التحقيق الأولى في جرائم الفساد

التحقيق الأولى في جرائم الفساد

إن ظاهرة الفساد المالي والإداري من الظواهر التي تقف حجر عثرة أمام نهوض أي مجتمع، وهى لا تقل خطورة وأهمية عن ظاهرة الإرهاب، فالفساد يمثل عائق أمام عمليات التنمية، كما أن له تأثيره السيئ على النمو الاقتصادي، ولا خلاف أنه يهدم قيم المساواة والعدالة.

وترتياً على ما تقدم فلقد انتبهت العديد من دول العالم لخطورة الآثار السلبية للفساد المالي والإداري، وأخذت تعمل على إيجاد تشريعات وآليات لوقف انتشار هذه الظاهرة والتصدي لها بمنتهى الحزم، ولا يفوتنا أن ننوه في هذا المقال عن جهود منظمة الأمم المتحدة في التصدي لتلك الظاهرة من خلال اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

وغنى عن البيان أن المشرع الأردني قد انتبه هو الآخر مبكرا لظاهرة الفساد، وبادر بإنشاء مديرية مكافحة الفساد في دائرة المخابرات العامة، كما شكل لجنة عليا لمكافحته عام 2000  لوضع استراتيجية وطنية للمكافحة، كما انضمت المملكة الأردنية الهاشمية لاتفاقية الأمم المتحدة بتاريخ 1/8/2004 وبموجب ذلك تم إنشاء هيئة مكافحة الفساد، ثم قانون النزاهة ومكافحة الفساد رقم 13 لسنة 2016.

وسنتولى في هذا المقال إلقاء الضوء على التحقيق الأولى في جرائم الفساد وذلك من خلال العناصر الآتية:

أولاً: السلطة المختصة بالتحقيق الأولى في قضايا الفساد:

ثانياً: أساليب التحقيق الأولى بجرائم الفساد:

ثالثاً: بعض اجتهادات محكمة التميز الأردنية الهاشمية فيما يتعلق بالتحقيق الأولى في جرائم الفساد:

أولاً: السلطة المختصة بالتحقيق الأولى في قضايا الفساد:

1- الضابطة العدلية في هيئة النزاهة ومكافحة الفساد:

بادئ ذي بدء لابد أن نؤكد على أن الضابطة العدلية هي السلطة المختصة بالتحقيق الأولى في قضايا الفساد، وصفة الضابطة العدلية منحها القانون لهيئة النزاهة ومكافحة الفساد والتي أنشأها قانون النزاهة ومكافحة الفساد رقم 13 لسنة 2016 حيث نص في المادة (3/أ) على أنه: (تنشأ في المملكة هيئة تسمى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد وتتمتع بشخصية اعتبارية وباستقلال مالي وإداري)، ويحدد مجلس هيئة النزاهة والفساد العاملين في الهيئة الذين يتمتعون بصفة الضابطة العدلية بقرار منه.

وحرى بنا التطرق لأهداف إنشاء هيئة النزاهة والفساد، والتي بينتها (المادة 4) من القانون المذكور والتي تتمثل في تلقى شكاوى المتضررين وتظلماتهم، بالإضافة إلى التحري عن الفساد المالي والإداري بكل أشكاله لكشف المخالفات والتجاوزات، فضلاً عن ملاحقة كل من يرتكب أياً من أفعال الفساد والحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة ، وكذلك منعه من السفر.

وهناك اتجاه فقهي  يعارض منح صفة الضابطة العدلية بموجب قرار وزاري، لأن بعض الجهات الإدارية تتوسع في منحها لجميع موظفيها على الرغم من أن هذه الصفة هي استثناء، كما أنهم يرتكزون في انتقادهم على منح هذه الصفة بموجب قرار وزاري، حيث أن ذلك يساوى القرارات الوزارية بقوة القانون وهذا الأمر يتعارض مع المبدأ القانوني الذى يقتضى بأن القانون هو آداه منح السلطة والاختصاص.

بيد أنه يوجد اتجاه آخر يرى أن منح سلطة الضابطة العدلية بموجب قوانين خاصة أو تفويض قانوني لمرجعية إدارية له العديد من المبررات، أهمها على الإطلاق هي أن الهيئة هي الأقدر على تحديد الموظفين التي تستلزم طبيعة وظيفتهم وواجباتها اكتساب صفة وسلطة الضابطة العدلية، للتحري عن الفساد والتحقيق فيه والنزاهة، وأن مهام هذه الضبطية تستلزم بلا شك مهارات وشروط خاصة ومن البديهي ألا تتوافر لدى عموم الموظفين، كما أن تفويض الوزير في منح صفة الضابطة العدلية لا ينفى أن المرجع الحقيقي لهذه الصفة هو القانون.

