عادات وأعراف التجارة الدولية أمام القضاء والتحكيم
تحظى التجارة الدولية باهتمام كافة دول العالم في الوقت الراهن، ذلك لأنها تمثل السلاح الذي تسلك به الدول سبيل التقدم والنمو الاقتصادي، لذلك حرصت الدول على الاهتمام بها وحل المنازعات التي تنشأ عنها.
وتتمثل التجارة الدولية في صورة صفقات تجارية بالمعنى التجاري التي يجسدها التعاقد التجاري بين دولتين أو أكثر، هذا التعاقد الذي يتضمن غالبا على عنصر أجنبي، ذلك العنصر الذي يخلق نوعا من الاختلاف بين أطراف العقد حول القانون الذي يتوجب تطبيقه على المنازعات التي تنشأ بين أطراف العقد.
ومن المعروف ان التجارة الدولية تعتمد في أغلب الحالات على الأعراف والعادات التجارية الدولية التي درج الناس على اتباعها في منازعاتهم التي تنشأ فيما بينهم بسبب تلك التجارة، تلك الأعراف والعادات التي تطبق أمام القضاء الذي يتم تحديده لنظر النزاع وجهات التحكيم التجاري التي يلجأ لها أطراف العقد.
أولا: مفهوم قانون التجارة الدولية والأعراف والعادات التجارية الدولية
ثانيا: مفهوم الأعراف والعادات التجارية الدولية
ثالثا: أهمية الأعراف والعادات في التجارة الدولية
رابعا: عادات وأعراف التجارة الدولية والقضاء
خامسا: عادات وأعراف التجارة الدولية وقضاء التحكيم
أولا: مفهوم قانون التجارة الدولية والأعراف والعادات التجارية الدولية
لقد عرفته الأمانة العامة لمنظمة الأمم المتحدة لسنة1965 بمناسبة البحث في انشاء لجنة تعمل على توحيد أحكام قانون التجارة الدولية بأنه” عبارة عن مجموعة من القواعد تحكم العلاقات التجارية المنتمية إلى قانون الخاص والتي ترتبط بدول مختلفة… “([1]).
وعرفه جانب من الفقه بانه” مجموعة من القواعد المستمدة من الاتفاقيات المنظمة للتجارة الدولية والقانون النمطي الصادر عن اليونسترال والعقود النموذجية والشروط العامة للعقود الدولية بشأن البيع الدولي للبضائع والعادات والأعراف التجارية المتداولة بشأن معاملات تجارية معينة…. “([2]).
ويمكن تعريف العادات والأعراف الدولية بأنها تلك القواعد الموحدة ذات الأصل العرفي والتي تم وضعها من قبل منظمات مهنية لتتناول حل المنازعات التي تنشأ بين أطراف العلاقة التجارية الدولية.
ولقد عرف البعض أعراف التجارة الدولية بأنها” الأساليب التي يعتبرها الأشخاص العاديون الموجودون في نفس الظروف قابلة للتطبيق على العقد الذي يبرمونه..”([3]).
ولقد عرفها البعض الآخر بأنها” عبارة عن مجموعة قواعد اعتاد المتعاملون والمهنيون في ميدان التجارة الدولية العمل بها في معاملاتهم وكرسوا جهودهم لتطويرها حتى اصبحت تمثل نظام قانوني مهني ذا تطبيق عالمي على أساس عرفي”([4]).
ثانيا: مفهوم الأعراف والعادات التجارية الدولية
ويقصد بالعادة تواتر العمل على الأخذ بحلول معينة إلى الحد الذي يتكون معه الاعتقاد بضرورة احترامها والانصياع لحكمها وهو يتكون من ضرورات الحياة في الجماعة بمعزل عن تدخل السلطة العامة فيها وهو لا يعدو أن يكون معنى يستخلص منه مما يجري العمل في الجماعة كسنة ملزمة دون أن يكون مدونا في وثيقة مكتوبة ([5]).
أما العرف في مجال التجارة الدولية فيقصد به ما درج الأطراف على تطبيقه في معاملاتهم لأنه نتاج الممارسة العملية للنشاط الاقتصادي في مختلف القطاعات الدولية وهو بحكم الممارسة المستمرة في التجارة له ما يبرر توقيع تطبيقه دائما في هذا النشاط التجاري، فله من الثبات والاستمرارية والعمومية ما يجعله مكملا لبنود العقد ومفسرا لها ما لم يصرح الأطراف بما يخالفها ([6]).
