العقود الملزمة للجانبين

العقود الملزمة للجانبين

العقود الملزمة للجانبين تخلق حالة من التبادل بين الالتزامات التعاقدية والتي تنشأ بدورها حالة من الترابط بين هذه الالتزامات، وتجعل تنفيذ أحد الالتزامات الصادرة من أحد الأطراف مرتبط بتنفيذ الالتزام المقابل له من الطرف الآخر، وإخلال أحد الأطراف بالالتزام يخل أيضاً بالالتزام المقابل له من الطرف الآخر ويرتب آثاره القانونية.

أولاً: ما المقصود بالعقود الملزمة للجانيين:

ثانياً: خصائص العقود الملزمة للجانبين:

ثالثاً: الالتزامات في العقود الملزمة للجانبين:

رابعا: أمثلة للعقود الملزمة للجانبين:

أولاً: ما المقصود بالعقود الملزمة للجانيين:

العقد الملزم للجانبين هو العقد الذي يرتب التزامات متبادلة في ذمة كل من الطرفين، فيكون تنفيذ التزام طرف متوقف على تنفيذ التزام الطرف الآخر، فكلا الطرفين دائن ومدين في نفس الوقت، ويترتب على إخلال طرف لالتزام أو استحالة تنفيذه لسبب أجنبي إلى تولد الآثار القانونية للعقد من فسخ أو الحق في عدم التنفيذ، ويعتبر العقد الملزم للجانبين من أشهر تقسيمات العقود وأبرزها، والذي يحدد نوع العقد هو الأثر القانوني الناشئ عن إبرام العقد الذي يرتب التزامات إما أن يرتب التزامات علي عاتق طرف واحد فيكون العقد من العقود الملزمة لجانب واحد مثل عقد الوديعة، وإما أن يرتب التزامات متبادلة على كل من الطرفين فيكون عقدا ملزما للجانبين مثل عقد البيع[1].

ثانياً: خصائص العقود الملزمة للجانبين:

أـ العقد الملزم للجانبين من عقود المعاوضة:

حيث إن ترتيب التزامات على كل من طرفي العقد يجعل هذه الالتزامات متبادلة فكل طرف يقدم التزام في سبيل الحصول على عوض أو منفعة من الطرف الآخر، ففي عقود الإيجار مثلاً يلتزم المؤجر بأن يقدم العين المؤجرة للمستأجر في مقابل الحصول على منفعة وهي الأجرة، والمستأجر يقدم الأجرة في مقابل الحصول على الانتفاع من هذه العين.

ب ـ العقد الملزم للجانبين من العقود الزمنية:

حيث أن عنصر الزمن في العقود الملزمة للطرفين عنصراً مهماً فهو يحدد موعد بدأ الالتزامات وانتهاءها كما يحدد ميعاد انقضاء العقد وآثاره[2].

ثالثاً: الالتزامات في العقود الملزمة للجانبين:

عرفت المادة (68) من القانون المدني الأردني الحق الشخصي بأنه “رابطة قانونية بين دائن ومدين يطالب بمقتضاها الدائن مدينه بنقل حق عيني أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل” فالحق الشخصي هو الوجه الآخر للالتزام فمن جانب الدائن حق ومن جانب المدين التزام[3].

وقيام العلاقة القانونية بين أطراف العقد تنشئ التزامات متعددة في ذمة كل من الطرفين إما أن تكون هذه الالتزامات متبادلة، أي أن لكل طرف نصيب من الالتزامات في مواجهة الآخر وهذا هو مضمون العقود الملزمة للطرفين، وإما أن تكون هذه الالتزامات واقعة على طرف واحد فقط دون الطرف الآخر وهي التي تعرف بالعقود الملزمة لجانب واحد.

يؤدي تواجد التزامات متبادلة في العقود الملزمة للجانيين إلى ظهور ما يسمى “بالترابط” أي وجود علاقة ترابط بين الالتزامات والتي تتمثل في أن تنفيذ التزام من جانب أحد الأطراف يوجب على الطرف الثاني القيام بتنفيذ التزامه أيضاً.

أـ مفهوم الترابط:

والترابط بين التزامات العقد قانوناً: هو وجود حالة تقابل التزامات بين أطراف العقد فقيام طرف بتنفيذ التزامه يؤدي إلى وجوب قيام الطرف الثاني بالتزامه الذي يرتبه العقد عليه، فيكون هناك ترابط في العقد الملزم للجانبين يجعل التنفيذ يقابل التنفيذ والإخلال يقابله إخلال أيضاً في الالتزامات ويرتب آثاره القانونية لأن كلاً من الطرفين دائن ومدين في نفس الوقت[4].

