عقود المعاوضة في القانون المدني الأردني

عقود المعاوضة في القانون المدني الأردني

إن الإنسان يحتاج إلى أمور متنوعة متعددة في مجالات حياته المختلفة، وهو لا يقدر على تلبية كل هذه الاحتياجات بمفرده؛ لذا فإنه يحتاج إلى من يقدمها له مقابل أن يُقدم ما لديه هو الآخر لذلك الشخص، فيتبادل الناس احتياجاتهم بعضهم مع بعض في نظام متكامل يسمى المعاوضات المالية. وتعد عقود المعاوضة من العقود المسماة، التي تكون سببًا من أسباب التملك سواء العين أو المنفعة؛ لذلك تعد أيضا من عقود التمليك، ولعقود المعاوضة أهمية كبيرة في تنمية المجتمع واقتصاد الدولة وتبادل المنافع بين الناس وغيرها؛ لذا كان لابد من تسليط الضوء حول ماهية عقود المعاوضة، ودليل مشروعيتها، وخصائصها، والفرق بينها وبين عقود التبرع، وأنواع عقود المعاوضة، وأهميتها، وغير ذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:

أولًا: المقصود بعقود المعاوضة

ثانيًا: دليل مشروعية عقود المعاوضة والحكمة من مشروعيتها

ثالثًا: خصائص عقود المعاوضة

رابعًا: أهمية عقود المعاوضة

خامسًا: الفرق بين عقود المعاوضة وبين عقود التبرع

سادسًا: أنواع عقود المعاوضة

سابعًا: حكم التعليق في عقود المعاوضة

ثامنًا: العذر وأثره في عقود المعاوضة

تاسعًا: طرق إنهاء عقود المعاوضة

عاشرًا: سوابق قضائية على عقود المعاوضة

 ونقدم شرحًا مفصلًا لكل عنصر من العناصر السابقة فيما يلي:

أولًا: المقصود بعقود المعاوضة 

تعددت التعريفات لمصطلح عقد المعاوضة؛ وبالنسبة للاصطلاح الفقهي يُمكن تعريف عقد المعاوضة بأنه: “عقد يُعطى كل طرف فيه نفس المقدار من المنفعة التي يعطيها الطرف الأخر”([1]). وكذلك يُمكن تعريف عقد المعاوضة بأنه: “كل عقد محتو على عوض من الجانبين، وتسمى أيضًا عقود المبادلات المالية”([2]).

ثانيًا: دليل مشروعية عقود المعاوضة والحكمة من مشروعيتها

 هناك أدلة عديدة على مشروعية عقد المعاوضة سواء من القرآن أو السنة النبوية أو القانون، وذلك فيما يلي:

1.     دليل مشروعية عقد المعاوضة من القرآن الكريم

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وقال: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}. (سورة المائدة)  ويتضح من ذلك أن الأصل في العقود الوفاء بها حسب ما تراضى طرفي العقد على ما اتفقا عليه.

2.     دليل مشروعية عقد المعاوضة من السنة النبوية

 لما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المسلمون على شروطهم”. أما إذا خالف العقد أو الشرط الشرع فلا عبرة به وهو باطل وإن تراضى الطرفان عليه، فالتراضي لا يحل الحرام؛ وقد دل على ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة مرة”.

3.     دليل مشروعية عقد المعاوضة من القانون

نص المشرع الأردني في (المادة 200) من القانون المدني الأردني على أن: “عقد المعاوضة الوارد على الأعيان إذا استوفى شرائط صحته يقتضي ثبوت الملك لكل واحد من العاقدين في بدل ملكه والتزام كل منهما بتسليم ملكه المعقود عليه للأخر”.

كما ورد في المادة (201) من القانون المدني الأردني الآتي: “عقد المعاوضة الوارد على منافع الأعيان مستوفيًا شرائط صحته يستوجب التزام المتصرف في العين بتسليمها للمنتفع والتزام المنتفع بتسليم بدل المنفعة لصاحب العين”.

