الأخطار البحرية في قانون التجارة البحرية الأردني
يعتبر نظام التأمين ضد الأخطار من أهم الأنظمة التي وضعت لحماية الأموال بوجه عام، ولحمايتها في نطاق العمل التجاري بوجه خاص، لاسيما وأن الإنسان عرضة للإصابة في ماله في أي وقت ولأي سبب، لذلك وُجد هذا النظام لكفالة الحماية لأمواله من الآثار المترتبة على تلك الإصابة، ويغطي نظام التأمين ثلاث أنواع من التأمين وهي التأمين البري، والتأمين على الأشخاص، والتأمين البري.
ومن أهم عناصر عملية التأمين وإن لم يكن أهمها على الإطلاق هو الخطر المؤمن منه، حيث أن تلك العملية تدور في دائرة مركزها هو هذا الخطر، وهو ما يجعله ممثلاً لجوهر عملية التأمين ذاتها، ونظراً لتعاظم النسبة التي تساهم بها التجارة البحرية في مجمل ما يتم من تعاملات تجارية سنوية على الصعيد العالمي، وباعتبار الأهمية التي تمثلها الأخطار في عملية التأمين البحري، والتي تتم في إطار عمليات التجارة البحرية، فقد خصصنا هذا المقال لنتعرض بالشرح والتوضيح للأخطار البحرية في ضوء أحكام قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972 وتعديلاته.
رابعاً: بعض أحكام محكمة التمييز ذات العلاقة
أولاً: ماهية الأخطار البحرية
في معرض بيان ماهية الأخطار البحرية سوف نوضح التعريف بهذه الأخطار، كما سنتعرض للأهمية التي تمثلها في عملية التأمين البحري.
1- تعريف الأخطار البحرية
إن لفظ “الخطر” في مقصده اللغوي العام يدل على موقف يكون فيه الشخص مشرفاً على الهلاك، بحيث يكون هذا الخطر هو السبب الأساسي في وقوع الشخص بين رحى هذا الموقف، بينما في الاصطلاح نجد أن الخطر في عملية التأمين بوجه عام يشار به إلى أي حادث لا يكون وقوعه محققاً، ولا يكون وقوعه متوقفاً على إرادة طرفي العلاقة التأمينية[1].
أما في إطار تعريف الخطر البحري، فنجد أن فقهاء القانون قد وضعوا لذلك النوع من الأخطار أكثر من تعريف، ومن أهم هذه التعريفات:
- التعريف الذي وضعه جانب من الفقه القانوني للأخطار البحرية على أنها الحوادث التي ترتبط في وقوعها بالأنشطة البحرية المعتادة، والتي يترتب على وقوعها أن يهلك المال أو يتلف[2].
-
تعريفها بأنها تمثل الأضرار التي تقع على السفينة ذاتها أو ما تحمله من بضائع أثناء رحلها، وذلك نتيجة فعل البحر ذاته أو بفعل غيره من إنسان أو طبيعة، طالما أن ذلك الخطر يقع أثناء وجود الشيء محل التأمين في البحر[3].
– كما عرف الخطر البحري أيضاً بأنه كافة الحوادث الطارئة والقهرية التي تكون غير متوقعة، والتي يكون السبب في نشأتها فعل البحر، أو أي فعل آخر على سطح البحر حتى وإن لم يتسبب البحر في نشأته.
وغيرها من التعريفات الأخرى التي استهدفت توضيح ماهية الأخطار البحرية، والتي يمكننا أن نستقي منها تعريفاً متوازناً للخطر البحري، وذلك بأنه جميع الحوادث التي يتم التأمين ضد وقوعها، والتي يمكن أن تصيب السفينة أو ما تحمله من بضائع تنقلها أو كلاهما معاً، وذلك بغض النظر عن سبب تلك الحوادث سواء كانت ناتجة عن البحر، أو تقع فيه، أو تربطها بالرحلة البحرية أي علاقة.
