التعويض عن الفرصة الفائتة
من الشائع حدوثه أن يتم التعويض عن الضرر المادي الذي أصاب المتضرر بالفعل والذي تسبب في خسارة فعلية له، ولكن هناك وجه آخر من أوجه التعويض عن الفرصة الضائعة أي ما فات المتضرر من كسب مضمون في الغالب، حيث يتم التعويض عن فرصة غير محققة، ولكن هذه الفرصة صارت مستحيلةً؛ بسبب حدوث ذلك الفعل الضار. والتعويض هنا لا يكون عقوبةً؛ لأن العقوبة تُقدر بخطأ الفاعل ومدى جسامته، وإنما يُقدر التعويض بحجم الضرر الذي سببه الفعل الضار، ونظرًا لأن التعويض هنا يتم عن ضرر احتمالي فلابد من التحقق من العلاقة السببية بين الفعل المتسبب للضرر الاحتمالي وبين الضرر عن الكسب الفائت، ويتم تقدير التعويض عن الفرصة الضائعة عن طريق قاضي الموضوع حيث يكون له سلطة تقديرية في تحديد مقدار التعويض بعد التحقق من الشروط الواجب توافرها، وسنسلط الضوء على ماهية التعويض عن الفرصة الضائعة، وأساس التعويض، وموقف الفقه من التعويض عن الفرصة الضائعة، وتمييزه عن غيره من أنواع الضرر كالضرر المستقبلي والمحتمل، وشروط التعويض عن ضرر تفويت الفرصة، وسلطة القاضي في تقدير التعويض، وغير ذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:
أولَا: المقصود بالتعويض عن الفرصة الضائعة
ثانيًا: دليل مشروعية التعويض عن الفرصة الضائعة
ثالثًا: أساس التعويض عن ضرر تفويت الفرصة الضائعة
رابعًا: موقف الفقه من التعويض عن الفرصة الضائعة
خامسًا: الفرق بين ضرر تفويت الفرصة وبين غيره من أنواع الضرر
سادسًا: الشروط الواجب توافرها للتعويض عن الفرصة الضائعة
سابعًا: عبء إثبات ضرر تفويت الفرصة
ثامنًا: موانع المسؤولية من التعويض عن ضرر تفويت الفرصة
تاسعًا: سلطة القاضي التقديرية في التعويض عن الفرصة الضائعة
عاشرًا: سوابق قضائية للتعويض عن الفرصة الضائعة
وسنوضح شرحًا مفصلًا لكل عنصر من العناصر السابقة فيما يلي:
أولَا: المقصود بالتعويض عن الفرصة الضائعة
معظم التشريعات ومنهم التشريع الأردني في التعويض عن الفرصة الضائعة انصب تركيزهم على الشروط الواجب توافرها لتقرير التعويض وتقديره، ولم يتطرق أي من التشريعات إلى تعريف ماهية التعويض عن الفرصة الضائعة، وتُرك الأمر لاجتهاد الفقه والقضاء. ولبيان المقصود بالتعويض عن الفرصة الضائعة لابد من تقسيم المصطلح إلى جزئين الأول التعويض والآخر الفرصة الضائعة (الكسب الفائت) وذلك فيما يلي:
هناك الكثير من التعريفات لمصطلح التعويض حيث يمكن تعريفه بأنه: “هــو جبــر الضــرر الــذي لحــق بالمضــرور أو التخفيف مــن وطــأة ذلــك الضــرر علــى المضرور”([1]).
أما بالنسبة للفرصة الضائعة (الكسب الفائت) يمكن تعريفها بأنها: “أمل غير مؤكد وأن هذا الأمل صار قبل الأوان مستحيلًا تحققه بسبب الفعل الضار من محدث الضرر، الذي حرم المضرور من فرصة كان من شأنها أن تجعل له حظًا في تحقق أمله لو سارت الأمور سيرها الطبيعي، لكن قد صار من المستحيل نهائيًا تحققه؛ بسبب تدخل محدث الضرر بفعله الضار الذي تسبب في وقف السير الطبيعي للأمور”([2]).
وبهذا يتضح أن التعويض عن الفرصة الضائعة يقوم على أساس الاحتمال، وليس الجزم لأن الضرر احتمالي فقط كأن يفوت محـامي على موكلـه فرصـة الكسـب المـرجح للنـزاع؛ لأنـه تغيـب عـن حضـور جلسـات المحاكمــة رغــم تبليغــه لموعــد الجلســة تبليغــًا صــحيحًا؛ ممــا أدى إلــى رد الاستئناف شــكلًا وألحــق بموكله خسارة موجبةً التعويض عن ضرر تفويت فرصة تقديم الاستئناف.
