الحماية الجنائية للمُبلغ في قضايا الفساد
إن الإبلاغ عن جرائم الفساد يعد أمرا في غاية الأهمية، حيث يساهم في الوصول إلى عدالة جنائية تسعى لمعاقبة مرتكبي هذه الجرائم، فتساهم بشكل كبير في مكافحة جرائم الفساد، بل قد يؤدي الإبلاغ عنها منع ارتكابها، ولما كان المبلغ عن الجرائم قد يلحقه خطر جراء تبليغه، لذلك كان لابد من توفير ضمانات له ضد كل ما يهدد حياته أو سلامته.
ولبيان ما هي الحماية الجنائية للمبلغين عن الفساد فسوف نقوم بتعريف المبلغ، وما الفرق بين البلاغ والشكوى وما هو التكييف القانوني للإبلاغ هل هو واجب أم حق، وما هي صور الحماية الجنائية التي وضعها المشرع الأردني، والجهاز المشرف على توفير هذه الحماية، وكيفية تعديل وإنهاء هذه الحماية.
ثانيا: الفرق بين التبليغ والشكوى:
ثالثا: التكييف القانوني للإبلاغ عن جرائم الفساد:
رابعا: صور الحماية الجنائية للمبلغ في قضايا الفساد:
خامسا: الجهاز المشرف على الحماية:
سادسا: تعديل برنامج الحماية وإنهاءه:
أولا: تعريف المُبلغ:
عرف المشرع الأردني المبلغ في المادة (2) من نظام حماية المبلغين والشهود والمخبرين والخبراء في قضايا الفساد بأنه: ” الشخص الذي يبلغ أيا من الجهات المختصة بواقعة الفساد”.
وعرف البعض المبلغ بأنه: ” هو الشخص الطبيعي الذي يقوم بإخبار السلطات العامة عن واقعة جرمية حدثت وعلى وشك الوقوع بهدف القبض على مرتكبيها وضبطهم وإحالتهم للقضاء المختص”.[1]
ثانيا: الفرق بين التبليغ والشكوى:
يقصد بالشكوى بأنها عبارة عن: ” تعبير عن إرادة المجني عليه موجه للسلطات المختصة باتخاذ الإجراءات الجزائية ضد مرتكب الجريمة أو من تدور حوله شبهات ارتكابها بغية محاكمته ومعاقبته في حال ثبوت ارتكابه لها.[2]
وبناء على هذا التعريف فإن الجرائم التي تحتاج لتقديم شكوى لتحريك الدعوى بها يحظر على النيابة العامة إجراء أي تحقيق فيها دون تقديم الشكوى وفقا لما نص عليه القانون، بينما لا يوجد مثل هذا الحظر في حالة البلاغ عن جرائم الفساد فيمكن للنيابة العامة القيام بالتحريات وجمع الاستدلالات حتى وإن لم يتم تقديم أي بلاغات.
كما أن المشرع الأردني اشترط في مقدم الشكوى أن يبلغ من العمر خمسة عشر عاما وأن يكون عاقلا حتى يتمكن من تقديم الشكوى، فإذا لم يبلغ هذا العمر أو كان غير عاقلا فإن وليه أو وصيه أو القيم عليه هو من يتولى تقديم الشكوى، أما بالنسبة للبلاغ عن الجرائم فلم يشترط فيه المشرع هذه الشروط، فيجوز لأي شخص تقديم البلاغ حتى ولو لم يصيب المبلغ أي ضرر من وقوع الجريمة المبلغ عنها.
ونجد أن المشرع قد حدد مدة معينة يتم خلالها تقديم الشكوى فإذا انتهت هذه المدة دون تقديم الشكوى فإن ذلك يعد تنازلا عنها، وأيضا أعطى المشرع الحق للمشتكي أن يتنازل عن الشكوى بعد تقديمها، أما التبليغ عن الجرائم فلم يحدد له المشرع مدة يجب على المبلغ أن يقوم بتقديم البلاغ خلالها، كما لا يملك المبلغ الحق في التنازل عن البلاغ بعد تقديمه بل ينتهي التبليغ بمجرد إبلاغ السلطات المختصة به.
كما أن الحق في تقديم الشكوى ينقضي في حالة موت المجني عليه أو في حالة تنازل صحاب الحق في تقديم الشكوى عنه، أما البلاغ عن الجرائم فلا ينقضي لمثل هذه الأسباب.
