التعويض عن الأضرار الجسدية الناجمة عن حوادث السيارات

التعويض عن الأضرار الجسدية في ظل نظام التأمين الإلزامي

بقدر الفوائد الكثيرة التي عادت على المجتمع من استخدام المركبات، غير أن هناك جانبًا سلبيًا يتوازى مع إيجابيات النقلة الحضارية التي أحدثتها المركبات، حيث أدى شيوع استعمالها والاستخدام اللاعقلاني لها -خاصةً بعد الثورة الحديثة في المركبات- إلى تفاقم الأضرار البشرية الناتجة عن استخدامها من وفيات وإعاقات وإصابات جسيمة، بالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية الجسيمة. ولهذا فقد فرض المشرع الأردني نظام التأمين بصيغة إلزامية؛ لغرض توفير الحماية إلى ضحايا حوادث المركبات من خلال ضمان حصولهم على التعويض الذي يجبر الأضرار التي تلحق بهم، وسوف نتناول جميع ما يتعلق بالتعويض عن الأضرار الجسدية في ظل نظام التأمين الإلزامي، وذلك من خلال العناصر الرئيسية التالية:

أولًا: تعريفات هامة

ثانيًا: صور الضرر الجسدي

ثالثًا: الضرر الذي يصيب المتضرر المباشر

رابعًا: المعيار المعتمد لتقدير الكسب الفائت

خامسًا: الضرر المالي المرتد الناجم عن الإصابات البدنية

سادسًا: تعويض الضرر الذي يلحق بالنفس (الوفاة)

سابعًا: السوابق القضائية الخاصة بالتعويض عن الأضرار الجسدية في ظل نظام التأمين الإلزامي

ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:

أولًا: تعريفات هامة

1.    الحادث:

لقد عرفت (المادة ٢) من قانون التأمين الإلزامي الأردني رقم (١٢) لسنة ٢٠١٠م أنه: “كل واقعة ألحقت أضرارًا بالغير ناجمة عن استعمال المركبة، أو انفجارها، أو حريقها، أو سقوط أشياء منها”

2.    المتضرر:

لقد عرفت (المادة ٢) من قانون التأمين الإلزامي الأردني رقم ١٢ لسنة ٢٠١٠م المتضرر على أنه: “أي شخص تعرض للضرر بسبب الحادث بما في ذلك المؤمن له وسائق المركبة المتسببة بالحادث”

3.    التعويض:

“هو محل التزام المؤمِّن في عقد التأمين الإلزامي، والأصل أنه يكون نقديًا، وقد يكون عينيًا، وهو شغل الذمة بما يجب الوفاء به من مال أو عمل”([1])

ثانيًا: صور الضرر الجسدي

تختلف صور الضرر الجسدي حسب الإصابة سواء كانت هذا الإصابة الجسدية غير مميتة أو مميتة، ويُمكن تعريف الضرر الجسدي على أنه “الضرر الذي يمس جسد الإنسان، ويدخل في مفهوم هذا الأضرار الوفاة، سواء تحققت وقت الحادث أو بعده، وعلى ذلك فإن الضرر الجسدي قد يؤذي الجسد دون الحياة، وقد يمس حياة الإنسان فيؤدي بها”([2]).

ووفقًا للتعريف سابق الذكر فيمكن حصر الأضرار الجسدية في جميع الأضرار التي تُصيب جسد المتضرر، سواء أن يتسبب هذا الضرر في كسر أو بتر أي عضو من أعضاء الجسد مثل اليد أو القدم أو غير ذلك من أعضاء جسد الإنسان. هذا بالإضافة إلى أنه يُعد من ضمن الأضرار الجسدية الوفاة، حيث يترتب عليها موت الجسد بالكامل.

