على أنه: “إذا حصل الوفاء من غير المدين وترتب عليه أن الدائن وهو حسن النية قد تجرد من سند الدين أو مما حصل عليه من التأمينات، أو ترك دعواه قبل المدين الحقيقي المدة المحددة لسماعها، فلا يجب عليه رد ما قبض، ولمن أوفى أن يرجع على المدين الحقيقي بالدين وبالتضمين إن كان له محل”.
وبالتالي يشترط لقبض غير المستحق ألا يكون من شأن الرد الاضرار بالدائن الموفي له حسن النية. ويقصد بحسن النية أن يكون الدائن معتقدًا أنه يستوفي حقه ممن يلزم بذلك سواء باعتقاده أن الموفي هو المدين أو باعتقاده أن الموفي قصد الوفاء بدين الغير. فإذا حصل الوفاء من غير المدين وترتب عليه أن الدائن وهو حسن النية قد تجرد من سند الدين أو ما حصل عليه من تأمينات أو ترك دعواه قبل المدين الحقيقي تسقط بالتقادم ويلتزم المدين الحقيقي في هذه الحالة بتعويض الغير الذي قام بالوفاء.
2. الفضالة:
تناول المشرع الأردني أحكام الفضالة في (المواد 307:301) من القانون المدني الأردني، وقد جعلها القانون من تطبيقات الفعل النافع أو الكسب بلا سبب، بوصفه مصدرًا عامًا من مصادر الالتزام، ونبدأ ببيان معنى الفضالة ثم نشرع في بيان أركانها وشرطها
- معني الفضولي والفضالة:
الفضالة هي أن يأتي شخص يسمى (الفضولي) بعمل ضروري لغيره بغير إذنه، وبغير ولاية عليه، أو يقوم بعمل لنفسه فيضطر أن يقوم بعمل نافع لغيره؛ لما بينهما من الارتباط الضروري. والأصل أنه لا يجوز لشخص أن يتدخل في شؤون الأخرين إذا لم تربطهم به صلة قرابة أو علاقة زوجية، ولكن قد يسمح القانون للأفراد بالتدخل في شؤون بعضهم البعض عند الحاجة الضرورية؛ فيطلق على هذا التدخل بالفضالة التي ينشأ عنها التزامات متبادلة على عاتق طرفيها الفضولي ورب العمل.
- أركان الفضالة وشروطها:
تناولت (المادة 301) من القانون المدني الأردني أركان الفضالة وشروطها؛ فنصت على أنه: “من قام بفعل نافع للغير دون أمره ولكن أذنت المحكمة أو أوجبته الضرورة أو قضى به عرف، فإنه يُعتبر نائبًا وتسري عليه الأحكام التالية. كما تقضي (المادة 306) بأنه: “تسري قواعد الوكالة إذا أقر رب العمل ما قام به الفضولي”، ويتضح لنا من هذين النصين أنه يشترط لقيام الفضالة توافر مجموعة من الشروط تتمثل في:
– الشرط الأول:
ويتمثل في وجوب قيام الفضولي بعمل نافع للغير. ولا يشترط في العمل الذي يقوم به أن يكون عملًا قانونيًا، بل يجوز أن يكون العمل ماديًا. كما اشترط القانون في الفعل النافع الذي يقوم به الفضولي لحساب غيره أن يكون ضروريًا، إضافةً إلى كونه نافعًا، فلا يكفي مجرد نفع الفعل لجواز تدخل الفضولي في شؤون غيره. ويكون الفعل ضروريًا إذا أذنت به المحكمة أو استلزمته حالة الاستعمال والاضطرار أو قضى به العرف سندًا لنص (المادة 301) من القانون المدني.
– الشرط الثاني:
أن يقصد الفضولي عند القيام بالعمل تحقيق مصلحة رب العمل لا مصلحته الخاصة، ولا ينفي عن الفضولي صفته اعتقاده أنه يعمل لمصلحة شخص معين فاتضح بعد ذلك أنه يعمل لمصلحة شخص أخر؛ لأنه يكفي لقيام الفضالة وجود نية العمل لمصلحة الغير، لا لمصلحة شخص معين بالذات، على أنه متى قصد من قام بالعمل لمصلحة الغير مصلحة نفسه أيضًا، فإن ذلك لا يمنع من قيام الفضالة إذا كان شأنهما مرتبطًا ارتباطًا تلازميًا.
– الشرط الثالث:
ويتمثل هذا الركن في انعدام التفويض أو الإلزام والنهي أي ألا يكون العمل النافع الذي قام به الفضولي واجبًا عليه قانونًا أو اتفاقًا. ويجب في ذلك ألا يكون الفضولي منهيًا عن هذا العمل صراحةً أو ضمنًا.
