إجراءات استجواب المشتكى عليه
عند وقوع أي جريمة تقوم أجهزة الدولة بملاحقة مرتكبيها من خلال ثلاث مراحل هي مرحلة الاستقصاء وجمع الأدلة، مرحلة التحقيق الابتدائي، ومرحلة المحاكمة، وكل مرحلة من هذه المراحل الثلاث تنطوي على العديد من الإجراءات القضائية، ويعد الاستجواب من إجراءات التي تتخذ في مرحلة التحقيق الابتدائي، والذي يعد من الإجراءات المهمة في هذه المرحلة ، ويسبقهُ عدد من الإجراءات التحقيقية التي تهدف بمجملها إلى استجواب المشتكى عليه ومنها القبض على المشتكى عليه والتوقيف والتفتيش ومذكرة الإحضار، وسنتحدث في هذا المقال عن إجراءات استجواب المشتكى عليه، استنادا لقانون أصول المحاكمات الجزائية المادة 63
جدول المحتويات
الفرق بين استجواب المتهم وسؤال المتهم
علة جعل الاستجواب من صلاحية النيابة العامة فقط
حقوق محامي المتهم في مرحلة الاستجواب
طبيعة الأسئلة التي يتضمنها الاستجواب
الاستجواب شرط من شروط صحة التوقيف
واجب المحامي في مرحلة الاستجواب
المقصود بالاستجواب
هو مناقشة المشتكى عليه مناقشة تفصيلية بالنسبة للجريمة المتهم بارتكابها، فتشمل المناقشة أقوال المتهم بالإضافة إلى كل ما يتعلق بالجريمة والمواد المضبوطة والمتعلقة بالجريمة، كما يعرف الاستجواب بمجابهة المتهم بالجريمة المنسوبة إليه وبالأدلة القائمة ضده، ومناقشته بها مناقشة تفصيلية كي يفند هذه الأدلة إن كان منكراً للتهمة، أو يعترف بارتكاب الجريمة إن شاء الاعتراف[1] .
الهدف من الاستجواب
إن الهدف من الاستجواب هو كشف الحقيقية حول الجريمة المنسوبة إلى المتهم، وهذا الكشف لا يعني إثبات التهمة على المتهم من خلال الاستجواب وإنما كشف الحقيقة إن كان فعلاُ مرتكب للجريمة أم لا، فالاستجواب يمنح المتهم أيضاً فرصةً للدفاع عن نفسه من خلال إنكار التهمة المنسوبة إليه وتفنيد الادعاءات الموجه إليه مما يؤدي إلى إظهار براءته، فالاستجواب ذو طبيعة مزدوجة، فهو وسيلة للحصول على دليل إثبات ضد المتهم ، وبذات الوقت وسيلة دفاع، تتيح للمشتكى عليه نفي التهمة عن نفسه أو تخفيف مسؤوليته عن طريق توضيح ظروف اقترافه للجريمة في حال كان مذنباً .
أهمية الاستجواب
يعد الاستجواب من أهم إجراءات التحقيق في الدعوى الجزائية، لأنه يربط بين جميع وقائعها، ومن خلاله يتبين مدى جديتها لتحقيق الهدف منها، ألا وهو التوصل للحقيقة، وتوقيع العقاب على من تثبت براءته، أو تبرئة من لم يقم الدليل على ارتكابه للجريمة والاعتراف بذلك [2].
عناصر الاستجواب
الاستجواب ينبغي أن يتوافر فيه عنصران هما:
1_ مناقشة المشتكى عليه تفصيلاً بالتهمة المنسوبة إليه.
2_ مواجهة المتهم بالأدلة القائمة ضده.
الفرق بين استجواب المتهم وسؤال المتهم
من حيث طبيعة الإجراء
إن الاستجواب إجراء من إجراءات التحقيق الابتدائي، في حين أن سؤال المتهم هو من إجراءات الاستدلال.
من حيث الجهة المختصة به
إن إجراء الاستجواب لا يتم إلا من قبل المدعي العام وحده، ولا يجوز في أي حال من الأحوال أن تقوم به الضابطة العدلية، وذلك على عكس سؤال المتهم الذي يمكن أن يتخذه موظفي الضابطة العدلية كونه إجراء استدلالي.
من حيث حدود الأجراء
أن سؤال المتهم لا يعني أكثر من توجيه سؤال للمتهم وإثبات أقواله بشأن التهمة، وذلك دون مناقشته فيها ودون مواجهته بالأدلة القائمة ضده، في حين أن الاستجواب هو إجراء تحقيقي يتم من خلاله مناقشة المتهم مناقشة تفصيلية في أقواله، والأدلة القائمة ضده.
