أثر العقد بالنسبة للمتعاقدين في القانون الأردني
يمر العقد بعدة مراحل، ويبدأ بمرحلة السعي إلى التعاقد التي تؤدي إلى إبرام العقد، ثم تبدأ المرحلة الثانية من مراحل العقد بميلاده، ويكون ذلك بتوافر أركانه، وشروط صحته، فإذا أُبرمَّ العقد صحيحًا مستوفيًا لأركانه وشروطه؛ فإنه ينتج عنه آثار معينة تتمثل في الالتزامات التي تنشأ في ذمة كل من المتعاقدين، ومن الجدير بالذكر أن آثار العقد تنصرف إلى المتعاقدين فحسب، ولا تتعدى إلى سواهما، سواء أكانت هذه الآثار حقوقًا أو التزامات؛ وهو ما يعرف بمبدأ نسبية أثر العقد من حيث الأشخاص. وينصرف أثر العقد إلى المتعاقدين سواء تعاقد بطريقة مباشرة أم بطريقة النيابة، غير أنه هناك أشخاصًا آخرين قد تنصرف إليهم آثار العقد غير المتعاقدين الأصليين، وهؤلاء الأشخاص هم الذين تربطهم بالمتعاقدين صلة قرابة أو خلافة أي الخلف العام والخلف الخاص؛ لذا سوف نتناول في هذا المقال أثر العقد بالنسبة للمتعاقدين، وأثر العقد بالنسبة للخلف العام والخلف الخاص على النحو الآتي:
أولًا: مفهوم العقد في القانون المدني الأردني والفقه
ثانيًا: بيان آثار العقد بالنسبة للمتعاقدين
ثالثًا: أثر العقد بالنسبة للخلف العام والخلف الخاص
رابعًا: السوابق القضائية المتعلقة بأثر العقد بالنسبة للمتعاقدين في القانون الأردني
ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: مفهوم العقد في القانون المدني الأردني والفقه
لا يختلف مضمون تعريف العقد في القانون عن تعريفه في الفقه، ويتبين ذلك فيما يلي:
١- مفهوم العقد في القانون المدني الأردني:
يُعرف العقد على أنه: “هو ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الآخر وتوافقهما على وجه يثبت آثره في المعقود عليه، ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للآخر”، وذلك وفقًا لنص (المادة ٨٧) من القانون المدني الأردني.
٢- مفهوم العقد في الفقه:
ويمكن تعريف العقد في الفقه على أنه: “ربط كلاميين ينشـأ عنـه حكـم شـرعي بـالتزام لأحـد الطـرفين أو لكليهما”([1]). كما عرفه البعض على أنه: “ارتباط إيجاب بقبول علـى وجـه مشـروع يثبـت أثـره في محله”([2]).
ثانيًا: بيان آثار العقد بالنسبة للمتعاقدين
لقد نصت (المادة ١٩٩) من القانون المدني الأردني على أنه: “1- يثبت حكم العقد في المعقود عليه وبدله بمجرد انعقاده دون توقف على القبض أو أي شيء آخر ما لم ينص القانون على غير ذلك. ٢-أما حقوق العقد فيجب على كل من الطرفين الوفاء بما أوجبه العقد عليه منهما”.
ويتضح من نص المادة السابقة أنه بمجرد انعقاد العقد صحيحًا مستوفيًا لأركانه وشروطه؛ فإنه ينتج عنه آثار معينة، هذه الآثار عبارة عن التزامات تنشأ في ذمة كل من المتعاقدين يلتزم بتنفيذها لمصلحة الآخر، وتكون هذه الآثار بمثابة القوة الملزمة للمتعاقدين ومن في حكمهم، وهذا الآثار تُمثل الهدف من انعقاد العقد بينهما أي أنها تُعد بمثابة مقتضى العقد، وتختلف هذه الآثار باختلاف العقود على النحو الآتي:
١- أثر العقد بالنسبة لعقود الملكية:
يتمثل أثر العقد في عقود الملكية التي ترد على الأعيان كالبيع أو الهبة أو القرض في نقل الملكيّة من عاقد إلى آخر، سواء أكان بعوض كما في عقد البيع فإنه ينقل ملكية المبيع إلى المشتري، وملكية الثمن إلى البائع، وذلك وفقًا لنص (المادة ٢٠٠) من القانون المدني الأردني، بما نصها: “عقد المعاوضة الوارد على الاعيان إذا استوفى شرائط صحته يقتضي ثبوت الملك لكل واحد من العاقدين في بدل ملكه والتزام كل منهما بتسليم ملكه المعقود عليه للآخر”.