ثالثًا: الضرر الذي يصيب المتضرر المباشر

وفقًا لتعريف الأضرار الجسدية سالف الذكر، فإن تلك الأضرار قد تُصيب المتضرر الأصلي مباشرةً، وقد تمتد لتُصيب أشخاصًا آخرين تربطهم بالمتضرر المباشر رابطة معينة، والضرر الذي يُصيب المتضرر المباشر يتمثل فيما يترتب على الإصابة من أضرار منها ما يمس سلامة جسد المتضرر ذاته، ومنها ما يتمثل في النتائج المالية السلبية التي نتجت عن الإصابة، وأخرى معنوية تتمثل في الآلام التي يُعاني منها المُصاب بسبب الإصابة، ونرجئ الحديث حولها إلى حين الحديث عن الأضرار المعنوية.

1.     الضرر الجسدي الناجم عن الإصابة غير المميتة

يُعد المساس بسلامة جسد الإنسان ضررًا موجبًا حتى ولو لم يترتب عليه نتائج مالية، على اعتبار أنه يُمثل اعتداءً على حق الإنسان في سلامة جسده وعدم تعرضه للأذى، ومع ذلك تنظر غالبية التشريعات الوضعية إلى الاعتداء على جسد الإنسان في ضوء ما ينتج عنه من نتائج مالية، بحيث يشمل الضرر المادي الناتج عن الاعتداء على جسم الإنسان جميع النتائج الاقتصادية التي ترتبت على الإصابة البدنية.

وعلى الرغم مما نصت عليه (المادة 266) من القانون المدني، بما نصها: “يُقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب”؛ مما يُستخلص منه أن القاعدة في القانون الأردني هي توجيه التعويض إلى الضرر الجسدي لا في ذاته، وإنما إلى ما يفضي إليه من نتائج إلا أن المشرع الأردني أردف في (المادة 273) من القانون سالف الذكر، ما يوجب كذلك التعويض عن الضرر الجسدي في ذاته، بما نصت عليه: “ما يقع على النفس: ما يجب من مال، في الجناية على النفس وما دونها ولو كان الجاني غير مميز هو على العاقلة أو الجاني للمجني عليه أو ورثته الشرعيين وفقًا للقانون”؛ مما يسمح لنا بالقول أن القاعدة المقررة في هذا القانون تُمكِّن من التعويض عن الضرر الجسدي في ذاته وعما يترتب عليه من نتائج.

“بيد أن هذا الرأي ليس مقبولًا من شراح القانون المدني، ويأتي خلافًا لما استقر عليه الاجتهاد القضائي، حيث اشترط القضاء أن يترتب الأثر المالي (سواء خسارة مالية أو تفويت مكسب) على هذه الإصابة، وأيده جانب من الفقه في ذلك، وقد أكد القضاء الأردني على ذلك في العديد من أحكامه حيث جاء في أحد الأحكام الصادرة عن محكمة التمييز “أن التعويض عن الفعل الضار يقدر بقدر الضرر المباشر الذي أحدثه، ويشمل الخسارة اللاحقة بالمضرور ونفقات المعالجة المستقبلية”([3]).

2.     الضرر المالي الناجم عن الإصابة

يتحدد الضرر المالي الناتج عن الإصابة البدنية بالخسارة التي تلحق بالمصاب وبما فاته من كسب، وذلك على النحو التالي:

أ‌.       الخسارة التي تلحق المصاب

يمكننا حصر هذه الخسائر في نوعين:

– النفقات الفعلية، وتتمثل فيما اضطر المصاب إلى إنفاقه في سبيل استشفائه من الضرر الناتج عن حادث المركبة، ومنها نفقات المعالجة الطبية، سواء أكانت في صورة نفقات خاصة بالإقامة في المستشفى وأجور الفحوصات ونفقات الجراحة والتحليلات المرضية والتصاوير الشعاعية ونقل الدم، وكذلك أجور الأطباء وأثمان العلاجات والأدوية اللازمة، وأثمان الأجهزة التي يتم زرعها في جسد المصاب أو الأطراف الصناعية التي تم تركيبها محل عضو تم بتره (والمتعارف عليها باسم “الأجهزة التكميلية أو التعويضية”).