والمستفاد من (المادة 17/أ) أن قانون هيئة النزاهة ومكافحة الفساد قد أنشأ نيابة متخصصة بقضايا الفساد المحالة إليها من مجلس الهيئة، والواقع أن إنشاء نيابة متخصصة لمثل هذا النوع الخطير من القضايا يعد مسلكاً محموداً من المشرع الأردني سيما أن قضايا الفساد تحتاج لمزيد من البحث والتحري وجمع المعلومات والأدلة اللازمة لإثبات التهمة، وأيضاً لأنها تتسم بالتعقيد ويصعب كشفها لذا فالأمر يحتاج لوجود مثل هذه النيابة المتخصصة.

2- حدود اختصاص الضابطة العدلية في هيئة النزاهة ومكافحة الفساد:

أ- الاختصاص النوعي للضابطة العدلية في هيئة النزاهة ومكافحة الفساد:

جدير بالذكر إن موظفي الضابطة العدلية ينقسمون إلى فئتين:

الفئة الأولى:  موظفو الضابطة العدلية الذين أوكل إليهم القانون ممارسة وظيفة الضابطة العدلية في جميع الجرائم أي ذوى الاختصاص العام.

الفئة الثانية: موظفو الضابطة العدلية ذوى الاختصاص الخاص والذين خصهم القانون بممارسة وظائف الضابطة العدلية في جرائم محددة.

وانطلاقاً من ذلك فيلزم أن ننوه إلى أن سلطات الضابطة العدلية التي يتمتع بها أفراد الضابطة العدلية هي ليست مطلقة، فلقد حدد لها قانون النزاهة ومكافحة الفساد الجرائم التي تدخل في اختصاصها ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزها وهى على النحو التالي:

  • الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة كالرشوة والاختلاس وجريمة استثمار الوظيفة وجريمة التعدي على الحرية.
  • الجرائم المخلة بالثقة العامة كتقليد ختم الدولة والعلامات الرسمية، والبنكنوت، والطوابع، والتزوير.
  • الجرائم الاقتصادية نص قانون الجرائم الاقتصادية 11 لسنة 1993 على اعتبارها كلها من جرائم الفساد.
  • الكسب غير المشروع.
  • عدم الإعلان أو الإفصاح عن الاستثمارات أو الممتلكات أو منافع قد تؤدى إلى تعارض في المصالح اذا كانت القوانين أو الأنظمة تستوجب ذلك ويكون من شانها تحقيق منفعة شخصية مباشرة أو غير مباشرة للممتنع عن إعلانها.
  • كل فعل أو امتناع عن فعل يؤدى إلى إهدار المال العام أو أموال الشركات المساهمة العامة أو الشركات غير الربحية أو الجمعيات.
  • إساءة استعمال السلطة.
  • قبول موظفي الإدارة العامة للواسطة والمحسوبية التي تلغى حقاً أو تحق باطلاً.
  • استخدام المعلومات المتاحة بحكم الوظيفة لتحقيق منافع خاصة.
  • جرائم الفساد الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة كاتفاقية الأمم المتحدة.

ب- الاختصاص المكاني للضابطة العدلية في هيئة النزاهة ومكافحة الفساد:

من المسلم به أن القاعدة العامة في تحديد الاختصاص المكاني التي تطبق على النيابة العامة والمحاكم وكما وردت في (المادة 5/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية تتحدد إما بمكان وقوع الجريمة أو موطن المشتكى عليه أو مكان إلقاء القبض عليه، ولا أفضلية لضابط منهم على آخر إلا بالتاريخ السابق في إقامة الدعوى.

أما بالنسبة للاختصاص المكاني للضابطة العدلية في هيئة النزاهة ومكافحة الفساد يعد اختصاص مكاني عام يشمل كافة أرجاء إقليم المملكة الأردنية الهاشمية.

جـ- الاختصاص الشخصي للضابطة العدلية في هيئة النزاهة ومكافحة الفساد:

في بعض الأحيان قد يحدد القانون اختصاص الضابطة العدلية على أساس شخص مرتكب الجريمة، فمثلاً الضابطة العدلية العسكرية يقتصر اختصاصها في الجرائم التي يرتكبها العسكريون فقط.

وفى هذه الصدد فإن قانون النزاهة ومكافحة الفساد لم يحدد اختصاصاً شخصياً للضابطة العدلية في هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، بل اكتفى في تحددي اختصاصهم بنوع الجريمة التي يرتكبها الجاني وذلك بأن تكون من جرائم الفساد المشار إليها سابقاً.

