إنكار المتهم للتهمة الموجهة إليه
إن الدعوى الجزائية أساسها العديد من الإجراءات التحقيقية والقضائية الواجب إتباعها أمام الجهات القضائية المختلفة والمنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته، ومن هذه الإجراءات سؤال المتهم عن التهمة المسندة إليه، فهذا الإجراء من إجراءات المحاكمة، والذي جاء المشرع ناصاً على أحكامه في كل من المواد 172 و216 من ذات القانون سابق الذكر، وسنتناول في هذا المقال الحديث عن إنكار المتهم للتهمة الموجه إليه عند سؤاله عنها وذلك على النحو التالي:
جدول المحتويات
رفض المتهم الإجابة عن صحة ارتكابه للتهمة يعد إنكار للتهمة
متى يعد المتهم المعترف بالتهمة منكراً لها
الاستماع إلى البينات كإجراء لاحق على إنكار المتهم للتهمة المنسوبة إليه
المقصود بإنكار المتهم للتهمة
إن الإنكار عكس الاعتراف، فالاعتراف هو إقرار المدعى عليه على نفسه بكل أو بعض ما نسب إليه من وقائع جرمية ، أما الإنكار هو تكذيب المدعى عليه لما يوجه إليه من وقائع جريمة ، فالإنكار هو رفض المتهم لما ينُسب إليه من جرائم، فعند سؤال المتهم عن التهمة المنسوبة إليه تنحصر إجاباته إما بالاعتراف أو الإنكار أو عدم الإجابة وذلك بسكوت المتهم وقد عد المشرع سكوت المتهم ورفضه للإجابة عن السؤال بمثابة إنكار للتهمة الموجه إليه، وعليه فإن الإنكار بالمعنى القانوني يتضمن إما رفض المتهم للتهمة أو رفض الإجابة عن صحة ارتكابه لهذه التهمة.
رفض المتهم الإجابة عن صحة ارتكابه للتهمة يعد إنكار للتهمة
فقد جاء بنص المادة 172 في الفقرة الثالثة منها ما يلي:
إذا رفض الظنين الإجابة أو التزام الصمت يعتبر انه غير معترف بالتهمة ويأمر رئيس المحكمة بتدوين ذلك في الضبط.
وقد جاء بنص المادة 216 من ذات القانون أنه: 3. إذا رفض المتهم الإجابة يعتبر غير معترف بالتهمة ويأمر رئيس المحكمة بتدوين ذلك في الضبط.
وعليه فإن رفض الإجابة يأخذ معنى وأحكام الإنكار، وإنكار التهمة قد يصدر من المتهم بارتكاب جنحه أو المتهم بارتكاب جناية.
لماذا لا يعد رفض المتهم الإجابة بمثابة اعتراف؟
فسكوت المتهم وصمته أمام الوقائع المسندة إليه، لا يعتبر اعترافاً، لأن للمتهم حرية الصمت وعدم الكلام، وإذا أجاب، فإن له حرية الإجابة، بل أن له أن يرفض الإجابة كلياً أو جزئياً على ما طرح عليه من أسئلة [1].
متى يعد المتهم المعترف بالتهمة منكراً لها
إن الاعتراف الذي تأخذ به المحكمة كدليل لإثبات التهمة على المتهم هو الاعتراف القانوني أي الذي تتوافر فيه شروط صحة الاعتراف، وعليه إذا تبين للمحكمة أن الاعتراف قد خلا من إحدى شروط صحة الأخذ به عُد المتهم غير معترف بالتهمة المنسوبة إليه وبتالي منكراً لها.
فالاعتراف الذي يصلح للإدانة هو الاعتراف الذي يصدر عن إرادة حرة مدركة، فإذا تبين أن المتهم غير مميز أو مدرك فلا يجوز للمحكمة أن تعتمد على اعترافه، أيضاً في حال صدر الاعتراف عن المتهم تحت إكراه مادي أو استعمال العنف يعد، فلا يأخذ بهذا الاعتراف لأن الاعتراف يجب أن يصدر عن إرادة حرة وباختيار المتهم، إلا أن هذا الشرط خاضع لتقدير قاضي الموضوع، لأنه هو المنوط به القول بحصول الإكراه أو التدليس وأنه كان كافياً لعيب الاعتراف وأن علاقة السببية بينهما قد توافرت [2].