ثالثا: التكييف القانوني للإبلاغ عن جرائم الفساد:
1- التبليغ عن جرائم الفساد حق:
يُعتبر التبليغ عن جرائم الفساد حقا يكفله القانوني لكل أردني، فتقديم البلاغ حقا لأي شخص سواء كان له مصلحة مباشرة في تقديم البلاغ أو مصلحة عامة في مكافحة الفساد ولو لم بكن متضررا من وقوع الاعتداء أو الجريمة، وهو ما أشار إليه الدستور الأردني حيث نصت المادة (17) من الدستور على أن: ” للأردنيين الحق في مخاطبة السلطات العامة فيما ينوبهم من أمور شخصية أو فيما له صلة بالشؤون العامة بالكيفية والشروط التي يعينها القانون”.
وإذا كان الأصل في التبليغ أنه مباح لأي شخص إلا أن المبلغ يجب أن يكون حسن النية عند تقديمه للبلاغ، فإذا كان المبلغ سيئ النية وكان على علم بعدم ارتكاب الجريمة من قبل الشخص المبلغ عنه، فإن المبلغ يكون مرتكبا لجريمة البلاغ الكاذب، وذلك وفقا لما نص عليه المشرع الأردني بالمادة (210) من قانون العقوبات حيث ورد بها أن: ” من قدم شكاية أو إخبارا كتابيا إلى السلطة القضائية أو أية سلطة يجب عليها إبلاغ السلطة القضائية، فعزا إلى أحد الناس جنحة أو مخالفة وهو يعرف براءته منها أو اختلق عليه أدلة مادية تدل على وقوع مثل هذا الجرم عوقب بحسب أهمية ذلك الإسناد بالحبس من أسبوع إلى ثلاث سنوات، وإذا كان الفعل المعزو يؤلف جناية عقوب المفتري بالأشغال الشاقة المؤبدة”.
2- التبليغ عن جرائم الفساد واجب:
وإذا كان التبليغ عن الفساد حق على كل أردني فإنه يعد أيضا واجب عليه، وهو ما أكد عليه المشرع الأردني حيث ألزم كل سلطة أو موظف وصل إلى علمه وقوع جريمة سواء كانت جناية أو جنحة أن يقوم بإبلاغ المدعي العام المختص، وذلك وفقا لما نص عليه قانون أصول المحاكمات الجزائية بالمادة (25) حيث ورد بها أنه: ” على كل سلطة رسمية أو موظف على علم أثناء إجراء وظيفته بوقوع جناية أو جنحة أن يبلغ الأمر في الحال المدعي العام المختص وأن يرسل إليه جميع المعلومات والمحاضر والأوراق المتعلقة بالجريمة”.
كما ألزم المشرع الأردني أي شخص شاهد أي اعتداء يقع على الأمن العام أو على حياة الناس أن يبلغ المدعي العام المختص، ويلتزم كل من وصل لعلمه وقوع جريمة أن يبلغ عنها المدعي العام، وذلك وفقا لما نصت عليه المادة (26) من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث ورد بها أن: ” 1- على كل من شاهد اعتداء على الأمن العام أو على حياة الناس أو على ماله يلزمه أن يعلم بذلك المدعي العام المختص. 2- كل من علم في الأحوال الأخرى بوقوع جريمة يلزمه أن يخبر عنها المدعي العام”.
ولما كان الإبلاغ عن وقوع جريمة من الجرائم يعد واجبا على كل شخص فإن المشرع الأردني قد وضع عقوبة في حالة عدم إبلاغ السلطات المختصة وهي الحبس مدة لا تذيد على سنة ولا تقل عن شهر، وذلك وفقا لما نصت عليه المادة (206) من قانون العقوبات حيث ورد بها: ” يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة كل من علم باتفاق جنائي لارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المواد (135، 136، 137، 138، 142، 143، 145، 148) من هذا القانون ولم يخبر السلطة العامة بوجه السرعة المعقولة”.
رابعا: صور الحماية الجنائية للمبلغ في قضايا الفساد:
يوجد نوعان من الحماية الجنائية التي وفرها المشرع الأردني للمبلغين عن جرائم الفساد وهما الحماية الموضوعية والحماية الإجرائية:
1- الحماية الموضوعية:
في سبيل حماية المبلغين عن جرائم الفساد فقد حظر المشرع الأردني الكشف عن هوية المبلغين، أو الاعتداء عليهم، كما وضع المشرع الأردني حماية للمبلغين ضد التعسف الذي قد تمارسه الإدارة ضد المبلغين عن جرائم الفساد.