ثانياً: أساليب التحقيق الأولى بجرائم الفساد:

1- الأساليب العلنية:

أ- تلقى البلاغات:

إن الإبلاغ هو (إخبار السلطات العامة عن وقوع جريمة والإرشاد عن مرتكبها للقبض عليهم وتقديمهم إلى العدالة تمهيداً لمحاكمتهم)[1]، ولاشك في أهمية دور المبلغ الذى يعد جوهرياً لخدمة مرفق العدالة، فلا يمكن لأجهزة مكافحة الفساد القيام بواجباتها من ملاحقة الجناة وتعقبهم أو حتى منع وقوع الجرائم إلا إذا قام الأفراد بإبلاغ السلطات عن الجرائم المرتكبة.

ولا يخفى عن الفطنة أن عدم تبليغ الأفراد عن الجرائم يجعل كثير من الجرائم في طي الكتمان وعدم ملاحقة مرتكبيها، وهو ما يعرف بالرقم المظلم أو الأسود والمتمثل في الفرق بين الجرائم المرتكبة فعلاً على أرض الواقع والجرائم المقيدة في الإحصاءات والسجلات الرسمية، والتي وصلت إلى علم السلطات المختصة.

والتبليغ عن الجرائم يُعد من أهم الوسائل في مرحلة الاستدلال، وجدير بالذكر أنه لا توجد إجراءات خاصة للإبلاغ عن جرائم الفساد فينطبق عليه الإجراءات المتبعة في الجرائم الأخرى، حيث أن التبليغ يمكن أن يكون مكتوباً أو أن يكون شفوياً من خلال وسائل الاتصال كالبريد أو الخط الساخن أو المواقع على شبكة الإنترنت، ولقد حددت هيئة النزاهة ومكافحة الفساد عدة طرق للتبليغ عن جرائم الفساد وهى:

  • الإبلاغ الذى يقوم عن واقعة فساد عن طريق حضور المبلغ لمقر الهيئة، ويكتب محتوى بلاغه ويوقع عليه.
  • الإبلاغ عن الفساد عن طريق الموقع الإلكتروني الخاص بالهيئة من خلال نموذج معد لذلك.
  • اتصال المبلغ على الخط الساخن مواقع التواصل الاجتماعي، وصفحات الهيئة على الفيس بوك أو توتير أو غيرهما.

إن قانون النزاهة ومكافحة الفساد قد عاقب كل موظف توافرت لديه أدلة عن وجود فساد ولم يبلغ عنها للهيئة أو للسلطات الخاصة، بالحبس مدة لا تقل عن أربعة أشهر أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة دينار ولا تزيد على خمسة آلاف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.

وقد منح المشرع الأردني في قانون هيئة النزاهة ومكافحة الفساد نوعين من الحماية للمبلغين والشهود والمخبرين والخبراء في قضايا للفساد وأقاربهم، حماية لهم من الاعتداء أو الانتقام أو الترهيب الذى يمكن أن يكونوا عرضة له بسبب الإبلاغ عن جرائم الفساد وهما:

حماية موضوعية:  فلا يجوز الاعتداء عليهم أو الانتقام من المبلغين والشهود والخبراء والمخبرين في قضايا الفساد.

حماية إجرائية: لوقاية المبلغين والشهود والمخبرين من الاعتداء والترهيب الذى يمكن أن يصيبهم جراء تقديم معلومات عن وقائع فساد.

ب- سماع الشهود:

الشهادة هي رواية صادرة عن شخص عما أدركه بحواسه في شأن الواقعة المتعلقة بالجريمة، وهى من الوسائل الهامة في الإثبات الجنائي لأنها تثبت وقائع مادية لا يمكن إثباتها بالمستندات، فتكشف الحقيقة وتدل القاضي على وقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها.

وللشاهد دور ذو طبيعة خاصة في مرحلة التحقيق الأولى، حيث أنها مرحلة تمهيدية للتحقيق الابتدائي، وأقوال الشاهد فيها تكون أقرب للحقيقة لقرب المدة الزمنية بين وقوع الجريمة وبين الاستماع للشهادة، فلا يكون معرض للنسيان أو التأثير عليه بشتى الطرق.

والشاهد يمكن أن يوضح التسلسل المكاني والزمنى لما ارتكبه الجاني، كما أنه يحدد الطريق الذى قدم منه الجاني ويتوقع مكان تواجده فيسهل القبض عليه، ويجب أن نؤكد على أنه لا يجوز استخدام وسائل الإكراه على الشاهد للإدلاء بشهادته أمام الضابطة العدلية، ولقد ترك المشرع الأردني للضابطة العدلية حرية اختيار الطريقة التي يمكن بها دعوة الشهود، كما يمكن للضابطة العدلية الانتقال إلى مكان الشاهد والاستماع لشهادته في ذلك المكان.

