الإثبات بالبصمات في الدعوى الجزائية
لقد اعتمد المشرع الأردني نظام الإثبات الحر في الدعوى الجزائية، الذي يفسح المجال لقناعة القاضي الوجدانية في قبول بعض الأدلة أو استبعادها، كما أن هذا النظام لا يقيد الخصوم في الدعوى الجزائية بوسائل إثبات محددة إلا قي حالات استثنائية ، وبتالي هو نظام قابل لاستيعاب كل وسيلة جديدة يتضح أهميتها في إثبات الدعوى الجزائية، ومع تقدم الوسائل العلمية الحديثة ظهرت العديد من الوسائل التي تساعد في الكشف عن هوية مرتكبي الجرائم، ومن هذه الوسائل الإثبات بالبصمات، فما هي هذه الوسيلة وكيف تساعد على إثبات الدعوى الجزائية ؟، وما هو رأي المشرع الأردني بها؟، سنتعرف على ذلك بالاستناد إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته.
جدول المحتويات
السند القانوني للإثبات بالبصمات في التشريع الأردني
أهمية البصمة الوراثية في الإثبات الجزائي
شروط العمل بالبصمة الوراثية كدليل إثبات
حجية الإثبات بالبصمات في الدعوى الجزائية
المقصود بالبصمات وأنواعها
نص المشرع الأردني على البصمة كدليل إثبات في الدعوى الجزائية وذلك في قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة 160 منه، إلا أن المشرع الأردني لم يتطرق للحديث عن المقصود بالبصمات وماهيتها، وإنما اكتفى بأنها تثبت هوية المتهم أو الظنين أو المشتكى عليه أو هوية من له علاقة بالجرم، وبذلك هو ترك المجال للتعريف عن البصمة الوراثة للطب على اعتبار أن ذلك يدخل في اختصاص المجالات العلمية أكثر منه من الفقهية القانونية.
فالبصمات هي وسائل علمية تستخدم للتعرف على هوية الأشخاص، والبصمات أنواع منها البصمة الوراثية DNA والتي سنقوم بالتركيز في الحديث عنها في هذا المقال، وهناك بصمة الأصبع، وبصمة الصورة، وبصمة المخ، وبصمة الصوت.
المقصود بالبصمات الوراثية
في النظر في المجالات العلمية نجد أنه تم تعريف البصمة الوراثية على أنها: هي الصفات الوراثية التي تنتقل من الأصول إلى الفروع، والتي من شأنها تحديد شخصية كل فرد عن طريق تحليل جزء من حامض DNA الذي يحتوي على خلايا جسده [1].
وتعرف البصمة الوراثية بشكل علمي مفصل على أنها: هي تعيين هوية الإنسان عن طريق تحليل جزء أو أجزاء من حمض DNA المتمركز في نواة أي خلية من خلايا جسمه، ويظهر هذا التحليل في صورة ً لتسلسل شريط من سلسلتين كل سلسلة له بها تدرج على شكل خطوط عريضة مسلسلة وفقا القواعد الأميني DNA، وهي خاصة لكل إنسان تميزه عن الآخر في الترتيب، وفي المسافة ما بين الخطوط العرضية وتمثل إحدى السلسلتين الصفات الوراثية من الأب (صاحب الماء) وتمثل السلسلة الأخرى الصفات الوراثية من الأم صاحبة البويضة [2].
ما يجعل علم البصمات دليل إثبات في الدعوى الجزائية
يتميز علم بالبصمات بعدد من المميزات التي تجعل القانون يستند إليه كوسيلة إثبات في الدعوى الجزائية وهذه المميزات هي:
1_ ثبات البصمة، وعدم قابلية منطقة البصمات للتغير، فهي تتكون للجنين من الشهر السادس، وتستمر حتى وفاة الإنسان.
2_عدم انطباق بصمتين لشخصين مختلفين.
3_ عدم تطابق بصمتين لشخص واحد.
السند القانوني للإثبات بالبصمات في التشريع الأردني
ورد النص على البصمة الوراثية في المادة 160 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني حيث جاء فيها:
- لأثبات هوية المتهم أو الظنين أو المشتكى عليه أو هوية من له علاقة بالجرم ، تقبل في معرض البينة البصمات أو أي وسيلة علمية معتمدة أخرى أثناء المحاكمات أو إجراءات التحقيق اذا قدمت بواسطة الشاهد أو الشهود وكانت مؤيدة بالبينة الفنية كما يجوز قبول الصور الشمسية في معرض البينة للتعرف على صاحبها.
- عند تطبيق حكم هذه المادة تراعى أحكام الباب الثالث من الكتاب الثاني من هذا القانون.