فضلًا عن أجر تركيب هذه الأجهزة، وكلف الإشراف على أدائها لوظيفتها، كما تشمل أيضًا نفقات العلاج الطبيعي، وأجور المرافقين أو من يلزم من الأخصائيين لمتابعة حالة المصاب وضمان استقرارها أو تحسنها، وتشمل نفقات انتقال المصاب للمعالجة، على نحو ما استقر عليه اجتهاد محكمة التمييز الأردنية، ونرى من جانبنا أن نفقات انتقال أقارب المصاب ممن تجب عليه نفقتهم، وبالقدر المعقول اللازم لرفع معنويات المصاب وتحسين ظروف شفائه تُعد من قبيل الضرر المالي الذي يلحق بالمضرور نفسه.

– النفقات الإضافية، والمقصود بها النفقات التي تنتج عن الإصابة وليست من مستلزمات العلاج، كضرورة استعانة المصاب بأجهزة إضافية تساعد على السمع مثلًا، أو الحركة والانتقال كالعربة في حالة الشلل، أو ضرورة تغيير مسكنه بحيث يتلاءم والوضع الصحي الذي آلت إليه حالته بعد الإصابة، أو حاجته إلى شخص يُساعده على قضاء حاجاته أو ممارسة حياته الطبيعية.

ب‌.   الكسب الفائت

يُقصد بالكسب الفائت كافة الآثار الاقتصادية السلبية التي ترتبت جراء الإصابة على نشاط المضرور الحالي أو المستقبل في مجال عمله، سواء تمثلت هذه الآثار بانقطاع المُصاب عن ممارسة نشاطه خلال فترة العلاج (العجز المؤقت)، أو في العاهة أو الإعاقة التي أدت إلى نقص في مدخوله (العجز الدائم)، أو فوات الفرصة عليه بتحقيق مكاسب معينة، وعلى ذلك يمكن القول إن الإصابات البدنية غالبًا ما يترتب عليها عجز المصاب عن ممارسة حياته أو نشاطه المهني كالمعتاد، وأن هذا العجز ينقسم إلى: عجز مؤقت، وعجز دائم، على النحو التالي:

  • العجز المؤقت

ويقصد به أن يؤدي الحادث الناتج عن استعمال المركبة إلى عدم مقدرة المصاب على ممارسة أعماله ونشاطاته كما كان يُمارسها عادةً قبل الإصابة، ولكن بصورة مؤقتة، بحيث إنه يشفى بعدها ويعود الحال إلى سابقه. وهذا العجز قد يكون كليًا، وذلك إذا انعدم -بصفة مؤقتة- كل قدرة للمصاب على ممارسة نشاطاته، وقد يكون جزئيًا إذا انتقص من هذه المقدرة لفترة محدودة.

“وبحسب اجتهاد محكمة التمييز فإن هذا الضرر يعني أن هناك مصدر دخل للمصاب قد تعطل أو توقف بسبب الإصابة الناتجة عن الحادث، ويتم تقديره بمقدار الدخل الذي تعطل أو توقف، الأمر الذي يفترض وجوبًا أن يكون المتضرر بوقت الإصابة ذا دخل يدره عليه العمل أو النشاط الذي يمارسه، وإلا فليس هناك من كسب فاته بسبب الحادث، والحكم ذاته ينطبق على المضرور ولو كان ذا دخل، إذا كان هذا الدخل لم يتعطل أو ينقطع، إذًا ينتفي التعويض بانتفاء الضرر، وبحسب هذا الاجتهاد فإنه يتعذر قانونًا الحكم بالتعويض عن الدخل المتوقف أو المنقطع للحدث الذي لم يبلغ سن السابعة عشرة من عمره لعدم تصور وجود دخل له، ولو كان ذا دخل فعلًا على اعتبار أن عمله حينئذ جاء على خلاف الحظر القانوني”([4]).

وبالرجوع إلى التعليمات الموسومة بـ “مسؤولية شركة التأمين الإلزامي للمركبات رقم (24) لسنة (2010)، نجد أن (المادة 3) منها قد احتوت جدولًا من عمودين، جاء العمود الأول تحت عنوان “نوع الضرر”، في حين جاء العمود الثاني تحت عنوان “المبلغ المقطوع الذي تلتزم شركة التأمين بدفعه”.

