الالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر في ضوء أحكام نظام التأمين الإلزامي
على الرغم من تنظيم المشرع الأردني مسألة الإبلاغ عن تحقق الخطر، وقيامه بتوسيع نطاق الملتزمين بالإبلاغ عن تحقق الخطر، ليشمل بذلك كل من المؤمَّن له وسائق المركبة المتسببة بالحادث والمتضرر، فقد سكت في الوقت ذاته عن تحديد الشكلية التي يجب أن يتم الإبلاغ بها؛ الأمر الذي قد يترتب عليه نشوب خلاف بين المؤمَّن له وشركة التأمين بشأن إثبات وقوع التبليغ؛ مما قد يؤثر على حق المؤمَّن له في الحصول على مبلغ التأمين في حال عجزه عن إثبات قيامه بتبليغ شركة التأمين بوقوع الخطر. كما سكت المشرع أيضًا عن تحديد المدة الذي يجب إبلاغ المؤمِّن خلالها بتحقق الخطر، ومنح القاضي -في هذا الصدد- السلطة التقديرية بشأن تحديد المدة. وسوف نتناول جميع ما يتعلق بالالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر في ضوء أحكام نظام التأمين الإلزامي، وذلك من خلال العناصر الرئيسية التالية:
أولًا: أهمية الالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر
ثانيًا: أطراف الالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر
ثالثًا: مضمون الالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر
سادسًا: السوابق القضائية الخاصة بالالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر في ضوء أحكام نظام التأمين الإلزامي
ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: أهمية الالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر
تتضح أهمية الإبلاغ عن تحقق الخطر بالنظر إلى الجوانب التالية([1]):
- التحقق من الأخطار والحوادث التي وقعت، التي تغطيها شركة التأمين.
- إن إبلاغ شركة التأمين خلال فترة قصيرة بوقوع الحادث يُعد بمثابة حماية لمعالم الحادث من الضياع. وعلى العكس من ذلك، فإن التأخير في الإبلاغ يولد صعوبة لدى المؤمِّن؛ للتأكد من أن الخطر الواقع تغطيه وثيقة التأمين أم لا؟
- إن الإبلاغ عن تحقق الخطر يُمكِّن المؤمِّن من تنظيم وضبط حساباته ومعرفة حجم التزاماته تجاه المؤمَّن لهم، كما يمنحه الفرضة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحفظ حقوقه.
ثانيًا: أطراف الالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر
يكمن أطراف الالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر في المكلف بالالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر، ومن يوجه له الإبلاغ عن تحقق الخطر، وذلك على النحو التالي:
1. المكلف بالالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر:
الأصل والقاعدة العامة أن المؤمَّن له هو الذي يقوم بإبلاغ شركة التأمين بوقوع الحادث أو الخطر المؤمَّن ضده، ويُمكن أن يتم الإبلاغ من نائبه، وعند انتقال ملكية المركبة المؤمَّن عليها إلى المشتري -الخلف الخاص- فإن عبء الإبلاغ يقع عليه، وتبرير ذلك أن الالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر يُعد من قبيل مستلزمات الشيء الذي انتقلت ملكيته إليه وهي المركبة، وفي حال وفاته يمكن أن يقوم بهذا الإبلاغ خلفه العام.
حيث تنص (المادة 11/أ) من نظام التأمين الإلزامي على المركبات على أنه: “يلتزم المؤمَّن له أو سائق المركبة المتسببة بالحادث أو المتضرر بتبليغ شركة التأمين بالحادث خلال مدة معقولة، وعليهم أن يتخذوا جميع الاحتياطيات والإجراءات الضرورية؛ لتجنب تفاقم الضرر الناجم عن الحادث أو زيادته، وفي حال إخلالهم بذلك يحق لشركة التأمين الاحتجاج بالأضرار التي لحقت بها جراء ذلك”.
ويتضح لنا من النص السابق أن المشرع الأردني فضلًا عن إلقائه عبء الإبلاغ عن تحقق الخطر على المؤمَّن له أو سائق المركبة المتسببة بالحادث، فقد مكن أيضًا المتضرر من الإبلاغ. وإن كان يُلاحظ أن المشرع الأردني لم يجعل الإبلاغ عن تحقق الخطر من جانب المتضرر اختياريًا، والدليل على ذلك استخدامه لفظ “يلتزم” في النص المشار إليه سابقًا.
