معايير تدويل عقود التجارة الدولية

معايير تدويل عقود التجارة الدولية

تعتبر التجارة الدولية هي إحدى الركائز الأساسية للنمو الاقتصادي في جميع دول العالم، فهي تعمل على ترويج السلع والخدمات على المستوى الدولي مما يساعد على زيادة النمو الاقتصادي، ولقد كانت التجارة في بداية الأمر تتم داخل الدولة الواحدة، ولكن سرعان ما احتاجت الدول إليها وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وحاجة الدول إلى معالجة نظامها الاقتصادي.

وبطبيعة الحال فان عقود التجارة تنشأ بين دوليتين أو أكثر وبين أكثر من شخص يحملون جنسيات مختلفة وقد يتم ابرام العقد في دولة ثالثة، كما قد تختلف حركة تداول الأموال، مما يعني أن ذلك العقد يختلف عليه الحال بين ما إذا كان عقدا دوليا أم عقدا يخضع لقوانين داخلية، وبالتالي فانه لتحديد ذلك لابد من أن يكون هناك معايير لتحديد دوليته.

أولا: مفهوم تدويل عقد التجارة

ثانيا: مصادر قانون التجارة الدولية

ثالثا: معايير الصفة الدولية للعقد التجاري

رابعا: موقف الأردن من دولية العقد

أولا: مفهوم تدويل عقد التجارة

 

ويمكن تعريفه بأنه عملية اخضاع عقد تبادل السلع والخدمات لقواعد القانون التجاري الدولي استنادا إلى اعتبارات انتمائه لأكثر من دولة كونه ينعقد بين دول مختلفة أو أن أطرافه يحملون أكثر من جنسية أو غيره من الاعتبارات.

وعرف البعض العقد الدولي هو العقد الذي تسربت الصفة الأجنبية إلى أحد العناصر المكونة لهذا العقد”([1]).

وعرفه البعض الآخر بأنه” العقد المشتمل على عنصرا أجنبي “([2]), وبالتالي إذا اتصلت أحد عناصر العلاقة العقدية بدولة اجنبية أو أكثر فإنها تكتسب الطابع الدولي لتعلقها بأكثر من نظام قانوني.

ثانيا: مصادر قانون التجارة الدولية

 

تتنوع مصادر قانون التجارة الدولية بين عدة مصادر وهي:

1- العادات والعرف التجاري الدولي

تعتبر العادات والعرف من أهم مصادر القاعدة القانونية التجارية التي ألفت الدول على اتباعها حتى أصبحت قانون يحترمه الكافة.

  • العرف والعادة

ويقصد به تواتر العمل على الأخذ بحلول معينة إلى الحد الذي يتكون معه الاعتقاد بضرورة احترامها والانصياع لحكمها وهو يتكون من ضرورات الحياة في الجماعة بمعزل عن تدخل السلطة العامة فيها وهو لا يعدو أن يكون معنى يستخلص منه مما يجري العمل في الجماعة كسنة ملزمة دون أن يكون مدونا في وثيقة مكتوبة ([3]).

أما العرف في مجال التجارة الدولية فيقصد به ما درج الأطراف على تطبيقه في معاملاتهم لأنه نتاج الممارسة العملية للنشاط الاقتصادي في مختلف القطاعات الدولية وهو بحكم الممارسة المستمرة في التجارة له ما يبرر توقيع تطبيقه دائما في هذا النشاط التجاري، فله من الثبات والاستمرارية والعمومية ما يجعله مكملا لبنود العقد ومفسرا لها ما لم يصرح الأطراف بما يخالفها ([4]).

ونظرا لاتفاق الأطراف على تطبيق هذه الأعراف فقد أخذت طابع القواعد الآمرة الواجبة التطبيق, وهو ما نصت عليه المادة \9 من اتفاقية فيينا 1980 الخاصة بالبيع الدولي للبضائع على أنه” أن يلتزم الطرفان بالأعراف التي اتفقا عليها وبالعادات التي استقر عليها التعامل بينهما”, وأنه في حال عدم وجود اتفاق بين الطرفين يفترض أن الطرفين قد طبقا ضمنا على عقدهما أو على تكوينه كل عرف كانا يعلمان به \او كان ينبغي أن يعلما به متى كان  معروفا على نطاق واسع ومراعي بانتظام في التجارة الدولية بين الأطراف في العقود المماثلة السارية في نفس فرع التجارة”.