“أُفرِّدَّ للعجز الكلي الدائم البند الرابع من الجدول، فنص على أن تغطية العجز المؤقت يكون مائة دينار أسبوعيًا لمدة أقصاها (39) أسبوعًا، وبالنظر في آلية التغطية التأمينية بهذا الشكل من أشكال الضرر، نجد أنها مزجت بين أسلوب المبلغ المقطوع من جهة، وأسلوب سقف التغطية من جهة أخرى، فتحديد المبلغ بمائة دينار لكل أسبوع يمثل مبلغًا مقطوعًا، وبالتالي فلن يختلف من شخص لآخر، ولن يخضع للتقدير من قِبل القاضي، في حين يظهر معيار سقف التغطية عند جعل (39) أسبوعًا سقفًا لمدة التغطية، بمعنى أن سقف هذا المبلغ هو ثلاثة آلاف وتسعمائة دينار”([5]).

  • العجز الدائم

يُعبر عنه بالعاهة أو الإعاقة الدائمة، ونقصد به انتقاص قدرة المُصاب على ممارسة نشاطاته أو زوال هذه القدرة بشكل لا يرجى شفاؤه، ويكون العجز كليًا إذا أدت الإصابة إلى الحيلولة دون قيام المصاب بأي نشاط أو عمل يمكن تقديره بالنقود بصفة دائمة، أما إذا أبقت للمضرور إمكانية ممارسة أعمال أو نشاطات غير تلك التي كان يُمارسها قبل إصابته أو أبقت لديه إمكانية ممارسة ما كان يُمارسه من وظائف وأعمال، ولكن بقدرة أقل مما كان يتمتع به في السابق فإن العجز الدائم يكون جزئيًا.

وتختص الخبرة الفنية بالفصل في تحديد نوع العجز ونسبته ومقدار الضرر الذي خلفه للمصاب، بيد أن النسبة المئوية المعبرة عن مقدار العجز لا تقطع بكونه عجزًا كليًا أو جزئيًا، وإنما المعول عليه في هذا الصدد هو مقدار التأثير في قدرة المصاب على الكسب الذي تحدثه العاهة أو الإعاقة، إذ قد تكون النسبة أقل من (100%) ومع ذلك يُصنَّف العجز بأنه عجز كلي.

“وبتقديرنا أن الضرر الموجب للضمان لا يقتصر على ما فات المضرور من كسب، وإنما يمتد ليشمل ما سيفوت منه أيضًا، وهو ما يُعبر عنه بـ “ضرر تفويت الفرصة”، فإذا كانت القاعدة أنه لا يعتد بالضرر إلا إذا كان محققًا ولو كان مستقبلًا، أما الضرر المحتمل فلا يعتد به، وإذا كانت الفرصة أمرًا محتملًا، إلا أن تفويتها أمر محقق يجب التعويض عنه، شريطة أن تكون هذه الفرصة قائمةً، وأن يكون الأصل في الإفادة منها له ما يُبرره، كحرمان طالب وظيفة من المشاركة في مسابقة للتوظيف بسبب الحادث”([6]).

والواقع أن هذا هو ما يُستفاد من نص (المادة 274) من القانون المدني، بنصها على أنه: “كل من أتى فعلًا ضارًا بالنفس من قتل أو جرح أو إيذاء يلزم بالتعويض عما أحدثه من ضرر للمجني عليه أو ورثته الشرعيين أو لمن كان يعولهم، وحرموا من ذلك بسبب الفعل الضار”، وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنف هذا النص إلا أنه يغلب هذا المعنى، فلفظ الحرمان الوارد في هذه المادة يتسع ليشمل ما كان من مصادر الدخل ولما كان متوقعًا دخوله على سبيل التأكيد. وهو ما اتجهت إليه محكمة التمييز بتعويض الطفل عما سيفوت عليه من الكسب الذي سببته له الإصابة، مؤكدةً في الوقت نفسه على أن قضاءها قد استقر على أن للمضرور في جسده بشكل يخل بقدرته على الكسب.. الحق بالتعويض عن الضرر المادي الذي أصابه، عاملًا كان أو عاطلًا عن العمل.