أ- حظر الكشف عن هوية المبلغين:
لما كان الكشف عن هوية المبلغ عن قضايا الفساد قد يعرضه للخطر، فكان لابد من إخفاء هوية المبلغ، ومن أجل ذلك فقد أقر المشرع الأردني عقوبة لمن يكشف عن هوية المبلغ، فيعاقب من يفشي أي معلومات تتعلق بهوية أو مكان المبلغين بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تذيد على سنة وبغرامة لا تذيد عن عشرة ألاف دينار.
كما أن المشرع الأردني في سبيل توفير مزيد من الحماية للمبلغين عن قضايا الفساد فقد شدد العقوبة في حالة تعرض المبلغ لأي اعتداء بسبب إفشاء أو كشف هويته أو مكانه، فيعتبر المفشى شريكا ويعاقب بنفس عقوبة الفاعل الأصلي، وذلك وفقا لما نصت عليه المادة (26) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد رقم (13) لسنة 2016 حيث ورد بها: ” أ- يعاقب كل من أفشى معلومات متعلقة بهوية المبلغين أو الشهداء أو الخبراء أو بأماكن وجودهم بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تذيد على سنة وبغرامة لا تتجاوز عشرة ألاف دينار. ب- إذا أدى الإفشاء المنصوص عليه في الفقرة (أ) من هذه المادة إلى إلحاق جرم بأي من الأشخاص المنصوص عليهم في الفقرة ذاتها فيعتبر المفشى شريكا في هذه الجريمة ويعاقب بالعقوبة المقررة للفاعل الأصلي”.
ب- حظر الاعتداء على المبلغين عن جرائم الفساد:
قد يتعرض المبلغ عن الفساد لضرر أو خطر بسبب قيامة بالإبلاغ عن قضايا الفساد، لذلك قد حظر المشرع الأردني التعرض أو الاعتداء على المبلغين أو إساءة معاملتهم أو محاولة منعهم عن التقديم البلاغ، وقد قرر المشرع الأردني عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن سنة لمن يتعرض للمبلغ، بل وتزيد هذه العقوبة في حالة وجود عقوبة أخرى أشد منها في قانون آخر حيث تطبق العقوبة الأشد.
كما أن المشرع الأردني قد أضفي حماية للمبلغ ضد أي تهديد قد يتعرض له أو أي محاولة لاستخدام القوة ضده أو محاولة إكراهه لمنعه من تقديم البلاغ، حيث قد يعاقب من يمارس مثل هذه الأفعال ضد المبلغ بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تزيد على عشرة آلاف دينار.
وذلك وفقا لما نصت عليه المادة (27) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد رقم (13) لسنة 2016 حيث ورد بها أنه: ” دون الإخلال بأي عقوبة أشد ورد النص عليها في أي تشريع آخر يعاقب كل من اعتدى على أحد المبلغين أو الشهود أو المخبرين أو الخبراء، بسبب ما قاموا به للكشف عن الفساد أو أساء معاملتهم أو ميز في التعامل بينهم أو تعسف في استعمال السلطة ضدهم أو منعم من الأدلاء بشهادتهم أو من الإبلاغ عن الفساد بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وفي حال استخدام القوة أو التهديد بإشهار السلاح أو أي وسيلة إكراه مادية أخرى فتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تذيد على عشرة آلاف دينار”.
ج- حماية المبلغ عن الفساد ضد تعسف الإدارة:
حرصا من المشرع الأردني على حماية المبلغين عن الفساد فقد أضفى المشرع حماية قانونية ضد أي إجراء تعسفي من جانب الإدارة قد يتعرض له الموظف الذي أبلغ عن واقعة الفساد، فقد تلجأ الإدارة إلى معاقبة المبلغين إداريا، بإساءة معاملتهم أو تغيير المركز القانوني أو الإداري لهم، أو حرمانهم من حقوقهم كالحرمان من الترقية، أو تعرضهم للنقل التعسفي إلى أماكن بعيدة، لذلك أعطى المشرع ضمانة للمبلغ من تعرضه للعقاب أو الانتقام بسب تقديمه هذا البلاغ.
