التنظيم القانوني لعقود التجارة الدولية

التنظيم القانوني لعقود التجارة الدولية

لقد أدى التطور الكبير في العلاقات التجارة الدولية في الفترة الأخيرة وزيادة التبادل التجاري بين الدول حدوث نوع من التداخل بين التجارة والنقد والتمويل على الصعيد الدولي وتداخل العلاقات وتشابكها بين الدول، حيث انتعشت الحركة التجارية بين الدول عبر حدودها وما ترتب على ذلك من تطور في العلاقات التجارية.

ولقد كان لذلك الأثر الكبير في جعل عقود التجارة الدولية يتعاظم شأنها كونها أداة تسيير التجارة الدولية، مما جعل حاجة الدول إلى تشريعات تنظم تلك العقود وتحل التشابكات المترتبة عليها، وبالتالي فقد أصبحت الحاجة ملحة لإيجاد مرجعية لإحكام هذه العقود.

أولا: ماهية التنظيم القانوني لعقود التجارة الدولية

ثانيا: الارادة واختيار التنظيم القانوني لعقود التجارة الدولية

ثالثا: مصادر التنظيم القانوني الدولي المطبقة على عقود التجارة الدولية

أولا: ماهية التنظيم القانوني لعقود التجارة الدولية

 

ويمكن تعريفه بأنه طبيعة القانون والنظام الخاضع لأحكامه أو القانون الواجب التطبيق في العقود التجارية الدولية، والذي ينظم أحكامها ويتناول حل اشكالياتها.

ويكون العقد داخليا إذ ارتبطت جميع عناصره بدولة واحدة وفي هذه الحالة يخضع للقانون الداخلي، ويكون عقدا دوليا إذ تضمن عنصرا أجنبيا يؤثر على خضوعه للقانون الداخلي.

ولقد عرف البعض العقد التجاري الدولي بأنه” المرتكز الأساسي للمعاملات على الصعيدين المحلي والدولي كما يلعب دورا هاما في تنظيم العلاقات بين الأشخاص ومن خلاله تنشأ الغالبية العظمى من الحقوق والالتزامات وتستقر به المراكز القانونية المختلفة”([1]).

ثانيا: الارادة واختيار التنظيم القانوني لعقود التجارة الدولية

 

بطبيعة الحال يخضع أي عقد للمبدأ العام الذي يحكم الارادة وهو “مبدأ سلطان الإرادة”، أي أن الإنسان حر في إبرام العقد من عدمه وكذلك هو حر في اختيار القانون الي يحكم تصرفاته التي يبرمها وهو ما يعرف بمبدأ سلطان الارادة.

أي أن لأطراف العقد مطلق الحرية في اختيار القانون الذ يخضع له العقد المبرم بينهم ولا يحد من هذه الحرية سوى فكرة النظام العام.

وقد يعبر طرفي العقد الدولي عن ارادتهما في اختيار القانون الذي ينظم أحكام العقد بشكل صريح وقد يكون ضمنيا:

1- الارادة الصريحة من جانب طرفي العقد التجاري الدولي

وتتحقق هذه الارادة باتفاق طرفي العقد بشكل صريح في بنود العقد على أن يكون الاختصاص لقانون محل ابرام العقد أو محل تنفيذه لتنظيم أحكام العقد التجاري الدولي المبرم بينهم، أي إضافة شرط الاختصاص التشريعي لبنود العقد، وهو ما نص علت عليه المادة \ 20من القانون المدني الأردني على أنه” يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطنا فان اختلفا سرى قانون الدولة التي فيها العقد، هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك”.

كما يجوز لطرفي العقد الاختيار الصريح للقانون الذي ينظم العقد في العقد الأصلي أو في عقد مستقل عن العقد الأصلي، ويجوز لطرفي العقد كذلك تعديل القانون المختار في أي وقت لاحق لإبرام العقد بشرط ألا يؤدي هذا التعديل إلى المساس بصحة العقد الأصلي ([2]).

2- الارادة الضمنية من طرفي العقد التجاري الدولي

ويقصد بالإرادة الضمنية هي الارادة التي تفهم من صياغة الكلام بين طرفي العقد بأن قانون معين هو المختص بتنظيم العقد التجاري الدولي.

وينبغي أن يكون هناك دلالات على هذه الإرادة الضمنية، بمعني وجود قرائن تكشف عن هذه الارادة ومنها وجود شرط في العقد أو اتفاق على أن يكون قضاء دولة معينة هو المختص بنظر أي خلاف قضائي بين الطرفين، ففي هذه الحالة فبديهيا أن يكون قانون تلك الدولة هو الذي ينظم أحكام العقد التجاري الدولي.