ثانيًا: دليل مشروعية التعويض عن الفرصة الضائعة
هناك أدلة عديدة على مشروعية التعويض عن الفرصة الضائعة سواء من القرآن أو السنة النبوية أو القانون، وذلك فيما يلي:
1- دليل مشروعية التعويض عن الفرصة الضائعة من القرآن الكريم والسنة
إن الأدلة عن التعويض بشكل عام كثيرة جدًا، ولكن دائمًا ما انحصر التعويض عن الضرر المادي، ولكن لا يوجد دليل صريح على التعويض عن الفرصة المحققة الضائعة.
2- دليل مشروعية التعويض عن الفرصة الضائعة من القانون
ما ورد في (المادة266) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أنه: “يُقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار”.
ثالثًا: أساس التعويض عن ضرر تفويت الفرصة الضائعة
إن أساس التعويض عمومًا هو حدوث ضرر نتيجة الفعل المرتكب من الشخص كعدم تنفيذ أحد التزاماته العقدية؛ مما تسبب في حدوث ضرر للمتعاقد الأخر، وبذلك نلاحظ أن أساس التعويض هو المسؤولية التقصيرية أي وجود علاقة سببية بين الفعل الضار وبين الضرر الذي حدث. كما يمكن أن يكون أساسه هو المسؤولية العقدية عند إخلال أحد المتعاقدين بأحد التزاماته؛ مما أدى إلى ضرر للمتعاقد الأخر. وبذلك يكون أساس التعويض عن الفرصة الضائعة هو تحقق الضرر، والمقصود بالضرر هنا هو فوات الفرصة كضرر محقق، ولابد أن نفرق بين الضرر المحقق فعلًا (فوات الفرصة) وبين الضرر الاحتمالي المتوقع حدوثه نتيجة فوات الفرصة كتأخير الموظف في إعداد وتقديم عرض الاشتراك في العطاء حتى انتهاء ميعاد تقديمه؛ مما أدى إلى خسارة العطاء من المرجح له كسبه (ضرر محقق)؛ مما يتسبب لصاحب الشركة في خسارة كسب فائت كان سيتحقق لو كسب العطاء (ضرر احتمالي مؤكد).
رابعًا: موقف الفقه من التعويض عن الفرصة الضائعة
أختلف الفقهاء حول فكرة التعويض عن الفرصة الضائعة إلى اتجاهين أحدهما لا يُجيز هذا التعويض والأخر يُجيز هذا النوع من التعويضات، وذلك فيما يلي:
الاتجاه الأول: عدم قبول فكرة التعويض عن الفرصة الضائعة
أصحاب هذا الاتجاه ذهبوا إلى عدم جواز التعويض عن الفرصة الضائعة؛ وذلك لأن فكرة التعويض قائمة على أساس حدوث ضرر فعلي، وبما أن التعويض عن الفرصة الضائعة يكون عن ضرر احتمالي متوقع حدوثه مستقبلًا، ولكنه غير محقق فإن في ذلك مجازاة وقسوة على مرتكب الفعل، واستند هذا الاتجاه إلى عدة أسباب وهي:
- التعويض عن الفرصة الضائعة لم يحقق الهدف المرجو من التعويض وهو جبر الضرر الذي لحق بالمضرور؛ وذلك لأن الخطأ الذي ارتكبه الفاعل لم يترتب عليه ضرر فعلي من الأساس؛ مما ينفي المسؤولية الموجبة للتعويض، ويجب قصر التعويض عند حدوث ضرر فعلًا ويكون بسبب الفعل الخطأ.
- قبول فكرة التعويض عن الفرصة الضائعة تضعنا في مشكلة أخرى تمنع تطبيقها، وهي كيفية تقدير التعويض عن الفرصة الضائعة، حيث إن التعويض يُقدر بمقدار الضرر الذي لحق بالمضرور، وبما أن الضرر الناتج عن فوات الفرصة غير محقق فكيف نُقدر التعويض!
- هناك تشريعات رفضت فكرة التعويض عن الفرصة الضائعة “كالتشريع الفرنسي حيث إن الوظيفة الأساسية للمسئولية المدنية في النظام الفرنسي هي تعويض الأضرار التي وقعت بالفعل ولا يعطى للمحاكم الحق في منع ضرر على وشك الحدوث على سبيل الاحتياط”([3]).