أما إذا كان العقد بغير عوض كما في عقد الهبة، فتنتقل ملكية محل العقد إلى الموهوب له، مع التزام المالك السابق في الحالتين بتسليم المعقود عليه إلى الطرف الثاني، والتزام الأخير في عقود المعاوضة فقط بتسليم الثمن.
٢- أثر العقد بالنسبة لعقود المنفعة:
يتمثل أثر العقد في عقود المنفعة في إباحة الانتفاع من المعقود عليه، سواء كان بعوض كما في عقد الإجارة، وفقًا لنص (المادة ٢٠١) من القانون المدني الأردني عقد المعاوضة الوارد على منافع الاعيان مستوفيًا شرائط صحته يستوجب التزام المتصرف في العين بتسليمها للمنتفع، والتزام المنتفع بتسليم بدل المنفعة لصاحب العين”، أو إباحة المنفعة بغير عوض كما في عقد الإعارة، الذي يترتب عليه استحقاق المستعير بالانتفاع بالمعقود عليه دون أن يلتزم بدفع مقابل.
ولكن يكون من ضمن أثر عقود المنفعة التزام المنتفع بالمحافظة على المعقود عليه من التلف، ورده إلى المالك (المستأجر أو المُعير) بعد انتهاء مدة العقد.
٣- أثر العقد بالنسبة لعقود الحوالة:
تتمثل أثر عقود الحوالة بين المحال له والمحال عليه في أن يثبت للمحال له حق مطالبة المحال عليه، ويبرأ المُحيل من الدين ومن المطالبة معًا إذا انعقدت الحوالة صحيحة، وينتقل الدين على المحال عليه بصفته التي على المُحيل، فإن كان حالًا تكون الحوالة به حالة، وإن كان مؤجلًا تكون مؤجله، وتبقى للدين المحال به ضماناته بالرغم من تغيير شخص المدين.
كما يكون على المُحيل أن يسلم إلى المحال له سند الحق المحال به وكل ما يلزم من بيانات أو وسائل لتمكينه من حقه، إذا ضمن المُحيل للمحال له يسار المحال عليه؛ فلا ينصرف هذا الضمان إلا إلى يساره وقت الحوالة ما لم يتفق على غير ذلك، للمحال له أن يرجع على المُحيل في الأحوال التالية:
- إذا فسخت الحوالة باتفاق أطرافها.
- إذا مات المحال عليه مفلسًا قبل أداء الدين.
- إذا حكمت المحكمة بإفلاسه قبل أداء الدين.
٤- أثر العقد بالنسبة لعقود العمل:
تتمثل آثار عقود العمل في التزامات العامل والتزامات صاحب العمل على النحو الآتي:
– التزامات العامل
أ. على العامل تأدية العمل بنفسه، وأن يبذل في تأديته عناية الشخص العادي، وأن يلتزم بأوامر صاحب العمل المتعلقة بتنفيذ العمل المتفق عليه، وذلك ضمن الحدود التي لا تعرضه للخطر أو تخالف أحكام القوانين المعمول بها أو الآداب العامة.
ب. المحافظة على أسرار صاحب العمل، وألا يفشيها بأي صورة من الصور ولو بعد انقضاء عقد العمل وفقًا لما يقتضيه الاتفاق أو العرف.
ت. الحرص على حفظ الاشياء المسلمة إليه لتأدية العمل، ومنها أدوات العمل والمواد وسائر اللوازم الخاصة بعمله.
د. الخضوع للفحوصات الطبية اللازمة التي تقتضي طبيعة العمل ضرورة إجرائها قبل الالتحاق بالعمل أو بعد ذلك للتحقق من خلوه من الامراض المهنية
– التزامات صاحب العمل
يلتزم صاحب العمل بدفع الاجرة للعامل مقابل العمل الذي أداه، كما يلتزم بتسليم العامل شهادة خدمة عن العمل الذي قام به، ورد المستندات الخاصة به.
٥- أثر العقد بالنسبة لعقود الإيداع:
تتمثل آثار عقود الإيداع في التزامات المودع لديه والمودع على النحو التالي:
– التزامات المودَع لديه
أ. يجب على المودع لديه أن يعنى بحفظ الوديعة عناية الشخص العادي بحفظ ماله، وله أن يحفظها بنفسه أو بمن يأتمنه على حفظ ماله ممن يعولهم.
ب. ليس للمودَع لديه أن يودع الوديعة عند أجنبي بغير إذن من المودِع إلا إذا كان مضطرًا، وعليه استعادتها بعد زوال السبب، فإذا أودعها لدى الغير بإذن من المودِع تحلل من التزامه وأصبح الغير هو المودَع لديه.