وفي حالة عدم اختيار طرفي العقد للقانون الذي ينظم أحكام العقد أو إذا لم يوجد ما يفيد الاختيار الضمني فان القاضي أو المحكم هو الذي يقوم بهذه العملية ويقوم بتحديد القانون الأقرب في تطابقه مع العقد التجاري الدولي المبرم بين الطرفين.

ويستعين القاضي أو المحكم عند اختيار القانون الواجب التطبيق بالمبادئ العامة للقانون، أو قواعد القانون الدولي، أو قانون الدولة المتعاقدة، أو قواعد قانون التجارة الدولية.

ثالثا: مصادر التنظيم القانوني الدولي المطبقة على عقود التجارة الدولية

يستمد التنظيم القانوني المطبق على عقود التجارة الدولية مصادره من العادات والأعراف الدولية وقانون التجار والاتفاقات الدولية:

1- العادات والأعراف الدولية

لقد عرف البعض العرف الخاص بصفة عامة بأنها” السلوك الذي يتكرر مرة بعد مرة بين دولتين أو بين عدد محدود من الدول تقع في منطقة جغرافية معينة تجاه قضية أو مشكلة معينة فيصبح ملزما لهما أو لهم بوصفه قانونا غير مكتوب”([3]).

بينما عرف البعض أعراف التجارة الدولية بأنها ” الأساليب التي يعتبرها الأشخاص العاديون الموجودون في نفس الظروف قابلة للتطبيق على العقد الذي يبرمونه…….. “([4]).

وعرفها البعض الآخر بأنها” عبارة عن مجموعة قواعد اعتاد المتعاملون والمهنيون في ميدان التجارة الدولية العمل بها في معاملاتهم وكرسوا جهودهم لتطويرها حتى أصبحت تمثل نظام قانوني مهني ذا تطبيق عالمي على أساس عرفي”([5]).

وتعتبر هذه الأعراف ليست سوى عادات معروفة في مكان معين أو في مهنة معينة ولا تستمد قوتها إلا بالإرادة الصريحة او بالانضمام الضمني للمتعاقدين ولها أهمية في ميدان البيع التجاري الدولي والتجارة الدولية بصفة عامة.

ولقد أدى عجز القوانين الوطنية عن معالجة المسائل الناتجة عن التجارة الدولية إلى ظهور تلك الأعراف وخروجها إلى النور والاعتماد عليها في حل تلك المسائل، حيث إن التشريعات الوطنية لم تعالج سوى العقود التقليدية في التجارة الدولية أم العقود الحديثة كعقد تسليم المفتاح وعقود نقل التكنولوجيا فلم تستطع تنظيمها، لذلك كانت الحاجة لتلك الأعراف الدولية، ومن هنا استقر الحال على الأعراف التجارية الدولية في تنظيم العلاقات التجارية ([6]).

ولقد نصت على تلك الأعراف الدولية بعض الاتفاقيات الدولية، كالاتفاقية الأوربية للتحكيم التجاري الدولي المؤرخة في 21 ابريل 1961بجنيف في المادة\ 7\1منها على أنه” 1- إن الفرقاء أحرار في تحديد القانون الذي يقتضي على الحكام تطبيقه بصدد أساس النزاع وفي حال إغفال الإشارة من قبل الفرقاء إلى القانون الذي يقتضي تطبيقه يعمد المحكمون إلى تطبيق القانون المحدد بموجب قاعدة تنازع القوانين التي يرون أنها مناسبة بهذا الصدد وفي الحالتين فان المحكمين يأخذون بعين الاعتبار أحكام العقد والأعراف التجارية”.

كما نصت عليها اتفاقية نظام المصالحة والتحكيم لغرفة التجارة الدولية المنعقدة في باريس في المادة \13\5 على أنه” مهمة التحكيم: 1- ………………..

5- يراعي المحكم في كل الأحوال أحكام العقد والعادات التجارية”.

كما ذهب البعض إلى أن العرف يمكن أن يكون ملزما حتى في حالة عدم النص عليه في العقد بشروط وهي:

أ- معرفة الطرفين بوجود العرف.

ب- انتشار هذا العرف في ميدان التجارة الدولية.

ج- تطبيق العرف بصورة منتظمة بما يحقق قدرا من الثبات والاستقرار ([7]).

وتجد الأعراف الدولية تطبيقه في مجال التجارة الدولية في عقود حديثة لم تعالجها التشريعات الوطنية، بل عجزت عن علاجها كعقود نقل التكنولوجيا وعقد تسليم المفتاح.