ثالثًا: خصائص عقود المعاوضة

تتميز عقود المعاوضة بمجموعة من الخصائص، ونبين ذلك فيما يلي:

  • عقود المعاوضة تعد من العقود الملزمة للجانبين: حيث يأخذ فيها كل من المتعاقدين مقابلًا لما يعطي، كعقود البيع حيث يلتزم البائع بتسليم المبيع حسب المواصفات المتفق عليها، ويلتزم المشتري بأداء ثمنه كشرط لإتمام العقد، وأيضًا عقد الإجارة والعمل والشركة.
  • عقود المعاوضة تعد من العقود الرضائية: حيث يشترط توافر حرية إرادة المتعاقدين معًا؛ لصحة العقد، فانتفاء الرضا في إرادة أحد المتعاقدين كأن تشوب إرادته غلط أو إكراه أو تدليس؛ تُبطل ذلك العقد.
  • عقود المعاوضة تعد من عقود العوض: إذ ينتج عنه التزام لكلٍ من طرفي العقد اتجاه الطرف الآخر، سواء كان عقد مبادلة الشيء بثمنه كعقد البيع، أو مبادلة الشيء بمنفعة كعقد الإجارة أو العمل.
  • عقد المعاوضة قد يكون عقد ناقل للملكية أو نفعي لا تصرفي: ففي عقد البيع مثلًا ينتج عنه أثر قانوني يكتسب بسببه المشتري ملكية المبيع في مقابل أن يكتسب البائع الثمن، أما في عقد الإجارة فهو لا ينقل ملكية الشيء المكتري بل منفعته فقط، وبذلك لا يحق للمكتري التصرف في العين المكتراة ببيع أو تبرع.
  • عقد المعاوضة قد يكون مقيد بزمن محدد أو غير مقيد: فقد يكون العقد مُقيد بزمن معين ينتهي به كعقد الإجارة حيث يتم انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة خلال مدة معينة متفق عليها مع المؤجر قابلة للتجديد باتفاق الطرفين، أو غير مقيد بزمن محدد كعقد الشراكة ينتهي بالاتفاق بين طرفيه على اقتسام الأرباح وتصفية الشركة أو بهلاك المال.

رابعًا: أهمية عقود المعاوضة

لعقود المعاوضة أهمية كبيرة سواء بالنسبة للفرد أو بالنسبة للمجتمع، وذلك فيما يلي:

  1. نظام المعاوضات يوفر خيارات متعددة وواسعة تُمكن الأفراد والمجتمعات من تلبية حاجاتهم الأساسية؛ مما يحقق التنمية والرخاء الاقتصادي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي للأمة؛ وهو ما يقلل من مشكلة الفقر والبطالة.
  2. خلق أنشطة اقتصادية قائمة على الثقة، والوضوح، وضمان ازدهار المعاملات المالية، ونشاط الحركة الاقتصادية، واستثمار المال، وعدم كنزه؛ مما يؤدي إلى تطوير النظام الاقتصادي.
  3. تحقيق العدل ومنع كل أسباب الكراهية بين الناس من خلال حفظ حقوق المتعاملين، وصيانة أموالهم من أن تكون عرضة للاعتداء والضياع.
  4. كما أن المعاوضات المالية لها غايات أخلاقية وتربوية مثل اكتساب خلق العفة، والاعتماد على الذات في اكتساب الرزق الحلال، واكتساب صفات الوفاء والأمانة والالتزام بتنفيذ بنود العقد.

خامسًا: الفرق بين عقود المعاوضة وبين عقود التبرع

 لابد من تعريف عقود التبرع أولًا حتى نوضح الفرق بين عقود المعاوضة وعقود التبرع، ويمكن تعريف عقود التبرع بأنها: “العقود التي تقوم على أساس المنحة أو المعونة من أحد الطرفين للآخر؛ فلا يأخذ فيها المتعاقد مقابلًا لما أعطاه، ولا يعطي فيها المتعاقد الآخر مقابلًا لما أخذه”([3]).