ت. لا يجوز للمودع لديه أن يستعمل الوديعة أو يرتب عليها حق للغير بغير إذن المودِع، فإن فعل ذلك وتلفت أو نقصت قيمتها كان ضامنًا.
ث. على المودَع لديه رد الوديعة وتسليمها إلى المودِع في مكان ايداعها عند طلبها إلا إذا تضمن العقد شرطًا فيه مصلحة للعاقدين أو لأحدهما؛ فإنه يجب مراعاة الشرط، وعلى المودَع لديه رد منافع الوديعة وثمارها إلى المودِع.
ج. إذا تعدد المودَع لديهم وكانت الوديعة لا تقبل القسمة جاز حفظها لدى أحدهم بموافقة الباقين أو بالتبادل بينهم، وإن كانت تقبل القسمة جازت قسمتها بينهم ليحفظ كل منهم حصته.
ح. إذا غاب المودِع غيبة منقطعة؛ وجب على المودَع لديه حفظ الوديعة حتى يتحقق من موته أو حياته، فإن كانت الوديعة مما يفسد بالمكث كان عليه أن يطلب من المحكمة المختصة بيعها وحفظ ثمنها أمانة بخزينة المحكمة.
خ. إذا مات المودع لديه ووجدت الوديعة عينًا في تركته فهي أمانة في يد الوارث وعليه ردها إلى صاحبها، وإذا لم توجد عينًا فلا ضمان على التركة، إذا اثبت الوارث أن المودع لديه قد بين حال الوديعة كأن ردها أو هلكت أو ضاعت منه دون تعدٍ أو تقصير، وإذا عرفها الوارث ووصفها، وأظهر أنها ضاعت أو هلكت بعد وفاة المورث بدون تعدٍ أو تقصير.
– التزامات المودع
أ. على المودِع أن يؤدي الأجر المتفق عليه إذا كانت الوديعة بأجر، وأن يؤدي إلى المودَع لديه ما أنفقه في حفظ الوديعة، فإذا كان المودِع غائبًا جاز للمودَع لديه أن يرفع الأمر إلى المحكمة لتأمر فيه بما تراه.
ب. على المودِع مصاريف رد الوديعة ونفقات تسليمها، وعليه ضمان كل ما لحق المودَع لديه من ضرر بسبب الوديعة ما لم يكن ناشئًا عن تعديه أو تقصيره.
ت. إذا استحقت الوديعة وضمنها المودَع لديه يحق له الرجوع بما ضمنه على المودِع.
ثالثًا: أثر العقد بالنسبة للخلف العام والخلف الخاص
العقد ينتج آثاره في مواجهة عاقديه ولا يقف عندهما، بل يتعداهما إلى أشخاص آخرين، “فالمتعاقدين إذا تعاقدا انصرف أثر العقد إليهما، وانصرف كذلك إلى الخلف العام، وقد ينصرف إلى الخلف الخاص”([3]).
1- أثر العقد بالنسبة للخلف العام:
أ. مفهوم الخلف العام:
يمكن تعريف الخلف العام على أنهم: “مـن يخلـف الشـخص المتـوفى في ذمتـه الماليـة مـن حقـوق والتزامـات أو في جـزء منهـا باعتبارها مجموعة من المال، فالوارث خلف عام للمـورث؛ لأنـه يخلفـه في مجمـوع أموالـه (خلـف كلـي) أو في جــزء منهــا، وكــذلك الموصي لــه بجــزء مــن مجمــوع التركة كالربع أو الثلث”([4]).
ب. أثر العقد بالنسبة للخلف العام:
لقد نصت (المادة ٢٠٦) من القانون المدني الأردني على أنه: “ينصرف أثر العقد إلى المتعاقدين والخلف العام دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالميراث ما لم يتبين من العقد، أو من طبيعة التعامل أو من نص القانون أن هذا الأثر لا ينصرف الى الخلف العام”
ويتضح من نص المادة السابقة أنه في حالة وفاة أحد المتعاقدين؛ فإن عقوده تنتقل إلى خلفه العام، والقاعدة العامة أن آثار العقد تنصرف إلى الخلف العام دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالميراث، أي أن حقوق المتعاقد تنتقل إلى الورثة كاملة، فإذا كان له ثمن مبيع عند شخص كان لورثته أن يطالبوا المدين بسداده، أما بالنسبة لالتزامات السلف وديونه؛ فلا يلزم الورثة بها إلا في حدود التركة، وذلك وفقًا لمبدأ أساسي في الشريعة الإسلامية التي تحكم التشريع الاردني، والتي تقضي بأنه لا تركة إلا بعد سداد الديون، فإذا لم تكفِ موجودات التركة للوفاء بديون المتوفى، لا يلزم الورثة بسدادها من أموالهم الخاصة.