علة جعل الاستجواب من صلاحية النيابة العامة فقط
سبب حصر الاستجواب بيد النيابة العامة وتحديداً بالمدعي العام، هو أن الاستجواب ينطوي على اتهام، والاتهام ينبغي أن يصدر عن سلطة قضائية مختصة، ولا يجوز أن يصدر عن السلطة التنفيذية، بالإضافة إلى أن المدعي العام وهو قاض، وهو شخص بعيد عن شبهة التأثير على المتهم أو الضغط عليه لدفعه إلى الإدلاء بأقوال قد لا تكون في صالحه.
ضمانات الاستجواب
لقد نص المشرع في قانون أصول المحاكمات الجزائية على مجموعة من الضمانات التي تهدف إلى حماية المشتكى عليه المتهم أثناء استجوابه، وهذه الضمانات هي:
السلطة المختصة بالاستجواب
نصت المادة 48 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن للمدعي العام أن يعهد إلى أحد موظفي الضابطة العدلية بقسم من الأعمال الداخلة في وظائفه ما عدا استجواب المشتكى عليه، وعليه فإن المشرع حرص إجراء الاستجواب من قبل المدعي العام وحده، ولا تجوز الإنابة فيه، فأنه ليس لأي من موظفي الضابطة العدلية استجواب المشتكى عليه، وكل ما له هو مجرد سؤاله والاستماع لأقواله، دون الدخول معه في مناقشة تفصيلية.
إطلاع المتهم على الجريمة المنسوبة إليه وعلى الأدلة القائمة ضده
من حق المشتكى عليه المتهم أو الظنين أن يعلم سبب مثوله أمام المدعي العام، وما هي التهمة المنسوبة إليه، وذلك لكي يتمكن من الدفاع عن نفسه بنفسه أو بواسطة محامي إذا لزم الأمر، ولذلك نصت المادة 63 /1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أنه عندما يمثل المشتكى عليه أمام المدعي العام يتثبت من هويته ويتلو عليه التهمة المنسوبة إليه ويطلب جوابه عنها، بل وعليه أن يطلع المتهم على الأدلة القائمة ضده وتبصيره بها.
حق المتهم في الصمت
لقد أجمع الفقه على أن للمتهم الحرية الكاملة في عدم إبداء أي أقوال، وله الحق في أن يلتزم الصمت، بأن لا يجيب على الأسئلة التي توجه إليه أثناء الاستجواب، ولا يصح أن يفسر صمته على نحو يضر بمصلحته، فلا يعتبر صمت المتهم قرينة ضده لإثبات ما هو منسوب إليه[3]
وعليه وبالعودة إلى قرينة البراءة نجد أن هذا الضمان مستمد منها، فالأصل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وبالتالي هو غير ملزم لإثبات براءته، ولا يطلب منه تقديم أي دليل ينفي التهمة عنه وذلك بمقتضى قرينة البراءة، وعليه من حقه أن يلتزم الصمت.
الضمانات المتهم المستمدة من حقه في الصمت
وبناء على حق المتهم في الصمت نتوصل إلى ضمانات أخرى تترتب على هذا الحق وهي:
1_ لا يجوز الضغط على المتهم أثناء الاستجواب، من حقه أصلا ألا يجيب.
2_ لا يجوز استخدام وسائل العنف ضده، ويمنع الاعتداء عليه لإجباره على الإجابة، وذلك سواءً كان ملزم الإجابة أو غير ملزم.
3_ لا يجوز أن تكون مدة الاستجواب طويلة بحيث ترهق المتهم وتدفعه إلى الكلام، رغم أنه فضل الصمت.
4_ لا يجوز استخدام وسائل الإكراه المادي أو المعنوي لتأثير على المتهم.
5_ لا يجوز إغراء المتهم بتحسين ظروفه أو خداعة للاعتراف.
6_ على المدعي العام تحري الأمانة في إجراء الاستجواب، فلا يجوز استخدام طرق التخدير أو التنويم المغناطيسي، أو تحليف المتهم لليمين القانونية.