وبالرجوع إلى تعليمات “مسؤولية شركة التأمين الإلزامي للمركبات رقم (24) لسنة (2010)، نجد أن البند (2) من الجدول قد أفرد للعجز الكلي الدائم وبمبلغ مقطوع قدره سبعة عشر ألف دينار أردني، أما العجز الجزئي الدائم فبمبلغ مقطوع قدره سبعة عشر ألف دينار مضروب في نسبة العجز، واستحقاق المصاب لمبلغ التأمين هذا لا يمنع من أن يستفيد من التغطيات الأخرى المقررة للأضرار الأخرى، كنفقات العلاج والأضرار الواقعة على الممتلكات والعجز المؤقت كل بسقفه.

رابعًا: المعيار المعتمد لتقدير الكسب الفائت

يرى جانب من الفقه إلى أن المعول عليه في تقدير هذا الضرر هو نسبة العجز الجسماني فقط، بصرف النظر عن ظروف المضرور الشخصية أو مدى تأثير العجز على دخل المتضرر أو إمكانياته الاقتصادية.

غير أن الاتجاه السائد لدى الفقه يعتمد في تحديد هذا الضرر على ظروف المضرور الشخصية ومدى تأثير العجز الناتج عن الإصابة على إمكاناته الاقتصادية ومصادر دخله، وهو الاتجاه ذاته الذي تبناه المشرع الأردني في القواعد العامة، فالمبدأ الذي يحكم تقدير التعويض بحسب (المادة 256) من القانون المدني هو: “إلزام مرتكب الفعل الضار بضمان كامل الضرر”، وقد تكرس هذا المبدأ في (المادة363)، التي تنص على أنه: “إذا لم يكن الضمان مقدرًا في القانون أو في العقد فالمحكمة تقدره بما يساوي الضرر الواقع فعلًا حين وقوعه”.

ولعل هذا المبدأ يقتضيه المنطق والعدالة، فمن غير الممكن أن يُصبح المضرور ضحية مرتين: الأولى عند تضرره، والثانية عند عدم منحه التعويض الذي يمكن معه تغطية كامل الضرر الحقيقي والفعلي الذي أصابه، وحتى يمكن تقدير هذا الضرر بشكل واقعي يجب النظر إلى إصابة المضرور ذاتها لا إلى شيء غيره، فيتم تقدير الضرر وفقًا لمعيار شخصي واقعي يُبنى على حقيقة ما أصاب المضرور من ضرر، وليس بصفة موضوعية مجردة.

ويلاحظ على تغطية النظام للضرر الجسدي وفق ما جاء في (المادة 9) من النظام، لما جاء في التعليمات المشار إليها ما يلي([7]):

  • أن مبالغ التأمين المستحقة بموجب النظام “مقطوعة” وفق تعبير (المادة 9/ أ/ 1) من النظام، ومعنى المبالغ المقطوعة: تلك التي ينبغي دفعها تحديدًا كما هي، دون أن تخضع لتقدير مدى تناسبها مع موجب دفعها أي الضرر الناجم عن الحادث، فهي بذلك لن تختلف من مضرور لآخر، مادام قد تماثلت نسبة العجز، ولقد أكدت التعليمات المشار إليها كذلك على تسمية مبالغ التأمين بالمبالغ المقطوعة في (المادة 3/أ) منها.
  • كما تتسم هذه التغطية بتعلق مبالغ التأمين فيها بالنظام العام في حدها الأدنى، بمعنى أنه لا يجوز الاتفاق على تخفيض تلك المبالغ، ويترتب على ذلك بطلان أي اتفاق فيما لو حصل، وذلك سندًا لنص (المادة 9/ د/ 1) من النظام، حيث نصت على أنه: “يحظر على شركة التأمين والمؤمَّن له الاتفاق على تخفيض حدود مسؤولية شركة التأمين المقررة في التعليمات الصادرة بموجب النظام”.