   ب ـ صور الترابط:

وضع الشراح للقانون المدني صورتين لترابط الالتزامات المتقابلة وهما:

الترابط القانوني:

تظهر هذه الرابطة القانونية عند وجود علاقة قانونية تبادلية، وهذه العلاقة نشأت من خلال تصرف قانوني محدد متمثل في العقد وهو ما يؤدي إلى ظهور علاقة ترابط بين الالتزامات المتبادلة بين طرفيه والذي يتشكل في العقود الملزمة للجانبين، مثل عقد البيع الذي تتمثل علاقة الترابط بين التزاماته في قيام البائع بنقل ملكية الشيء محل البيع إلى المشتري مقابل قيام المشتري بدفع ثمن هذا المبيع إلى البائع، فعدم قيام البائع بنقل الملكية يؤدي إلى توقف المشتري عن التزامه وهو دفع الثمن[5].

1.    الترابط المادي:

هذا النوع من الترابط يظهر بسبب حدوث واقعة مادية أي ليس قائماً على وجود علاقة قانونية أو تصرف قانوني، ولكن هذا الالتزام المتبادل نشأ بسبب الإنفاق على الشيء الواجب الأداء، في هذه الحالة يحق للمدين أن يمتنع عن القيام بتنفيذ التزامه الذي يتمثل في تسليم الشيء إلى الدائن وذلك حتى يحصل على مستحقاته التي وجدت بسبب الإنفاق على الشيء، مثل مصروفات الصيانة والحفظ، فيقف تنفيذ الحائز على تنفيذ صاحب الشيء، وذلك بسبب تواجد الترابط بين هذه الالتزامات.

2.    الترابط المختلط:

وهذا الترابط يجمع بين الترابط المادي والقانوني، وذلك عندما تكون الالتزامات المتبادلة قائمة على وجود التزام نشأ من علاقة قانونية مسبقة، والالتزام المقابل قائم بسبب الإنفاق على الشيء الواجب التسليم، مثال ذلك عقد الوديعة الذي يلتزم فيه المودع لديه أن يرد الشيء محل الوديعة إلى المودع، وبذلك فإن هذا العقد ملزم لجانب واحد ولكن يمكن أن يحدث ظهور لبعض المصاريف مثل الإنفاق على حفظ أو صيانة هذه الوديعة فتتمثل هنا الواقعة المادية[6].

ج. شروط الترابط:

هناك بعض الشروط التي يجب توافرها حتى تنشأ الرابطة بين الالتزامات المتقابلة هذه الشروط هي:

1.    وجود عقد ملزم للجانبين:

الأثر القانوني الناتج عن إبرام العقد تتجلى أهميته في أنه ينشأ التزامات، هذه الالتزامات إما أن تكون في ذمة أحد المتعاقدين تجاه الآخر بحيث ترتب التزامات على جانب واحد فقط، وإما أن تكون هذه الالتزامات متقابلة تقع على عاتق الطرفين، ويكون العقد هنا ملزماً للجانيين مثل عقد الإيجار الذي يرتب التزامات على كل من الطرفين، حيث إن المؤجر ملتزم بتسليم العين المؤجرة في حين أن المستأجر ملتزم بدفع الأجرة مقابل المنفعة من هذه العين، كذلك أيضاً بالنسبة لعقد البيع والعمل وغيرهم[7].

2.تأثر حال الالتزام بحال الالتزام المقابل:

وجود العقد الملزم للجانبين يؤدي إلى وجود عدد من الالتزامات المتقابلة والواقعة على كلاً من الطرفين، ويتأثر حال كل التزام بالآخر بحيث إذا تم تنفيذ التزام يؤدي إلى تنفيذ الالتزام المقابل له أيضاً والعكس في حالة التخلف عن التنفيذ وعدم الوفاء بالالتزام، مما يؤدي إلى إنهاء الرابطة التعاقدية وتلاشي الالتزامات وترتب الآثار القانونية من فسخ وتعويض كما سوف نرى.