 ومن ذلك يتضح أنه رغم أن العقدين يُعتبرا من عقود التمليك، غير أنه يُمكن التمييز بينهم من حيث عدة أوجه، وذلك فيما يلي:

1.     كون العقد من العقود الملزمة للجانبين أم لا

فبالنسبة لعقد المعاوضة فإنه من العقود الملزمة للجانين كما بينا سابقًا. أما عقد التبرع فإنه عقد غير ملزم، حيث لا يوجد به أي عوض، إذ لا يأخذ المتعاقد مقابلا لما أعطاه.

2.     أهمية العنصر النفسي والعاطفي عند إبرام العقد

فبالنسبة لعقد المعاوضة فالعامل الذي يسيطر على المتعاقد عند إبرام العقد هو المصلحة فقط دون أي تأثير نفسي، على العكس نجد أن الذي يحرك المتعاقد لإبرام عقد تبرع هو عامل نفسي أو عاطفي يسعى لتحقيه دون أن يكون له أي مصلحة في ذلك.

3.     الأهلية اللازمة لإبرام العقد

فبالنسبة لعقد المعاوضة لا يشترط توافر الأهلية الكاملة في المتعاقد حيث يُعتبر العقد وقتها صحيح ولكنه موقوف على إجازة نائبه أو هو ذاته بعد بلوغه سن الرشد الذي يتيح له نفاذ العقد. أما عقود التبرع يجب توافر أهلية الأداء الكاملة في المتبرع؛ حتى يعتبر التصرف صحيحًا منتجًا لأثاره القانونية.

4.     الغلط في شخص المتعاقد

فبالنسبة لعقد المعاوضة فالأصل أنه لا تأثير للغلط في شخص المتعاقد إلا إذا كانت شخصية المتعاقد محل اعتبار في العقد. أما الغلط في الأشخاص قد يؤثر على عقد التبرع، ويعد غلطًا جوهريًا يؤدي إلى قابلية العقد للفسخ.

5.     المسئولية العقدية

المسئولية العقدية للمعاوض أشد من مسئولية المتبرع؛ بحيث يكون هناك تفاوت واختلاف بالمسؤولية المترتبة عليهم في حال فساد العقد أو بطلانه. فعقد المعاوضة يفرض على المُعاوض التزامات أشد من التزامات المتبرع في عقد التبرع، مثال ذلك في عقد البيع يلتزم البائع بضمان استحقاق المبيع ويضمن العيوب الخفية في حين أن الواهب في عقد الهبة لا يلتزم بهذه الأمور.

6.     شرط رفع الدعوى البوليصية

في عقد المعاوضة يشترط لرفع الدعوى البوليصية أن ينطوي التصرف الصادر من المتعاقد على تواطؤ المتصرف إليه وغشه أي لابد من إثبات سوء نية المتعاقد. أما في عقد التبرع فلا يشترط وجود تواطؤ المتصرف إليه وغشه أي يجوز الطعن في عقود التبرع في الدعوى البوليصية دون إثبات سوء نية المتبرع له.

سادسًا: أنواع عقود المعاوضة

يمكن تقسيم عقود المعاوضة إلى نوعين على حسب مقصدها من المال، وذلك إلى:

1.     عقود المعاوضة المحضة

هي العقود التي يقصد فيها المال من الجانبين سواء كان المال عين أو منفعة بحيث يكون هناك تبادل الحقوق والالتزامات بين طرفي العقد، مثال ذلك عقود البيع، وعقد الإجارة

2.     عقود المعاوضة غير المحضة

هي العقود التي يقصد فيها المال من جانب واحد لا من الجانبين بحيث يكون العقد الواحد معاوضة بالنسبة لأحد المتعاقدين وتبرعا بالنسبة للمتعاقد الأخر، مثال ذلك الكفالة.