خامسًا: الضرر المالي المرتد الناجم عن الإصابات البدنية

قد يقتصر أثر حادث المركبة على المتضرر المباشر، وقد تمتد الآثار لتصيب أشخاصًا آخرين ممن تربطهم بالمتضرر المباشر رابطة معينة، وهو ما يُعرف بـ “الضرر المرتد أو المنعكس”، أي الضرر الذي يُصيب شخصًا آخر غير من وقع عليه الفعل الضار مباشرةً، ولا يحول بقاء المتضرر المباشر على قيد الحياة دون حدوث تضرر، أقله تضرر ذوي القربى نتيجة للإصابة التي لحقت بالمتضرر الأصلي، ووفقًا للقواعد العامة فإن المتضرر بطريق الارتداد يمكنه مقاضاة مرتكب الفعل الضار مطالبًا إياه بالتعويض عن الضرر الذي ارتد إليه نتيجة الضرر الأصلي.

وفي ظل نظام التأمين الحالي فالملاحظ أن الضرر المالي المرتد، الناجم عن الإصابة غير المميتة لا يشمله التأمين.

سادسًا: تعويض الضرر الذي يلحق بالنفس (الوفاة)

إن ما يصيب النفس، أو الحياة من ضرر هي “الوفاة”، وأيًا كانت الطريقة التي تحدث بها والجزاء الذي يستتبعها، فإن مؤدى هذه الوفاة أن تكون مصدرًا للأضرار، منها ما يلحق المتوفى نفسه، ومنها ما يلحق بطائفة المحيطين به، ورثة كانوا أم مُعالِين (الأضرار المرتدة).

1.    الضرر الذي يصيب المتوفي

قد يؤدي حادث المركبة إلى وفاة المجني عليه مباشرةً، وقد تتراخى آثار الإصابة زمنًا معينًا ينتهي بوفاته، وفي كلتا الحالتين فإن هذه الوفاة قد ينتج عنها ضرر مالي وضرر آخر يتمثل في فقد الحياة، وذلك على النحو التالي:

أ‌.       الضرر المالي الناجم عن الوفاة

يشمل الضرر المالي في حالة الوفاة كل ما لحق المضرور من خسارة وما فاته من كسب، على النحو التالي:

  • الخسارة التي تلحق المتوفي

إذا تعرض المجني عليه لإصابة لم يترتب عليها الوفاة مباشرةً، فإنه يكون قد تضرر ماليًا خلال الفترة الممتدة بين لحظة الإصابة والوفاة، فضلًا عما تستلزمه الوفاة ذاته عند حصولها من نفقات الجنازة ومصاريف الدفن، على النحو التالي([8]):

  • أضرار الإصابة التي تسبق الوفاة:

تتمثل هذه الأضرار في نفقات المعالجة وملحقاتها، باختلاف أنواعها ودواعيها، وتشمل أيضًا الدخل المنقطع جراء عجز المصاب عن العمل خلال الفترة الواقعة بين الإصابة والوفاة، وغني عن الذكر أن الحق في التعويض عن هذه الأضرار يدخل في الذمة المالية للمضرور عند وفاته بمجرد وقوع الحادث، وينتقل الحق في التعويض إلى ورثة المتوفي، فيطالبوا به مستخدمين أو مكملين دعوى التعويض التي كانت لمورثهم وانتقلت في تركته إليهم.

ويكون للورثة الحق في المطالبة بهذا التعويض حتى بعد وفاة مورثهم، ولا يحول دونه إلا تنازل المورث عن حقه، على أن سكوت المورث في مثل هذه الحالة لا يمكن اعتباره قرينة على النزول، لأن وقوع الموت قبل المطالبة بالحق لا يفيد التنازل عنه، فالتنازل لا يُفترض والقاعدة الشرعية تنص على أنه لا يُنسب لساكت قول.