وبالرجوع إلى قانون التجارة البحرية الأردني رقم (12) لسنة 1972 وتعديلاته، فإننا لم نجد ما يخص التعريف بالأخطار البحرية، فالمشرع الأردني لم يفرد له تعريفاً مستقلاً، ولكنه اكتفى في بالإشارة إليه في معرض تعريفه لعقد التأمين البحري، وذلك بنص المادة (296) والتي تضمنت أن (التأمين البحري هو عقد يرضى بمقتضاه المؤمن بتعويض المؤمن له من الضرر اللاحق به في معرض رحلة بحرية عن هلاك حقيقي لقيمة ما مقابل دفع قسط على أن لا يجاوز هذا التعويض قيمة الأشياء الهالكة)، حيث أشار للخطر البحري بأنه “الضرر اللاحق به في معرض رحلة بحرية”، وهو ما نعتقد أنه تعريف مقتضب لا يوضح المضمون الفعلي للخطر البحري. .
2- أهمية الأخطار البحرية
لا تقتصر أهمية تحديد الخطر البحري على كونه أحد أهم العناصر التي تقوم عليها عملية التأمين البحري، ولكن أهميته تتعدى ذلك بكثير، وعلى وجه الخصوص بالنسبة إلى شركة التأمين المؤمن لديها، حيث تمثل لها أكثر من أهمية، فهي فنية من جانب، وقانونية من جانب آخر.
أ- أهمية فنية
تجري شركات التأمين البحري حساباتها الرياضية التي تحدد مدى احتمالية وقوع الأخطار البحرية المؤمن ضدها، ومدى ما ستلحقه بخسائر للشيء المؤمن عليه، وذلك حتى تستطيع أن تحدد قيمة ما يمكن أن يقع من أضرار، وبالتالي تحدد قيمة التأمين وقيمة كل قسط سيقوم المؤمن بسداده.
وحتى يمكن لشركة التأمين البحري تحديد ذلك يلزمها أولاً أن تتمكن من تحديد الخطر الذي قد يصيب المؤمن عليه، أي أن أساس عملية التأمين في شقها المالي لا يمكن أن يستقر إلا إذا كان الخطر البحري محدداً من قبل الشركة، لذلك نجد في الكثير من المؤلفات التي تناولت الأهمية الفنية لتحديد الخطر البحري مقولة قوامها أن “الخطر البحري ما هو إلا حالة غير مؤكدة يمكن تحديدها وقياسها[4].
ب- أهمية قانونية
يعتبر الخطر البحري هو الهدف الحقيقي من عملية التأمين البحري، حيث تستهدف هذه العملية تغطية ما يترتب من ضرر على تحقق الخطر البحري، وبالتالي فإن سريان الأثار القانونية المترتبة على عقد التأمين يتوقف على تحقق الخطر البحري، ولا يستحق المؤمن له قيمة مبلغ التأمين إلا بحصول الخطر البحري وتحققه، لذلك فإن تحديد الخطر البحري المؤمن منه له أهمية بالغة في تحديد قيام الآثار القانونية لعقد التأمين من عدمه.
كما أن تحديد لحظة تحقق الخطر البحري تعد مسألة جوهرية في عملية التأمين، والدليل على ذلك أن حدوث وتحقق الخطر البحري في توقيت يسبق توقيت إبرام عقد التأمين، فإنه يكون خارج النطاق الذي يغطيه التأمين، في حين أنه متى كان الخطر قد تحقق بعد إبرام عقد التأمين، فعندئذ يكون الخطر ضمن نطاق التأمين ويغطي قيمته، لاسيما وأن التأمين ضد الخطر البحري بعد تحققه فعلياً يعد باطلاً.
ثانياً: شروط الأخطار البحرية
حدد المشرع الأردني خلال تعرضه للخطر البحري ماهية الشروط التي يلزم توافرها في الحادث لكي يصدق عليه وصف ومسمى الخطر البحري، وإن كانت تلك الشروط تخص الخطر البحري المؤمن منه في عقد التأمين البحري، وسوف نتعرض لهذه الشروط في النقاط الآتي بيانها.
1- أن ينشأ الحادث عن البحر أو بسببه
أول الشروط اللازم توافرها في الحادث لكي يعد بمثابة خطر بحري أن يكون السبب الرئيسي في وقوعه هو البحر، سواء كان هو المتسبب الأساسي في الحادث، أو كان الحادث قد وقع بمناسبة وجود المال – سفينة أو بضائع – في البحر، ويعد هذا الشرط شرطاً منطقياً، حيث إنه يعد العلامة الفارقة والمميزة بين الخطر البحري والخطر البري، خاصة وأن الخطر يعتمد في تصنيفه بأنه بحري أو بري على مكان وسبب وقوعه، وفي المجمل فإن الخطر لا يعد خطراً بحرياً إلا إذا وقع خلال رحلة من الرحلات البحرية.
