مشاكل التجارة الدولية للدول النامية

مشاكل التجارة الدولية للدول النامية

كان للسياسة التي لعبتها الدول المتقدة تجاه الدول النامية في الفترات الاستعمارية أثرا كبيرا في تشكيل الاقتصاد الوطني لتلك الدول والتأثير عليه بشكل سلبي مما جعله اقتصاد ضعيف قائم لمصلحة الدول المتقدمة وتنفيذ سياساتها المصلحية، واستمرت تلك السياسة العدائية حتى بعد استقلال تلك الدول بما يخدم مصالحها فقط.

وتحقق ذلك فيما اتخذته من إجراءات تجاهها كاعتمادها للمبادئ العامة والتي لا تتناسب مع البلدان النامية في ذلك الوقت كمناداتها لمبدأ حرية التجارة الدولية ومبدأ التفوق النسبي في تكاليف الانتاج وما فرضته تلك الدول من رسوم جمركية على صادرات الدول النامية وغيرها من الاجراءات التي اتخذتها وكان لها الاثر في التأثير على التجارة الدولية للدول النامية.

أولا: مفهوم التجارة الدولية ومشاكل الدول النامية

ثانيا” أسباب مشاكل التجارة الدولية للدول النامية

ثالثا: أثر حرية التجارة على إحداث مشاكل في اقتصاديات الدول النامية

رابعا: مشاكل التجارة الدولية للدول النامية

 

أولا: مفهوم التجارة الدولية ومشاكل الدول النامية

 

لقد عرف البعض التجارة الدولية بأنها” هو ان المعاملات الاقتصادية في أوجهها الثلاث المتمثلة في حركة السلع والخدمات وهجرة الأفراد وحركة رؤوس الأموال، تتم بين إقليمين أو دولتين أو عدة دول ذات سياسات مختلفة”([1]).

وعرفها البعض الآخر بأنها” أحد فروع علم الاقتصاد التي تختص بدراسة المعاملات الاقتصادية الدولية ممثلة في حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال وهجرة الأفراد فضلا عن السياسات التجارية التي تطبقها كل دولة من دول العالم للتأثير على هذه الظاهرة”([2]).

بينما يقصد بمشاكل الدول النامية مع التجارة الدولية، تلك العوائق التي أفرزتها السياسة المصلحية التي اتبعتها الدول المتقدمة تجاه الدول النامية والتي كان من شأنها تحقيق مصالحها فقط دون النظر لمصلحة البلدان النامية، مما كان له أكبر الأثر في التأثير على النمو الاقتصادي للدول النامية.

ثانيا” أسباب مشاكل التجارة الدولية للدول النامية

 

لقد تسببت الدول المتقدمة فيما اتخذته من اجراءات في مشاكل أثرت على التجارة الدولية للدول النامية وتتمثل تلك الاجراءات في الآتي:

1- السياسات الاقتصادية التي انتهجتها الدول المتقدمة

لقد بدأت تلك الاجراءات منذ استعمار الدول المتقدمة للبلدان النامية وفرضها عليها سياسة التخصيص في انتاج ما تحتاجه من مواد خام زراعية ومعدنية وغيرها مما يخدم اقتصادها ويعود بالنفع عليه، وقضت على محاولات التصنيع التي حاولت أن تقوم بها تلك البلدان النامية، واستمرت تلك السياسة حتى بعد حصول البلدان النامية على استقلالها واستمر الحال على ما عليه من اجراءات من شأنها تحقيق مصالحها فقط.

2- فرض اجراءات من شأنها دحض اقتصاد البلدان النامية وتخلفه

لقد استمرت سياسة الدول المتقدمة تجاه البلدان النامية، وقامت باعتماد مبدأ التجارة الدولية ومبدأ التفوق النسبي في تكاليف الإنتاج، وما اتبعته كذلك من سياسة الحماية الجمركية في مواجهة صادرات الدول النامية سواء الزراعية أو الصناعية، بما يحد من المنافسة التجارية.