ونرى أن المشرع الأردني حسنًا فعل بمسلكه هذا، وذلك لأن تكليف المؤمَّن له بالإبلاغ يعد أمرًا منطقيًا؛ لأنه طرف في عقد التأمين، ويقع على عاتقه القيام بتنفيذ هذا الالتزام. كما أن الإبلاغ من جانب المتضرر يقع صحيحًا باعتباره صاحب مصلحة في التبليغ تتمثل في “الحصول على مبلغ التعويض” من شركة التأمين، بالرغم من أن جزاء الإخلال بالالتزام بالتبليغ لا يسري في مواجهته وإنما يسري على المؤمَّن له، هذا فضلًا عن أن التبليغ يُعتبر إجراءً سابقًا لرفع المتضرر لدعواه المباشرة على شركة التأمين.
ومما يجدر الإشارة إليه أنه إذا كان الإبلاغ عن تحقق الخطر من جانب شخص ليس له مصلحة فيه -أي سائق المركبة المتسببة بالحادث- يقع صحيحًا، فبالتالي ومن باب أولى يصح الإبلاغ من جانب المتضرر.
2. لمن يوجه الإبلاغ عن تحقق الخطر
يستفاد من نص المادة (11/ أ) من نظام التأمين الإلزامي، التي تنص على أنه: “يلتزم المؤمَّن له أو …. بتبليغ شركة التأمين بالحادث خلال مدة معقولة …”، أن الجهة التي يجب إبلاغها بتحقق الخطر هي “شركة التأمين”.
ونرى من جانبنا، أن هذا النهج مُنتقد، ويمكننا في هذا الصدد أن نبرر ذلك بأن الإبلاغ عن حوادث المركبات المؤمَّن ضدها لا يقتصر على شركة التأمين وحدها، بل هناك جهات أخرى يجب إبلاغها بوقوع الخطر المؤمَّن منه، وهم الأشخاص الذين يهمهم بحسب وظائفهم معرفة وقوع حوادث وأخطار معينة؛ للتدخل وأداء دور معين فيها وحوادث السير منها. خاصةً أن ما يحرروه من وثائق رسمية ضرورية لمطالبة شركة التأمين بالتعويض، بمعنى أن الحصول على مبلغ التأمين مرتبط بما يصدر من تقرير فني -حول الحادث والمسؤول عنه- من قِبَل مندوب الحوادث.
ثالثًا: مضمون الالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر
يقتضي الحديث عن مضمون الالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر المؤمَّن ضده بيان الدور الذي تلعبه إرادة المتعاقدين في تحديد الخطر المؤمَّن ضده أولًا، ودراسة المعلومات التي يجب تزويد شركة التأمين بها ثانيًا، وذلك فيما يلي:
1. دور الإرادة في تحديد الخطر المضمون بوثيقة التأمين الإلزامي على المركبات
إن الإبلاغ عن تحقق الخطر من قِبل المكلف بالقيام به يحكمه شرطان([2]):
- تحقق الخطر المؤمَّن منه، على أن يكون من ضمن الأخطار التي تشملها التغطية التأمينية بوثيقة التأمين الإلزامي على المركبات.
- أن يكون المؤمَّن له أو الشخص المكلف بالإبلاغ على دراية وعلم أن الخطر المتحقق مما يندرج ضمن الأخطار التي تغطيها وثيقة التأمين وتدخل ضمن التزام شركة التأمين بالتعويض عنها.
تنص (المادة 11) من نظام التأمين الإلزامي على المركبات على أنه: “يلتزم المؤمَّن له أو سائق المركبة المتسببة بالحادث أو المتضرر بتبليغ شركة التأمين بالحادث خلال مدة معقولة”؛ وعليه يمكن القول إن المشرع الأردني استعمل مصطلح “الحادث” تاركًا ذلك لإرادة المتعاقدين تحديده بوثيقة التأمين([3]).
2. المعلومات التي يجب تزويد شركة التأمين بها
يجب أن تكون المعلومات الواجب تزويد شركة التأمين بها حول الحادث مكتوبةً. وهنا يُثار تساؤل بشأن مدى الاعتداد بالبينة الشخصية خاصةً أننا أمام واقعة مادية يمكن إثباتها بكافة وسائل الإثبات، فقد نصت (المادة 12/ب) من نظام التأمين الإلزامي على أنه: “يلتزم المؤمَّن له أو المتضرر بتزويد شركة التأمين بجميع الوثائق المتعلقة بالحادث عند تسلمها بما في ذلك المراسلات والمطالبات والتبليغات، وفي حال إخلالهما يحق لشركة التأمين الاحتجاج بالأضرار التي لحقت بها جراء ذلك، ما لم يكن التأخير مبررًا”.