  • الطبيعة القانونية للأعراف والعادات الدولية

رغم أن العادات والأعراف الدولية ليست قوانين فهي مجرد عادات اتفاقية ينص عليها المتعاقدون فيما يبرم بينهم من عقود إلا أنها تستمد قوتها الملزمة من إرادة الطرفين.

ويرى جانب من الفقه أن انتظام العمل بالأعراف والعادات التجارية الدولية المدونة في عقود التجارة الدولية جعلها أعراف ملزمة ولا يختلف الأمر كثيرا عن العادات والأعراف التي لم يتم تدوينها، ولذلك فلقد استقر العمل بين التجار ورجال الاعمال في العقود الدولية التجارية على اتباعها في معاملاتهم التجارية وتحولت إلى اعراف ملزمة.

وبذلك يكون من الصعب إنكار الصفة القانونية للأعراف المهنية والتجارية التي استقر عليها العمل داخل المجتمع ([8]).

2- قانون التجار

ويعتبر المصدر الثاني للتنظيم القانوني لعقود التجارة الدولية، ولقد ساد هذا النظام في القرون الوسطى، ويتكون هذا القانون من مجموعة من الممارسات المؤسسة على الأعراف والعادات التجارية المهنية، في شكل قواعد عرفية تطبق من طرف محاكم التجار والتي تم وضعها في قوانين وضعية ([9]).

ويمكن تعريفه بأنه مجموعة القواعد بعيدا عن القواعد الوطنية والتي درج التجار على اتباعها بينهم فيما يتعلق بالتجارة الدولية وقاموا باستخدامها في تنظيم التبادل التجاري فيما بين الدول.

ولقد عرف البعض قانون التجار أنه عبارة عن مجموعة من القواعد المتكونة من المبادئ العامة المشتركة وأعراف وعادات التجارة الدولية والتي تجد مصدرها في مجموعة اجتماعية منسجمة، حيث كانت محل بحث مستمر لأهمية التجارة الدولية للأعمال والتي أدت بدورها إلى قانون تجار حقيقي والذي تم وضعه بالموازاة مع القوانين الوطنية وتطور بواسطة العقود النموذجية والشروط العامة للبيع التي وضعت من طرف هيئات مهنية ([10]).

ويفهم من هذا التعريف أن قانون التجار يمتاز بالآتي:

أ- أن مصادرة هي المبادئ العامة وأعراف التجار وعادات التجارة الدولية.

ب- أن التجار هم الذين كانوا يطبقون قانون التجار وليس القضاة.

ج- سرعة الإجراءات.

د- قانون التجار قانون عابر للدول.

ه- يمتاز قانون التجار بأنه أكثر عدالة وانصافا.

  • الطبيعة القانونية لقانون التجار

ويذهب غالبية الفقه إلى أن قانون التجار يكون نظام قانوني باعتبار أنه له جميع ميزات النظام القانوني، إذ أن النظام القانوني هو عبارة عن مجموعة من القواعد الخاصة وهيئات قادرة على تطبيقها وهذه المواصفات تنطبق على قانون التجار ([11]).

  • دور قانون التجار في التجارة الدولية

باعتبار أن قانون التجار هو مجموعة من القواعد والممارسات بين التجار والتي دأبوا على ممارستها فيما بينهم من تبادل تجاري، فانه يظهر دورة في التجارة الدولية في الآتي:

أ- هو نظام قانوني بسيط يلجأ إليه التجار بسبب عجز القوانين الوطنية.

ب- يمتاز بالسرعة في حل المشكلات التجارية لأنه يقدم قواعد موضوعية مباشرة.

ج- يمتاز بأنه نظام قانوني يقدم الحلول للمحكمين من أجل تسوية المنازعات التجارية الدولية بينهم.

د- يتميز بأنه يسد الفراغ القانوني في ظل عجز التشريعات الوطنية وعجزها عن حل المشكلات المترتبة على التجارة الدولية ([12]).

3- الاتفاقيات الدولية

لقد اتجهت دول العالم في سبيل تنظيم أحكام العقود التجارة الدولية إلى انشاء اتفاقيات دولية من شأنها تنظيم العملية التبادلية للسلع والخدمات وتنظيم العقود التي تتناولها، ولقد تأتى ذلك في انشاء الينك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية:

أ- صندوق النقد الدولي

ويتعلق بالمسائل النقدية العالمية ولذلك لقد تم اسناد إليه مهمة العمل على إلغاء القيود المفروضة على المدفوعات الدولية والصرف:

ولقد حددت المادة الأولى أهدافه على أنه” 1- تشجيع وتنمية التعاون الدولي في المجالات النقدية عن طريق ايجاد هيئة دائمة تهيئ الوسائل اللازمة للتشاور والتآزر بشأن المسائل النقدية الدولية.