3. قضاء دين الغير:
تنص (المادة 310) من القانون المدني على أنه: “من أوفى دين غيره بأمره كان له الرجوع على الآمر بما أداه عنه وقام مقام الدائن الأصلي في مطالبته به سواء اشترط الرجوع عليه أم لم يشترط”.
ويتضح من نص المادة المذكورة أنه يشترط لقيام هذه الحالة أن يكون وفاء الدين بأمر المدين. وبالتالي إذا كان الوفاء دون أمر المدين فلا يكون لمن أوفى هذا الدين الحق في الرجوع بما دفعه على المدين إلا وفقًا (للمادة 301) ولا على الدائن إلا إذا أبرأ المدين من الدين ولو بعد استيفاء دينه منه سندًا لنص (المادة 310) من القانون سالف الذكر.
ثامنًا: السوابق القضائية الخاصة بالكسب بلا سبب
لقد ورد في الحكم رقم (1107) لسنة 2020م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 8/7/2020م بما نصه: “أن قوام قاعدة الكسب بلا سبب هو كسب مال يعود للغير دون تصرف شرعي، وأن المطالبة موضوع الدعوى ببدل اشتراكات الضمان الاجتماعي من الراتب على أساس اعتبارها له عامل، في حين أن الأخير حسب أنظمة الجامعة ليس بعامل ولا يخضع لقانون الضمان الاجتماعي فهي بعملها هذا حكمها حكم أخذ مال الغير دون تصرف مكسب أي أن قيام الجامعة باقتطاعها لهذه الاشتراكات كون قد دفعت للمدعي رواتبًا أقل من الرواتب الواجب دفعها وذلك بنسبة الفروقات عن الاقتطاعات الشهرية من الرواتب التي كانت تقتطع كاشتراكات للضمان الاجتماعي الأمر الذي يجعل من المطالبة بهذه الاشتراكات وهي في حقيقة الأمر خصومات من الرواتب الشهرية تخضع في مدة مرور الزمن لنص المادة (311) من القانون المدني”.
وكذلك ورد في الحكم رقم (4738) لسنة 2021 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 18/10/2021م بما نصه” 2- لا يسوغ لأحد أن يأخذ مال غيره بدون سبب شرعي فُيلزم كل من قبض شيئًا بغير حق أن يرده إلى صاحبه من مكاسب ومنافع وفقًا لأحكام المواد (293) و (294) و (296) من القانون المدني. 3- أن المادة (293) من القانون المدني نصت على أن دعوى الاثراء بلا سبب تقوم على ثلاثة أركان وهي إثراء المدين وافتقار الدائن المترتب على هذا الإثراء وانعدام السبب القانوني”.
وما ورد في الحكم رقم (145) لسنة 2005م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 25/5/2005م بما نصه: “وردًا على ذلك نجد أن المادة (311) من القانون قد أوردت حكمًا مشتركًا للكسب بلا سبب وقبض غير المستحق والفضالة وقضاء دين الغير، ويلاحظ من ذلك أن دعوى غير المستحق وهي فرع عن دعوى الكسب بلا سبب وتترتب مثلها على التزام لا ينشأ بإرادة صاحبه، تتقادم بالمدة نفسها التي تتقادم بها دعوى الكسب بلا سبب .كما تبين من النص أن دعوى غير المستحق تتقادم بأقصر المدتين الآتيتين:1- ثلاث سنوات تسري من اليوم الذي يعلم فيه الدافع بحقه في الاسترداد فلا يبدأ سريان التقادم هنا من يوم قيام الالتزام في ذمة المدفوع له بل من اليوم الذي علم فيه الدافع بأنه دفع دينًا غير مستحق عليه، ولما كان الدافع لا يعلم عادة بذلك إلا بعد انقضاء مدة من قيامه بالدفع فإن سريان التقادم القصير يبدأ في الغالب متأخرًا عن سريان التقادم الطويل وقد يتفق مبدأ السريان في كل من المدتين إذا لم يكن الدافع لم يدفع عن غلط بل دفع مكرهًا أو كان ناقص الأهلية.2- خمس عشرة سنه من تاريخ قيام الالتزام ويقوم هذا من يوم دفع غير مستحق”.
إعداد/ محمد محمود
[1] مصطفى جواد، الإثراء بلا سبب، (ص3).
[2] د. حسن محمد كاظم، مدى تأصيل الالتزام بالرد بعد الفسخ القضائي، (ص106-107).
[3] د. حسن محمد كاظم، مدى تأصيل الالتزام بالرد بعد الفسخ القضائي، (ص107).
[4] مصطفى جواد، الإثراء بلا سبب، (ص9).
[5] د. حسن محمد كاظم، مدى تأصيل الالتزام بالرد بعد الفسخ القضائي، (ص108- ص109).

