الطبيعة القانونية لعقد التأمين البحري

الطبيعة القانونية لعقد التأمين البحري

يعتبر عقد التأمين البحري من أهم العقود التي يتم إبرامها في معاملات التجارة البحرية، حيث أصبح يصنف هذا العقد في قائمة أهم الوثائق البحرية التي يقوم عليها نشاط التجارة البحرية، مما حدا بمشرعي القوانين إلى تنظيم التأمين البحري في القوانين البحرية، وإن كان ذلك لم يبدأ إلا في غضون عام 1906 بوضع المشرع الإنجليزي لأول تنظيم لعقد التأمين البحري، ثم تبعه في ذلك باقي مشرعي الدول الأخرى.

وعلى الرغم من الاتفاق على أهمية عقد التأمين البحري، إلا أن الاختلاف كان كبيراً حول فكرة تكييف هذا العقد وتحديد طبيعته القانونية، ويمكننا أن نعزي ذلك الاختلاف إلى تباين وتعدد الخصائص المميزة لعقد التأمين، فكان تكييف كل اتجاه من الاتجاهات المختلفة لعقد التأمين معتمداً على إحدى تلك الخصائص أو بعض منها، وهو ما ارتأينا معه أن يكون مقالنا اليوم منصباً على توضيح الطبيعة القانونية لعقد التأمين البحري.

أولاً: ماهية عقد التأمين البحري

ثانياً: السمات والخصائص التي يتسم بها عقد التأمين البحري

ثالثاً: التكييف القانوني لعقد التأمين البحري

رابعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

خامساً: الخاتمة

أولاً: ماهية عقد التأمين البحري

في البداية وقبل أن نتطرق إلى بيان الطبيعة القانونية لعقد التأمين البحري، يجب علينا أن نجيب عن تساؤل على درجة كبيرة من الأهمية، وهذا التساؤل قوامه: ما هو المقصود بعقد التأمين البحري؟

لكي نتعرف على عقد التأمين البحري بشكل واضح وجلي، فسوف نتناوله من جانب التعاريف الفقهية التي وضعت له، وأيضاً من جانب التعريف القانوني الذي وضعه له المشرع الأردني في قانون التجارة البحرية.

1- عقد التأمين البحري في نظر الفقه

وضع فقهاء القانون أكثر من تعريف لعقد التأمين البحري، حيث اتجه جانب من الفقه إلى تعريفه بأنه عقد يوافق بموجبه طرف يسمى المؤمن على أن يعوض لطرف ثان يسمى المؤمن له، وذلك نظير الهلاك الذي يلحق ماله المنقول خلال الرحلة البحرية الخاصة بنقل هذا المال، في مقابل أن يقوم المؤمن له بسداد قسط محدد بمبلغ معين لا يتعدى قيمة المال المنقول الذي حل به الهلاك.

وعرفه جانب آخر بأنه العقد الذي يتعهد فيه طرف يطلق عيه المؤمن بأن يعوض طرف آخر يسمى بالمؤمن له عن الخسائر البحرية التي تصيبه نتيجة أحد الأخطار البحرية، وذلك نظير مبلغ يسدد للمؤمن يسمى القسط.

كما عرف أيضاً بأنه العقد الذي بموجبه يتعهد المؤمن أنه وفي مقابل ما يسدده المستأمن من قسط سيقوم بتعويض الأخير أو من يكون له حق في الشيء المؤمن عليه – سواء كان سفينة أو أجرة أو بضائع – عما ينتج من أضرار نتيجة تحقق خطر من الأخطار البحرية المعينة، وذلك في إطار مدة زمنية معينة أو رحلة بحرية محددة[1].

2- عقد التأمين البحري في قانون التجارة البحرية الأردني

لم يخرج المشرع الأردني في تعريفه لعقد التأمين البحري عن الإطار العام الذي استقرت عليه التعريفات الفقهية المختلفة، وإن كان تعريفه له قد جاء أكثر وضوحاً كما سيتبين لنا عند مطالعة نص المادة (296) من قانون التجارة البحرية رقم 12 لسنة 1972 وتعديلاته، والتي عرفت عقد التأمين البحري على أنه (عقد يرضى بمقتضاه المؤمن له من الضرر اللاحق به في معرض رحلة بحرية عن هلاك حقيقي لقيمة ما مقابل دفع قسط، على أن لا يجاوز هذا التعويض قيمة الأشياء الهالكة).

مما يمكننا معه أن نتبين أن عقد التأمين البحري هو عقد يحكم العلاقة بين إما طرفين متى كان المؤمن له هو المستفيد، أو بين ثلاث أطراف متى كان المستفيد هو شخص آخر خلاف المؤمن له، وتدور هذه العلاقة في إطار التزامات تبادلية متقابلة، حيث يلتزم المؤمن له بسداد قسط التأمين، وفي مقابل ذلك يتعهد المؤمن بالتزامه بسداد قيمة التأمين المتفق عليه للمؤمن له أو المستفيد حسب الاتفاق، وذلك في حالة حدوث الخطر المؤمن ضده.