ويتضح من النص سالف الذكر أن المشرع الأردني قد حدد ماهية الوثائق والبيانات التي يجب على الشخص المكلف بالإبلاغ عن تحقق الخطر أن يزود بها شركة التأمين.
“وفي هذا الصدد يذهب الفقه الغالب إلى أن المؤمَّن له أو الشخص المكلف بالإبلاغ يقع على عاتقه إبلاغ المؤمِّن بما أحاط الحادث المؤمَّن ضده من ظروف أساسية، والتي تمكن شركة التأمين من الحفاظ على مصالحها والإلمام بكافة المعلومات الضرورية لذلك، ومنها على سبيل المثال إعطاء شركة التأمين كافة المعلومات المتعلقة بالخطر الذي وقع وتحقق، ووقت وقوعه، ومكانه، والأسباب المؤدية لوقوعه، والظروف المحيطة به، وما ترتب على ذلك من نتائج، وكذلك ما يتعلق به من بينات خطية، سواء وثائق أو مستندات، بشرط توخي الدقة والوضوح ومطابقة المعلومات للوقائع والحقائق، وبعبارة أخرى أن يتضمن الإبلاغ الحد الأدنى من البينات الرئيسية، وإلا اعتبر المكلف بالإبلاغ مخلًا بالتزاماته”([4]).
وعلى الرغم من أن حادثة السير واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع طرق الإثبات، سواء البينة الخطية أو الشخصية، فالملاحظ أن جميع المعلومات والبينات التي يجب تزويد شركة التأمين بها تكون خطيةً، بمعنى استبعاد البينة الشخصية (الشهادة) على الرغم من أننا أمام واقعة مادية، وتبرير ذلك أن طبيعة حادث السير لا تسمح بإعداد دليل كتابي سابق على وقوعه، فالمشرع الأردني خرج عن قاعدة إثبات الواقعة المادية بكافة طرق الإثبات، واشترط في جميع البينات التي يجب تزويد شركة التأمين بها أن تكون خطيةً.
وقد ألزمَّ المشرع الأردني الجهات المختصة بعبء القيام بتضمين تقرير الحادث الناجم عنه الضرر جميع المعلومات الواردة في رخصة سير المركبة عملًا بأحكام (المادة 12) من نظام التأمين الإلزامي التي جاء فيها: “تلتزم الجهة المختصة بتضمين تقرير الحادث الذي نجم عنه الضرر جميع المعلومات الواردة في رخصة المركبة”.
رابعًا: شكل الإبلاغ
يقتضي الحديث عن الشكل الذي يجب أن يتم به الإبلاغ عند تحقق الخطر أن نتعرض أولًا إلى مدى اشتراط شكلية معينة في الإبلاغ عن تحقق الخطر، ثم بيان حكم الاتفاق في وثيقة التأمين على شكلية معينة يجب احترامها للإبلاغ عن تحقق الخطر.
1. مدى اشتراط شكلية معينة في الإبلاغ عن تحقق الخطر
إن المشرع الأردني وعلى الرغم من تنظيمه للالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر، فإنه لم يتعرض إلى الشكل الذي يجب أن يتم به الإبلاغ. ونظرًا لغياب النص الصريح بشأن كيفية الإبلاغ وشكله، وتطبيقًا للقواعد العامة في هذا الصدد، فإنه يكون للمؤمَّن له -أو الشخص المكلف بالإبلاغ- الحرية التامة في طريقة الإبلاغ بوقوع الخطر المؤمَّن ضده. ومن ثَم فإن الإبلاغ يُمكن أن يتم بأي وسيلة من وسائل التعبير عن الإدارة، فيجوز أن يتم كتابةً، ويمكن أن يتم شفاهه.