كما يمكن تقسيم عقود المعاوضة إلى عدة أقسام على حسب مقابل الذي يحصل عليه، وذلك فيما يلي:

  1. عقد مبادلة الشيء بثمنه: وهو مقابلة مال قابل للتصرف فيه بمال مثله مع الإيجاب والقبول على الوجه المأذون به شرعًا، كعقد البيع
  2. عقد مبادلة منفعة الشيء بثمنه: وهو عقد يمنح أحد المتعاقدين بمقتضاه للمتعاقد الأخر منحة منقول أو عقار خلال مدة معينة مقابل أجرة محددة، كعقد الإجارة.
  3. عقد مبادلة مال بعمل: هو الذي يكون المعقود عليه فيه عملًا معلومًا مقابل أجر، وتمتد الإجارة إلى مجالات اقتصادية متنوعة مثل: الصناعة والتجارة والخدمات.
  4. عقد مبادلة منفعة بمنفعة: قسمة المنافع كما في المهايأة بحيث ينتفع كل واحد من الشريكين بالعين المشتركة بالتناوب فينتفع أحدهما مدة والأخر مدة أو ينتفع أحدهما بمكان والآخر بمكان.

سابعًا: حكم التعليق في عقود المعاوضة

 يقصد بالتعليق” ربط حصول مضمون أمر بحصول مضمون أمر أخر يكون محتمل الوجود”([4])، وبذلك يتضح أن يتم تعليق العقد على أمر غير موجود وقت التعليق ولكنه محتمل الوجود. ونلاحظ تعددت الآراء في حكم التعليق في عقود المعاوضة؛ وانقسم الرأي إلى أتجهين وهما:

  1. اتجه جمهور الفقهاء إلى أن عقود المعاوضة لا تقبل التعليق، وأن التعليق يؤدي إلى فساد العقد. مثال ذلك أن يتم تعليق عقد بيع منزل حتى يجد منزل مناسب يستأجره فيكون البيع باطلًا. “إلا إن بعض العلماء استثنوا من ذلك تعليق العقد على رضا أحد العاقدين أو شخص أخر بشرط أن بما لا يزيد على مدة خيار الشرط، لأن هذا في معنى اشتراط الخيار لأجنبي وهو شرط جائز”([5]) كأن يتفق المتعاقدان على تعليق البيع على موافقة زوجة البائع في خلال ثلاثة أيام صح البيع. واستدلوا على عدم صحة عقد المعاوضة المعلقة بالآتي:
  • إن تعليق عقد المعاوضة به غرر من حيث حصول المعلق عليه وعدمه، وفيه غرر أيضًا من حيث وقت حصول المعلق عليه، وفيه غرر كذلك من حيث تحقق الرضا وعدمه عند حصول المعلق عليه.
  • الأصل في عقود المعاوضة أن يترتب عليها أثرها في الحال، والتعليق يمنع حدوث الأثر؛ مما يؤكد على أن التعليق يفسد العقد.
  • عدم تحقق الرضا بالعقد بسبب التعليق؛ لأن تحقيق أثر العقد لا يكون إلا مع الرضا، والرضا إنما يكون مع الجزم، ولا جزم مع التعليق ([6]).
  • نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الملامسة والمنابذة؛ لوجود التعليق ([7]).
  1. وأتجه ابن تيمية وابن القيم إلى جواز تعليق عقود المعاوضة إذا كان في ذلك منفعة للناس ولم يكن الشرط متضمن ما نهى الله عنه. واستدلوا على صحة عقد المعاوضة المعلق بالآتي:
  • ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه علق عقد المزارعة على شرط ولم يخالفه أحدَا من الصحابة.
  • أن الأصل في الشروط الجواز حتى يقوم الدليل على المنع؛ لأن التعليق نوع من الاشتراط في العقد.
  • تعليق العقود بالشروط أمر تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة، وعدم جوازه يؤدي إلى عرقلة مصالح الشخص ووضعه في ضيق.

 ثامنًا: العذر وأثره في عقود المعاوضة

يمكن تعريف العذر كما عرفه فقهاء الحنفية بما يلي: “العجز عن المضي في موجب العقد إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحق بالعقد”([8]).

 وبذلك يتضح أن العذر يكون السبب الطارئ الذي يعوق تنفيذ الالتزامات الموجبة للعقد، مما يجعل العذر الطارئ سبب لفسخ العقد وتحرير أطرافه من الالتزامات المتفق عليها، وبهذا يكون الأثر القانوني الذي يترتب على العذر الطارئ هو فسخ العقد.