الاتجاه الثاني: جواز التعويض عن فوات الفرصة
يرى أصحاب هذا الاتجاه إلى جواز التعويض عن الفرصة الضائعة؛ لأنه حتى ولو كانت الفرصة مجرد أمل محتمل أن يتحقق أو لا يتحقق، فإنه بسبب الفعل الضار أصبح هذا الأمل مستحيلًا؛ مما جعله ضررًا محققًا يُجيز التعويض، واستند هذا الاتجاه إلى عدة أسباب، تمثلت في:
1) أن الضرر الناتج عن الفرصة الضائعة غير محقق، واحتمال حدوثه مستقبلًا لا يعوق إمكانية التعويض عنه؛ “لأن القانون يعترف في الواقع بقيمة حقيقية ومؤكدة لوجود الفرصة، ودليل ذلك أن ورقة اليانصيب -التي لا تمثل سوى مجرد فرصة- يمكن أن تُباع في مقابل ثمن. وأيضًا ممارسة التأمين تقوم على فكرة أن الاحتمال أو الحظ له قيمة في حد ذاته حيث إن المخاطر التي تشكل موضوع التأمين ليست في الواقع سوى حظ، وكذلك الضرر المستمر والذي يظهر قبل صدور الحكم بالتعويض، وتستمر آثاره الضارة بعد صدوره (كالعجز عن العمل، ومضار الجوار، والاعتداء على الملكية…)، ولقد سلمت المحاكم دائمًا بضرورة أخذ هذا الاستمرار في الاعتبار أي أن الصفة المستقبلية للضرر لم تشكل عقبة أمام التعويض”([4]).
2) أن الضرر غير محقق؛ مما يصعب تقديره لا يمثل مشكلة تعوق تقدير التعويض، وذلك لأنه لا يشترط أن يتحقق الضرر حتى يُقدر التعويض، حيث إنه قياسًا على أنه يتم التعويض عن الضرر الأدبي رغم أنه يصعب تقديره ماليًا؛ لأنه ضرر يُصيب الشعور؛ فيمكن تقدير التعويض عن الفرصة الضائعة.
3) “إن المحاكم الفرنسية أول الأمر رجحت وجهة النظر الأولى وقضت برفض التعويض عن فوات الفرصة غير أنها عادت فرأت أن الحرمان من فرصة لا يقتصر أثره على المساس بمجرد الأمل في الفوز، بل إن فيه أيضًا مساسًا بالحق في انتهاز هذه الفرصة وفى محاولة هذا الفوز، وأن سلب هذا الحق في ذاته يعتبر ضررًا محققًا”([5]).
خامسًا: الفرق بين ضرر تفويت الفرصة وبين غيره من أنواع الضرر
يتمثل ضـرر تفويت الفرصة إمـا بحرمـان المضـرور مـن فرصـة تحقيـق كسـب مُرجح أو تعرضه لخسـارة كـان يمكن تجنبهـا، ونظرًا لأن ضرر تفويت الفرصة محتمل ومستقبلي فقد يختلط مع غيره من أنواع الضرر، فلابد من توضيح الفرق بينهم حتى يتم توضيح مفهوم ضرر تفويت الفرصة دون لبس، وذلك فيما يلي:
1) الفرق بين ضرر تفويت الفرصة وبين الضرر المستقبلي
يُقصد بالضرر المستقبلي بأنه: “ضرر محقق الوقوع ويستطيع القاضـي تقـدير الضـرر حـين حدوثـه فيمكنـه الحكـم بتعـويض مؤقـت مع الاحتفاظ للمضرور بحقه في استكمال التعويض”([6])، مثال ذلك أن يتصدع جدار منزل المضرور بسبب حفر قام به جاره؛ مما يؤدي إلى حقه في التعويض عن سقوط الجدار أو الدار؛ لأنه أمر محقق الوقوع في المستقبل.
وبهذا يكمن الفرق بين الضرر المستقبلي وبين ضرر تفويت الفرصة في نوع التعويض (عن ماذا يُعوض المضرور)؛ حيث إن المضـرور فـي ضـرر تفويـت الفرصـة يُعـوَّض عـما فاته من كسـب مـرجح أو مـا يتجنبه مـن خسـارة، لكـن الفعل الضـار أدى إلـى ضـياع هـذا الكسـب المـرجح عن المضرور نهائيًا. أمـا الضـرر المسـتقبلي يتمثل في مجمـوع النفقـات التـي ينفقهـا المضـرور جـراء ضـرر حـالي مؤكـد وتعويض عن الذي قد ينفقه في المستقبل.