دعوة محامي المتهم للحضور
من حق المتهم أن يدافع عن نفسه بالطريقة التي يراها مناسبة ، وقد يرى أن الوسيلة المناسبة للدفاع عنه هي من خلال محامي، وهذا الحق محفوظ له في قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة 63/1 والتي يفهم منها أن المدعي العام ملزم بعد تلاوة التهمة على المتهم أن يسأله أن كان يرغب بتوكيل محامي أو لا قبل الاستجواب، وأن يقوم بتدوين ذلك في محضر التحقيق ، فإذا اختار المشتكى عليه عدم توكيل محامي أو لم يحضر محاميه خلال أربع وعشرين ساعة يجري الاستجواب بمعزل عنه ، ذلك أن مدة المسموح خلالها لاستجواب المشتكى عليه هي أربع وعشرين ساعة ، ولا يجوز تجاوزها قانوناً، أما إذا أختار توكيل محامي وحضر في خلال أربع وعشرين ساعة وكانت لا تقتضي الضرورة استجواب المشتكى عليه على وجه السرعة، فليس له الكلام أثناء الاستجواب إلا إذا أذن له المدعي العام بذلك، فإذا طلب الكلام ورفض المحقق ذلك ، يشار إلى ذلك في المحضر.
حقوق محامي المتهم في مرحلة الاستجواب
لكي يتمكن محامي المتهم من الدفاع عنه لا بد أن يكون مطلع على جميع إجراءات التحقيق قبل الاستجواب، وأن يطلع على وقائع الدعوى، فإذا تم استجواب المتهم بمعزل عن محاميه وذلك في حالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة، وبقرار معلل من المدعى عليه، فللمحامي أن يطلع على إفادة موكله، سنداً لنص المادة 63/2 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، أيضاً للمحامي أن يطلب الإذن من المدعي العام للكلام أثناء الاستجواب، فإذا رفض المدعي العام ذلك، يبقى للمحامي الحق في تقديم مذكرة بملاحظاته.
هل يحق للمتهم أن يستعين بأكثر من محامي؟
لا يجوز للمتهم ان يستعين إلا بمحام واحد لدى المدعي العام، وذلك لتجنب وجود عدد من المحامين في مكتب المدعي العام أثناء التحقيق.
هل يعني تنازل المشتكى عليه عن توكيل محامي له ليحضر الاستجواب أو إجراءات التحقيق يعني عدم إمكانية توكيل محام له فيما بعد؟
إن تنازل المشتكى عليه عن توكيل محامي عند استجوابه أول مرة لا يحرمه من توكيل محامياً بعد ذلك، فقد نصت المادة 63/4 على المدعي العام قبل كل استجواب لاحق للاستجواب الأول أن يسأل المشتكى عليه عما إذا كانت موافقته مستمرة بأن يتم استكمال استجوابه دون الاستعانة بمحامي وأن يثبت ذلك في المحضر تحت طائلة بطلان ذلك الاستجواب اللاحق.
ماذا يترتب على عدم التزام المدعي العام بضمانات الاستجواب؟
إن ضمانات الاستجواب هي من الإجراءات الجوهرية التي يجب مراعاتها من قبل المدعي العام، وإلا ترتب على عدم مراعاتها البطلان، فتبطل الإفادة التي أدلى بها المشتكى عليه.
إجراءات الاستجواب
وضع المشرع الأردني القواعد الأساسية لاستجواب المتهم، وذلك في نص المادة 63 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، فعندما يمثل المتهم أمام المدعي العام يقوم المدعي العام بالتثبت من هويته ويتلو عليه التهمة المنسوبة إليه، ويطلب جوابه عنها، منبهاً إياه أن من حقه ألا يجيب عنها إلا بحضور محام، وفي حال أدلى المشتكى عليه إفادته يدونها الكاتب، ويوقع على محضر الإفادة بإمضائه أو ببصمة أصبعه، وفي حال امتنع عن التوقيع يدون الكاتب ذلك في المحضر مع بيان سبب الامتناع ويصادق عليها المدعي العام والكاتب.
إنكار المشتكى عليه للتهمة المنسوبة إليه
عند إنكار المشتكى عليه للتهمة المنسوبة إليه، يتم تسجيل هذا الإنكار، ويسأل المشتكى عليه إن كان لديه شهود دفاع، فإن وجد يقوم المدعي العام بتثبيت أسمائهم في المحضر، ويأمر بسماع الشهود، ثم يقوم المدعي العام باستجواب المشتكى عليه ويطلعه على الأدلة القائمة ضده ويسأله إن كان لديه ما يفند هذه الأدلة أو يدحضها، ويسجل كل ذلك في محضر التحقيق.