كما أنه يؤيد ذلك الاتجاه الفقهي السائد فانه يعترف للعادات التجارية الدولية بصفة القواعد القانونية ويعتبر أنها قواعد حقيقية وقابلة للتطبيق ولو لم يوجد اتفاق بين الأطراف على ذلك ([5]).

كما وأن القضاء الدولي المتمثل في لجان التحكيم الدولية يتطبق العادات التجارية في المنازعات التجارية بين الأطراف فق نصت المادة\ 1\9 من مبادئ “اليونيديروا” المتعلقة بعقود التجارة الدولية الصادرة في 2004على ” يلتزم الأطراف بما يتفقون عليه من عادات وكذلك أيه ممارسات استقرت فيما بينهم وأن يلتزم الأطراف بأي عادة في مجال التجارة الدولية ما دامت شائعة ومتبعة في مجال المعاملات المعنية ما لم يكن من غير المعقول تطبيقها”.

وبذلك فان العرف مثل أي قاعدة قانونية قد تكون آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو مكملة يتم تطبيقها ما لم يوجد اتفاق على مخالفتها.

كما وأن العرف وما جرت عليه العادة بين التجار أو رجال الأعمال في تناول كافة مشكلاتهم وإيجاد حلول لها، ودرجت العادة على اتباع هذه الحلول في كافة المسائل المشابهة لهو من الثوابت التي يتبعها هذا المجتمع مما جعله يرقى إلى درجة القانون المتبع فيما بينهم.

كما أكدت اتفاقية عمان العربية للتحكيم لسنة1987في المادة\21\1على أنه” تفصل هيئة التحكيم في النزاع وفقا للعقد المبرم بين الطرفين وأحكام القانون الذي اتفق عليه الطرفان صراحة أو ضمنا إن وجد وإلا وفق أحكام القانون الأكثر ارتباطا بموضوع النزاع على أن تراعى قواعد الأعراف التجارية الدولية”.

كما نصت على ذلك المادة\ 36من القانون الأردني للتحكيم 2001على أنه” بتطبيق هيئة التحكيم على موضوع النزاع القواعد القانونية التي يتفق عليها الطرفان وإذا اتفقا على تطبيق قانون دولة معينة اتبعت القواعد الموضوعية فيه دون القواعد الخاصة بتنازع القوانين أما إذا لم يتفق الطرفان على القواعد القانونية واجبة التطبيق على موضوع النزاع طبقت هيئة التحكيم القواعد الموضوعية في القانون الذي ترى أنه أكثر اتصالا بالنزاع وفي جميع الأحوال يجب ان تراعي هيئة التحكيم عند الفصل في موضوع النزاع شروط العقد موضوع النزاع وتأخذ في الاعتبار الاعراف الجارية في نوع المعاملة والعادات المتبعة وما جرى عليه التعامل بين الطرفين”.

2- المعاهدات والاتفاقيات الدولية

وتتعدد المعاهدات الدولية وقد تكون معاهدات ثنائية أو متعددة الأطراف, أما الاتفاقيات فتكون تحت مظلة الأمم المتحدة ومن بين تلك الاتفاقات اتفاقية الأمم المتحدة بشان الكمبيالات الدولية والسندات الإذنية لعام 1988, واتفاقية الأمم المتحدة بشان البيع الدولي للبضائع لعام 1980 والتي تعرف بمعاهدة روما, وهي تنظم تكوين عقود البيع الدولي للبضائع والتزامات البائع والمشتري, وكذلك اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بعقود النقل الدولي للبضائع عن كريق البحر كليا أو جزئيا والتي تعرف بقواعد روتردام في عام2008, وغيرها من الاتفاقيات الدولية.

ولا تعد المعاهدات الدولية والاتفاقيات الدولية ملزمة لطرفي العقد ويجوز للأطراف الاتفاق على مخالفتها والعبرة هي بإرادة الأطراف ([6]), وتعتبر تلك المعاهدات والاتفاقيات مصدرا من مصادر القانون التجاري.