3- اتباع سياسات تجارية عدائية تجاه صادرات الدول النامية من السلع الجاهزة بحيث تتناسب معدلات الرسوم المفروضة على الخامات المصدرة من الدول النامية طرديا مع درجة تصنيعها.

4- اعتماد الدول النامية على تصدير سلع أولية قليلة وصادرات زراعية أو مواد خام معدنية، على عكس الدول المتقدمة التي تقوم بتصدير الصناعات المعدنية التي ترتفع أسعارها دوما بينما صادرات الدول النامية تتأثر بعملية العرض والطلب من تلك السلع.

5- عدم مرونة الانتاج السلعي للدول النامية الذي لا يستطيع التكيف بسرعة مع الظروف الاقتصادية سريعة التغير مما يتسبب في أزمات لتلك الدول لاعتمادها على محصول واحد قد تتقلب أسعاره في السوق الدولية.

6- سوء استغلال الموارد

لا يتوقف التقدم الاقتصادي لأي دولة على ما تمتلكه من موارد اقتصادية أو مواد أولية وإنما يتوقف على ما تبذله الدول من مجهود في سبيل استغلال لما لديها من موارد ولو كانت محدودة، بل وهناك دولا لا تمتلك أية موارد طبيعية تذكر، بل وتستوردها ورغم ذلك هي من الدول المتقدمة، وذلك يرجع إلى حسن الاستغلال.

7- عدم استخدام الأساليب العلمية الحديثة في الانتاج

فكثير من الدول النامية لا تستخدم التكنولوجيا في الانتاج وخاصة الانتاج الزراعي مما أدى إلى تدني الانتاج الزراعي بسبب انخفاض الانتاجية ويرجع ذلك غلى قلة الأراضي الزراعية في البلدان النامية في كثير من الاحيان أو قلة خصوبة التربة بسبب زراعتها باستمرار أو بسبب قلة استخدام المخصبات الكيميائية وعدم كفاءة استخدام الأرض الزراعية وقلة مهارة العمال الزراعيين وصغر الملكية الزراعية مما يعوق استخدام الآلات الزراعية ([3]).

ويترتب على تدني الانتاج عدم توافر كميات كافية من المنتجات الزراعية يمكن أن يتم تصديرها وتساهم في التجارة الدولية لتلك الدول.

8- نقص رأس المال

فطبيعة الحال فان الدول النامية تعاني من تقص رأس المال وهو ما يترتب عليه الانعكاس في الانفاق على استخدام الاساليب العلمية الحديثة في الإنتاج، لأنها تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وهو ما لا يتوافر لديها وبالتالي تخلف البنية التحتية الانتاجية والخدمية وخاصة في الزراعة التي تعتبر حرفة أساسية في كثير من الدول النامية.

9- عدم التناسب بين عدد السكان والموارد

يؤدي ازدياد عدد السكان في كثير من الدول النامية إلى مشاكل في التنمية الاقتصادية فيها، إذ أنه غالبا ما يكون عناك عدم تناسب بين العدد والموارد المتاحة في الدولة مما يشكل ضغطا على هذه الموارد ، وخاصة نصيب الفرد من الأرض الزراعية بحيث تفوق الزيادة الطبيعية للسكان معدل النمو في المساحة للأرض الزراعية مما يؤدي إلى انخفاض نصيب الفرد من المساحة الزراعية وبالتالي انخفاض الانتاجية لعدم توافر مساحة الأرض الزراعية الكافية ، فيزداد السكان فقرا على فقرهم ويزداد انخفاض مصيب الفرد من الدخل القومي، أو على العكس يؤدي نقص عدد السكان في بعض الدول النامية إلى اعاقة استغلال هذه الموارد

ثالثا: أثر حرية التجارة على إحداث مشاكل في اقتصاديات الدول النامية

 

1- لقد أثرت حرية التجارة الدولية على وضعية التجارة في البلدان المختلفة سواء المتقدمة منها أو النامية، ففي الوقت الذي استفادت منه الدول المتقدمة من حرية التجارة وذلك بتصريف منتجاتها الصناعية وزيادة مكاسبها التصديرية، وأيضا الاستفادة من تصدير الدول النامية للمواد الأولية لها.