وذلك وفقا لما نصت عليه المادة (9) من نظام حماية المبلغين والشهود والخبراء في قضايا الفساد وأقاربهم والأشخاص وثيقي الثقة بهم رقم (62) لسنة 2014 حيث ورد بها أنه: ” يتم توفير الحماية القانونية ضد أي إجراء تعسفي بحق الأشخاص المشمولين بقرار توفير الحماية بما في ذلك: أ- أي قرار إداري يغير من المركز القانوني أو الإداري لهم أو ينتقص من حقوقهم أو يحرمهم منها. ب- أي إجراء يؤدي إلى إساءة معاملتهم أو الإساءة لمكانتهم أو لسمعتهم”.
إن المشرع الأردني يعد من السابقين في إسباغ هذه الحماية، وإن كان من الصعوبة إثبات أن الإجراء الذي قامت الإدارة كان تعسفيا، فالإدارة من السهل عليها إسباغ المشروعية على قراراتها وإن كانت من الباطن قرارات عقابية، كما أن الواقع العلمي قد أثبت أن بعض الموظفين قد يتعمدون الإبلاغ عن جرائم فساد قد لا تكون صحيحة، ويكون دافعهم هو إشكاليات في العمل مع إدارتهم وتخوفهم من النقل أو الإحالة أو إنهاء عقودهم.[3]
2- الحماية الإجرائية:
يُقصد بالحماية الإجرائية هي تلك الحماية التي لا تستمد عناصرها من القواعد الجنائية المحددة للجرائم أو المسئولية الجنائية للمتهم، وإنما تستمد عناصرها من القواعد الجنائية الإجرائية التي تُتخذ من تنظيم جهات القضاء واختصاصاتها والكشف عن الجريمة وضبط مرتكبيها والتحقيق معهم ومحاكمتهم.[4]
ووضع المشرع الأردني عدة إجراءات وتدابير لحماية المبلغ عن الفساد، ويتم توفير هذه الإجراءات بالتعاون مع مديرية الأمن العام أو غيرها من الجهات ذات العلاقة، ومن التدابير التي يتم اتخاذها إخفاء البيانات الشخصية للمبلغ وكل ما يدل على هويته كتغيير اسمه ومحل إقامته ومكان عمله، وتغيير هاتفه وتذويده برقم هاتف للطوارئ، وتوفير حماية أمنية لمسكنه وممتلكاته حتى لا يتعرض لأي اعتداء، وأيضا أي إجراء آخر قد يجيزه مجلس مكافحة الفساد.
وذلك وفقا لما نصت عليه المادة (10) من نظام حماية المبلغين والشهود والخبراء في قضايا الفساد وأقاربهم والأشخاص وثيقي الثقة بهم رقم (62) لسنة 2014 حيث ورد بها أنه: ” يتم توفير الحناية الشخصية للشخص الذي تقرر توفير الحماية له بالتعاون مع مديرية الأمن العام والجهات ذات العلاقة من خلال:
- إخفاء اسمه وسائر البيانات الشخصية الخاصة به وكل ما يدل على هويته واستبدال ذلك برموز أو كنية غير دالة.
- تغيير أرقام هواتفه الخاصة أو مراقبتها بناء على طلب من صاحبها.
- تغيير محل إقامته أو مكان عمله أو كلاهما، بشكل مؤقت أو دائم، وتوفير البدائل المناسبة حسب الأحوال والظروف المحيطة.
- اتخاذ الإجراءات الكفيلة بسلامة تنقله بما في ذلك حضور جلسات المحاكمة والتحقيق.
- حماية مسكنه وممتلكاته من أي اعتداء.
- تزويده برقم هاتف للطوارئ يعما على مدار الساعة لتلقي طلبات الإغاثة منه.
- أي إجراء أو تدبير يجيزه المجلس”.
وفي سبيل توفير مزيد من الحماية للمبلغ فإنه في حال تعرض المبلغ الذي تقرر توفير الحماية له لأي اعتداء فإن المشرع قد قرر تقديم كافة الإعانات والدعم الذي يمكن تقديمه له أو لأي فرد من أفراد أسرته، وذلك بقرار من وزير العدل بناء على تنسيب من مجلس مكافحة الفساد، وذلك وفقا لما نصت عليه المادة (12) من نظام حماية المبلغين والشهود والخبراء في قضايا الفساد وأقاربهم والأشخاص وثيقي الثقة بهم رقم (62) لسنة 2014 حيث ورد بها أنه: ” إذا تعرض أي شخص من الأشخاص الذين تقرر توقير الحماية لهم وفقا لأحكام هذا النظام للاعتداء يقرر وزير العدل بناء على تنسيب المجلس الإعانات التي يمكن أن تقدم له ولأفراد أسرته”.
