الاعتراف أمام محكمة البداية

الاعتراف أمام محكمة البداية

كما يقال أن الاعتراف سيد الأدلة، ومن المفترض في حال صدوره عن المشتكى عليه أن ينهي مسألة مدى نسبة التهمة إلى المشتكى عليه من عدمها، ويوقف إجراءات التحقيق والمعاملات التي كانت ستتم لولا صدور الاعتراف من المشتكى عليه الظنين أو المتهم، إلا أن للمشرع الأردني رأي آخر، فإن كان المشرع الأردني قد نص على طرق الإثبات وهي الاعتراف وشهادة الشهود والخبرة والبينة الخطية والقرائن إلا أنه لم يمنح أي من هذه الأدلة الحجية الكاملة والمطلقة في الإثبات بل تبقى هذه الأدلة خاضعة لسلطة قاضي الموضوع في مدى اقتناعه بها أو عدم اقتناعه، فللقاضي الجزائي أن يحكم حسب قناعته الشخصية في الأدلة المعروضة عليه، فما هو رأي المشرع الأردني باعتراف المشتكى عليه بأنه مرتكب للجرم المسند إليه وما هو موقف القاضي الجزائي إزاء هذا الاعتراف وخصوصاً إن كان أمام محكمة البداية أي الاعتراف بارتكاب جنحة أو جناية من اختصاص محكمة البداية، وسنتعرف على الاعتراف من حيث ماهيته وأركانه وشروطه ومن ثم على الاعتراف الذي يصدر عن المشتكى عليه أمام محكمة البداية، وذلك بالاستناد إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته.

جدول المحتويات

المقصود بالاعتراف

الاعتراف وقوته في الإثبات

الاكتفاء بالاعتراف

الاعتراف الكامل والاعتراف الجزئي

أركان الاعتراف

شروط صحة الاعتراف

سلطة القاضي بالأخذ بالاعتراف من عدمه

الاعتراف أمام محكمة البداية

المقصود بالاعتراف

هو إقرار المدعى عليه على نفسه بكل أو بعض ما نسب إليه من وقائع جرمية [1]، وهو أن يقر المتهم على نفسه بارتكاب الواقعة الجرمية موضوع الإقرار [2]، وعليه فإن الاعتراف هو عكس الإنكار وهو يأتي في مرحلة الاستجواب فعند سؤال المتهم عن التهمة المنسوبة إليه فإما أن ينكر التهمة أو يعترف بارتكابها أو لا يجيب، فالاعتراف ينصب على جوهر الدعوى الجزائية وهو موضوع الواقعة الجرمية المنسوبة للمتهم.

الاعتراف وقوته في الإثبات

إن الاعتراف دليل إثبات قوي، إن كان صحيحاً وتم الحصول عليه حسب القواعد والأصول المقررة في القانون، إذ ليس من دليل أقوى من إقرار المتهم على نفسه بارتكاب الجرم المسند إليه، حتى أنه قيل في وصفه بأن الاعتراف سيد الأدلة ونحن نتحفظ على هذا القول، فالاعتراف شأنه شأن أي دليل آخر، إذ أنه خاضع لتقدير قاضي الموضوع في الأخذ أو عدم الأخذ به ، وفي الاستناد إليه في الحكم[3].

وعليه وعلى الرغم من قوة الاعتراف في الإثبات بحيث أنه يصدر عن المتهم نفسه، إلا أن المشرع الأردني لم يمنحه حجية خاصة في الإثبات، بل جعله محط تقدير لقاضي الموضوع، أي على الرغم من الاعتراف فقد لا يأخذ به القاضي لعدم اقتناعه به .

الاكتفاء بالاعتراف

عدم منح الاعتراف كدليل إثبات حجية خاصة ووضعه تحت سلطة القاضي التقديرية وفقاً لقناعته، لا يعني أنه لا يمكن للقاضي الأخذ والاكتفاء بالاعتراف، فقد ورد في نص المادة 216 من قانون أصول المحاكمات الجزائية ما يستفاد منه أن للقاضي الاكتفاء باعتراف المشتكى عليه، وفي هذه الحالة يحكم القاضي بالعقوبة التي يستحقها وفقاً لجريمته، وذلك في حال اقتنع القاضي بالاعتراف، إما في حال رأى القاضي أن اعتراف المشتكى عليه غير مقنع كأن يشعر بأن المعترف قد اعترف تحت ضغط أو إكراه، فله أن لا يأخذ بالاعتراف، إلا أنه وبالنظر إلى نص المادة 216 نجد أنها نصت على طريقة تسجيل الاعتراف وهو أن يسجل الكاتب اعتراف المتهم بكلمات أقرب ما تكون إلى الألفاظ التي استعملها المتهم في اعترافه [4].