3- المبادئ العامة للقانون

وتعتبر المبادئ العامة المعمول بها في القوانين الوطنية هي ذاتها التي يعمل بها في القانون التجاري الدولي والتي تستخدم في حل المشكلات التي تتعلق به، فهي تلك المبادئ المستمدة من القوانين الوطنية كمبدأ العقد شريعة المتعاقدين ومبدأ حسن النية في العقود وغيره من المبادئ التي يعتد بها كمصدر من مصادر القانون التجاري الدولي.

ويرى البعض أن المبدئ العامة للقانون هي الأساس في تدويل العقد التجاري الدولي وإخراجه من دائرة اختصاص القوانين الوطنية ([7]).

والمبادي العامة للقانون يتم اقتباسها من القوانين الداخلية للأمم المتمدنة وتنتقل بعد ذلك للقانون الدولي مع مراعاة الفوارق بين القانون الداخلي والدولي.

ثالثا: معايير الصفة الدولية للعقد التجاري

 

لقد اختلف الفقه حول تحديد وصف العقد التجاري بانه دولي وانقسموا في ذلك غلى معيارين هما:

المعيار الأول: المعيار القانوني

ويقوم هذا المعيار على فكرة أن العقد التجاري يعد عقدا دوليا إذا اتصلت عناصره القانونية بأكثر من نظام قانوني واحد ([8]).

ولقد انتهى أنصار هذا الرأي أن العقد يعد دوليا إذا كان أحد أطرافه أجنبيا أو انعقد العقد في بلد أجنبي أو كان مقرر أن ينعقد في دولة أجنبية ([9]).

وبطبيعة الحال فان تضمن العقد لعنصر أجنبي معناه ان العقد يتصل بقوانين دول مختلفة قد تكون دولة الانعقاد أو دولة أحد الأطراف أو دولة البضائع، فهنا يوجد أكثر من طرف دولي، أي يوجد تنازع قوانين.

ولكن يشترط لتطبيق ذلك ألا يكون هناك اصطناع من جانب طرفي العقد لكي يخضع العقد لقانون أجنبي وإلا كان هذا غشا وتحايلا للإفلات من النصوص الآمرة في النظام الداخلي للدولة.

وفي ذلك يقول الدكتور هشام صادق” إن اختيار المتعاقدين لقانون أجنبي لا يفيد في حد ذاته دولية العلاقة المطروحة، إذ يستطيع هؤلاء من الوجهة العملية أن يتفقوا على اختيار قانون أجنبي رغم تركز كافة عناصر الرابطة العقدية في إطار القانون الداخلي ولا شك ان مسلك المتعاقدين على هذا النحو يخالف الإعمال الصحيح لقواعد تنازع القوانين والتي لا شأن لها بروابط القانون الداخلي خاصة أن مثل هذا المسلك يكشف عن ذلك رغبة هؤلاء في الإفلات من الأحكام الآمرة في القانون الذ ينتمي إليه العقد وخلافا لما أراده مشرعه”([10]).

ولقد اختلف أنصار هذا الرأي إلى فريقين حول دور العناصر القانونية في العلاقة التعاقدية في إضفاء الصفة الدولية للعقد:

فيرى الفريق الأول التسوية بين كافة العناصر القانونية للعقد بحيث إذا ما كان أحد أطرافه أجنبيا اكتسب العقد صفة الدولية وبالتالي يخضع لقواعد القانون الدولي الخاص ([11]).

بينما ذهب الفريق الثاني إلى أن العقد لا يكتسب الصفة الدولية إلا في حالة وجود عنصر أجنبي ومؤثر في العلاقة العقدية أي أنه إذا كان العنصر الأجنبي غير فعال فلا يكفي ذلك لاكتساب العقد صفة الدولية ([12]).

ويرى جانب من الفقه أن الصفة الدولية للعقد من الممكن أن يكتسبها العقد في مرحلة لاحقة على انعقاده كأن ينتقل أحد أطراف العقد للإقامة في دولة أخرى غير الدولة التي تعاقد فيها كما لو انعقد العقد في مصر وكان قد تعاقد هذا المصري على سراء بضاعة من أردني من مصنع أردني، إلا أن هذا المصري انتقل للإقامة في بلد أخرى وتم إرسال البضاعة في إقامته الجديدة.