 وتأثير العذر الطارئ يتحدد بحسب طبيعة العقود حيث إن العقود ليست على طبيعة واحدة. وبهذا يختلف مدى تطبيق مبدأ العذر الطارئ في عقود المعاوضة بحسب نوعها، ويتضح ذلك من خلال الآتي:

 فبالنسبة لعقود المعاوضة الملزمة للطرفين: أي العقود التي تنشئ التزامات متقابلة بين طرفي العقد كعقد الإجارة، فيجوز تطبيق مبدأ العذر الطارئ في هذه العقود؛ لأن طبيعتها تقبل الأثر الجزائي للعذر الطارئ وهو الفسخ، حيث تقبل هذه العقود الإلغاء الاتفاقي بين المتعاقدين والفسخ بالخيار.

 أما عقود المعاوضة الملزمة لأحد طرفيه: أي العقود التي تنشئ التزامات في ذمة أحد طرفي العقد دون الطرف الأخر كعقد الكفالة، “فلا يجوز تطبيق مبدأ العذر الطارئ في هذه العقود؛ لأن طبيعتها لا تتفق مع مبدأ العذر الطارئ، حيث إنه لا يوجد في هذه العقود مبادلة فلا يلجأ الطرف الآخر إلى الفسخ لحماية مصلحته وتسويه امتناعه من تنفيذ التزامه”([9]). وأيضًا الدائن يتمكن فيه من الفسخ متى شاء دون حاجة إلى عذر طارئ.

تاسعًا: طرق إنهاء عقود المعاوضة

 إنهاء عقود المعاوضة تعني حل الرابطة العقدية بين المتعاقدين، وتختلف الأسباب التي تؤدي إلى انقضاء العقد فقد تكون اختيارية أو اضطرارية، وذلك فيما يلي:

1.     انقضاء العقد اختياريًا

يتم انتهاء عقد المعاوضة اختياريًا أي بإرادة أحد طرفي العقد أو كلاهما بأي من الطرق الآتية:

  • تنفيذ الالتزامات الواردة في العقد: فإذا نفذت الالتزامات المتفق عليها بين الطرفين يعتبر العقد مقضي؛ لتحقيق غايته. وتنفيذ العقد قد يكون تنفيذ حقيقي من خلال تنفيذ الالتزامات كعقد البيع مثلا بأن يقوم البائع بتسليم المبيع إلى المشتري ويقوم الأخير بدفع الثمن في المقابل، أو تنفيذ حكمي عن طريق ما يقوم مقام التنفيذ شرعًا كالقصاص.
  • الفسخ الإرادي للعقد: يتم هذا النوع من الفسخ غالبا غي العقود غير اللازمة حيث يفسخ العقد بإرادة كل من المتعاقدين من غير اشتراط تراضيهما كعقد الوكالة والشركة. أما العقود الملزمة لجانب واحد فإنها تفسخ بإرادة من ليس لازمًا بحقه كعقد الرهن. أما العقود الملزمة للجانبين يتم فسخ العقد إذا طرأ عليها ما يؤثر على صفة اللزوم بحق أحد طرفي العقد حيث تفسخ من قبل الطرف الذي تعرض للضرر كما في عقد البيع منعدم ضمان البائع العيوب الخفية في المبيع مما يؤدي إلى طلب المشتري فسخ العقد.
  • الفسخ الاتفاقي للعقد (الإقالة): يتم هذا النوع من الفسخ في العقود الملزمة للجانبين؛ حيث يتفق طرفي العقد على إنهاء التعاقد بينهم وإلغاء الالتزامات التي تنشأ عن العقد الذي أقيل أيا كان سبب هذا الاتفاق مادام برضا الطرفين.
  • حل العقد: إنهاء الرابطة بينهم كعقد الزواج الذي يتم حل الرابطة الزوجية عن طريق الطلاق.