2) الفرق بين ضرر تفويت الفرصة وبين الضرر المحتمل
يُقصد بالضرر المحتمل بأنه: “ضـرر مسـتقبلي غير محقـق الوقـوع قـد يقـع وقــد لا يقــع، والأصــل بــأن هــذا الضــرر لا يســتدعي مســؤولية محــدث الضــرر ومــن ثــم لا يلتــزم بتعويضـه، إذ قـد يحكـم بتعـويض علـى أمـل أن يتحقـق مثـل هـذا الضـرر فـلا يقـع فيثـري المضـرور بـدون سـبب علـى حسـاب محـدث الضـرر؛ لـذلك لا منـاص مـن الانتظـار حتـى يقـع بالفعـل وعندئـذ يكون ضررًا حالًا يجب تعويضه”([7]). مثال ذلك ضــرب الحامــل علــى بطنهــا ضــربًا يحتمــل معــه إجهاضها أو عدمه فلا يجوز المطالبة بالتعويض وإذا حدث الإجهاض يكون التعويض عن ضرر محقق حالًا.
وبذلك يمكن الفرق بين الضرر الاحتمالي وبين ضرر تفويت الفرصة في مدى وقوع الضرر؛ حيث إن ضرر تفويت الفرصة وقـع فعـلاً بالمضـرور -دون أن يتحقق بشكل ملموس- وأدى إلـى خسـارة محققـة كـان مرجحًا لـه الحصـول عليهـا مسـتقبلًا لـو لـم يتـدخل محـدث الضـرر بفعلـه الضـار، أما الضرر الاحتمالي لم يقـع بالفعـل؛ ممـا يجعـل خسـارة المضـرور ليسـت محققـه، بـل هـي مجـرد افتـراض لا صـحة لـه بالأصـل.
سادسًا: الشروط الواجب توافرها للتعويض عن الفرصة الضائعة
لكي يتم التعويض عن الفرصة الضائعة لابد من توافر أمرين أولهما إثبات عناصر المسؤولية (الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما) والآخر لابد من توافر شروط معينة في الفرصة الضائعة كأن تكون محققة ومباشرة وتمثل مصلحة مشروعة، وذلك فيما يلي:
1) إثبات عناصر المسؤولية
لا شك أن المسؤولية سواء كانت عقدية أو تقصيرية تتكون من خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهم، وذلك فيما يلي:
أ- الخطأ (الفعل الضار)
طبقًا للقواعد العامة للمسؤولية المدنية فلابد من وجود فعل ضار تسبب في وقوع الضرر لحدوث المسؤولية والحق في المطالبة بالتعويض، فلابد من وقوع فعل ضار؛ يتسبب في وقوع ضرر تفويت الفرصة، ولا يشترط أن يكون الفعل متعمدًا حتى يحق له المطالبة بالتعويض، إذ يكفي حدوث ضرر نتيجة لهذا الفعل حتى ولو لم يقصد حدوث ضرر من الفعل، كما لا يشترط في مصدر الفعل الأهلية حيث يتم التعويض عن الضرر، حتى لو كان محدثه غير مميز. وذلك طبقًا لما جاء في المادة (256) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أنه: “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر”.
ب- الضرر الناتج عن فوات الفرصة
الضرر ركن أساسي لتقرير التعويض إذ لا مسؤولية بدون ضرر، والضرر واجب التعويض في تفويت الفرصة هو الضرر الفعلي غير الملموس الذي لحق بالمضرور، والمتمثل في حرمانه من فرصة ووسيلة تحقيق الكسب، أو تجنب تلك الخسارة، أما ما عدا ذلك من أضرار تكون احتمالية بحتة، لا تقبل التعويض.
ت- العلاقة السببية
نُلاحظ أن المشرع نص صراحةً في (المادة 266) من القانون المدني على أنه لكي يتم التعويض عن الفرصة الضائعة لابد من ضرورة أن يكون الضرر في تفويت الفرصة نتيجة طبيعية وبسبب الفعل الضار مباشرة. وأنه في حالة تعدد الأفعال؛ مما أدى إلى وجود علاقة سببية مباشرة وأخرى غير مباشرة تسببت في حدوث الفعل الضار، فإننا نأخذ بالفعل الضار المباشر المسبب للضرر أي السبب المنتج في حدوث العلاقة السببية.