ولقد أخذت هذه الأعراف طابع القواعد الآمرة وذلك لاعتياد الأفراد تطبيقها على منازعاتهم التجارية, وهو ما نصت عليه المادة \9 من اتفاقية فيينا 1980 الخاصة بالبيع الدولي للبضائع على أنه” أن يلتزم الطرفان بالأعراف التي اتفقا عليها وبالعادات التي استقر عليها التعامل بينهما”, وأنه في حال عدم وجود اتفاق بين الطرفين يفترض أن الطرفين قد طبقا ضمنا على عقدهما أو على تكوينه كل عرف كانا يعلمان به \او كان ينبغي أن يعلما به متى كان معروفا على نطاق واسع ومراعي بانتظام في التجارة الدولية بين الأطراف في العقود المماثلة السارية في نفس فرع التجارة”.
كما أن هناك اتجاه فقهي سائد يعترف للعادات التجارية الدولية بصفة القواعد القانونية ويعتبر أنها قواعد حقيقية وقابلة للتطبيق ولو لم يوجد اتفاق بين الأطراف على ذلك ([7]).
كما وأن القضاء الدولي المتمثل في لجان التحكيم الدولية يطبق العادات التجارية في المنازعات التجارية بين الأطراف وهو ما نصت عليه المادة\ 1\9 من مبادئ “اليونيديروا” المتعلقة بعقود التجارة الدولية الصادرة في 2004على ” يلتزم الأطراف بما يتفقون عليه من عادات وكذلك أيه ممارسات استقرت فيما بينهم وأن يلتزم الأطراف بأي عادة في مجال التجارة الدولية ما دامت شائعة ومتبعة في مجال المعاملات المعنية ما لم يكن من غير المعقول تطبيقها”.
كما وأن العرف وما جرت عليه العادة بين التجار أو رجال الأعمال في تناول كافة مشكلاتهم وإيجاد حلول لها، ودرجت العادة على اتباع هذه الحلول في كافة المسائل المشابهة لهو من الثوابت التي يتبعها هذا المجتمع مما جعله يرقى إلى درجة القانون المتبع فيما بينهم.
كما أكدت اتفاقية عمان العربية للتحكيم لسنة1987في المادة\21\1على أنه” تفصل هيئة التحكيم في النزاع وفقا للعقد المبرم بين الطرفين وأحكام القانون الذي اتفق عليه الطرفان صراحة أو ضمنا إن وجد وإلا وفق أحكام القانون الأكثر ارتباطا بموضوع النزاع على أن تراعى قواعد الأعراف التجارية الدولية”.
كما نصت على ذلك المادة\ 36من القانون الأردني للتحكيم 2001على أنه” بتطبيق هيئة التحكيم على موضوع النزاع القواعد القانونية التي يتفق عليها الطرفان وإذا اتفقا على تطبيق قانون دولة معينة اتبعت القواعد الموضوعية فيه دون القواعد الخاصة بتنازع القوانين أما إذا لم يتفق الطرفان على القواعد القانونية واجبة التطبيق على موضوع النزاع طبقت هيئة التحكيم القواعد الموضوعية في القانون الذي ترى أنه أكثر اتصالا بالنزاع وفي جميع الأحوال يجب ان تراعي هيئة التحكيم عند الفصل في موضوع النزاع شروط العقد موضوع النزاع وتأخذ في الاعتبار الاعراف الجارية في نوع المعاملة والعادات المتبعة وما جرى عليه التعامل بين الطرفين”.
ثالثا: أهمية الأعراف والعادات في التجارة الدولية
تلعب الأعراف والعادات التجارية دورا كبيرا وتمثل أهمية كبيرة بالنسبة للتجارة الدولية وتظهر تلك الأهمية من خلال النقاط الآتية:
1- تعمل الأعراف والعادات التجارية على سد العجز الذي تتعرض له القوانين الوطنية في معالجة التقنيات الحديثة في التجارة الدولية المتمثلة في العقود الجديدة التي نشأت عنها مثل عقد تسليم المفتاح وعقد نقل التكنولوجيا على اعتبار أنها عقود مركبة يصعب أن تنظمها العقود التقليدية.
2- تعمل هذه الأعراف والعادات على استقرار العلاقات التجارية ([8]), وذلك تأسيسا على أن هذه الأعراف تم وضعها بمعرفة المتعاملين في التجارة الدولية وذلك لخدمة وتلبية حاجاتهم ومصالحهم وتحقيق الامان لهم من خلال العمل بها.