2- أن يكون الحادث محتمل الوقوع وغير متوقع
يلزم أيضاً في الحادث الذي يمثل خطأ بحري أن يكون محتما الوقوع، والمقصود بمحتمل هنا أنه لا يكون مؤكد الوقوع، كما يعني أيضاً أنه لا يكون مستحيل الوقوع، فالحادث المحتمل هو الحادث الذي يتسم بإمكانية وقوعه، ولكن لا يمكن تحديد اللحظة التي قد يقع فيها بشكل مسبق، وإن أمكن توقعه بشكل مسبق فإنه يخرج عن نطاق الأخطار البحرية، وأيضاً متى كان مؤكد أو مستحيل الوقوع فإنه يخرج عندئذ عن نطاق وصف الخطر البحري، والخلاصة أن الخطر البحري يمكن أن يقع، ولكن بشكل لا يمكن توقعه مقدماً.
3- أن يكون الحادث مستقبلي
يقصد بذلك أن يكون الخطر البحري الذي يتم إخضاعه للتأمين هو خطر يتوقع حدوثه مستقبلاً، ويعتبر ذلك الشرط بمثابة امتداد للشرط الخاص بأن الخطر البحري هو خطر محتمل، وذلك لأنه لو كان الخطر البحري قد انتهى أو زال أو وقع بالفعل قبل التأمين ضده، فإن وصف الخطر البحري يكون قد زال عن الحادث، ويعد التأمين عنه باطلاً، حيث إن الاحتمال والتوقع لا يكون إلا بشأن الأمور المستقبلية التي لم تتحقق بالفعل، وقد أقرت محكمة التمييز الأردنية ذلك الشرط فيما تواترت عليه من أحكام[5].
4- ألا يكون تحقق الخطر مرتبطاً بإرادة أحد الطرفين
لا يعد الخطر خطراً بحرياً يمكن إخضاعه للتأمين متى كان تحققه متوقفاً على إرادة الطرف المؤمن أو الطرف المؤمن له، ويرجع ذلك إلى أن ارتباط الخطر البحري وتعلق تحققه بإرادة أي طرف ينفي عنه شرط الاحتمالية، ويجعله في حكم المؤكد باعتبار أن المؤمن له سيسعى لتحقيقه بغية الحصول على التأمين، أو يجعله في حكم المستحيل باعتبار أن المؤمن سيبذل قصارى جهده حتى لا يتحقق هذا الخطر، وفي كلتا الحالتين سينتفي شرط الاحتمالية.
ثالثاً: صور الأخطار البحرية
بعيداً عن الخطر البحري الذي يشمله التأمين البحري بوجه عام، فإن المشرع الأردني قد أورد في الباب السابع منه بعض الحوادث البحرية، والتي عنونها تحت عنوان جعله هو مسمى الباب السابع، وهذا العنوان هو “الأخطار البحرية”، واعتبر أن تلك الحوادث تدخل في نطاق الأخطار البحرية باعتبارها حوادث تتوافر فيها شروط الخطر البحري، ويترتب على وقوعها أضرار بالأموال المتمثلة في البضائع المشحونة على السفينة أو في السفينة ذاتها، وهذه الحوادث أو الأخطار البحرية الثلاث هي التصادم البحري، والمساعدة والإنقاذ، والخسائر البحرية المشتركة، وأفرد المشرع الأردني لكل خطر منها فصل مستقل يوضح فيه أحكامه، وسوف نتناول هذه الأخطار البحرية في النقاط التالية.
1- التصادم البحري
أ- تعريفه
تعد التصادمات البحرية التي تقع للسفن خلال رحلاتها البحرية من أقدم صور الأخطار البحرية ظهوراً، ومن أكثرها انتشاراً ووقوعاً حتى وقتنا هذا، ولذلك فقد عني المشرع الأردني في تحديده بأنه من الأخطار البحرية التي يستطيع الشخص أن يؤمن ضدها على بضائعه التي ينقلها بحراً، أو على السفينة التي يستخدمها في النقل.