والتساؤل الذي يُثار في هذا الصدد لا يتعلق بالتبليغ في حد ذاته، وإنما في إثبات وقوعه من عدمه. فقد يقع التبليغ شفاهه من قِبَل المكلف به، أو بواسطة اتصال هاتفي، وتقوم شركة التأمين بإنكار حصول هذا التبليغ؛ الأمر الذي قد يترتب عليه ضياع حق المؤمَّن له في مبلغ التأمين. وتجنبًا لمثل ذلك الوضع فإنه يتعين على المؤمَّن له أن يلجأ إلى طريقة تحمي حقه، وتضمن عدم منازعة شركة التأمين بوقوع التبليغ؛ مما يضمن حقه في الحصول على مبلغ التأمين، وليس هناك أضمن من الكتابة.
ويُمكن القول إنه من المنطقي أن يقع عبء الإثبات في هذه الحالة على المؤمَّن له باعتباره طرفًا في عقد التأمين، فلا يتصور ممن لم يكن طرفًا في عقد التأمين أن يقع عليه عبء الإثبات، ولو كان من المكلفين بالتبليغ (كالمتضرر أو سائق المركبة المتسببة بالحادث)، وله إثبات ذلك بكافة الطرق طالما أن المشرع لم يحدد للإبلاغ عن تحقق الخطر شكلًا معينًا يجب إتباعه.
في هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أنه وفي سبيل الحفاظ على حقوق المؤمَّن له أو المستفيد فيجب أن يتم الإبلاغ في مقر شركة التأمين أو لدى وكيلها المفوض بواسطة رسالة، أو كتاب مسجل مضمون الوصول مقابل وصل أو شهادة تثبت ذلك. وحري بالمشرع الأردني التدخل التشريعي لاشتراط الكتابة في الشكل الذي يجب اتباعه للإبلاغ عن تحقق الخطر بما يكفل حماية للطرف الضعيف في عقد التأمين “المؤمَّن له” في حالة أية منازعة حول إثبات قيام المؤمَّن له أو المكلف بالإبلاغ عن تحقق الخطر، ويضمن له الحصول على التعويض من شركة التأمين.
وفي هذا الصدد يذكر الدكتور محمد أبو زيد أن الإبلاغ الكتابي يفيد من ناحيتين([5]):
- من ناحية المؤمَّن له: ييسر له طرق الإثبات.
- من ناحية المؤمِّن: يؤمنه مما قد يدعيه المؤمَّن له أنه قام بالإبلاغ عن تحقق الخطر شفاهةً لمندوب التأمين مع احتمال قيام تواطؤ بين هذا الأخير والمؤمَّن له.
ومن الجدير بالذكر أن ما جرى عليه العمل في هذا الصدد أن وثيقة التأمين هي التي تحدد الشكل الذي يجب أن يتم الإبلاغ به.
2. حكم الاتفاق في وثيقة التأمين على شكلية معينة للإبلاغ عن تحقق الخطر
“اتجه القضاء الأردني ممثلًا بحكمة التمييز إلى إبطال أي شرط يرد في بوليصة التأمين يقتضي إلزام المؤمَّن له بإتباع شكلية معين فيما يتعلق بالإبلاغ عن تحقق الخطر. وجاء في هذا الصدد قرار لمحكمة التمييز: “إذا كان الشرط الوارد في عقد التأمين والمتعلق بوجوب تقديم تصريح خطي عن الحادث خلال فترة معينة من وقوعه يسري فقط على المتعاقد حسب منطوق العقد فإن مثل هذا الشرط يسقط لاستحالة التنفيذ إذا كان المتوفي هو المتعاقد”.
وجاء في قرار آخر صادر من نفس المحكمة: “لا يشترط القانون أن يكون تبليغ المضرور لشركة التأمين بوقوع الحادث كما تتطلب شروط العقد خطيًا”.
يتضح لنا أن القضاء الأردني قد اتجه إلى الاعتداد بأي وسيلة يتم بها الإبلاغ بصرف النظر عما يرد في وثيقة التأمين من شروط تتعلق بالشكل الذي يجب على المؤمَّن له احترامه فيما يتعلق بشكل الإبلاغ، وهذا التوجه القضائي محل نظر لاستبعاده تطبيق “مبدأ سلطان الإرادة” الذي يحكم العقود المالية، واشتراط المؤمِّن شكلية معينة للإبلاغ عن تحقق الخطر لا يجعل منه شرطًا تعسفيًا، خاصةً أن اشتراط شكلية معينة في الإبلاغ عن تحقق الخطر يحل مشكلة على درجة كبيرة من الأهمية وهي “عبء الإثبات” التي قد تثور بين المتعاقدين حول وقوع الإبلاغ عن الحادث، وأثر ذلك في حصول المؤمَّن له، أو المتضرر على مبلغ التأمين.