ت. حالات عدم انصراف آثار العقد بالنسبة للخلف العام:
يتضح من نص المادة (٢٠٦) من القانون المدني الأردني سالفة الذكر أن الأصل هو انصراف أثر العقد إلى الخلف العام، غير أن هذه القاعدة ليست مطلقةً، بل يرد عليها استثناءات، وهي عدم انصراف أثر العقد إلى الخلف العام، وتتمثل هذه الاستثناءات في الآتي:
الحالة الأولى: إذا اتفق المتعاقدان على عدم انصراف آثار العقد إلى الورثة، فإذا أرادا المتعاقدان الاتفاق على أن حقًا ما أو التزامًا ما ناشئ عن العقد لا ينتقل إلى الوارث بل يقتصر أثره على شخص المتعاقد، جاز لهما أن يتفقا على ذلك ما دام هذا الاتفاق لا يخالف النظام العام ولا الآداب، فقد يتفق البائع والمشتري على منح المشتري أجل لسداد الثمن، ولا ينتقل هذا الحق إلى الورثة.
الحالة الثانية: إذا كانت طبيعة الحق الناشئ من العقد تأبى انتقاله إلى الخلف العام، فهناك بعض العقود تمنع بطبيعتها انتقال آثارها إلى الورثة، فلو حصل شخص بموجب عقد على حق انتفاع، فلا ينتقل هذا الحق إلى ورثة المنتفع؛ لأن ذلك يتعارض مع طبيعة حق الانتفاع، والتي تقضي طبيعته أن ينتهي بموت صاحبه.
الحالة الثالثة: إذا كان هناك نص في القانون يقضي بعدم انتقال الحق إلى الورثة، فلا تنصرف آثار العقد إلى الخلف العام، إذا كان هناك نص في القانون يقضي بعدم انتقال الحق إلى الورثة، فقد نص القانون المدني الأردني على انتهاء بعض العقود بموت أحد المتعاقدين، فتنتهي الشركة بموت أحد الشركاء، وذلك وفقًا لنص (المادة ٦٠١) من القانون المدني الأردني.
٢-أثر العقد بالنسبة للخلف الخاص:
أ. مفهوم الخلف الخاص:
يُمكن تعريف الخلف الخاص على أنه: “من يتلقى من غيره ملكية شيء معين بالذات، أو حقًا عينيًا على هذا الشي، فالمشتري يُعد خلفًا خاصًا للبائع، والموهوب له يُعد خلفًا خاصًا للواهب، والمرتهن يُعد خلفًا خاصًا للراهن”([5]).
ب. أثر العقد بالنسبة للخلف الخاص:
لقد نصت (المادة ٢٠٧) من القانون المدني الأردني على أنه: “إذا أنشأ العقد حقوقًا شخصية تتصل بشيء انتقل بعد ذلك إلى خلف خاص؛ فان هذه الحقوق تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء إذا كانت من مستلزماته، وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال الشيء اليه”
يتضح من نص المادة السابقة أنه في حالة انتقال شيء معين إلى شخص مـا مـن خـلال عقـد مـن العقـود؛ فإنه يُصـبح خلفـًا خاصـًا في ذلك الشيء، وما يتصل بذلك الشيء من حقوق شخصـية تنتقـل معـه إلى الخلف الخاص؛ وبالتالي فإذا كان هذا الحق انتقل إلى السلف بوصف معين، انتقل إلى الخلف بهذا الوصف، وإذا كان مضافًا إلى أجل أو معلق على شرط، انتقل إلى الخلف بهذا الوصف، وإذا كانت له ضمانات عينية أو شخصية كرهن أو كفالة، انتقل إلى الخلف بهذه الضمانات.