2.     انقضاء العقد اضطراريًا

  • موت أحد طرفي العقد: يخلف أثر الموت على إنهاء عقد المعاوضة باختلاف نوع العقد؛ فهناك بعض العقود التي تنتهي بموت أحد طرفي العقد وذلك إذا كانت شخصية المتعاقد أساسية في التعاقد كعقد الوكالة. ولكن يوجد عقود أخرى موت أحد طرفي العقد لا يؤثر على العقد وينتقل الالتزام إلى الورثة كعقد البيع. في حين أختلف الفقهاء حول تأثير الموت على إنهاء بعض العقود كما هو الحال في عقد الإجارة.
  • استحالة تنفيذ العقد: في هذه الحالة يصبح تنفيذ الالتزام مستحيلًا ويرجع ذلك إلى سبب قهري خارج عن إرادة المتعاقدين كهلاك محل العقد.
  • صعوبة تنفيذ العقد لسبب ما قابل للزوال (استحالة نسبية): وفي هذه الحالة يتم اللجوء إلى نظرية الظروف الطارئة؛ حيث يتم تقدير السبب وعلى أساس ذلك يحدد إذا ما كان سوف يؤدي إلى إسقاط الالتزام مع التعويض أو تخفيفه بإسقاط بعض منه وتنفيذ البعض الأخر أو منح أجل محدد لتنفيذ الالتزام.

 عاشرًا: سوابق قضائية على عقود المعاوضة

 لقد ورد في الحكم رقم (1058) لسنة2002م الصادر من محكمة تمييز حقوق الآتي: “وعن السبب الأول وحاصله تخطئة محكمة الاستئناف بعدم رد الدعوى شكلًا لتقديمها بصورة مخالفه للقانون، ذلك أن المميز ضده يطالب ببدل الأجر المسمى، وليس باجر المثل. وحيث مما لا خلاف عليه أن عقد المقاولة من عقود المعاوضة، يتعهد فيه المقاول القيام بعمل لحساب صاحب العمل مقابل أداءه بدلًا لذلك، وأنه ليس من عقود التبرع إلا إذا اتفق على ذلك، فإذا لم يحدد مقدار البدل فلا يعتبر العمل تبرعًا؛ لأن الأصل في العلاقة العقدية به قيام التزام بالبدل. لما كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق أن المدعي لم يقم بالأعمال الإضافية التي قام بها متبرعا إذ لم يرد ما يفصح عن نيته بالتبرع للجهة المدعى عليها، ولأن الثابت أنه أدى العمل المطلوب منه وبما يدخل في نطاق مهنته وصنعته، فإن ما ينبني على ذلك في حال عدم تحديد البدل أن يكون المدعي مستحقًا لأجر المثل …، وحيث إن الوقائع الواردة في لائحة الدعوى وسائر أوراقها تفيد مطالبة المدعي بقيمة الأعمال الإضافية الخارجة على حدود الاتفاق المعقود بينه وبين الجهة المدعى عليها، فإن الحكم له بأجر المثل عنها والمطالبة بها لا يخالف القانون وحيث أن محكمة الاستئناف خلصت إلى هذه النتيجة فإن قرارها يكون واقعا في محله وموافقا للقانون وسبب الطعن لا يرد عليه مما يتعين رده”.