2) الشروط الواجب توافرها في الفرصة الضائعة
لكي يقرر قاضي الموضوع الحق في التعويض عن فوات الفرصة لابد من توافر شروط معينة في هذه الفرصة، وذلك فيما يلي:
أ- لابد أن تكون فوات الفرصة محققة
للتعويض عن فوات الفرصة، يجب أن يُمثل فوات الفرصة ضررًا محققًا، ويُقصد بالضرر المحقق الضرر الذي وقع بالفعل نتيجة الفعل الضار أو ضرر لم يقع حاليا، ولكن مؤكد وقوعه مستقبلًا كالطبيب الذي تسبب في عجز مريضه فهنا يوجد ضرر وقع في الحال وهو العجز، وضرر مستقبلي مؤكد وهو العجز عن سداد نفقاته هو وأسرته.
ولابد أن تكون الفرصة جدية وحقيقية وليس مجرد احتمال أو افتراضات كالاشتراك في سباق الخيول لا تعتير فرصة حقيقية للفوز إنما مجرد احتمال، رغم ذلك فإن الاحتمال ممكن أن يؤثر على الفرصة؛ كلما زادت درجة احتمال تحقق الكسب كلما وجدت فرصة جدية لتحقيقه، ويترك ذلك الأمر لتقدير القاضي حيث لابد أن يقتنع باحتمال تحقق الفرصة الفائتة حتى يقرر التعويض. وأيضًا لابد أن يكون فوات الفرصة نهائيًا أي حرمان المضرور من تحقق الفرصة أمر لا رجعه فيه ويسير تحقيقه مستحيلًا كفوات ميعاد الطعن وبات الحكم نهائيًا.
كما أن الفرصة تكون محققةً إذا كان يوجد وسيلةً كان في الإمكان استخدامها للحصول عليها وليس مجرد أشياء نظرية، وكذلك يكون موعد تحقيق الفرصة قريبًا ولا يستغرق وقت كبير لحدوثه حتى لا يكون احتمالًا ضعيفًا لا يجيز التعويض.
ب- لابد أن يكون فوات الفرصة ضررًا مباشرًا وشخصيًا
لابد أن يكون في فوات الفرصة ضررًا مباشرًا، ويُقصد بذلك أن يكون الفعل الضار هو المتسبب مباشرةً في ضرر تفويت الفرصة، وبذلك يتم استبعاد الضرر غير المباشر الذي لا يرتبط بالفعل الضار بعلاقة سببية كأن يطلب طالب التعويض عن رسوبه في الامتحان من المتسبب في حادت السير الذي تعرض له مدرسه؛ لأن في ذلك مجازاة على الفاعل بتحمل جميع الأضرار الناتجة عن فعله حتى ولو كانت غير مباشرة. ويستقل قاضي الموضوع بتقدير الضرر المباشر والغير مباشر للفعل الضار دون رقابة عليه من محكمة التمييز.
وكذلك أن يكون فوات الفرصة ضررًا شخصيًا لا يُطالب به سوى المضرور نفسه، فإذا لم يكن رافع دعوى التعويض قد تضرر شخصيًا فلم تسمع دعواه فلا يجوز لأي شخص أن يطالب بالتعويض عن فوات فرصة الشفاء غير المريض.
“ولكن لابد من التفرقة بين الضرر غير الشخصي والضرر المرتد، إذ يكون للأرملة الحق في التعويض عن فقد فرصة الاستفادة والتمتع من المركز المرموق الذي كان سيشغله زوجها في المستقبل القريب فور تخرجه من كلية الطب، لولا تعرضه لحادث أودى بحياته”([8]).
ت- لابد أن تكون الفرصة الضائعة مصلحةً مشروعةً للمضرور
حيث إن الضرر الذي يحق للمضرور طلب التعويض عنه لابد أن يصيب حقًا مكتسبًا أو مصلحةً مشروعةً للمضرور غير مخالفة للنظام العام ولا الآداب العامة، كالمطالبة بالتعويض عن الاعتداء على الجسد. أما إذا كان مخالفًا للنظام العام أو الآداب لا يجوز التعويض عنه حيث لا يجوز التعويض عن الكسب الفائت عن بيع مواد مُخدرة أو أشياء مخالفة للقانون.