وقد قدم المشرع الأردني حماية جزائية للشهود وذلك من خلال مجموعة من الإجراءات، كتجهيل المعلومات الخاصة بالشهود كلية أم جزئية كنوع من الحماية الفعالة لهم، كما أنه قرر إمكانية الاستماع لشهادة الشهود عبر تقنية الاتصال عن بعد لحماية الشاهد من مواجهة المتهم في المحكمة.

جـ- الاستعانة بالخبراء:

إن الخبرة هي ما يبديه الخبير الفني من آراء علمية أو فنية بشأن واقعة وعروضه عليه ذات أهمية ودور في الدعوى الجنائية.

ويُعرف الخبير بأنه: ( كل شخص له علم ودراية خاصة بمسألة من المسائل الفنية ، يستعين به المحقق لإبداء رأيه فيها لعدم توافرها لديه وتمكنه من الوقوف على حقيقة هذه المسائل الفنية والعلمية المتخصصة).[2]

ويلعب الخبير دوراً مهماً في الإثبات الجنائي، فهناك جرائم قد تحتاج إلى خبرة خاصة لا تتوافر لدى الضابطة العدلية، لذا فالخبرة يمكن اللجوء إليها في مرحلة التحقيق الأولى دون تحليفهم اليمين القانونية للكشف عن تفاصيل دقيقة متعلقة بجرائم الفساد.

2- الأساليب السرية:

أ- الاستعانة بالمخبرين:

عرف المشرع الأردني المخبر في القانون رقم (62) لسنة 2014 في (المادة 2) منه بأنه: ( ذلك الذى تتعامل معه الهيئة من أجل الحصول على معلومات تتعلق بواقعة الفساد)،  كما يُعرف بأنه: ( ذلك الفرد من الأهالي الذى يستخدمه رجال المباحث في عمل أبحاثهم السرية وتحرياتهم نظير أجر يعطى له).[3]

فالمخبر يقدم خدمة لمرفق مكافحة الفساد وتظهر خدماته في المجالات التالية:

المجال الأول: مجال الوقاية من الجريمة أو منع ارتكابها:

الدور الذى يقدمه المخبر قد يكون دور وقائي عن طريق تجنيده من قبل رجال الضابطة العدلية وزرعه داخل الأوساط المحتمل لها التخطيط لارتكاب جرائم فساد فيقدم معلومات مفيدة تمكن أجهزة الضابطة العدلية من منع ارتكاب الجريمة قبل وقوعها سواء أكان الجاني شخص واحداً أو مجموعة إجرامية.

المجال الثاني: مجالات ضبط الجريمة:

وفى هذا المجال تستعين بهم أجهزة الضابطة العدلية لتزويدهم بمعلومات تمكنهم من اكتشاف الجريمة، ومعرفة مرتكبيها والظروف المحيطة بها والطرق المرتكب بها الجريمة، حيث يتم تكليف المخبرين بمراقبة مسرح الجريمة والأماكن التي تقع بالقرب منها لالتقاط أخبار عن الجريمة، وكذلك الاتصال بمجموعة الأشخاص الذين يحتمل ارتكابهم للجريمة للحصول على الأدلة التي تؤكد ارتكابهم لها والمساعدة في الضبط الجريمة وجمع المعلومات عن أماكن إخفاء أدوات الجريمة.

ويلزم توافر عدة شروط المخبر،  بعضها مواصفات شكلية والآخر موضوعية فيجب أن يتوافر صفات شكلية تتناسب مع البيئة المكلف بجمع المعلومات عنها من حث المظهر العام كالملبس أو الثقافة أو من حيث طبيعة العمل.

أما الصفات الموضوعية فيجب أن يتمتع المخبر بالذكاء والفطنة وقوة الذاكرة والملاحظة والصبر والأمانة والحياد، والكتمان، والثقافة، والمعلومات.

أما بالنسبة لمدى مشروعية الاستعانة بالمخبر فلقد استقر الفقه والقضاء والقانون على مشروعيته، فأجاز المشرع الأردني استخدام الوسائل المختلفة للتحري عن الجريمة وجمع معلوماتها تمهيداً لإحالتها للقضاء، وأكد على جواز استخدام كافة طرق التحري من خدمة لمنظومة العدالة الجنائية في مجال مكافحة الفساد.