كما أن الاعتراف الذي يصدر عن المتهم يجب أن يكون واضحاً وصريحاً ولا يحتمل أي تأويل آخر، فإذا لم يكن كذلك فإنه لا يعد اعترافاً وإنما هو في حقيقته تحميل لألفاظ المتهم بما لا يقصده منها، كما أن من المتهم لصحة الاعتراف أنه يستند على إجراءات صحيحة أي قانونية وإلا يعتبر باطلاً كأن يتم الحصول على الاعتراف من قبل أحد موظفي الضابطة العدلية، فالاعتراف هنا باطل لأن الاستجواب في الأساس لا يصدر إلا عن المدعي العام وليس لأي فرد من الضابطة العدلية القيام به، أيضاً لا بد من أن يكون الاعتراف مطابقاً للحقيقة والواقع فإن لم يكن مطابقاً للواقع أي لما تضمنته الواقعة الجرمية فلا يعد صحيحاً.
أهمية اقتناع القاضي بالاعتراف للأخذ به كدليل إثبات
وأخيراً وهو الأهم أنه في حال لم يقتنع القاضي بصحة الاعتراف فلا يأخذ به ويعتبر المتهم منكراً للجريمة المنسوبة إليه، فتقدير الاعتراف في المسائل الجزائية هو من الأدلة التي تملك المحكمة كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات، وللقاضي سلطة مطلقة في أن يأخذ باعتراف المتهم متى أطمأن إلى صحته واقتنع بمطابقته للحقيقة والواقع، كما أن لهذا القاضي ألا يأخذ بالاعتراف إذا لم يطمئن إلى صدقه، أو إذا ساوره الشك حول صحته ولا معقب على القاضي في ذلك طالما أنه قد بنى تقييمه للاعتراف على أسباب سائغة ومقبولة عقلاً ومنطقاً [3].
والإنكار الجزئي للتهمة
إن الإنكار الجزئي للتهمة يتجسد في تجزئة الاعتراف، فالاعتراف الذي يصدر عن المتهم بارتكاب الجريمة المنسوبة إليه هو اعتراف قابل للتجزئة، فقد استقر الفقه والقضاء على جواز تجزئة الاعتراف وعليه، فإن محكمة الموضوع غير ملزمة بالأخذ باعتراف المتهم بنصه وظاهره، بل لها في سبيل تكوين عقيدتها في المواد الجنائية أن تجزي الاعتراف وتأخذ منه ما تراه مطابقاً للحقيقة، وأن تعرض عما تراه مغايراً لها [4].
فالإنكار الجزئي يعني اعتراف المتهم بجزء من الوقائع الجرمية وإنكار الجزء الأخر منها، ولكي يصح الإنكار الجزئي لابد أن يكون الاعتراف قد انصب على ارتكاب الجريمة، وانحصر إنكار الجاني للوقائع التي تتعلق بظروف الجريمةـ، أو بتقدير العقاب، وفي هذه الحالة يعد المتهم معترفاً ولا يعد منكراً للتهمة ويأخذ باعترافه ويطرح منه الجزء المنكر من.
أما في حالة ما إذا كان الفصل في الدعوى الجزائية يتوقف على الفصل في موضوع مدني يخضع لقواعد الإثبات في القانون المدني، فإنه لا يكون هناك مجال لتجزئة الاعتراف، وإن كان ثمة اعتراف وتطبيقاً لذلك، فلا يجوز أن يجزأ هذا الاعتراف بل يجب أن يؤخذ ما أدلى به المتهم على أنه كل واحد غير قابل للتجزئة، ولا يجوز القول هنا بأن الإقرار ببعض الوقائع يعتبر في ذاته اعترافاً بالجريمة، وفي حالة تجزئة الاعتراف يتعين على المحكمة أن توضح في حكمها ما هو الجزء الذي أطمأنت إليه من الاعتراف، وتبين ما لم تطمئن إليه، وسبب طرحها لهذا الجزء من الاعتراف، وإلا كان حكمها معيباً [5].
الاستماع إلى البينات كإجراء لاحق على إنكار المتهم للتهمة المنسوبة إليه
نصت المادة 127 /4من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه إذا أنكر الظنين التهمة أو رفض الإجابة عليها أو لم تقنع المحكمة باعترافه تشرع في استماع البينات وفقاً لما هو منصوص عليه فيما بعد.