سابعًا: عبء إثبات ضرر تفويت الفرصة
يقع عــبء الإثبــات على المضــرور مــدعي التعــويض؛ حيث يطالب بإثبــات جميع أركـان المسـؤولية بمـا فيهـا العلاقة السـببية بين الفعل الضار وبين ضرر تفويت الفرصة، وله في سبيل إثبات ذلك الاستعانة بكافة طرق الإثبات واستخدام كافة القرائن كشهادة الشهود أو تقرير خبراء وغير ذلك من القرائن.
وعلى الجانب المقابل يكون لمرتكب الفعل الضار أن يدفع مسؤوليته عن ضرر تفويت الفرصة، وذلك بهدم القرائن المقدمة من المضرور وينفي العلاقة السببية بين فعله المرتكب وبين الضرر المحقق من فوات الفرصة، وأيضا له في إثبات ذلك الاستعانة بكافة القرائن كأن يثبت أن الضرر المحقق نتيجة سبب أجنبي أو بسبب فعل المضرور نفسه أو فعل الغير أو غير ذلك من الأسباب فيما يعرف بموانع المسؤولية.
ثامنًا: موانع المسؤولية من التعويض عن ضرر تفويت الفرصة
هناك بعض الأسباب التي تنفي العلاقة السببية بين الفعل الضار وبين ضرر تفويت الفرصة؛ مما يؤدي إلى عدم تقرير التعويض عن الفرصة الضائعة وإعفاء مرتكب الفعل من المسؤولية، ومن هذه الأسباب ما يلي:
1) الحادث الفجائي والقوة القاهرة
يقصد بالقوة القاهرة والحادث الفجائي الحادث الذي لا يمكن توقعه وغيـر ممكـن تلافيـه؛ يُجبـر الشـخص علـى الإخـلال بالتزاماتــه المدنيــة، كحدوث حرب أو نشوء حريق في المصنع مما يمنع تنفيذ التزاماته المتفق عليها، ورغم أن هناك آراء فقهية تميل إلى التفرقة بينهم غير أنه ذهب الغالبية إلى عدم وجود فرق بينهم وأنهم يؤدوا إلى نفس النتيجة وهي نفي المسؤولية عن محدث الضرر، حيث إنه إذا وقع ضرر تفويت الفرصة نتيجة للحادث المفـاجئ؛ فـإن العلاقـة السـببية تكـون مفقـودةً بـين الفعل الذي نسـب إلى محدث الضـرر وبين ضـرر تفويـت الفرصـة؛ لأن أساس تقرير المسؤولية التقصيرية يقوم على إهمال وعدم حرص مرتكب الفعل الضار أو القصد العمدي لارتكاب الفعل وهنا ينتفي هذا الأساس مما يؤدي إلى انتفاء المسؤولية وعدم تقرير تعويض عن الفرصة الضائعة.
أما إذا ساهم الفعل الضار في حدوث ضرر تفويت الفرصة إلى جانب الحادث المفاجئ أو القوة القاهرة؛ فتقوم المسؤولية في هذه الحالة بقدر ما ساهم الفعل الضار في إحداث الضرر، وتحديد قيمة التعويض يقع على مسؤولية قاضي الموضوع.
2) فعل المضرور ذاته
في هذه الحالة يرتكب المضرور نفسه فعلًا ضارًا؛ يتسبب في حدوث ضرر تفويت الفرصة، وليس محدث الضرر وحده المسؤول عن ضرر تفويت الفرصة، كأن يهمل في صيانة السيارة؛ مما يكون سبب في حدوث الحادث رغم أن هناك شخص وضع حاجز تسبب أيضًا في وقوع الحادث، فإذا كانت علاقة السـببية بـين الفعـل الضـار الصادر مـن مرتكب الفعل وبين ضـرر تفويـت الفرصـة مسـتسقاة مـن قـرائن الحـال علـى سـبيل التـرجيح لا علـى وجـه اليقين سـقطت هـذه العلاقة السـببية المفترضـة أمـام العلاقة السـببية الثابتـة على وجه اليقين بــين الفعـل الضــار مـن المضــرور وبين ضـرر تفويت الفرصـة، ووجـب أن يتحمــل المضرور نفسه نتيجة الفعل الضار، فلا يكون له الحق في المطالبة بالتعويض من أحد وتنتفي المسؤولية عن مرتكب الفعل الضار.