أما الدول النامية فتأثرت كثيرا بحرية التجارة الدولية حيث ترتب عليها أن الدول النامية أصبحت أسواق للدول المتقدمة لتصريف منتجاتها وذلك بسبب الفارق الكبير بين الدول النامية والمتقدمة في التطور التكنولوجي، إلى جانب تشويه أنماط الإنتاج والاستهلاك.

2- أن حرية التجارة الدولية من شأنه ان يخفض الحماية على التجارة الدولية والتي من شأنها إلى جعل المنتجات المحلية دائما في حالة تأهب قصوى ومنافسة في مواجهة المنتجات المستوردة وهو ما يحفز المنتجين المحليين إلى تخفيض أسعار منتجاتهم.

3- حرمان الدول النامية من أكفأ العناصر الفنية والادارية والعمالة الماهرة نتيجة الهجرة للخارج ([4]).

4- فرض ضغوط على المشروعات المحلية نتيجة منافستها بسبب تحرير التجارة الدولية.

5- اتاحة فرصة للبنوك والمؤسسات المالية الأجنبية انشاء فروع لها في الدول المختلفة وخاصة الدول النامية مما يؤثر على السياسة الاقتصادية للدولة.

6- سيطرة الدول الصناعية الكبرى على الاقتصاد العالمي.

7- القضاء على العديد من الصناعات الناشئة في الدول النامية التي لا تقدر على مواجهة الصناعات الأجنبية نتيجة حرية التجارة وما ترتب عليه من اغراق السوق بمنتجات مماثلة لهذه المنتجات وفي نفس الوقت أفضل منها، مما يترتب عليه البطالة في الدول النامية.

8- يؤدي الانخفاض في الرسوم الجمركية نتيجة حرية التجارة إلى عجز في الموازنة العامة للدولة وزيادة الضرائب مما يؤدي إلى زيادة تكاليف الانتاج وارتفاع الأسعار.

9- سيطرة الدول المتقدمة على حوالي 75%من التجارة العالمية نتيجة قيام منظمة التجارة العالمية في الوقت الذي تزداد واردات المواد الاستهلاكية بالنسبة للدلو النامية ([5]).

10- اغراق السوق الملحية للدول النامية بالمنتجات والسلع المستوردة ذات الأسعار المنخفضة رغم عدم جودتها العالية مما ترتب عليه تراجع الانتاج المحلي في الدول النامية من المنتجات سواء الزراعية أو الصناعية.

11- أن ازالة التعريفة الجمركية بشكل غير مدروس قد يؤدي إلى منافسة غير متكافئة بين المنتجات المستوردة والمنتجات المحلية وكذلك اختلاف الموارد التجارية في الدول النامية وبالتالي تراجع الإنتاج المحلي، وكذلك قد يؤدي إلى اضعاف ايرادات الموازنات العامة للدول النامية مما يؤثر على مشاريع التنمية في تلك الدول ([6]).

12- أن تحرير التجارة الدولية يضع مؤسسات الدول النامية في مأزق بسبب منافسات المؤسسات الاجنبية ذات التكنولوجيا العالية مما يؤثر على الاقتصاد النامي في الدول النامية.

رابعا: مشاكل التجارة الدولية للدول النامية

 

لقد أدى التطور الكبير في التجارة الدولية في السنوات الأخيرة وما ترتب عليه من تحرير تلك التجارة إلى حدوث مشاكل للدول النامية نتيجة اندماجها في السوق العالمية وتخصصها في إنتاج سلعة أو سلعتين مع إهمال باقي القطاعات والتركيز فقط على قطاع التصدير للسلع الاستخراجية كالبترول والمعادن والقطاعات المتعلقة به مما ترتب عليه تخلف في قطاعات الخدمات والصناعات فحدثت ازدواجية في الاقتصاد الوطني للدول النامية أي قطاع متقدم متمثلا في قطاع الصادرات والقطاعات التابعة له وقطاع متخلف وهو قطاع الخدمات والصناعات، ومن بين هذه المشاكل:

1- التبعية الاقتصادية للدول المتقدمة.