وفيما يخص المقصود بالتصادم البحري المعتبر خطراً من الأخطار البحرية، فسنجد أن المشرع الأردني لم يضع له تعريفاً مستقلاً، ولكنه تطرق مباشرة إلى تحديد أطرافه وحالات وقوعه، وذلك في نص المادة (236) من قانون التجارة البحرية الأردني المعدل، والتي نصت على أن (إذا وقع تصادم بين السفن البحرية أو بين السفن البحرية وسفن الملاحة الداخلية فإن التعويض من الضرر اللاحق بالسفن وما على متنها من أشياء وأشخاص يدفع وفقاً للأحكام التالية ….)، وبالتالي فإن المشرع قد ترك تعريف التصادم البحري للفقه القانوني.
وبالفعل لم يتوان فقهاء القانون عن وضع العديد من التعريفات للتصادم البحري، وكان من أبرز هده التعريفات أن التصادم البحري هو الاصطدام الذي يقع فيما بين سفينتين بحريتين، أو بين سفينة من السفن البحرية ومركب من مراكب الملاحة الداخلية، ولا يؤثر في ذلك وصف المياه التي وقع فيها هذا الاصطدام[6]، وأيضاً تعريفه بأنه الارتطام أو الاحتكاك الحاصل بين سفينتين، أو بين سفينة ومنشأة عائمة، بحيث ينتج عن ذلك الارتطام أو الاحتكاك أضراراً تصيب إحداهما أو كليهما[7].
وقد تعرضت اتفاقية بروكسل لتوحيد بعض أحكام التصادم البحري والمبرمة في 23/9/1910 لتعريف التصادم البحري، حيث عرفته في فقرتها الأولى بأنه الاصطدام الذي يقع بين سفينتين أو أكثر، أو بين سفينة ومركب من مراكب الملاحة الداخلية، وقد كانت تلك الاتفاقية هي من أرست التكييف القانوني لتصادم السفن مع الأرصفة البحرية، حيث أخذت في الاعتبار أن التصادم يعتبر تصادماً بحرياً حتى وإن كان هناك سفينة واحدة فقط في حادث التصادم.
ب- شروطه
من مجمل ما جاء بنص المادة (236) من قانون التجارة البحرية الأردني، يمكننا أن نتبين أن المشرع قد تطلب توافر شرطين رئيسيين في التصادم حتى يدخل تحت وصف التصادم البحري، ويمكننا أن نوجز هذين الشرطين فيما يلي:
1- الشرط الأول: أن يكون طرفي حادث التصادم هما سفينتين بحريتين، أو يكون أحدهما سفينة بحرية والآخر مركب من مراكب الملاحة الداخلية، ولا يؤثر في ذلك أغراض تلك السفن، فيستوي أن تكون قائمة بشن بضائع، أو بنقل ركاب، أو للتنزه، أو غيرها من الأغراض الأخرى.
2- الشرط الثاني: أن يكون هناك اصطداماً مادياً فعلياً قد وقع بالفعل بين طرفي حادث التصادم، فإن لم يقع هذا الاصطدام المادي، فإنه لا يعد ذلك اصطداماً بحرياً، كما لو تم تفادي الاصطدام في اللحظة الأخيرة، وتم تلافي حدوث الاصطدام المادي، وبالتالي لا يكون هناك حادث تصادم من الأصل.
ج- أنواعه
في إطار المواد من المادة (237) وصولاً إلى (240) من قانون التجارة البحرية الأردني، نجد أن المشرع قد حصر فيها الأنواع التي يظهر عليها ويتحقق فيها التصادم البحري، وسوف نوجز هذه الأنواع والصور في النقاط التالية:
- النوع الأول: التصادم الذي ينشأ نتيجة حادثة عرضية، ويقصد بذلك التصادم الذي يقع على الرغم من الاحتياطات المتخذة لتوقيه وتفاديه[8].
النوع الثاني: التصادم الذي ينشأ نتيجة قوة قاهرة تتسبب في حدوثه، وذلك متى كان طرفي التصادم قد اتخذا كافة الاحتياطات والمحاذير المعقولة والكافية لتفادي وقوعه، إلا أن القوة القاهرة كانت أقوى من أن يتم مواجهتها، كما هو الحال في تعرض السفينتين لعاصفة شديدة أدت لارتفاع الأمواج بشكل هائل، بما ينتج عنه الاصطدام بينهما.