ففي هذه الحالة يكتسب العقد صفة الدولية بمجرد انتقال المصري إلى بلد آخر غير التي تعاقد فيها.

أي أن العنصر المهم في تحديد دولية العقد حسب المعيار القانوني هو محل اقامة الأطراف إذ أن اختلاف محل اقامتهم يعني خضوعهم بالضرورة لأكثر من نظام قانوني.

ويقع على القاضي مسألة التحقق من مدي توافر العنصر الأجنبي وذلك من خلال تحليل العقد للوقوف على طبيعة عناصره القانونية لمعرفة مأ إذ كانت وطنية خالصة أم تضمنت عنصرا أجنبيا ([13]).

المعيار الثاني: المعيار الاقتصادي

وللوهلة الأولى فان المقصود بالمعيار الاقتصادي من معناه هو حركة رؤوس الأموال بين الدول المختلفة وما يستتبعه من حركة البضائع عبر حدود الدول.

وهو ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية من ان العقد يعد دوليا إذا تعلق بمصالح التجارة الدولية أي تجاوز المعاملات التجارية الداخلية للدولة بحيث يترتب عليها تحرك الأموال بين الدول المختلفة ([14]).

وبتحليل المعيارين يتضح لنا أن الصفة الدولية للعقد لا تتوقف على واحد منهما فقط، بل عليهما معا، إذ انهما مرتبطان بعضهما البعض، ذلك ان حركة التجارة بين الدول المختلفة تؤدي بالتبعية لتحرك أطراف العقد، بل وتحتم أن يتواجد طرف من اطرافه في دولة أخرى وبالتالي خضوعه لأكثر من قانون حسب محل إقامة الأطراف، وبالتالي فيلزم توافر المعيارين معا لإضفاء الصفة الدولية للعقد، إذ هما معياران متداخلان مع بعضهما البعض لا يمكن فصلهما.

وهو ما أكده القضاء الفرنسي في حكمه التي أصدرته محكمة استئناف تولوز الفرنسية عام1982 وقضت فيه بأن الجمع بين المعيارين يجسد الصفة الاجنبية للرابطة العقدية على نحو أفضل ([15]).

رابعا: موقف الأردن من دولية العقد

لقد اختلفت الأنظمة العربية في الأخذ بمعايير الدولية في عقد التجارة الدولية، إذ أه أخذت مصر والكويت والسودان والمملكة العربية السعودية والامارات وقطر بالمعيار القانوني.

بينما أخذت كلا من الأردن وسوريا بالمعيار الاقتصادي.

كتابة دكتور \عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

([1]) د. فؤاد رياض, الوسيط في القانون الدولي الخاص, دار النهضة العربية, الاسكندرية, 1974, ص369.

([2]) د. عزالدين عبدالله, القانون الدولي الخاص, ج2, تنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي الدوليين, الهيئة المصرية العامة للكتاب, الاسكندرية, 1986, ص440.

([3]) د. مصطفى محمد الجمال, تجديد النظرية العامة للقانون, ص304.

([4]) د. طرح البحور على حسن فرج, تدويل العقد, منشأة المعارف, الإسكندرية, ص106.

([5]) د. أو العلا على أبو العلا النمر, مقدمة في القانون الدولي الخاص, ط1, 1999, دار النهضة العربية, القاهرة, ص76.

([6]) د. أبو العلا على أبو العلا التمر, مقدمة في القانون الخاص الدولي, مرجع سابق, ص35.

([7]) د. هشام علي صادق, القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة العالمية, ص218.

([8]) د. هشام على صادق, القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الدولية, ط2, دار الفكر العربي, 2001, ص72.

([9]) د. أبوا لعلا على أبو العلا النمر, مرجع سابق, ص21

([10]) د. هشام على صادق, القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الدولية, مرجع سابق, ص62.

([11]) مرجع السابق, ص 74.

([12]) المرجع السابق, ص72وما بعدها.

([13]) د. محمد وليد المصري, الوجيز في شرح القانون الدولي الخاص, ط2, دار الثقافة, عمان, 2011, ص192.

([14]) د. هشام على صادق, مرجع سابق, ص104وما بعدها.

([15]) مرجع سابق, ص116.

Scroll to Top