  • مصاريف الجنازة ونفقات الدفن

برغم أن مصاريف الجنازة ونفقات الدفن بالقدر المتعارف عليه تندرج ضمن الأضرار التي تُصيب بالمتوفي، ويتمثل التعويض عنها في الخسارة الواقعة فعلًا؛ مما يستلزم اعتبارها أضرارًا تستوجب الضمان، بحسب ما تقرر في القواعد العامة الخاصة بضمان الفعل الضار، إلا أن نظام التأمين لم يشملها بالتغطية. وقد ذهبت محكمة التمييز مذهبًا لا نقرها عليه، على اعتبار أن هذه النفقات من قبيل الضرر المنعكس الذي يلحق ورثة المتوفي، ذلك أن النفقات الناتجة عن تجهيز الميت تُعد ضررًا يلحق المتوفى نفسه؛ لأنها في الأصل تجب في ماله وتحسم من تركته، ولهذا فقد عدها الفقهاء المسلمون من أهم الحقوق المتعلقة بالتركة، لأن الميت أحق بماله من غيره.

  • الكسب الفائت

إذا نتج عن الفعل الضار وفاة المجني عليه، فإن هذا الفعل لا بد أن يسبق الموت ولو بلحظة مهما قصرت، وفي هذه اللحظة يكون المجني عليه ما زال أهلًا لكسب الحقوق، ومنها حقه في التعويض عن الضرر الذي لحقه. حيث يترتب على فقد الحياة في حد ذاته ضرر مالي يتمثل في حرمان المجني عليه من الكسب المفقود طيلة السنوات المفقودة. وما دام أن الضرر المالي الناتج عن الوفاة يتمثل في الكسب الفائت، فإن التعويض عنه يُقدر بمقدار هذا الكسب عند ثبوته وفقًا للقواعد العامة.

وترتيبًا على ما سبق، إذا كان المجني عليه بتاريخ الوفاة ذا كسب؛ فيثبت له الحق بالتعويض عما فاته من كسب بسبب الوفاة، ومتى ثبت له هذا الحق قبل وفاته؛ فإن ورثته يتلقونه عنه في تركته؛ وبالتالي يحق لهم مطالبة شركة التأمين أو مالك المركبة بجبر هذا الضرر، والتعويض المستحق في هذه الحالة يعتبر جزءً من تركة المتوفى ويوزع بين ورثته بحسب الفريضة الشرعية.

وقد شمل المشرع الأردني ضرر الوفاة بالتأمين، فإذا توفى المضرور بسبب حادث ناجم عن استعمال المركبة، فإن شركة التأمين تلتزم بدفع التعويض المنصوص عليه قانونًا. وهنا يثور تساؤل بشأن طبيعة هذا التعويض، هل هو تعويض عن ضرر الوفاة في حد ذاته بصرف النظر عن الأضرار التي نتجت عنه؟ ونجيب بصورة قاطعة بالنفي، لأن الاجتهاد الأردني، وإليه نحى شراح القانون كما تقدم، مستقر على أن القاعدة التي تحكم تقدير الضمان هي تلك الواردة في (المادة 266) من القانون المدني. الأمر الذي يعني أن المشرع الأردني قد وجه التعويض عن الأضرار الجسدية، ومنها الوفاة، باعتبار ما يترتب عليها من نتائج.

ب‌.    ضرر فقد الحياة

يمكن في هذا الصدد الاكتفاء بالقول إن ضرر الوفاة في حد ذاته لا يشمله التأمين الإلزامي، فلا زال القضائي الأردني يتبنى وجهة نظر مفاداها أن التعويض عن الوفاة يتحدد بما بترتب عليها من نتائج.

2.    الضرر المالي المرتد الناجم عن الوفاة

قد تمتد آثار الفعل الضار لتصيب أشخاصًا آخرين تربطهم بالمتوفى روابط معينة بحيث إنهم يتأثرون ماليًا جراء وفاة المتضرر، وقد تكون هذه الوفاة سببًا للإضرار بأشخاص آخرين لا تربطهم بالمتوفى رابطة قربى، كمن كانوا يتلقون منه معونات دورية مباشرة، ولأن هذا الضرر يلحق المتوفى ابتداءً ويترتب عليه بطريق الارتداد المساس بهذه الروابط، فقد أصطلح على تسميته بـ “الضرر المرتد”. وقد استقرت عليه غالبية النظم القانونية المعاصرة -ومنها القانون المدني الأردني (المادة 274) – على الاعتراف بهذا الضرر ووجوب التعويض عنه.