النوع الثالث: التصادم الذي ينشأ عن أسباب لا يمكن سبر أغوارها، أي لا يمكن الوقوف بشكل محدد على السبب الذي نتج عنه حادث التصادم البحري، ويكون ذلك راجعاً لما يحيط بالحادث ذاته من ظروف تحول دون ذلك، كما لو كان هناك ضباب كثيف يحول دون بيان أي السفينتين يتحمل تبعة ذلك الحادث، وفي هذه الحالة تكون كل سفينة مسؤولة عما يصيبها من ضرر[9].
النوع الرابع: التصادم الذي ينشأ بسبب خطأ يرجع إلى سفينة من السفينتين المتصادمتين، وفي تلك الحالة تخضع السفينة التي ارتكبت الخطأ المسبب للحادث لأحكام الضمان، ويقع على عاتقها عبء تعويض السفينة الأخرى عن الأضرار الي مُنيت بها.
النوع الخامس: التصادم الذي ينشأ عن خطأ من جانب ربان السفينة، سواء كان الربان متعمداً في ارتكاب هذا الخطأ، أو كان نتيجة لرعونته وإهماله، وقد يتم إسناد هذا الخطأ لمالك السفينة أو المسؤول عن تجهيزها متى ثبت في حقه، وذلك كما لو ترك الربان يبحر بالسفينة على الرغم من عدم استكمال تجهيزها لرحلتها.
النوع السادس: التصادم الذي ينشأ بسبب خطأ مشترك بين السفينتين المتصادمتين، وهذا النوع من التصادم ينشأ في الحالة التي يكون سبب الحادث فيها عائداً للربانين في هاتين السفينتين، وفي تلك الحالة يقع على عاتق كلاً من السفينتين جزء من المسؤولية عن ذلك التصادم تعادل نسبة مشاركة خطئها في حدوث التصادم، وفي حالة صعوبة تحديد نسبة كل من السفينتين في الخطأ، فإنهما يتضامنان في المسؤولية والتعويض.
2- المساعدة والإنقاذ البحري
أ- تعريفها
يقصد بالمساعدة والإنقاذ في مجال العمل البحري هو تقديم العون من سفينة إلى نظيرتها التي تعاني من حالة تتسم بالخطورة، كما هو الحال في مساعدة سفينة توشك على الغرق، وإنقاذ ما على متنها من أشخاص وبضائع، وقد وضع المشرع الأردني تعريفاً للمساعدة والإنقاذ في نص المادة (248) من القانون، وذلك على أنه (كل عمل أو إسعاف أو إنقاذ تقوم به سفينة خدمة لسفينة أخرى تكون في خطر، وللأشياء الموجودة على متن هذه السفينة، ولأجرتها وأجرة نقل ركابها حتى في حال ترك بحارتها لها).
ب- حالاتها الإلزامية
ألزم المشرع الإماراتي السفن بتقديم المساعدة والإنقاذ بشكل إجباري في حالات محددة، بحيث لا يكون هناك مجالاً للاختيار بين تقديم المساعدة أو الامتناع عن تقديمها، بل يتم تقديمها بشكل فوري وإلزامي، وتتمثل تلك الحالات تحديداً في حالتين، فيما يلي بيانهما في القانون:
- الحالة الأولى: هي الحالة التي وردت على نحو إلزامي بنص المادة (242) من القانون، والتي تكون السفن ملزمة فيها بتقديم المساعدة والإنقاذ، وذلك متى كانت هي التي اصطدمت بتلك السفينة، وأدت إلى وضعها في تلك الحالة الخطرة، فإذا ما كان ذلك فإن ربان السفينة التي اصطدمت بأخرى ملزماً بأن يقدم المساعدة لتلك السفينة الأخرى.
الحالة الثانية: وهي الحالة التي قرر فيها القانون في مادته رقم (257) التزام ربان أي سفينة بتقديم مساعدته لأي شخص يراه في البحر ويكون تحت خطر الغرق، فألزمه بإنقاذ حياته، وجعل عقوبته جراء امتناعه عن تقديم المساعدة في تلك الحالة هي عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن شهر ولا تزيد عن سنتين، والغرامة التي لا تقل عن عشرة دنانير ولا تزيد عن ثلاثمائة دينار، أو بعقوبة منهما دون الأخرى.