في حال لم يكتف القاضي بالاعتراف ما هو الإجراء الذي يتخذه؟

تشرع المحكمة إلى سماع شهود الإثبات، أي يكون الاعتراف كأن لم يكن، وذلك سنداً لنص المادة 216 /4 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، حيث جاء فيها :

 اذا انكر المتهم التهمة أو رفض الإجابة أو لم تقنع المحكمة باعترافه بها أو كان الجرم معاقبا عليه بالإعدام تشرع – المحكمة – في الاستماع الى شهود الإثبات .

الاعتراف الكامل والاعتراف الجزئي

لا يشترط للأخذ بالاعتراف أن يعترف المتهم أو الظنين بكامل الواقعة الجرمية المسندة إليه، فالاعتراف يصح أن يكون كاملاً ، ويصح أن يكون جزئياً، فالاعتراف الكامل هو أن يعترف المشتكى عليه بالتهمة كما وردت بسند الاتهام، أما الاعتراف الجزئي أن يعترف المشتكى عليه بارتكاب جزء من الواقعة الجرمية المنسوبة إليه.

وقد عرف الاعتراف الكامل على أنه الاعتراف الذي يقر فيه المتهم بصحة إسناد التهمة إليه كما صورتها ووصفتها سلطة التحقيق، فيكون منصباً على ارتكاب موضوع التحقيق في أركانها المادية والمعنوية، أما الاعتراف الجزئي هو الذي يقتصر فيه المتهم على الإقرار بارتكاب الجريمة في ركنها المادي، وينفي في ذلك مسؤوليته عنها، أو أن يعترف بمساهمته في الجريمة بوصفه متدخلاً فقط، وينفي قيامه بارتكاب السلوك الإجرامي المنسوب إليه[5] .

أركان الاعتراف

تتمثل أركان الاعتراف بما يلي :

أن يصدر الاعتراف عن المتهم نفسه، أما في حال صدر الاعتراف من الغير كان من قبيل الشهادة وليس اعترافاً بالمعنى القانوني ، كما يجب أن يكون وضوع الاعتراف واقعة ينسبها المتهم إلى نفسه لا للغير، كما يجب أن يكون موضوع الاعتراف متصل بارتكاب الجريمة ونسبتها للمتهم المعترف، وأن يكون من شأن هذا الاعتراف أن يقرر مسؤولية المتهم المعترف عن الجريمة.

شروط صحة الاعتراف

يجب أن يكون الاعتراف صادراً عن إرادة حرة ومميزة وواعية، أي أن يصدر المتهم اعترافه عن وعي وإرادة وعن كامل قوته العقلية ، كما يجب أن يكون الاعتراف صريحاً ومحدداً وواضحاً،  بحيث يستطيع معه القاضي أن يستمد منه الاقتناع بنسبة الفعل إلى المتهم، وأن يتم الحصول على الاعتراف وفقاً لإجراءات صحيحة ، فالاعتراف لا يجوز أن يأخذ به إلا إذا كان صادراً عن المتهم أما المدعي العام أو قاضي الموضوع، وإلا وقع باطلاً، كما لا يكون الاعتراف باطلاً في حال اعترف المتهم بارتكاب الجريمة أثناء تفتيشه تفتيش غير قانوني ، فلا يصح التعويل عليه، طالما أنه في إقراره هذا كان متأثراً بواقعة التفتيش وما أسفرت عنه من ضبط أشياء لديه ذات صلة بالجريمة [6]، كما يجب أن يكون الاعتراف مطابقاً للحقيقة والواقع، فلا يجوز الاعتداد بالاعتراف متى ثبت أنه غير صحيح أو أنه غير مطابق للحقيقة والواقع، وعلى القاضي التأكد من ذلك من خلال تمحيص والتدقيق في الاعتراف بحيث يقتنع بأنه المتهم هو فعلا من ارتكب الجرم ولا يساوره الشك بأن المتهم قد اعترف لرغبته في حمل الجريمة عن المجرم الحقيقي، أو لوجود صلة القرابة أو لمصلحة له في ذلك.