 كما قضت محكمة تمييز حقوق في حكمها رقم (4756) لسنة 2019م بأن: “وللرد على ذلك نجد أن العبرة في تكييف العقد لنصوصه الواردة به بغض النظر عما يسبغه عليه أطرافه من أوصاف وأسماء وأنه يجب البحث في نية العاقدين هل اتجهت إلى الضمان أم إلى الإيجار وأن عقد الضمان لا بد من الرجوع به إلى بنوده وهو قانون العاقدين وأن هذا العقد تحكمه النصوص الواردة به والمعبر عن إرادة الطرفين بتجديدها بالرضا أو بانتهائها بانتهاء مدتها في حال عدم التجديد الرضائي. …. فإنه يتضح مما تقدم أن ما ورد بهذا العقد من بنود يجعلها ضمن نطاق عقد الإيجار ولا يدخلها في أحكام عقد الاستثمار (عقد الضمان) وأنه من خصائص عقد الإيجار أنه من عقود المعاوضة فالمؤجر يأخذ الأجرة مقابل تمكين المستأجر من الانتفاع بالمأجور والمستأجر بدفع الأجرة في مقابل هذا الانتفاع (تمييز رقم 1517/2002). وحيث إنه لمحكمة الموضوع سلطة تفسير العقود رقابة عليها في ذلك من محكمة التمييز إلا أن ذلك مشروط بأن يكون التفسير بما يكون أوفى بمقصود عاقديها وهو القصد المشترك الذي انصرفت إليه إرادة العاقدين وقت إبرام العقد وكان تفسيرها ما تحتمله عبارات العقد دون خروج فيها على المعنى الظاهر لها في جملتها فإذا ما انحرفت بتفسيرها عن المعنى الظاهر الواضح والمعبر عن القصد المشترك للعاقدين عن طريق التأويل الخاطئ ودون أن يكون هناك أسباب تبرره فهو انحراف وتشويه للعقد ومبرر لبسط محكمة التمييز رقابتها (تمييز رقم (2601/98)على مثل هذا التفسير الخاطئ وحيث إن محكمة الاستئناف قد ذهبت بتفسيرها الخاطئ لعبارات الاتفاق وما ورد بها من شروط إلى اعتبارها عقد استثمار خاضع للقانون المدني خلافًا لما توصلنا له من أنه عقد إيجار ويطبق ووفقًا لما ورد به من شروط إعمالًا لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين يكون ما توصلت له بهذا الجانب مستوجبًا النقض لورود الطعن عليه من هذا الجانب”.

وقرار محكمة تمييز حقوق رقم (845) لسنة 2014 م بأنه: “وفي ذلك نجد أن الاتفاق الجاري بين طرفي الدعوى وهو تنازل المستأجر (المميز) عن الانتفاع بالماجور لصالح المميز ضده لقاء مبلغ (15.000) دينار يدفعه الأخير للأول، وقد قام المميز ضده بتحرير شيك تم صرفه من قبل المميز كما تشير إلى ذلك البينات الثابتة في الدعوى، وإن المميز لم يتمكن من تنظيم عقد إيجار جديد للمميز ضده. إن هذا الاتفاق هو عقد بيع بالمعنى المقصود في المادة (465) من القانون المدني التي عرفت البيع بأنه تمليك مال أو حق مالي لقاء عوض، ويستفاد من ذلك إن عقد البيع هو عقد من عقود المعاوضة، ويرتب التزامات متبادلة بين طرفيه، أي يأخذ فيه البائع مقابلًا لما أعطى، ولما كان البيع في حالتنا المعروضة قد انصب على حق الانتفاع، فإن مقتضى ذلك أن يقوم كل طرف بالوفاء بما أوجبه العقد وفقا لأحكام المادة (199) من القانون المدني. إن حق الانتفاع – بالماجور – هو حق مالي ويصلح أن يكون محلًا لعقد البيع وفق ما أوضحته المذكرة الإيضاحية للقانون المدني “…..”، وتأكيدا لهذا المعنى نصت المادة (201) من القانون المدني على أن “عقد المعاوضة ……”. ولما كان الثابت أن المميز قد قبض بدل الخلو المتفق عليه من المميز ضده، في حين لم يمكن الأخير من الانتفاع بالعين المؤجرة فإنه – أي المميز – لم يفِ بالتزامه وفق الاتفاق في حين أن المميز ضده أوفى بالتزامه، وبعكس ذلك يغدو متبرعًا، وهو الأمر الذي توصلت إليه محكمة الاستئناف ونحن نقرها على ذلك، مما يتعين معه رد أسباب الطعن”.

إعداد/ محمد محمود

[1] معجم المعاني الجامع.

[2] الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج3، (ص2).

[3]– الزرقا، المدخل الفقهي العام، ص (579).

[4]– د. قطب سانو، معجم مصطلحات أصول الفقه، ص (138).

[5]– نقلا عن محامي في الأردن ، كشف القناع، ص (157).

[6]– كشف القناع، ص (195).

[7]– صحيح البخاري مع الفتح 10 / 278، وصحيح مسلم 3 / 125.

[8]– الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج2، ص (61).

[9]– تقي الدين الحصني، القواعد، ج4، ص (122).

Scroll to Top