ب- تتبع الاتصالات السلكية واللاسلكية والتسجيلات الصوتية:

وتعنى تعمد الإنصات وتسجيل المحادثات الخاصة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة باستخدام وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية من خلال التنصت على المحادثات، للكشف عن الحقيقة ومن خلال الاستماع لها أو تسجيلها لاستخلاص دليل الإدانة منها بعد التأكد من نسبتها لقائلها.

ويمكن للضابطة العدلية المختصة في هيئة النزاهة ومكافحة الفساد اللجوء إلى هذه الوسيلة، عن طريق اتباع إجراءات معينة لأن الأصل سرية المراسلات والمكالمات الهاتفية وذلك استناداً لنص (المادة 18) من الدستور الأردني، بيد أن قاعدة السرية للمراسلات والاتصالات الهاتفية يرد عليها استثناء قد بينه الدستور وفصله قانون أصول المحاكمات الجزائية، حيث أجاز القانون للمدعى العام مراقبة المحادثات الهاتفية لإظهار الحقيقة المتعلقة بجريمة وقعت،  ويمكن في هذه الحالة للضابطة العدلية في هيئة النزاهة ومكافحة الفساد استخدام هذا الأسلوب من أساليب التحقيق الأولى بعد الحصول على الإذن المسبق من مدعى عام النزاهة ومكافحة الفساد.

جـ- كشف السرية المصرفية:

تعتبر السرية المصرفية من أهم قواعد البنوك التي تلتزم بالحفاظ عليها بموجب القواعد القانونية والأعراف المصرفية، ولقد أكد قانون البنك الأردني رقم 28 لسنة 2000 وتعديلاته على احترام مبدأ السرية المصرفية ووجوب الالتزام به، وعلى الرغم من ذلك أجاز الخروج على هذا المبدأ من خلال قرار من جهة قضائية مختصة في خصومة قضائية قائمة، سواء أكانت النيابة العامة أم المحاكم، حيث يجوز للضابطة العدلية التواصل مع مدعى عام النزاهة ومكافحة الفساد وهو رئيس الضابطة العدلية في الهيئة من أجل الحصول على قرار يلزم البنوك بكشف السرية المصرفية عندما تكون الضابطة العدلية بصدد تحقيق أولى في أي من قضايا الفساد ذات الطابع المالي.

ثالثاً: بعض اجتهادات محكمة التميز الأردنية الهاشمية فيما يتعلق بالتحقيق الأولى في جرائم الفساد:

قرار محكمة التميز الأردنية، بصفتها الجزائية رقم 1698 لسنة 2016، والذي ورد فيه ما يلي:

باستقراء المواد (14،7،5،4،3) من قانون هيئة مكافحة الفساد رقم 26 لسنة 2006، يتبين أن هذا القانون أنشأ هيئة مكافحة الفساد وحدد اختصاصاتها ومهمها وأناط بها ملاحقة مرتكبي الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون من خلال المدعين العامين المنتدبين لديها وأن اختصاص الهيئة يشمل جميع مناطق المملكة مما يجعل المدعين العامين المنتدبين تابعين في مهامهم للنواب العامين لدى محاكم الاستئناف الثلاث: عمان، أربد، معان، وفق الاختصاص لكل دعوى.

قرار محكمة التميز الأردنية، بصفتها الجزائية رقم 105 لسنة 2008، والذي ورد فيه ما يلي:

إن قانون هيئة مكافحة الفساد رقم 62 لسنة 2006 أنشأ هيئة مكافحة الفساد وحدد اختصاصها ومهمها وأناط بها مهمة ملاحقة مرتكبي الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون من خلال المدعيين العامين المنتدبين وأن اختصاص هذه الهيئة يشمل جميع مناطق المملكة.

إعداد/ جمال مرعي.

[1] انظر أ.د محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، جرائم الاعتداء علي الأشخاص، دار النهضة العربية ،القاهرة ١٩٧٨، ص ٣٢.

[2] انظر العضايلة ،عاصم عادل محمد، التحقيق الأولي في جرائم الفساد، دراسة تحليلية نقدية في قانون النزاهة ومكافحة الفساد الأردني رقم١٣ لسنة ٢٠١٦، مجلة القانون الكويتية العالمية ،٢٠١٩، مج٧ ، ع ٢٨ ص٥٠٩.

[3] العضايلة ،عاصم عادل محمد، التحقيق الأولي في جرائم الفساد، دراسة تحليلية نقدية في قانون النزاهة ومكافحة الفساد الأردني رقم١٣ لسنة ٢٠١٦،  المرجع السابق، ص ٥١١.

Scroll to Top