خامسا: الجهاز المشرف على الحماية:
حدد المشرع الأردني نطاق الحماية التي يتم تقريرها لصالح المبلغ عن جرائم الفساد، كما نص المشرع على أن يتم إنشاء وحدة لحماية المبلغين بهيئة مكافحة الفساد، وهذه الوحدة هي التي تشرف على توفير الحماية للمبلغين، كما أنها تقوم بجمع المعلومات اللازمة لمجلس مكافحة الفساد حتى يتمكن من البت في طلب الحماية.
1- نطاق الحماية:
حدد المشرع الأردني نطاق الحماية التي تقوم وحدة الحماية بهيئة مكافحة الفساد بتطبيقها، حيث تتولى هذه الوحدة توفير الحماية اللازمة للمبلغين والشهود والمخبرين والخبراء في قضايا الفساد، ولما كان من الممكن الانتقام من المبلغ من خلال التعرض له أو الاعتداء على أقاربه أو من الأشخاص وثيقي الصلة بالمبلغ، فإن وحدة الحماية تتولى أيضا توفير الحماية لأقارب المبلغ والأشخاص وثيقي الصلة به.
ويعد من أقارب الشخص المحمي الأشخاص الذين يرتبطون بطالب الحماية بصلة قرابة حتى الدرجة الرابعة، أما الأشخاص وثيقي الصلة بطالب الحماية فهم الأشخاص الذين يقرر مجلس مكافحة الفساد وقد لا تربطهم صلة قرابة بالشخص المحمي، بل تربطهم به علاقة عاطفية.
وحسنا فعل المشرع، حيث أن الضرر قد لا يلحق بالمبلغ، وإنما بأشخاص آخرين كأفراد أسرته وغيرهم، ومن ثم يكون من غير المنطقي حماية المبلغ دون غيره من الأشخاص المقربين منه، الذين قد يلحقهم أذى لسبب التبليغ عن جرائم الفساد، كما أن المبلغ نفسه قد يخشى على أفراد أسرته أكثر من نفسه، وفي حماية أفراد أسرته أو المقربين منه تعزيز لحمايته وتشجيعه على التبليغ عن جرائم الفساد.[5]
2- مهام وحدة الحماية:
تتولى وحدة الحماية بهيئة مكافحة الفساد الإشراف على حماية المبلغين، حيث تتلقي هذه الوحدة طلبات توفير الحماية، وتقوم بدراسة هذه الطلبات لتحديد وتقييم التهديدات والأخطار المحيطة بطالب الحماية، وإخفاء البيانات التي قد تكشف هوية المبلغ وتستبدل هذه البيانات برموز خاصة، وتقوم بجمع المعلومات اللازمة لمنع أي اعتداءات قد يتعرض لها المبلغين.
كما تقوم هيئة الحماية بإعادة تقييم قرارات منح الحماية دوريا للمبلغين الذين صدر لهم قرار بالحماية، كما تقوم وحدة الحماية أيضا بإبلاغ رئيس مجلس مكافحة الفساد والنيابة العامة في حال وقوع اعتداء على المبلغين المشمولين بالحماية، أو حتى في حال تعرضهم لتهديد لكي يتم اتخاذ الإجراءات الضرورية لضمان سلامتهم، وتقوم أيضا بإجراء كافة البحوث اللازمة لتطوير وسائل وإجراءات الحماية.
ويجب على وحدة الحماية أن تعامل طلبات الحماية بكل سرية، وعلى هيئة مكافحة الفساد الاحتفاظ بسجلات سرية تحتوي على بيانات من تقرر توفير الحماية له، وأن يتم الاحتفاظ بهذه السجلات في خزنة حديدية داخل وحدة الحماية، ولا يجوز الاطلاع على هذه السجلات إلا بقرار من رئيس هيئة مكافحة الفساد أو القاضي المختص.