اعتراف المشتكى عليه بالتهمة المنسوبة إليه
إذا اعترف المتهم بالجرم المنسوب إليه يأمر المدعي العام بتسجيل اعترافه في المحضر بلغة أقرب إلى لغته، ثم يبدأ بسؤال المشتكى عليه بشكل تفصيلي عن كيفية ارتكاب الجريمة المسندة إليه وعن الظروف والأسباب التي أحاطت بارتكاب الجريمة.
كيفية إجراء الاستجواب
لم يحدد المشرع طريقة معينة لإجراء الاستجواب ، ولا لترتيب الاستجواب بين الإجراءات التحقيقية، وإنما ترك هذا الأمر لحسن تقدير المدعي العام وفطنته، فهو يختار الترتيب الذي يراه مناسباً للوصول إلى الحقيقة، ويجب أن يتبع المدعي العام خطة معينة في الاستجواب، فيجب عليه ترتيب الأسئلة التي سيتم توجيهها إلى المشتكى عليه المتهم، بحيث يتم ترتيب هذه الأسئلة وفقاً لتسلسل معين، ثم يتدرج بالأسئلة التي تتعلق بالجريمة وبالظروف المحيطة بها، وبالاتهامات القائمة ضد المشتكى عليه، ومن ثم يبدأ الاستجواب المتضمن للمناقشات التفصيلية، والدخول في دقائق الموضوع بغية الكشف عن الحقيقة .
طبيعة الأسئلة التي يتضمنها الاستجواب
يجب أن تكون الأسئلة ضمن عبارات واضحة حتى يتم فهم المقصود منها، ولا يشترط أن تنص الأسئلة على الاتهام القائم ضد المشتكى عليه، بل يمكن أن تدور هذه الأسئلة حول هذا الاتهام، مثل تلك المتعلقة بالأسباب التي أدت إلى ارتكاب الجريمة وتلك المتعلقة بظروف ارتكابها [4].
الاستجواب شرط من شروط صحة التوقيف
لا يجوز توقيف المشتكى عليه المتهم إلا بعد استجوابه، وذلك بعد بمواجهته بالتهمة المنسوبة إليه، وبالأدلة القائمة ضده، ومناقشته تفصيلياً بذلك وشرط الاستجواب للتوقيف نص عليه في المادتين 111و114من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ولا بد من الإشارة إلى أن الاستجواب لا يعني بالضرورة توقيف المشتكى عليه فوراً، فيجوز للمدعي العام أن يصدر أمر التوقيف في أي وقت بعد الاستجواب سواءً طالت الفترة أو قصرت بعد استجواب المشتكى عليه، وله بعد الاستجواب أن يأمر بتوقيفه أو إطلاق سراحه.
واجب المحامي في مرحلة الاستجواب
إذا اختار المشتكى عليه المتهم توكيل محامي فمن واجب المحامي أن يتابع قضية موكله وأن يسأل عن موعد التحقيق معه، وأن يحضر في الموعد المحدد للاستجواب وأن يكون مع موكله أثناء الاستجواب وأن لم يسمح له بالكلام، وذلك لأن المدعي العام ليس من واجبه الإبلاغ المحامي أو دعوته للحضور، فمتابعة القضية في هذه المرحلة من واجب المحامي
من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بإجراءات استجواب المشتكى عليه
حكم محكمة التمييز الأردنية /جزاء رقم 2945/2018
إذا جاءت الإفادات موافقة لأحكام المادتين 159و100 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، بالإضافة على كشف الدلالة الذي قام به المتهمان عقب اعترافهما بالسرقة ، وكذلك اعتراف المتهم أمام المحكمة والذي عاد عن إنكاره واعترافه باشتراكه بجرم السرقة المسند إليه ووجدت أن أفعال المتهمين تشكل سائر أركان وعناصر جناية السرقة بالاشتراك طبقا للمادتين 404 و76 من قانون العقوبات ، والعقوبة المفروضة عليهما ضمن الحد القانوني لمثل الجريمة التي جرما بها بعد أخذهما بالأسباب التقديرية المخففة المتمثلة بإسقاط الحق الشخصي من قبل المشتكي فيكون قرارها مشتملاً على علله وأسبابه الموجبة بما يفي وأغراض المادة 237 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
إعداد المحامية: ليلى خالد
[1] د. رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، الجزء الأول، دار الفكر العربي،1980، ص 4 وما بعدها.
[2] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع ،2021،ص391.
[3] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2021، ص394.
[4] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع،2021، ص 397.