فلم يمنح القانون الاعتراف حجية أثبات خاصة لأن كما سبق وأن ذكرنا قد يصدر الاعتراف عن المتهم تحت ضغط أو إكراه مادي كالتعذيب أو إكراه معنوي كالتهديد، أو أن بصدر عنه الاعتراف لتأثيره تحت دوافع عديدة كرغبته في الدخول في السجن لتخلص من مشاكل الحياة [7].

سلطة القاضي بالأخذ بالاعتراف من عدمه

كما سبق وأن ذكرنا أن لقاضي الموضوع حرية بالأخذ بالأدلة المقدمة أمامه من عدمها ومنها الاعتراف، وهذه السلطة تصل إلى تجزئة الاعتراف، فمحكمة الموضوع غير ملزمة بالأخذ باعتراف المتهم بنصه وظاهره، بل لها في سبيل تكوين عقيدتها في المواد الجنائية أن تجزئ الاعتراف وتأخذ منه ما تراه مطابقاً للحقيقة، وأن نعرض عما تراه مغايراً لها [8]، فإذا كان للمحكمة أن تهدر الاعتراف كله لأنها لا تقتنع به، فإن من باب أولى أن تهدره في جزء منه إذا كانت غير مقتنعة بهذا الجزء [9].

ولصحة تجزئة الاعتراف لا بد من توافر الشروط التالية:

أن يكون الاعتراف قد انصب على ارتكاب الجريمة، وانحصر إنكار الجاني للوقائع التي تتعلق بظروف الجريمة أو بتقدير العقاب، وعلى القاضي عند تجزئة الاعتراف أن يتقيد بأن تكون التجزئة واقعية أي لا تنافي المنطق، كما يجب على المحكمة في حال تجزئة الاعتراف أن توضح في حكمها ما هو الجزء الذي أطمأنت إليه من الاعتراف، وتبين ما لم تطمئن إليه، وسبب طرحها لهذا الجزء من الاعتراف وإلا كان حكمها معيباً[10].

متى لا يجوز تجزئة الاعتراف ؟

لا يجوز تجزئة الاعتراف في حال كان الفصل في الدعوى الجزائية يتوقف على الفصل في موضوع مدني يخضع لقواعد الإثبات في القانون المدني.

الاعتراف أمام محكمة البداية

أن الاعتراف سواءً تم أمام محكمة بداية أو محكمة صلح فلا بد أن تتوافر فيه الأركان والشروط الواجبة لصحته وأن يتم وفقاً لإجراءات قانونية صحيحة، وإجراءات المحاكمة أمام محكمة البداية تتم كالاتي :

في القضايا الجنح البدائية

تجري المحاكمة بصورة علنية، وبحضور الخصوم ، وتكون المرافعات شفوية، وتبدأ المحاكمة بتلو كاتب المحكمة قرار الظن والأوراق المتعلقة بالدعوى، ويوضح المدعي العام وقائع الدعوى ، ثم تتلو المحكمة على الظنين التهمة المنسوبة إليه وذلك بعد التحقق من هويته وشخصيته، ففي حال اعترف المتهم يسجل اعترافه بكلمات أقرب إلى ما استعمله من ألفاظ، فإذا اقتنعت المحكمة باعترافه تحكم بإدانته وتقرر العقوبة التي يستحقها بموجب القانون، أما في حال لم تقتنع تشرع في سماع شهود الإثبات، وفي حال رفض الظنين الإجابة يعد بمثابة غير المعترف ويون ذلك في محضر الجلسة، وتشرع المحكمة بسماع شهود الإثبات، كذلك الحال في حال انكر الظنين التهمة المنسوبة إليه ، تشرع المحكمة لسماع شهود البينات فتدعو شهود النيابة العامة وشهود المدعي الشخصي، وتسأل المحكمة الظنين في حال إن كان يرغب بتقديم بينته الدفاعية، فإن كانت لديه بينة دفاعية دعتهم المحكمة لسماع شهادتهم ، وبعد ذلك يبدي كل من المدعي الشخصي مطالبه وممثل النيابة مطالعته ويبدي الظنين والمسؤول بالمال دفاعهما، وأخيرا تصدر المحكمة قرارها الفاصل في الدعوى بالنظر فيما تم تقديمه من بينات ومطالب ومطالعات.