3- البت في طلبات توفير الحماية:
تقدم طلبات توفير الحماية إلى رئيس مجلس هيئة مكافحة الفساد وفق نموذج تعده وحدة الحماية لهذه الغاية، ويتم البت في قرارات حماية المبلغين بواسطة مجلس هيئة مكافحة الفساد، بناء على تنسيب رئيس المجلس، ويستد رئيس المجلس في ذلك إلى الدراسات والتوصيات التي تجريها وحدة الحماية، وقد ألزم المشرع مجلس الهيئة بسرعة البت في طلب توفير الحماية، وذلك حتى لا يتعرض طالب الحماية لأي اعتداء أو خطر.
وعند قيام مجلس مكافحة الفساد بالبت في طلب توفير الحماية فإنه يأخذ بعين الاعتبار التهديد الذي يتعرض له طالب الحماية، وما قام به طالب الحماية من إجراءات في كشف الجريمة، وقدرة طالب الحماية على تقديم المساعدة والتعاون مع وحدة الحماية، والتكاليف المالية المتوقعة لتوفير الحماية.
وإذا صدر قرار من مجلس الهيئة بالموافقة على توفير الحماية فإنه يتم البدء في إجراءات توفيرها فور صدور القرار أو من التاريخ الذي يحدده المجلس، ويتم إبلاغ مقدم طلب الحماية بالبدء في إجراءات الحماية وخطة الحماية التي سوف يتم تطبيقها، ويوقع طالب الحماية محضر يتضمن خطة الحماية وإجراءاتها ويتعهد مقدم طلب الحماية بالالتزام بما ورد بهذا المحضر.
وقد ذهب البعض إلى أن المحضر الذي يوقعه طالب الحماية لا يمكن اعتباره عقدا أو اتفاقا ولا يمكن الطعن عليه أمام الجهات القضائية، وإنما يمكن اعتبار المحضر بمثابة مذكرة تفاهم تبين التزامات وحقوق طرفي الحماية، وهذه المذكرة غير ملزمة قانونا، ولمزيد من السرية يفضل عدم تزويد طالب الحماية نسخة من المذكرة، وذلك حتى لا يعتدي عليها من يقومون بالبحث عن الشخص المحمي.[6]
وغلبا ما تحتوي مذكرة التفاهم على برنامج الحماية، والإجراءات التي تتخذها وحدة الحماية في سبيل توفير الحماية، والالتزامات التي يتعين على الطالب الحماية الالتزام بها، كما تحتوي المذكرة على نطاق هذه الحماية إذا ما كانت تشمل فقط طالب الحماية أو أسرته أو أقاربه.
سادسا: تعديل برنامج الحماية وإنهاءه:
1- تعديل برنامج الحماية:
أعطى المشرع الأردني للشخص الذي تقرر فرض الحماية له الحق في طلب تعديل الحماية سواء بتخفيفها أو تشديدها أو رفعها أو إعادتها بعد رفعها، وذلك من خلال تقديم طلب خطي من الشخص الذي تقرر حمايته بنفسه، ويصدر مجلس مكافحة الفساد قراره بشأن الطلب المقدم، بناء على تنسيب رئيس المجلس والذي يستند في تنسيبه إلى توصية لجنة الحماية، ثم يتم إبلاغ مقدم الطلب بما تم اتخاذه بشأن قبول طلبه أو رفضه.
وذلك وفقا لما نصت عليه المادة (8) من نظام حماية المبلغين والشهود والخبراء في قضايا الفساد وأقاربهم والأشخاص وثيقي الثقة بهم رقم (62) لسنة 2014 حيث ورد بها أنه: ” أ- يحق للأشخاص الذين تقرر توفير الحماية لهم وفقا لأحكام هذا النظام التقدم بطلب خطي لتخفيف الحماية أو تشديدها أو رفعها أو إعادتها بعد إلغائها. ب- يصدر المجلس قراره بشأن أي من الطلبات المنصوص عليها في الفقرة (أ) من هذه المادة بناء على تنسيب الرئيس المستند إلى توصية وحدة الحماية ويبلغ به مقدم الطلب والجهات ذات العلاقة”.
2- إلغاء الحماية:
يمكن أن تنتهي الحماية باختيار الشخص المحمي أو قد يتم إلغاءها جبرا عنه من قبل مجلس مكافحة الفساد.