ونصت المادة 216 من ذات القانون على أنه إذا أنكر المتهم التهمة أو رفض الإجابة أو لم تقنع المحكمة باعترافه بها أو كان الجرم معاقبا عليه بالإعدام تشرع – المحكمة – في الاستماع الى شهود الإثبات.
فالإجراء الذي تتخذه المحكمة عند إنكار المتهم للتهمة المنسوبة إليه أو اعتباره منكراً لرفض الإجابة أو لعدم صحة الاعتراف أو عدم اقتناعها به تنتقل إلى سماع شهود الإثبات، وهي بينات النيابة العامة وسماع شهود المتهم.
من القرارات الصادرة عن المحاكم الأردنية فيما يتعلق بإنكار المتهم للتهمة الموجه إليه
الحكم رقم 2518 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: تجزئة الاعتراف التي تتضمن الإنكار الجزئي/ تجزئة الاعتراف مسألة تقديرية للقاضي/ إنكار المتهم للتهمة المنسوبة إليه.
لمحكمة الموضوع السلطة التقديرية بوزن بينات الدعوى وتقديرها والأخذ بما تقنع بها ويطمئن لها ضميرها ويتوافق مع باقي البينة وطرح ما دون ذلك كما أن لها أن تأخذ بجزئية من الدليل الواحد وطرح ما عدا ذلك دون معقب عليها من محكمتنا في هذه المسألة الموضوعية ما دام أن استخلاصها لواقعة الدعوى جاءت سائغة ومقبولة وتؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها
حيث يتبين للمحكمة أن المتهم الرابع كان نزيلاً لدى مراكز الإصلاح والتأهيل لمدة تتجاوز السنتين لحساب قضايا أخرى سابقة على وقائع هذه الدعوى وإزاء إنكار المتهم المذكور المتواتر للتهمة المسندة والوقائع المنسوبة إليه في مرحلة التحقيق وأمام المحكمة مما يستوجب معه إعلان براءته عن هذه الجناية المسندة إليه لعدم قيام الدليل القانوني الكافي والمقنع بمواجهته.
الحكم رقم 1148 لسنة 2020 – بداية عمان بصفتها الاستئنافية: تستمع المحكمة لشهود الإثبات بعد إنكار المتهم للتهمة المنسوبة إليه.
وحيث نجد أنه ولدى مثول المشتكى عليه (المستأنف) أمام محكمة الدرجة الأولى في الجلسة المنعقدة بتاريخ 8/9/2019 ولدى سؤاله عن الجرائم المسند إليه قد أنكر كل ما أسند إليه من جرائم.
وحيث نجد أن المادة 216 من قانون أصول المحاكمات الجزائية قد أوجبت على المحكمة في حال إنكار المتهم التهم المنسوبة إليه أن تشرع في سماع بينات النيابة.
فإن محكمة الصلح لم تستمع لشهادة منظم إفادة المشتكى عليه المستأنف لدى الشرطة الذي أنكر التهمة المسندة إليه خلافاً لأحكام المادة (159) من قانون ذات القانون والتي تنص: إن الإفادة التي يؤديها المتهم أو الظنين أو المشتكى عليه في غير حضور المدعي العام ويعترف فيها بارتكابه جرماً تقبل فقط إذا قدمت النيابة بينة على الظروف التي أديت فيها واقتنعت المحكمة بأن المتهم أو الظنين أو المشتكى عليه أداها طوعاً واختياراً.
وكان يتوجب وقبل الحكم بإدانة المشتكى عليه (المستأنف) التثبت من تلك الإفادة ومدى
أثرها على المسؤولية الجزائية ثم أن محكمة الصلح لم تستمع لشهادة منظمي كشف الدلالة
فإنها تكون بذلك قد خالفت إجراءات التقاضي التي هي من النظام العام الواردة في المادتين 215 و216 من قانون أصول المحاكمات الجزائية ويكون قرارها سابق لأوانه ومستوجب الفسخ.
إعداد المحامية: ليلى خالد.
[1] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، عمان، 2021، ص 243.
د. محمد سعيد نمور، الموجع السابق، ص 242.
[3] محمد سعيد نمور، المرجع السابق، ص 245.
[4] تمييز جزاء رقم 121/85 مجلة نقابة المحامين، سنة 1986، ص 237.
[5] د. محمد سعيد نمور، المرجع السابق، 245.