“إذا كانــت العلاقــة الســببية بــين الفعــل الضــار من مرتكبه وبين ضـرر تفويــت الفرصــة ثابتــة علـى وجــه التحقيــق، وأثبــت محـدث الضــرر أن المضــرور أيضــًا قــد تسـبب بفعلـه الضـار فـي وقـوع الحـادث كمـا فـي الفـرض السـابق، فقـد ثبـت بـذلك أن لضـرر تفويـت الفرصـة سـببين لكـل منهمـا فعلـه الضـار، فتـوزع المسـؤولية بينهمـا وتسـمى هـذه الحالـة حالـة الفعـل الضـار المشـترك. غيـر أنـه إذا كـان أحـد الفعلـين الضـارين نتيجـة للآخـر فـإن السـبب الأول يقـدم على التالي ويستغرقه ويوجب تحميل المسؤولية كلها لمن ارتكبه”([9]).
3) فعل الغير
قبل التطرق إلى الحديث عن فعل الغير كسبب من موانع المسئولية لابد من تعريف المقصود بالغير، وهو كل شخص ليس له علاقة تربطه به ويُعتبر أجنبيًا عنه.
فقد يحدث أن يكون ضرر تفويت الفرصة الذي لحق بالمضرور يرجع إلى شخص أجنبي عن محدث الضرر، فإذا أثبت محدث الضرر وجود سبب أجنبي أدي إلى حدوث ضرر تفويت الفرصة انتفت العلاقة السببية بين فعله وبين الضرر وكذلك انتفاء المسؤولية عنه. ويكون للمضرور الرجوع على هذا الشخص الأجنبي للمطالبة بالتعويض عن ضرر تفويت الفرصة. وإذا كان مرتكب الفعل الضار قام بدفع التعويض قبل أن يثبت السبب الأجنبي المحدث للضرر يكون له هو ذاته الرجوع على هذا الشخص الأجنبي المتسبب الرئيسِ في الضرر بالتعويض الذي قام بدفعه.
أما إذا كان ضرر تفويت الفرصة ناتج عن السببين معا أي فعل محدث الضرر وفعل الشخص الأجنبي؛ ففي هذه الحالة تقوم العلاقة السببية بين فعل الغير وبين الضرر، وأيضًا العلاقة السببية بين فعل مرتكب الضرر وبين الضرر، وتوزيع المسؤولية بينهما في علاقة أحدهما بالآخر، ويجوز للمضرور الرجوع على أيهما للمطالبة بالتعويض كاملًا أو الرجوع عليهم معًا، ولكن إذا كان أحد الفعلين الضارين هـو الـذي كان السـبب في الآخـر أو بَلَّغَ حدًا من الجسامة بحيث يستغرق الآخر؛ فحينئذٍ يظل هـو المعتبـر وحـده ويُتغاضى عن الفعل الضار الآخر.
تاسعًا: سلطة القاضي التقديرية في التعويض عن الفرصة الضائعة
إن قاضي الموضوع له سلطة تقديرية مطلقة في تقرير التعويض عن الفرصة الضائعة وتقديره؛ حيث لابد أن يقتنع القاضي بأنه ثمة فرصة حقيقية وجادة قد ثبت فواتها للتعويض عنها، والتحقق من تتوافر جميع الشروط الموجبة للتعويض عنها، خاصةً وجود العلاقة السببية بين الفرصة الضائعة وبين الضرر، وتؤدي هذه السلطة المطلقة إلى اختلاف قضاة الموضوع في تقدير التعويض.
وفي تقدير قاضي الموضوع لقيمة التعويض عن الفرصة الضائعة لابد أن يُقدر الكسب الذي كان سيُحققه المضرور إذا ما تحققت الفرصة وقيمة الفرصة ذاتها، ويمكن لقاضي الموضوع الاستعانة بآراء الخبراء في تقدير قيمة التعويض عن الفرصة الضائعة، وذلك في المجالات التي لا يكون لديه خبرة فيها وليس في مجال اختصاصه غير أنه لا يكون ملزمًا له فله الأخذ به أو طرحه جنبًا.
يستقل قاضي الموضوع في تقدير التعويض عن الفرصة الضائعة دون أن يُعقب عليه من محكمة التمييز طالما كان الاستخلاص سائغ، ووفقًا للشروط الواجب توافرها. وذلك كما جاء في حكم محكمة تمييز حقوق رقم (6252) لسنة 2020 م بأنه: “وحيث إن وزن البينة وتقدير الأدلة مما تستقل به محكمة الموضوع وفق ما هو مقرر في المادتين (33 و34) من قانون البينات بلا تعقيب عليها من محكمة التمييز طالما كان الاستخلاص سائغاً وله أصله الثابت بالأوراق “.