ج- شروطها
تنحصر الشروط اللازم توافرها في المساعدة والإنقاذ البحري في شرطين رئيسيين وهما:
- الشرط الأول: أن تكون وصف الفينة منطبقاً على طرفي المساعدة والإنقاذ، وذلك بأن تكون من تقدم المساعدة هي سفينة، ومن تحصل على المساعدة هي سفينة، وبالتالي يخرج من نطاق المساعدة والإنقاذ البحري المساعدة التي تقدمها سفينة لمركب ملاحي يعمل في الملاحة الداخلية.
الشرط الثاني: أن تكون هناك حالة خطر قائمة تستلزم المساعدة والإنقاذ، كما هي الحالة التي تكون فيها السفينة تعاني من خطر الغرق[10]، ويعتبر الخطر المحتمل بمثابة الخطر الحال، فكلاهما يكفي لقيام حالة المساعدة والإنقاذ.
3- الخسائر البحرية المشتركة
أ- تعريفها
قرر المشرع في المادة (258) من قانون التجارة البحرية أن (الخسائر البحرية هي كل ما يطرأ أثناء الرحلة البحرية على السفينة أو الحمولة من أضرار أو هلاك وكذلك كل ما قد يدفع لتأمين سلامة الرحلة من نفقات استثنائية أو غير مألوفة).
وفي شرح هذا النوع من أنواع الأخطار البحرية نقول إنها تتمثل في شكل تضحية يتم تقديمها من قبل الربان حتى يتمكن من حماية السفينة وسلامتها بوجه عام، وباعتبار أن تلك التضحية تتم لسلامة السفينة عام، فإنها تضاف إلى عاتق كافة الأطراف، سواء الربان أو الناقل أو المرسل إليه أو غيرهم من الأطراف الذين تشملهم الرحلة البحرية.
ففي بعض الحالات قد تعاني السفينة من خطر الغرق للظروف الجوية الصعبة، ويقتضي ذلك تخفيف حمولتها بإلقاء بعض البضائع التي تنقلها في البحر، وذلك حتى يتمكن من إنقاذ السفينة وباقي البضائع المنقولة على متنها، فهنا تعد الخسائر البحرية مشتركة بين الأطراف.
ج- شروطها
قرر المشرع الأردني في نص المادة (262) من قانون التجارة البحرية جملة من الشروط اللازم توافرها في الخسائر البحرية المشتركة، ويمكننا أن نحصر تلك الشروط في أربعة شروط أساسية وهي:
- الشرط الأول: أن يكون هناك خطر بحري، وذلك لأن ما يقدمه الربان من تضحية تكون بهدف دفع الخطر الذي يحيق بالسفينة أو البضائع، ولا يلزم أن يكون إجمالي البضائع المشحونة على السفينة مهدداً بهذا الخطر، ولكن يعد كافياً التهديد الجزئي لجانب منها[11].
الشرط الثاني: أن تكون التضحية المقدمة من قبل الربان قد تمت بشكل اختياري، وأن يكون ربان السفينة هو من أصدر الأمر بتقديمها، أو يكون الأمر قد صدر من غير الربان، وأجاز الأخير هذا الأمر.
الشرط الثالث: أن تتم التضحية بهدف تحقيق مصلحة مشتركة، فلا تكون قد قدمت بهدف الإضرار بأي طرف من أطراف الرحلة البحرية، أو تم تقديمها دون داعي أو حاجة إلى تقديمها من حيث الأصل، ويعد الحفاظ على السلامة العامة للرحلة البحرية بمثابة تحقيقاً لهذا الشرط.
الشرط الرابع: أن تكون التضحية المقدمة معقولة من حيث المقدار، وأن تكون قد قدمت بشكل لا شطط فيه أو مبالغة، ويتم تحديد مدى معقولية التضحية استناداً إلى معيار الشخص المعتاد[12]، فلا تعد التضحية معقولة متى ضحى الربان بنصف البضائع المشحونة، متى كان كافياً أن يضحي بربعها فقط، أو أن يكون المقدار الذي تم التضحية به يزيد في قيمته عن الجزء المراد إنقاذه.