أما في نطاق التأمين فقد حددَّ المشرع الأردني طبيعة الضرر الذي تلتزم شركة التأمين بضمانه وهو الوفاة، وأن هذا التعويض تُقرر عن الضرر المالي الذي أصاب الورثة نتيجة وفاة مورثهم، والمتمثل عند ثبوته فيما فاتهم من كسب على نحو ما نصت عليه (المادة 266) من القانون المدني، وهذا الضرر هو وحده الذي يغطيه التأمين، أما الأضرار المالية التي لحقت غير الورثة فلا يشمله بالتغطية.

“ونص جدول مسؤولية شركة التأمين عن الأضرار التي تلحق بالغير جراء وفاة المضرور وحدد مسؤولية شركة التأمين عنها بمبلغ قدره (17,000) دينار تدفع للورثة الشرعيين”([9]).

سابعًا: السوابق القضائية الخاصة بالتعويض عن الأضرار الجسدية في ظل نظام التأمين الإلزامي

لقد ورد في الحكم رقم (4525) لسنة 2018م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 31/10/2018م بما نصه: “إن المتفق عليه فقهًا وقضاءً أن التعويض عن الفعل الضار يُقدر بقدر الضرر المباشر الذي أحدثه الفعل الضار والضرر المباشر يشتمل على الخسارة اللاحقة بالمضرور ونفقات المعالجة المستقبلية”.

وما ورد في الحكم رقم (6268) لسنة 2019 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 31/12/2019م بما نصه: “2- استقر الاجتهاد القضائي على أن للمضرور من الغير أن يتقاضى من شركة التأمين كامل التعويض الذي يستحقه بما لا يتجاوز الحد الأعلى لمبلغ التأمين لغايات تعويض الغير، وإن للمضرور في جسده بشكل يُخل بقدرته على الكسب بالتعويض عن الضرر المادي الذي أصابه كاملًا أم عاطلًا عن العمل ما دام أنه يستحق التعويض قانونًا بمقتضى المادة (266) من القانون المدني، ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في تقدير التعويض نقص القدرة على العمل الناشئة عن الاصابة الجسيمة التي أُصيب بها، حتى ولم تنقص أجوره أو موارد المهنية. 3- استقر الاجتهاد القضائي على أن اللجان الطبية هي المختصة في تقدير نسبة العجز وبيان حالة المصاب وفقًا لنظام اللجان الطبية”.

إعداد/ محمد محمود

[1] د. غدير إدريس العزام، ضوابط التعويض في التأمين الإلزامي للمركبات، (ص٩).

[2] محمد أحمد البديرات، مدى تغطية التأمين الإلزامي للأضرار الناجمة عن حوادث المركبات، (ص110).

([3]) عبد الله بن محمد الفليتي، النظام القانوني للتأمين الإلزامي من حوادث المركبات في التشريع الأردني: دراسة مقارنة، (ص36).

([4]) محمد أحمد البديرات، مدى تغطية التأمين الإلزامي للأضرار الناجمة عن حوادث المركبات، (ص113-114).

([5]) أسيد حسن أحمد الذنيبات، مدى خروج نظام التأمين الإلزامي على المركبات على قواعد المسؤولية عن الفعل الضار وتعويضها في القانون المدني الأردني ومشروعيته، (ص309)

([6]) محمد أحمد البديرات، مدى تغطية التأمين الإلزامي للأضرار الناجمة عن حوادث المركبات، (ص115). وانظر ، محامي تأمين ،

([7]) أسيد حسن أحمد الذنيبات، مدى خروج نظام التأمين الإلزامي على المركبات على قواعد المسؤولية عن الفعل الضار وتعويضها في القانون المدني الأردني ومشروعيته، (ص303-304)

([8]) محمد أحمد البديرات، مدى تغطية التأمين الإلزامي للأضرار الناجمة عن حوادث المركبات، (ص117-118).

([9]) عبد الله بن محمد الفليتي، النظام القانوني للتأمين الإلزامي من حوادث المركبات في التشريع الأردني: دراسة مقارنة، (ص40).

Scroll to Top