خامسًا: زمان الإبلاغ
يقتضي الحديث عن ميعاد الإبلاغ التعرض لنقطتين جوهريتين، وهما:
1. المدة التي يجب خلالها الإبلاغ عن تحقق الخطر
الملاحظ أن المشرع الأردني لم يُحدد المدة التي يجب الالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر خلالها على وجه الدقة، مكتفيًا بتحديدها “بالمدة المعقولة” سندًا لنص (المادة 11/أ/1) بنصها على أنه: “يلتزم المؤمَّن له أو … بتبليغ شركة التأمين بالحادث خلال مدة معقولة”.
وبهذا السكوت يكون المشرع الأردني قد منح قاضي الموضوع السلطة التقديرية في تحديدها عند الخلاف بشأنها، على أن يقوم بتحديدها مستعينًا بالآتي:
- ظروف وطبيعة الحادث.
- نوع الأضرار المترتبة عليه.
كما يُستفاد من عدم تحديد المشرع الأردني للمدة بالأيام أنه قد ترك تحديدها لإرادة المتعاقدين، وعليه فإنه يجب على المكلف بالالتزام احترام الميعاد المتفق عليه في وثيقة التأمين تطبيقًا لقاعدة “العقد شريعة المتعاقدين”.
“وقد جرى العرف التأميني في الأردن بتحديد المدة المعقولة التي يجب أن يقع الإبلاغ خلالها بــ “أسبوع” من تاريخ وقوع الحادث، وهي ما يتم تضمينها بوثيقة التأمين”([6]).
وهنا يُثار تساؤل بشأن ما إذا تضمنت وثيقة التأمين ميعادًا محددًا للإبلاغ عن الخطر المؤمَّن ضده خلاله ووقع الحدث، فمتى تبدأ هذه المدة بالسريان؟ هل تبدأ من تاريخ وقوع الخطر؟ أم من وقت علم المكلف بالإبلاغ بوقوعه؟ يرى الفقه الراجح أن المدة تبدأ بالسريان من تاريخ علم المؤمَّن له أو المكلف بالإبلاغ بوقوع الخطر، فإذا لم يكن يعلم بذلك فلا يمكن أن يُنسب إليه أي تقصير أو إخلال بالالتزام بالإبلاغ بصفة عامة.
وهنا نرى ضرورة تدخل المشرع الأردني والنص في نظام التأمين الإلزامي على المركبات على أن يبدأ حساب بداية المدة من يوم علم المكلف بالإبلاغ بوقوع الخطر.
2. الجزاء المترتب على تأخير الإبلاغ عن تحقق الخطر
حدد المشرع الأردني الجزاء المترتب على تأخر المكلف في الإبلاغ عن تحقق الخطر في (المادة 11/ أ/ 1) من نظام التأمين الإلزامي على المركبات الأردني، التي تنص على أنه: “يلتزم المؤمَّن له أو سائق المركبة المتسببة بالحادث أو المتضرر بتبليغ شركة التأمين بالحادث خلال مدة معقولة، وفي حال إخلالهم بذلك يحق لشركة التأمين الاحتجاج بالأضرار التي لحقت بها جراء ذلك”.
في حين حددت (المادة 11/ ب) الجزاء المترتب على تأخر المكلف في تقديم المستندات المرتبطة به. فنصت المادة سالفة الذكر على أنه: “يلتزم المؤمَّن له أو المتضرر بتزويد شركة التأمين بجميع الوثائق المتعلقة بالحادث عند تسلمها بما في ذلك المراسلات والمطالبات والتعويضات والتبليغات، وفي حال إخلالهما بذلك يحق لشركة التأمين الاحتجاج بالأضرار التي لحقت بها جراء ذلك ما لم يكن التأخير مبررًا”.
يتضح لنا من النصين السابقين أن المشرع الأردني قد وفر من خلالهما حماية للمؤمِّن في حالة إخلال المكلف بالإبلاغ عن الحادث بالتزامه، وتتمثل هذه الحماية في حق المؤمِّن بطلب الحصول على تعويض الأضرار التي لحقت به جراء هذا الإخلال.