رابعاً: بعض أحكام محكمة التمييز ذات العلاقة
1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 779 لسنة 1985 والصادر بجلسة 5/1/1986 والمتضمن أنه (يبرم عقد التأمين لضمان حادث احتمالي يقع في المستقبل، وعليه فإن إبرام العقد بعد انتهاء الرحلة البحرية بوصول الباخرة إلى الميناء ، وكانت الأضرار المدعى بها قد حصلت اثناء تلك الرحلة البحرية وقبل رسو الباخرة، فيكون التأمين باطلا لانعدام محله لأن العقد قد ابرم بعد وقوع الخطر المشمول بالتامين، وتكون الدعوى سابقة لأوانها إذا كان التاريخ الذي حلت فيه المميزة محل المؤمن له واكتسابها لحق المطالبة وإقامة الدعوى بالمبلغ المدعى به هو تاريخ لاحق لإقامة الدعوى).
2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 2929 لسنة 2010 والصادر بجلسة 4/10/2011 والمتضمن أنه (الخطر البحري هو الخطر الذي يحدث خلال الملاحة البحرية أي في البحر، وطبيعة هذا الخطر هي التي أحلت وجود قواعد خاصة بالتأمين البحري تختلف عن القواعد الواردة في التأمين البري).
3- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 8147 لسنة 2018 والصادر بجلسة 24/3/2019 والمتضمن أنه (وعليه تكون الأخطار البحرية التي يشملها التأمين البحري هي تلك الأخطار التي تكون الملاحة أو عملية النقل البحري سبباً أو مكاناً لها، الأمر الذي يعطي المدعية الحق بمطالبة المدعى عليها بالتعويض عن الأضرار والتلف اللاحقة بالبضاعة المشحونة أثناء عملية النقل من ميناء الشحن وحتى ميناء التفريغ).
سادساً: الخاتمة
تعتبر الأخطار البحرية أحد أهم الموضوعات التي ينظمها قانون التجارة البحرية الأردني المعدل، وقد تناولها المشرع الأردني بشكل يستحق الإشادة، إلا أن لنا ملاحظة بسيطة نعتقد – في رأينا الخاص – أنها ستكمل لهذا القانون رونقه وتناسقه وما يتمتع به من تكامل، ألا وهي ضرورة وضع تعريف واضح ومستقل لكل من الأخطار البحرية والتصادم البحري، حيث أن قبلة الباحثين الأولى في البحث عن مغزى أو تعريف مصطلح قانوني ما تكون القوانين والتشريعات، وذلك قبل البحث حتى في آراء الفقهاء، وذلك لأن الاختلاف هو السمة الأكثر شيوعاً بين الآراء الفقهية التي تستهدف تعريف أي مصطلح قانوني، بينما الاستقرار والوضوح والثبات هو سمة المصطلحات القانونية التي يتناولها المشرع بالتعريف الصريح في نطاق قانون أو تشريع.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – محمد شريف عبد الرحمن – عقد التأمين – الطبعة الأولى – دار النهضة العربية – مصر – 2012 – ص 51.
[2] – لطيف كوماني – القانون البحري – الطبعة الثانية – دار الثقافة – الأردن – 2003 – ص 259.
[3] – طالب موسى – القانون البحري – الطبعة الأولى – دار الثقافة – الأردن – 2004 – ص 227.
[4] – مختار الهانسي – مقدمة في مبادئ التأمين بين الجوانب النظرية والأسس الرياضية – دار النهضة العربية – لبنان – 2000 – ص10.
[5] – يراجع البند رابعاً من هذا المقال – الحكم رقم (1).
[6] – مصطفى كمال طه – أساسيات القانون البحري: دراسة مقارنة – الطبعة الأولى – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان – 2006 – ص328.
[7] – أحمد حسني – الحوادث البحرية: التصادم والإنقاذ – منشأة المعارف – القاهرة – بدون عام نشر – ص16.
[8] – محمود سمير شرقاوي – الخطر في التأمين البحري – الدار القومية للطباعة – مصر – 1966 – ص334.
[9] – طالب موسى – المرجع السابق – ص188.
[10] – عادل مقدادي – القانون البحري – الطبعة الأولى – دار الثقافة – الأردن – 2002 – ص209.
[11] – عبد الحميد منشاوي – قانون التجارة البحرية في ضوء الفقه والقضاء – منشأة المعارف – مصر – 2005 – ص365.
[12] – حسن لصاصمة – تسوية الخسائر البحرية المشتركة في الفقه الإسلامي والقانون البحري: دراسة مقارنة – دار الخليج – الأردن – 2003 – ص69 وما بعدها.