2- التنشيط المتوازن للتجارة الدولية مع تحقيق والمحافظة على مستوى مرتفع من العمالة والدخل الحقيقي وتنمية الموارد الإنتاجية لجميع الدول الأعضاء باعتبارها أهدافا أساسية للسياسة الاقتصادية.

3- ضمان ثبات أسعار الصرف وتجنب التنافس في تخفيض قيم العملات كون سعر الصرف يعتبر من المسائل ذات الأهمية الدولية مع امكانية الدول الأعضاء في الصندوق تعديل أسعار صرف عملاتها في بعض الظروف وفقا لشروط محددة وتحت رقابة دولية وبهدف تصحيح الخلل في موازين المدفوعات.

4- المساعدة على وضع نظام متعدد الأطراف للمدفوعات الدولية تحقيقا للمصلحة السياسية والاقتصادية بين الأعضاء والعمل على إزالة القيود المفروضة على الصرف التي تعرقل نمو التجارة الدولية.

5- توفير الثقة للدول الاعضاء بجعل موارد الصندوق متاحة لهم بصفة مؤقتة وبضمانات كافية وإتاحة الفرصة لها لتصحيح الاختلال في موازين مدفوعاتها دون اللجوء إلى اتباع وسائل من شأنها تقويم الرخاء القومي والدولي”.

ب- البنك الدولي للإنشاء والتعمير

ولقد أسندت له مهمة التمويل اللازم لاقتصاديات الدول بغرض التنمية وإعادة بناء الاقتصاد بعد ما دمرته الحرب العالمية الثانية وخاصة في دول أوربا الغربية، ومنح القروض للدول التي تتبع سياسة الاقتصاد المفتوح وهو ما يعمل على تشجيع تحرير التجارة الدولية.

ج- المنظمة العالمية للتجارة

ومهمتها تحرير التجارة العالمية عن طريق إلغاء القيود المفروضة على حركة السلع بين مختلف الدول، كالتخفيف من الرسوم الجمركية وذلك من خلال اتفاقية التعريفة الجمركية والتجارة عام 1947، والتي عملت على إزالة العقبات التي تفرضها آليات تحرير التجارة الدولية.

وكان من بين أهداف تلك المنظمة:

1- الاهتمام بالمبادلات التجارية الدولية بين الدول بشكل مؤسسي.

2- تقوية القواعد القانونية التي تكفل تنظيم العلاقات التجارية الدولية.

3- تنشيط التجارة الدولية بين مختلف دول العالم عن طريق زيادة التبادل التجاري الدولي على أساس قواعد يتم الاتفاق عليها.

4- وضع قواعد موضوعية ذات أصل اتفاقي بغرض توحيد القواعد أو القوانين لحل مشكلات التبادل التجاري بين الدول.

5- تنظيم ناد لبحث المشكلات التي تتعلق بالتبادل التجاري عن طريق المفاوضات متعددة الأطراف ([13]).

كتابة دكتور \عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

([1]). سعد الدين محمد، العقد الدولي بين التوطين والتدويل، رسالة ماجستير, 2007-2008 ,ص7.

([2]) د. حنان عبدالعزيز مخلوف, العقود الدولية, محاضرات في كلية حقوق بنها, ص52-53.

([3]) د. عبدالله محمد الهواري, مبادئ القانون الدولي العام, دار النهضة العربية, القاهرة, ص112.

([4]) د. محمودي مسعود, أساليب ابرام العقود الدولية, ديوان المطبوعات الجامعية, 2006, ص63.

([5]) د. محمودي مسعود, المرجع السابق, ص64.

([6]) د. هشام على صادق, القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الدولية, دار الفكر العربي, ط2, 2001, ص191.

([7]) د. طالب حسن موسى, الموجز في قانون التجارة الدولية, مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع, 1997, ص102.101.

([8]) أحمد الحاج, النظام التعاقدي في القانون المدني الجزائري ومتطلبات التجارة الدولية, رسالة ماجستير, ص54,53.

([9]) مباركي توفيق ميلود, وضع قواعد التجارة الدولية, رسالة ماجستير, الجزائر, 2009\2010, ص43.

([10])المرجع السابق,, ص47.

([11])المرجع السابق, ص55.

([12])المرجع السابق, ص59.

([13]) د. سمير القماني, منظمة التجارة العالمية, دار الحامد للنشر والتوزيع, ط1, 2004, ص43,42.

Scroll to Top