والملاحظ أن هذا التعويض يرتبط بمجموعة من الضوابط الواجب مراعاتها، والمتمثلة في:
- حق شركة التأمين في الحصول على التعويض سواء في حالة التخلف الكلي عن التبليغ أو في حالة التأخير في التبليغ، أو التأخير في تزويد المؤمِّن بالمستندات المرتبطة بالحادث.
- أن يترتب على هذا الإخلال ضرر يلحق بشركة التأمين.
- ألا يكون التأخير في التبليغ مشروعًا (أي مبررًا)، بحيث إنه إذا وجد عائق مادي أو قانوني وكان من شأنه أن يحول دون التبليغ أو أن يترتب عليه التأخير في القيام به، فإن شركة التأمين تصبح غير مستحقة للتعويض الناتج عن الإخلال، حتى لو نتج عن هذا الإخلال ضرر. وفي ذلك مخالفة للقواعد العامة في المسؤولية العقدية التي تمنح المتعاقد الحق في المطالبة بالتعويض عما لحقه من ضرر جراء إخلال المتعاقد الآخر بالتزامه دون أهمية للمبررات التي يبديها الأخير لتبرير إخلاله.
والملاحظ أن المشرع الأردني قد ميّز بين مسألة التأخير بالإبلاغ عن تحقق الخطر، وبين التأخير في تزويد شركة التأمين بالمستندات المرتبطة بالحادث. فأجاز في الحالة الأولى لشركة التأمين المطالبة بالحصول على التعويض بصرف النظر عن سبب التأخير مبررًا كان أو غير مبررًا، وهو ما يُستفاد من خلو النص من عبارة “ما لم يكن التأخير مبررًا”. أما في الحالة الثانية فإن حق المؤمِّن باللجوء إلى التعويض يرتبط بألا يكون التأخير في تزويد شركة التأمين بالوثائق مبررًا.
ونرى من جانبنا أنه قد كان حريًا بالمشرع الأردني حذف (المادة 11/ ب) فبإبلاغ المكلف (سواء المؤمَّن له أو المتضرر) شركة التأمين بوقوع الخطر يكون قد أوفى بالتزامه، ولشركة التأمين بعد ذلك مطالبة المؤمَّن له أو من ينوب عنه بالمستندات المطلوبة، فالمؤمَّن له ليس لديه العلم الكافي عند تحقق الخطر بتحديد أهمية وثيقة معينة يجب تسليمها لشركة التأمين، وإنما شركة التأمين هي التي تحدد أهمية كل بيان على حده.
سادسًا: السوابق القضائية الخاصة بالالتزام بالإبلاغ عن تحقق الخطر في ضوء أحكام نظام التأمين الإلزامي
لقد ورد في الحكم رقم (243) لسنة 1974م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 17/08/1974م بما نصه: “إذا كان الشرط الوارد في عقد التأمين والمتعلق بوجوب تقديم تصريح خطي عن الحادث خلال فترة معينة من وقوعه يسري فقط على المتعاقد حسب منطوق العقد فإن مثل هذا الشرط يسقط لاستحالة التنفيذ إذا كان المتوفي هو المتعاقد”.
وما ورد في الحكم رقم (243) لسنة 1972 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 01/10/1972م بما نصه: “لا يشترط القانون أن يكون تبليغ المضرور لشركة التامين بوقوع الحادث – كما تتطلب شروط العقد – خطيًا”.
إعداد/ محمد محمود
([1]) د. نبيل فرحان الشطناوي، الالتزام الإبلاغ عن تحقق الخطر في ضوء أحكام نظام التأمين الإلزامي على المركبات رقم (12) لسنة 2010، (ص130).
([3]) هيثم مصاروة، المنتقى في شرح عقد التأمين، (ص173).
([4]) د. نبيل فرحان الشطناوي، الالتزام الإبلاغ عن تحقق الخطر في ضوء أحكام نظام التأمين الإلزامي على المركبات رقم (12) لسنة 2010، (ص135).
([5]) محمد محمد أبو زيد، عقد التأمين في القانون الكويتي، (ص216)، 1- انظر مقال مشنور على موقع حماة الحق ،أفضل محامي تأمين ،
([6]) د. نبيل فرحان الشطناوي، الالتزام الإبلاغ عن تحقق الخطر في ضوء أحكام نظام التأمين الإلزامي على المركبات رقم (12) لسنة 2010، (ص141).