ورغم أن قاضي الموضوع يستقل بتقدير التعويض عن الفرصة الضائعة وقيمته دون معقب على ذلك، غير أنه تبقى مهمة القاضي في وصفه للوقائع على أنها تُشكل فوات فرصة خاضعة لرقابة محكمة النقض؛ لأنها من المسائل القانونية التي تخضع لرقابة المحكمة العليا (التكييف القانوني للواقعة).
عاشرًا: سوابق قضائية للتعويض عن الفرصة الضائعة
لقد ورد في الحكم رقم (1036) لسنة2019م الصادر من محكمة تمييز حقوق الآتي: “وعن السبب السادس ومفاده تخطئة محكمة الاستئناف بأنها أغفلت أن الأساس القانوني للكسب الفائت مخالف للقانون بحق المدعي ولا يستحق التعويض عنه، حيث إن هذا العمل المقدر فوات الكسب على أساسه لا يجيزه القانون. وفي ذلك نجد أن التعويض الذي يستحقه المدعون ليس من تركة المتوفى، وإنما نتيجة ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب، بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار عملاً بأحكام (المادة 266) من القانون المدني، ولا يؤثر على هذا التعويض أن مورث المدعين كان يعمل بالدروس الخصوصية دون موافقة جهة العمل حيث إن نظام الخدمة المدنية يُنظم العلاقة بين المرحوم وجهة العمل، بينما التعويض الذي يستحقه المدعين ليشمل ما فاتهم من كسب؛ مما يجعل هذا السبب مستوجبًا الرد”.
كما قضت محكمة تمييز حقوق في حكمها رقم (5538) لسنة 2021م بأن: “أما فيما يتعلق بفوات الكسب حتى سن الستين، فإن متوسط العمر الإنتاجي في الأردن محدد بسن التقاعد المعمول به في المؤسسات العامة والخاصة والمعتمد من قبل مؤسسة الضمان الاجتماعي وهو ستون عامًا للرجال. وبما أن الضمان في جميع الأحوال يُقدر بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب، بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعته للفعل الضار وفقاً لما نصت عليه (المادة 266) من القانون المدني، فإن التعويض عن الفعل الضار يشمل الضرر والخسارة المباشرة اللاحقة بالمضرور وبالكسب الفائت الذي لحق به شريطة أن يكون نتيجة طبيعية للفعل الضار، ذلك أن للمضرور في جسده بشكل يخل بقدرته على الكسب الحق بالتعويض عن الضرر المادي الذي أصابه سواء كان عاملاً أم غير عامل؛ لأن الذي يحق أن يُؤخذ بعين الاعتبار في تقدير التعويض عن حد نقص القدرة على العمل الناشئ عن الإصابة الجسيمة التي أُصيب بها، وحيث إن الثابت أن المدعي أُصيب نتيجة الحادث بعجز جزئي دائم بنسبة (45%) فإن ذلك يكون قد أخل بقدرته على الكسب وأنقص قدرته بنسبة العجز المتخلف لديه من قواه العامة حيث يتم احتساب الكسب الفائت على أساس المدة المتبقية من العمر الإنتاجي مضروبة بنسبة العجز والدخل الشهري الذي يتقاضاه المصاب بتاريخ الحادث، ويكون ما توصلت إليه محكمة الاستئناف موافقاً للقانون وأسباب الطعن غير واردة على القرار المطعون فيه مما يتعين ردها”.
إعداد/ محمد محمود
[1] الجبوري ياسين محمد، الوجيز في شرح القانون المدني، ج1، ص (581)
[2] د. سليمان مرقس، الوافي في شرح القانون المدني الأردني، ص (437)
[3] د. أيمن إبراهيم العشماوي، تفويت الفرصة، ص (58)
[4] د. أيمن إبراهيم العشماوي، مرجع سابق، ص (60،59)
[5] د. سليمان مرقس، أصول الإثبات وإجراءاته في المواد المدنية في القانون المصري، ص (143).
[6] حسين عامر، المسؤولية المدنية، ص (317)
[7] أحمد سلامة، مذكرات في نظرية الالتزام (مصادر الالتزام)، ص (263)
[8] د0 إبراهيم الدسوقي أبو الليل، مرجع سابق، ص (346)
[9] سليمان مرقس، مرجع سابق، ص (500).