أهمية البصمة الوراثية في الإثبات الجزائي
تكمن أهمية البصمة الوراثية في الدعاوى الجزائية في أنها هي أساس الفصل الدقيق في جرائم السرقة، والقتل، والاغتصاب، إذ يمكن استعمال أي شيء متخلف عن المجرم في مكان الجريمة (كجزء من جلده، أو لحمه، أو دمه، أو شعره، أو (لعابه، أو منيه [3]..، كما أن للبصمة الوراثية دور كبير في الكشف عن هوية الجاني في القضايا التي تسجل ضد مجهول، فقد تم الكشف عن هوية الجاني في العديد من القضايا المقيدة ضد مجهول حيث يتم تعميم البصمة الوراثية للجاني المجهول ليتم اكتشاف هويته بعد مرور سنوات من إغلاق القضية، وعليه فإن البصمة الوراثية ساهمت بشكل كبير في إنهاء القضايا التي تقيد ضد مجهول ، كما تعد البصمة الوراثية من أدق القرائن في قضايا النسب العائلي والبنوة، كما تساهم البصمة الوراثية في تبرئت مدان، وإدانة بريء .
شروط العمل بالبصمة الوراثية كدليل إثبات
إن البصمة الوراثية هي من اختصاص المجالات العلمية والطبية، وليست من مجالات القانون، وعليه تم وضع ضوابط وشروط للعمل بالبصمة الوراثية بحيث يعتمد عليها القضاة نظراً لعدم اختصاصهم بماهية وعمل البصمة الوراثية، ومن هذه الشروط:
أن يتم عمل البصمة الوراثية في المختبرات الحكومية وليست في المختبرات الخاصة لضمان عدم التلاعب فيها، فبقاء المختبرات الأدلة الجرمية بيد الدولة يضمن حيادة العمل المخبري، كما يجب أن تكون هذه المختبرات والمعامل الفنية معدة بأحسن الأجهزة ذات التقنيات العالمية، وذلك لضمان دقة النتائج التي تتوصل إليها بشأن البصمة الوراثية، فيكون احتمال الخطأ غير وارد، كما يجب أن يكون القائمون على إدارة هذه المختبرات والفحوصات والنتائج ممن يتصفون بالأمانة وطبعاً الخبرة والكفاءة العالية.
من التطبيقات العملية للبصمة الوراثية كدليل إثبات
الحكم الصارد في القضية رقم 684/ 2006 محكمة جنايات كبرى
فصل 21/5/2007 تتلخص وقائعها: أن المتهم هو شقيق المغدورة المتزوجة من الشاهد (ج)، وكانا يقيمان معا في منزل الزوجية في منطقة الشونة الجنوبية، وبحدود الساعة الثانية فجر يوم 14/4/2006 وعندما استيقظ زوج المغدورة من نومه لم يجد زوجته في المنزل فقام بإخبار أعمامها الذين حضروا للبحث عنها حيث وجدوها في منزل جارهم الذي غادر منزله قبل عثور أقارب المغدورة عليها مختبئة بداخل المنزل، وتذرعت المغدورة بأنها ذهبت هناك لإحضار بطاقة التأمين الصحي عندها قاموا بالاتصال بشقيقها المتهم الذي كان وقتها في منطقة سحاب البعيدة عن المكان حيث مكان عمله، وفي الطريق قام بشراء سكين من إحدى البقالات، ووضعها على جانبه الأيسر. ولدى وصوله قام باصطحاب شقيقته المجني عليها، وأجلسها في السيارة بجانبه، وقام بإخراج السكين التي بحوزته وأمسكها بيده اليمنى، وطعنها في صدرها، وبطنها إلى أن فارقت الحياة وقام بتسليم نفسه. وبتحليل مسحات مهبلية داخلية وخارجية من المغدورة تبين وجود حيوانات منوية تعود لجارهم مختلطة مع حيوانات منوية لآخرين. وكان لهذا الفحص دور في استفادة المتهم من العذر المخفف 78 لإدانته بالقتل المقترن بالعذر المخفف.
حجية الإثبات بالبصمات في الدعوى الجزائية
كما تعرفنا في هذا المقال أن علم البصمات فيه ما يميزه ويجعله دليل لا يحتمل الخطأ أو الشك، ولذلك نص المشرع على قبوله كبينة في الدعوى الجزائية سواء قُدم كدليل أمام المحكمة أو أثناء التحقيق على أن تكون مؤيدة بالبينة الفنية، فالبصمة دليل إثبات فيه حجية تضاهي حجية الأدلة الأخرى فلا يتطرق له الشك، أو احتمال الخطأ فيه.
كما جاء نص المادة 160 متضمناً: تقبل في معرض البينة البصمات أو أي وسيلة علمية معتمدة أخرى ……
وعليه جعل المشرع الأردني نص هذه المادة مفتوحاً بحيث ينطبق على كل وسيلة علمية حديثة ظهرت أو ستظهر ومن شأنها الكشف عن هوية المتهم، فهي تقبل كبينة في الدعوى الجزائية شأنها شأن البصمات كدليل إثبات، كما ذكر المشرع قبول الصور الشمسية وهي الصور الشخصية كدليل إثبات في الدعوى الجزائية للتعرف على صاحبها.
إعداد المحامية: ليلى خالد.
[1] الجريوي، منـار محمـد سـعد، البصـمة الوراثيـة أثرهـا فـي الإثبـات الجنـائي، رسـالة ماجسـتير قـدمت فـي الجامعـة الخليجية، 2009، مملكة البحرين، ص4.
[2] د. عبد الدايم، حسني محمود، البصمة الوراثية ومدى حجيتها في الإثبات، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2009، ص 86.
[3] الجريوي، منار محمد سعد، مرجع سابق، ص 52.