ج. شروط انصراف آثار العقد إلى الخلف الخاص:
يشترط لانصراف آثار العقد إلى الخلف الخاص الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن تكون الحقوق والالتزامات متصلة بالشيء الذي تلقاه الخلف الخاص، بحيث يشترط لانصراف آثار العقد إلى الخلف الخاص أن تكون الحقوق والالتزامات متصلةً بالشيء الذي انتقل إلى الخلف؛ وبالتالي لا تنصرف آثار هذه العقود التي يُبرمها السلف، والتي لا تتصل بالشيء المستخلف فيه إلى الخلف، مثال ذلك: لو باع شخص عينًا، فالمشتري خلفًا خاصًا له في هذه العين، ولا ينتقل للخلف أثر القرض الذي أبرمه البائع؛ لأن هذا القرض أبرمه البائع لانتقاعه الشخصي، وهو بالتالي منفصلًا عن العين المبيعة؛ ولذلك لا تنصرف إلى المشتري
الشرط الثاني: أن تكون الحقوق والالتزامات من مستلزمات الحق المستخلف فيه، يُشترط لانصراف آثار العقد إلى الخلف الخاص، أن تكون الحقوق والالتزامات من مستلزمات الحق المستخلف فيه، وتعتبر الحقوق من مستلزمات الشيء إذا كانت مكملة له، وتحفظ الشيء وتقوية، كعقود التأمين، و الحقوق العينية التي ترتبت لمصلحة الشيء، كحق ارتفاق؛ فإن هذا الحق ينتقل مع العين إلى الخلف الخاص، وذلك لأن الحقوق المكملة للشيء تُعتبر من توابعه ، كما تُعتبر الالتزامات من مستلزمات الشيء إذا كانت محددةً له، فالالتزامات التي تُحدد الشيء يجب أن تنتقل معه؛ لأن السلف لا يستطيع أن ينتقل إلى الخلف أكثر مما يملك، وتكون الالتزامات محددةً إذا كانت من شأنها الحد من الانتقاع بالحق المستخلف، كالالتزام الذي يُقيد من استعمال ملكية العين، وكيفية هذا الاستعمال، فينتقل هذا الالتزام مع العين إلى الخلف الخاص.
الشرط الثالث: أن يكون الخلف الخاص قد علِمَّ بما ينتقل إليه من حقوق والتزامات ناشئة عن العقد وقت انتقال الشيء إليه، والأهم هنا علم الخلف بالتزامات السلف؛ لأن هذه الالتزامات تحد من انتفاعه بالمال، فقد يمتنع الخلف عن التعاقد إذا علم بها من البداية؛ لذا يُشترط علم الخلف بهذه الالتزامات، وذلك على عكس الحقوق التي تزيد من قيمة المال الخاص به، والعلم المطلوب هنا هو العلم اليقيني، ولا يكفي مجرد افتراض العلم؛ فلا ينتقل إلى الخلف الخاص حق أو التزام إلا إذا كان عالمًا به علمًا حقيقًا، كما يجب أن يتحقق العلم وقت انتقال الشيء إلى الخلف الخاص.
الشرط الرابع: أن يكون العقد الذي أبرمه السلف سابقًا في إبرامه على انتقال المال إلى الخلف، يشترط لانتقال الحقوق والالتزامات إلى الخلف الخاص أن تكون ناشئةً قبل انتقال الحق المستخلف، ولا يجوز للخلف الخاص أن يُطالب بالاستفادة من الحقوق التي ترتبت بعد انتقال الحق المستخلف فيه؛ وبالتالي إذا كان العقد لاحقًا على التصرف؛ فإن الخلف الخاص يكون أجنبيًا عن العقد، ولا ينصرف إليه آثار العقد.
رابعًا: السوابق القضائية المتعلقة بأثر العقد بالنسبة للمتعاقدين في القانون الأردني
لقد ورد في الحكم (رقم 1808) لسنة 2021م الصادر من محكمة تمييز حقوق، بتاريخ ٢٠/٦/٢٠٢١، بما نصه:” ينصرف أثر العقد إلى المتعاقدين والخلف العام دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالميراث ما لم يتبين من العقد أو من طبيعة التعامل أو من نص القانون أن هذا الأثر لا ينصرف إلى الخلف العام، وذلك وفقًا لأحكام (المادة 206) من القانون المدني”.
كما ما ورد في الحكم رقم (3094) لسنة 2019م، الصادر من محكمة تمييز حقوق بتاريخ ٣/٧/٢٠١٩م، بما نصه:” إذا أنشأ العقد حقوقًا شخصيةً تتصل بشيء انتقل بعد ذلك الى خلف خاص؛ فإن هذه الحقوق تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء إذا كانت من مستلزماته، وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال الشيء إليه، وفقًا لأحكام (المادة 207) من القانون المدني”
إعداد/ محمد محمود
[1] د. الإمام محمد أبو زهرة، نظرية العقد، (ص٢٠).
[2] الأستاذ مصطفى أحمد الزرقا، المدخل الفقهي العام، (ص٣٨١). نقلا عن محامي في الأردن
[3] د. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في القانون المدني، (ص43٧).
[4] د. عبد الرزاق السنهوري، شرح الفقه الإسلامي، (ص١٠).
[5] د. حسن علي الذنون، الوجيز في نظرية الالتزام، (ص ١٧٧).