وتظهر هذه التبعية الاقتصادية من خلال سد حاجات الدول المتقدمة من المواد الخام اعتبارا مما تصدره الدول النامية من المواد الاولية سواء كانت استخراجية كالنفط والغاز والمعادن أو زراعية كالقطن والبن والسكر والكاكاو وغيرها في حين أن الدول النامية تستورد المواد المصنعة والنصف مصنعة التي توجه للاستهلاك من الدول المتقدمة.

2- تركيز النمو في قطاع التصدير على القطاع الاستخراجية والزراعي.

3- حجم وايرادات الصادرات من المواد الأولية أقل من سعر وتكاليف الواردات من السلع الصناعية.

4- التقدم الفني لإنتاج السلع الزراعية أقل من التقدم الفني لإنتاج السلع الصناعية.

5- فرض قيود على استيراد السلع او المواد الأولية من بعض الدول المتقدمة حماية لبعض قطاعاتها وهو ما يواجه ويؤثر على صادرات الدول النامية.

6- تعرض معدلات التبادل للمواد الأولية للأزمات لأنها تتأثر بالتقلبات السياسية، إذ انه خلال فترة التضخم العالمي عرفت أسعار المواد الأولية انخفاضا خاصا فيما يتعلق بالنفط.

7- تذبذب عائدات الصادرات للسلع الأساسية نتيجة لتباطؤ الطلب العالمي والارتفاع الحاد في أسعار الفائدة وارتفاع قيمة الدولار.

8- النقص المستمر في القيمة النسبية للصادرات، إذ أن نصيب الدول النامية من الصادرات باستثناء البترول يتناقص باستمرار نتيجة للتقدم التكنولوجي الذي أدى إلى تحقيق وفورات في استخدام المواد الأولية لإنتاج كميات مماثلة بطاقات أقل.

9- الاختلال في هيكل الصادرات وذلك نتيجة لعدم التوازن في الهيكل الانتاجي.

10- زيادة الطلب على اليد العاملة في القطاع الزراعي ولاستخراجي مما أدى إلى تحسين الدخل الفردي لهذه الفئة وبالتالي تحسن ظروفهم المعيشية وترتب على ذلك ارتفاع معدل النمو الديمغرافي على المدى القصير إلا أن معدل البطالة ارتفع على المدى البعيد.

11- ارتفاع صادرات القطاعات الاستخراجية أدى إلى ارتفاع مستوى المعيشة لعمال هذا القطاع مما أدى بهم إلى تقليد مستوى المعيشة للأوربيين فأدى ذلك إلى ارتفاع الإنفاق وتقص الادخار والاستثمار والتالي انخفاض معدل تراكم رأس المال ([7]).

كتابة دكتور \عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

([1]) د. جمال جويدان الجمل, التجارة الدولية, ط1, مركز الكتاب الأكاديمي, عمان, الأردن, 2006, ص11

([2]) د. السيد محمد أحمد السرتي, اقتصاديات التجارة الخارجية, ط1, مؤسسة رؤية للطباعة, المعمورة, مصر, 2009, ص8.

([3]) د. فؤاد محمد صفار, جغرافية التجارة الدولية, ص199.

([4]) د. سمير اللقماني, منظمة التجارة العالمية وآثارها السلبية والايجابية على اعمالنا الحالية والمستقبلية بالدول الخليجية والعربية, دار رائدة, المكتبة الوطنية, الرياض, ط1, 2014, ص65.

([5]) د. وليد عودة, أراء حول منظمة التجارة العالمية من منظار عربي وعالمي, مجلة أوراق اقتصادية, ع16, بيروت, 2002, ص129.

([6]) د. جلال أمين, العولمة والتمية العربية, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 2001, ص16.

([7]) عامر عبداللطيف, آثار سياسات تحرير التجارة الدولية على ظاهرة الفقر في الدول النامية, رسالة ماجستير, 210\2011, ص89

Scroll to Top