3- إن أهمية هذه الأعراف تظهر بشكل واضح في المجالات التي لم يتطور فيها القانون بشكل كبير، فاستقرار العمل بهذه العادات يكسبها أهمية كبيرة إذ أنها يستقر العمل بها ويصبح الالتزام بها كالتزام بقانون ملزم ([9]).
4- تحتل الاعراف الدولية اهمية في التجارة الدولية حتى صار التزام التجار بها أمرا مفترضا لا حاجة للنص عليه في العقد واكدت الاتفاقية على هذه الأهمية فجعلت العرف المنصوص عليه في العقد قاعدة ملزمة واعتبرت العرف غير المنصوص عليه في العقد هو ما اتجهت الادارة إلى الالتزام به في حالة خلو العقد.. ([10]).
رابعا: عادات وأعراف التجارة الدولية والقضاء
إن منازعات التجارة الدولية ليست حكرا على قواعد التحكيم وحده، إذ أن القضاء الوطني يدخل في فض هذه المنازعات، بل ويستعين في بعض الأحيان بقواعد العرف والعادات طالما أنها لا تتعارض مع القواعد الآمرة داخل الدولة، فدور القاضي الوطني في إغناء قواعد قانون التجارة الدولية عموما وأعراف التجارة الدولية خصوصا يزداد يوم بعد يوم وهو أمر مترتب على أزمة تنازع القوانين، والتي تجسد عجز قوانين الدول عن ملاحقة المستجدات القانونية في التجارة الدولية.
ويطبق القضاة في مختلف الدول القواعد القانونية لدولهم والتي يستمدون منها سلطتهم وبالتالي فهم لا يجدون صعوبة في تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع د، بحيث يلتزمون بتطبيق القانون أو قواعد القانون الدولي الخاصة بتنازع القوانين في دولهم ([11]).
إذ أن الأطراف المتعاقدة في التجارة الدولية تهدف إلى اختيار قانون محايد أو قانون متطور في أحكامه، وقد تتفق الأطراف على عدم اختيار أي قانون لكي يحكم النزاع لأنها ترمي إلى تطبيق قواعد العرف والعادات على ذلك النزاع.
كما قد يختار الأطراف في عقد التجارة الدولية اختيار القواعد مع أحكام القوانين الوطنية وكذلك غالبا ما تختار الأطراف أيضا قواعد عرفية ومبادئ العدالة ([12]).
أي أن لأطراف العقد التجاري الدولي الحق في اختيار القانون الواجب التطبيق على النزاع الذي ينشأ بينهم عن التجارة الدولية، طالما أن ذلك لا يتعارض مع القواعد الآمرة المتعلقة بالنظام العام في الدولة، إلى جانب ألا يكون القانون المختار مشوبا بالغش نحو القانون المختص أصلا بحكم النزاع.
خامسا: عادات وأعراف التجارة الدولية وقضاء التحكيم
يعتبر التحكيم من الوسائل القانونية المعترف بها في نطاق حل المنازعات التي تنشأ بين أطراف عقد التجارة الدولية، فلقد اعترفت بها الدول على اختلاف أنظمتها الاقتصادية والقانونية.
فالتحكيم يعالج القضايا استنادا إلى المبادئ المستنبطة من التشريعات المختلفة ومن أعراف التجارة الدولية لذلك تعتبر تلك الأعراف مهمة بالنسبة للتحكيم التجاري الدولي ([13]).
ويتمثل التحكيم فيما تزخر به أذهان المحكم وما جرى عليه العرف والعادة بين الدول في حل المنازعات التجارية بينهم، فهي تراكمات وخبرات من المواقف والمنازعات عند حلها تتخذها الدول عادات وأعراف متفق عليها في حل تلك المنازعات.
ولقد أدى صعوبة تطبيق القانون الوطني لدولة من أطراف التعاقد على النزاع الناشئ عن التجارة الدولية إلى قيام المحكمين بتفسير الأعراف بطريقة مرضية تساعد على حل النزاع بين الأطراف في التعاقد، وفي ذات الوقت يجب أن تكون الأعراف الدولية التي يستخدمها المحكمين معروفه لدى المحكمين.
فالقضاء الوطني لم يعد له القدرة على حل المنازعات التي تنشأ عن التجارة الدولية بالكفاءة والحسم اللازمين لأنه مقيد بقواعد قانونية جامدة لا يستطيع القاضي تطويعها لحسم النزاع، كما قد تختلف هذه القواعد من دولة لأخرى، بينما التحكيم يتميز بحرية الأطراف في اعتبار المحكمين من بين الأشخاص لأكثر قدرة وكفاءة على حل منازعاتهم وعلى أساس اجراءات بسيطة تتميز بالسهولة واليسر والسرعة وعدم التعقيد.