الآثار المترتبة من الالتزامات المتقابلة:

إن عملية الترابط بين الالتزامات تُنشأ مجموعة من الآثار القانونية في مجال القانون المدني ومن هذه الآثار القانونية الحق في الدفع بعدم التنفيذ أو المطالبة بالفسخ وأيضاً المطالبة بالتعويض كما سنرى:

ـ حق الدفع بعدم التنفيذ:

الدفع بعدم التنفيذ هو حق ينشأ لكلاً من الطرفين في حالة عدم قيام أحد الأطراف بالالتزامات المترتبة عليه من خلال العقد، فيكون للطرف الثاني الحق بعدم تنفيذ الالتزام المقابل وهو ما يسمى بعدم التنفيذ المشروع، وهذا الدفع يتواجد فقط في العقود الملزمة للجانبين والتي يكون فيها الطرفين لديهم التزامات متقابلة، مثل عقد البيع فيكون على البائع نقل ملكية الشيء المبيع للمشتري فإذا امتنع البائع عن نقل الملكية يكون من حق المشتري أن يدفع بعدم التنفيذ ودفع الثمن للبائع[8].

أما بالنسبة للتشريعات العربية نجد أن المشرع المصري نص في المادة (161) من القانون المدني علي “في العقود الملزمة للجانبين إذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء جاز لكل من المتعاقدين أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إذا لم يقم المتعاقد الآخر بتنفيذ ما التزم به” فنجد أن هذه المادة أقرت بمبدأ عدم التنفيذ وهي المادة المقابلة أيضاً للمادة (203) من القانون المدني الأردني.

ـ طلب فسخ العقد:

في العقود الملزمة للجانبين والتي تنشأ التزامات متبادلة إذا أخل طرف بأحد التزاماته المترتبة عليه في العقد فإن للطرف الثاني أن يطلب بفسخ العقد، فالفسخ حق من حقوق المتعاقدين لإنهاء الرابطة العقدية في العقد الملزم للجانبين، حيث جاءت المادة (246) من القانون المدني الأردني بـ “في العقود الملزمة للجانبين إذا لم يوف أحد العاقدين بما وجب عليه بالعقد جاز للعاقد الآخر بعد إعذاره المدين أن يطالب بتنفيذ العقد أو بفسخه. 2- ويجوز للمحكمة أن تلزم المدين بالتنفيذ للحال أو تنظره إلى أجل مسمى ولها أن تقضي بالفسخ وبالتعويض في كل حال إن كان له مقتضى”.

ـ تحمل تبعة الهلاك لاستحالة التنفيذ:

نتكلم في هذا الأثر عن الحالة التي يكون فيها العقد ملزم للجانبين وهذا العقد كما ذكرنا يرتب التزامات متقابلة، فإذا كان التزام أحد الأطراف هو تسليم شيء محدد للطرف الثاني وأصاب هذا الشيء محل التسليم هلاك بسبب أجنبي لا دخل للمدين به فإن العقد يكون في هذه الحالة منقضي، وتتلاشي الالتزامات المترتبة عليه ويعتبر العقد مفسوخاً بقوة القانون.

وذلك وفقاً للمادة (247) من القانون المدني الأردني والذي تنص على” في العقود الملزمة للجانبين إذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً انقضى معه الالتزام المقابلة وانفسخ العقد من تلقاء نفسه فإذا كانت الاستحالة جزئية انقضى ما يقابل الجزء المستحيل ومثل الاستحالة الجزئية الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة وفي كليهما يجوز للدائن فسخ العقد بشرط علم المدين”،

 ويتحمل المدين في العقود الملزمة للجانبين مسؤولية هلاك الشيء حتى لو كان الهلاك راجع إلى سبب أجنبي ليس للمدين يد فيه، ومثال على ذلك عقد البيع والذي يلتزم فيه البائع بتسليم المبيع فإذا حدث سبب أجنبي وأدى هذا السبب لهلاك المبيع يتحمل البائع الهلاك، وذلك وفقاً للمادة (472) من القانون المدني الأردني” إذا هلك المبيع في يد المشتري بعد تسلمه لزمه أداء الثمن المسمى للبائع وإذا هلك قبل التسلم بسبب لا يد للمشتري فيه يكون مضموناً على البائع”[9].

رابعا: أمثلة للعقود الملزمة للجانبين:

وقد قمنا في مقال منفصل بتقديم شرح مفصل عن أشكال العقود الملزمة للجانبين، وننصح بالرجوع إليه،

  • عقد البيع:
  • مفهوم عقد البيع:

هو عقد ملزم للجانبين حيث يلتزم الطرف الأول وهو “البائع” بنقل ملكية الشيء أو أي حق مالي آخر للطرف الثاني وهو “المشتري”، على أن يلتزم هذا الأخير بدفع مقابل مالي للبائع، ولهذا فإن عقد البيع من عقود المعاوضة حيث يأخذ البائع عوضاً مالياً عن المبيع، والمشتري ينتقل إليه الملكية مقابل الثمن المدفوع، كما أن عقد البيع من العقود الرضائية التي لا تشترط شكلاً معيناً لانعقادها بل تقف على التراضي في الإيجاب والقبول[10].