أ- إلغاء الحماية باختيار الشخص المحمي:
أعطى المشرع الأردني للشخص المحمي الحق في طلب إلغاء الحماية، إلا أن المشرع اشترط أن يقدم الشخص المحمي طلبا خطيا بنفسه يطلب فيه إلغاء الحماية عنه إلى مجلس مكافحة الفساد، ولا يتم إلغاء الحماية إلا بصدور قرار من المجلس بعد تنسيب رئيس المجلس المستند إلى توصية وحدة الحماية، وذلك وفقا لما ورد بالفقرة الثالثة بالمادة (11) من نظام حماية المبلغين والشهود والخبراء في قضايا الفساد وأقاربهم والأشخاص وثيقي الثقة بهم رقم (62) لسنة 2014 حيث ورد بها أنه: ” تنقضي الحماية التي تقرر توفيرها لأي من الأشخاص وفقا لأحكام هذا النظام بقرار من المجلس بناء على تنسيب الرئيس المستند إلى توصية وحدة الحماية في حالة: إذا كان ذلك بناء على رغبة الشخص بموجب طلب خطي”.
ب- إلغاء الحماية عن الشخص المحمي جبرا:
إذا كان المشرع أعطى الشخص المحمي الحق في إلغاء الحماية عنه، فإنه في نفس الوقت قد أعطى مجلس مكافحة الفساد صلاحية في إلغاء الحماية عن الشخص المحمي جبرا، وقد أشار المشرع إلى الحالات التي يجوز فيها للمجلس إلغاء الحماية إلا أنها وردت على سبيل المثال لا الحصر، حيث يجوز للمجلس إلغاء الحماية في حالة مخالفة الشخص المحمي لشروط منح الحماية، كما يتم إلغاء الحماية إذا انقضت الحاجة إلى بقاء الحماية، ويمكن للمجلس أيضا إلغاء الحماية إذا أخل الشخص المحمي بما ورد في مذكرة التفاهم، أو أن يرفض الشخص المحمي تقديم أدلة الإثبات أو يقدم أدلة أو معلومات غير صحيحة مع علمه بذلك.
وقد نص المشرع أيضا على سقوط الحماية عن الشخص المحامي في حال ارتكابه لأي جناية أو جنحة مخلة بالشرف، وذلك وفقا لما نصت عليه المادة (26) من قانون مكافحة الفساد حيث ورد بها أنه: ” تسقط الحماية الممنوحة بقرار من المجلس في حال مخالفة شروط منحها أو في حال ارتكاب الشخص الممنوحة له الحماية لأي جناية أو جنحة مخلة بالشرف”.
إعداد/ مصطفى كامل.
[1] أنظر دكتور أسماء عمرو مناور، دكتور عبد الله عيسى عبد الله، الحماية الجنائية للمبلغ في قضايا الفساد، دارسات علوم الشريعة والقانون، المجلد 45، العدد 4، ملحق1، 2018، ص 314.
[2] أنظر أستاذ كمال محمود العساف، وإشراف دكتور محمد عودة الجبور، الإطار القانوني لحماية المبلغين والشهود والمخبرين والخبراء في قضايا الفساد، رسالة لاستكمال متطلبات الحصور على درجة الماجستير، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط، 2015، ص 38.
[3] أنظر أستاذ كمال محمود العساف، وإشراف دكتور محمد عودة الجبور، الإطار القانوني لحماية المبلغين والشهود والمخبرين والخبراء في قضايا الفساد، رسالة لاستكمال متطلبات الحصور على درجة الماجستير، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط، 2015، ص 56.
[4] أنظر دكتور أسماء عمرو مناور، دكتور عبد الله عيسى عبد الله، الحماية الجنائية للمبلغ في قضايا الفساد، دارسات علوم الشريعة والقانون، المجلد 45، العدد 4، ملحق1، 2018، ص 320.
[5] أنظر دكتور ما شاء الله عثمان الزوي، الحماية الجنائية الموضوعية للمبلغين في جرائم الفساد الإداري والمالي (دراسة مقارنة)، مجلة البحوث القانونية، العدد 12، 2021، ص 29.
[6] أنظر دكتور أسماء عمرو مناور، دكتور عبد الله عيسى عبد الله، الحماية الجنائية للمبلغ في قضايا الفساد، دارسات علوم الشريعة والقانون، المجلد 45، العدد 4، ملحق1، 2018، ص 319.