كما أن الاجتهادات التحكمية الناتجة عن الجهد الانشائي لقضاء التحكيم عن طريق تطبيق أعراف التجارة الدولية، تظهر ليس فقط في مكونات قانون التجار وإنما تدخل في تطوير أحكامه.
ويمكن تعريف التحكيم بأنه النظام الذي بموجبه يسوي طرف من الغير خلافا قائما بين طرفين أو عدة أطراف يتعلق بعملية تجارية فيما بينهما، ممارسا لمهمة قضائية عهدت إليه عن طريق هؤلاء الاشخاص.
– صورتي التحكيم:
أ- الصورة الأولى: شرط التحكيم
وقد يرد شرط التحكيم في ذات العقد الأصلي للتجارة الدولية ويتفق عليه الطرفان على أن يكون التحكيم هو الجهة المنوط بها حل المنازعات التي تنشأ عن عقود التجارة الدولية.
وقد يرد شرط التحكيم في عقد لاحق على العقد الأصلي أو في اتفاق لاحق على هذا العقد وفي هذه الحالة يعرف بوثيقة التحكيم.
ب- الصورة الثانية: مشارطة التحكيم
وهي تعني أن طرفي عقد التجارة الدولية قد لا يتفقان على شرط تحكيم في العقد وإنما يقومان بعد ابرام العقد يبرمان اتفاقا خاصا لعرض هذا النزاع على محكم أو أكثر وهو ما يسمى بمشارطة التحكيم.
وبذلك فان شرط التحكيم يختلف عن مشارطة التحكيم وذلك بأن شرط التحكيم يتعلق بنزاع ينشأ مستقبلا أما مشارطة التحكيم فيتعلق بنزاع موجود فعليا وقائم بين الطرفين، إلا أنهما يتفقان في أن كلاهما مهمتهما هي حل المنازعات التي تنشأ عن عقود التجارة الدولية.
الخاتمة:
وعليه نخلص من ذلك إلى خضوع المنازعات التي تنشأ عن عقود التجارة الدولية لقانون ارادة الأطراف وفي حالة عدم التصريح بذلك من قبل الأطراف فتقوم هيئة التحكيم المعروض عليه النزاع للكشف عن الارادة الضمنية من خلال ظروف وملابسات العقد، فاذا لم يوجد اتفاق صريح أو ضمني فللأطراف أن يعهدوا بذلك للتحكيم التجاري ليطبق عليه قواعد العرف والعادات التجارية التي درج التجار على التعامل بها حتى أصبحت ترقى إلى القانون.
كتابة دكتور \عبد المنعم حسن الشرقاوي
دكتوراه القانون المدني
([1]) د. حمدة حداد, قانون التجارة الدولية, الدار المتحدة للنشر, 1980, ص33,27.
([2]) د. عمر سعد الله, قانون التجارة الدولية, النظرية المعاصرة, دار هومة, 2007, ص10.
([3]) د. محمودي مسعود, أساليب إبرام العقود الدولية, ديوان المطبوعات الجامعية, 2006, ص63.
([4]) د. محمودي سعودي, المرجع السابق, ص64,63.
([5]) د. مصطفى محمد الجمال, تجديد النظرية العامة للقانون, ص304.
([6]) د. طرح البحور على حسن فرج, تدويل العقد, منشأة المعارف, الإسكندرية, ص106.
([7]) د. أو العلا على أبو العلا النمر, مقدمة في القانون الدولي الخاص, ط1, 1999, دار النهضة العربية, القاهرة, ص76.
([8]) د. هشام على صادق, القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الدولية, دار الفكر العربي, ط2, 2001, ص191.
([9]) د. هشام على صادق, المرجع السابق, ص199.
([10]) د. طالب حسن موسى, الموجز في قانون التجارة الدولية, مكتبة دار القافة للنشر والتوزيع, 1997, ص96.
([11]) د. فوزي محمد سامي, التحكيم التجاري الدولي, وفقا لقانون الاجراءات المدنية والادارية والقوانين المتقارنة, دار هومه, الجزائر, 2012, ص179.
([12]) د. فوزي محمد سامي, مرجع ساب, ص180.
([13]) د. حسين الدوري, التحكيم في عقود التجارة الدولية, عقود التجارة الدولية, المنظمة العربية للتنمية الادارية, 2007, ص131.