  • أركانه:

المتعاقدون: وأطراف عقد البيع هما البائع والمشتري، ويشترط أن يكون كلاً من البائع والمشتري مميزاً ورشيداً، كما يشترط أن يكون لهم حق التملك الصحيح وحق الاختيار.

المحل: المحل في عقد البيع هو الشيء المبيع أو الثمن المدفوع، ويشترط في المحل أن يكون طاهر غير نجس وأن يكون منتفع به، كما يشترط أن يكون موجوداً وقت التسليم ومعلوم القيمة للطرفين، وأن يكون من الأشياء التي يجوز بيعها.

الصيغة: وهي إبداء الإيجاب والقبول من قبل الطرفين، وهي الصيغة المطلوبة في عقد البيع والتي تدل على التراضي في إبرام العقد، ويشترط في الصيغة أن يتوافر فيها الرضا في الإيجاب والقبول[11].

  • عقد العمل:
  • مفهوم عقد العمل:

وهو العقد الذي ينشأ بمناسبة القيام بعمل، وهو من العقود الملزمة للطرفين حيث يلتزم الطرف الأول وهو “العامل” بالعمل لمصلحة الطرف الثاني وهو “صاحب العمل” مدة معينة في مقابل أجر محدد ومناسب لهذا العمل وتحت إدارة وإشراف صاحب العمل، وهو من عقود المعاوضة حيث يأخذ العامل أجرًا مقابل عمله ويضمن صاحب العمل سير عمله في مقابل الأجر الذي يدفعه، أيضا عقد العمل من العقود الزمنية[12].

  • أركانه:

المتعاقدون: وطرفي عقد العمل هما العامل وصاحب العمل، ويشترط في كل منهم أن يكون مميزاً رشيدًا لديه القدرة على التملك الصحيح والإرادة.

الأجر: وهو مقابل من المال يدفعه صاحب العمل للعامل مقابل القيام بعمل، ويشترط أن يكون هذا الأجر معلوم القيمة والقدر ومحدد الأجل الذي يتقيد إما بالعمل أو الزمن.

العمل: وهو الذي قام بمناسبته إبرام عقد العمل، ويشترط في هذا العمل أن يكون مباحا[13].

خاتمة:

وهكذا نجد أن العقود الملزمة للجانبين عقود تنشأ حالة من الترابط والتبادل بين طرفي العقد؛ بسبب الالتزامات المتبادلة بين الأطراف، مما يجل كل من أطراف العقد كالمشتري والبائع في عقد البيع أو المؤجر والمستأجر في عقد الإيجار دائن ومدين في نفس الوقت، وهذا الترابط بين الالتزامات يجعل وقوع التزام من قبل أحد الأطراف مرتبط بوقوع الالتزام الآخر المقابل له.

إعداد/ يسرا محمد كشك.

[1] حنون، جعفر محمد، فكرة الترابط بين الالتزامات المتقابلة وأثرها في العقود الملزمة للجانبين، مجلة كلية القانون للقانون والسياسة، جامعة كركوك، 2013م.

[2]  انظر نوار، خالد أمين صبري، آثار إلغاء قاعدة الامتداد القانوني لعقد الإيجار بموجب القانون المعدل لقانون المالكين والمستأجرين الأردني، جامعة الشرق الأوسط للدراسات العليا، 2009، ص18.

[3] حنون، جعفر محمد، مرجع سابق، ص5.

[4] انظر، حنون، جعفر محمد، مرجع سابق.

[5] انظر، حنون، جعفر محمد، مرجع سابق.

[6] حنون، جعفر محمد، مرجع سابق، ص13.

[7] حنون، جعفر محمد، مرجع سابق، ص14.

[8] حنون، جعفر محمد، مرجع سابق.

[9] انظر حنون، جعفر محمد، مرجع سابق.

[10] انظر السنهوري، عبد الرزاق أحمد، الوسيط في شرح القانون المدني، ج4، العقود التي تقع على الملكية، البيع والمقايضة، دار إحياء التراث العربي، لبنان.

[11] انظر السنهوري، عبد الرازق احمد، مرجع سابق.

[12] انظر د/ مجدي عبد الله شرارة، علاقات العمل الفردية، مؤسسة فريدريش ابيرت مكتب مصر، 2016م.

[13] انظر د/ مجدي عبد الله شرارة، مرجع سابق.

Scroll to Top