قضايا الجنايات البدائية

يتم اتباع ذات الإجراءات التحقيقية المتبعة بالقضايا الجنحية مع الإشارة إلى أن الاختلاف بين القضايا الجنح والجنايات هو أن قضايا الجنح يصدر فيها قرار ظن عن المدعي العام ومن ثم تحال إلى المحكمة المختصة أما قضايا الجنايات فيصدر فيها ابتداءً قرار بالظن بجناية من المدعي العام ثم يتم إيداع هذه القرار للنائب العام فإذا وجد أنه في محله يصدر قرار بالاتهام على المشتكى عليه بجناية ثم يعاد القرار للمدعي العام ليقوم بدوره لتحويل ملف الدعوى مع قرار الاتهام للمحكمة المختصة ، ثم يتم اتباع أصول المحاكمات العادية ….. .

 وفيما يخص الاعتراف يسأل رئيس المحكمة المتهم عن التهمة المنسوبة إليه، فإذا اعترف المتهم يأمر رئيس المحكمة بتسجيل اعترافه وعندئذ تحكم عليه بالعقوبة التي تستلزمها جريمته إلا إذا رأت خلاف ذلك، أما إذا رفض المتهم الإجابة، فيعتبر غير معترف بالتهمة، ويأمر رئيس المحكمة بتدوين ذلك في محضر الجلسة، وإذا انكر التهمة أو رفض الإجابة أو لم تقنع المحكمة باعترافه، تشرع المحكمة في سماع شهود الإثبات [11].

من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بالاعتراف أمام محكمة البداية

الحكم رقم 2405 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية

فيما يتعلق بواقعة حرق المغدورة فقط ثبت للمحكمة بالأدلة الواردة من النيابة العامة بأن المتهم أقدم على حرق زوجته المغدورة حال حياتها من خلال إشعال النار بغرفة نومها بعد أن قام بسكب مادة التنر وهي مادة مشتعلة على بشكير وعلى أنحاء متفرقة من الغرفة وهذه الواقعة ثابتة من خلال اعتراف المتهم لدى الشرطة وقد قدمت النيابة العامة البينة على صحة وسلامة هذه الإفادة من خلال سماع شهادة المحقق الذي ذكر بشهادته أن المتهم أدلى بأقواله بطوعه واختياره ولم يتعرض لأي ضغط
أو تهديد كما ثبتت هذه الواقعة أيضاً من أقوال المتهم التحقيقية وبما يتوافق مع أقواله الأولية لدى الشرطة وتستبعد منها المحكمة ما ذكره المتهم من أن النار اشتعلت دون أن يعلم كيف تم ذلك وتستبعد منها ما ذكره من أن مادة التنر وقعت لوحدها بسبب تحريك المغدورة وتضيف أن المتهم وفي أقواله التحقيقية ولدى استجوابه في نهاية أقواله بسؤال المدعي العام له ( ما خفت عندما شاهدت المغدورة على الأرض أن يقول الناس أنك قتلتها ولذلك قمت بحريق المنزل ؟ ) فأجاب (بيك هذا اللي صار).

كما تأيدت اعترافات المتهم أيضاً بما ورد بتقرير الخبيرين……

إعداد المحامية: ليلى خالد.

[1] د. عاطف النقيب، أصول المحاكمات الجزائية، دار المنشورات الحقوقية، لبنان، 1993.

[2] د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1988.

[3] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة السادسة، 2021، ص 239.

[4] المادة 216 :2- مع مراعاة أحكام الفقرة (4) من هذه المادة اذا اعترف المتهم بالتهمة يأمر الرئيس بتسجيل اعترافه بكلمات اقرب ما تكون الى الألفاظ التي استعملها في اعترافه ويجوز للمحكمة الاكتفاء باعترافه وعندئذ تحكم عليه بالعقوبة التي تستلزمها جريمته الا اذا رات خلاف ذلك

[5] د. محمد سعيد نمور، المرجع السابق، ص 240.

[6] د. محمد سعيد نمور، المرجع السابق، ص 243.

[7] د. عمر السعيد رمضان، أصول المحاكمات الجزائية في التشريع اللبناني، 1971.

[8] نقض مصري 22/10/1963 مجموعة أحكام محكمة النقض س 14، رقم 113، ص 687.

[9] محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1988.

[10] د. محمد سعيد نمور، المرجع السابق، ص 245.

[11] د. محمد سعيد نمور، المرجع السابق، ص 512.

Scroll to Top