ثانياً: السمات والخصائص التي يتسم بها عقد التأمين البحري

كما سبق وأن نوهنا سلفاً أن الخلاف بين الآراء الفقهية حول تحديد الطبيعة القانونية لعقد التأمين البحري يعزى إلى اختلاف وتباين وتعدد الخصائص والسمات التي يتسم بها هذا العقد، ووفقاً للخاصية المؤثرة على وجهة نظر أنصار كل رأي، لذلك كان لزاماً علينا أن نوضح ماهية هذه السمات والخصائص، وسنتعرض لكل منها بشكل مستقل تباعاً في هذا القسم من المقال.

1- عقد التأمين البحري من العقود الرضائية

يقصد بالعقد الرضائي العقد الذي يتم انعقاده وإبرامه فور التقاء وتطابق الإيجاب مع القبول[2]، وعقد التأمين البحري لا يستلزم فيه القانون شكل معين لانعقاده، ولكنه يعد قائماً ومتحققاً متى التقى الإيجاب والقبول المتطابقين لطرفيه.

ولا ينال ذلك مما نصت عليه المادة رقم (298) تجارة بحرية، والتي جاء في مستهلها أن (ينظم عقد التأمين خطياً وعلى نسختين أصليتين …)، حيث أن الكتابة التي نصت عليه هذه المادة ليست شرطاً للإبرام والانعقاد ولكنها تعد شرطاً للإثبات، لاسيما وأن عقود التأمين تتضمن على جانب آخر من الاشتراطات التي لا يوجد سبيل يمكن من خلاله حصرها وإثباتها إلا إذا تم ذكرها كتابة في وثيقة التأمين، والتي يقوم المؤمن بإصدارها للمؤمن له بعد إبرام عقد التأمين.

وقد أكدت ذلك محكمة التمييز الأردنية في أحكامها المتواترة، حيث اعتبرت أن إثبات وجود عقد التأمين عن طريق الوثيقة التي يقم المؤمن بإصدارها هو أمر يتوافق مع القانون، ويعد دليلاً كافياً على وجود عقد التأمين[3].

2- عقد التأمين البحري من العقود الملزمة للجانبين

عقد التأمين هو عقد يترتب على إبرامه بين المؤمن والمؤمن له نشوء التزامات متقابلة في ذمة كل منهما قبل الآخر، وهذه الخاصية لا تتميز بها إلا العقود الملزمة للجانبين.

ففي عقد التأمين يكون المؤمن له ملتزما بسداد القسط أو الأقساط الخاصة بالتأمين طبقاً لما هو متفق عليه في عقد التأمين، ويستحق عليه القسط منذ إبرام عقد التأمين، بينما يقع على عاتق المؤمن في المقابل التزاماً بأن يسدد قيمة التأمين المحدد بالعقد، ويستحق عليه هذا المبلغ متى تحقق الخطر المؤمن منه، وهو ما يمكننا معه أن نتبين الاختلاف بين التزامي المؤمن والمؤمن له، فالأخير التزامه محقق ومستحق منذ إبرام العقد، بينما التزام المؤمن هو التزام احتمالي يتوقف استحقاقه على تحقق الخطر.

وهو ما ننتهي معه إلى أن كل من طرفي عقد التأمين يحمل صفة الدائن والمدين في ذات الوقت، بحيث يكون المؤمن دائناً بالقسط ومديناً بقيمة التأمين، في حين يكون المؤمن له مديناً بالقسط ودائناً بقيمة مبلغ التأمين حال تحقق الخطر المؤمن منه.

وقد يتبادر إلى أذهان البعض تساؤلاً يخص هذه السمة من سمات عقد التأمين، وهذا التساؤل قوامه أنه متى لم يتحقق المؤمن منه فإن المؤمن يتحلل من التزامه بسداد قيمة التأمين، أفلا ينال ذلك من صفة التبادل في الالتزامات التي يجب أن تتوافر في العقود الملزمة للجانبين؟

والإجابة على هذا التساؤل أن عدم قيام المؤمن بسداد مبلغ التأمين لعدم تحقق الخطر المؤمن منه لا ينال بأي حال من الأحوال بتلك الصفة، فهو يظل عقداً ملزماً للجانبين في هذه الخالة أيضاً، لاسيما أن المناط في تحديد كون العقد ملزم للجانبين أم لا هو وقت انعقاده، فالالتزامات المقصودة في تحديد مدى إلزامية العقد لطرفيه هي الالتزامات التعاقدية التي يتم إثباتها في العقد عند قيام طرفيه بتحريره والتوقيع عليه، وليست الالتزامات التي يتم تنفيذها بالفعل أثناء سريان العقد وتنفيذه، ويكون التزام المؤمن في حالة عدم تحقق الخطر المؤمن منه هو ضمانته التي قدمها للمؤمن له، وما كفله له من طمأنينة خلال مدة عملية النقل البحري.

3- عقد التأمين البحري من عقود المعاوضة

عقد المعاوضة هو العقد الذي يحصل فيه كل طرف من طرفي التعاقد على مقابل نظير ما يقوم بتقديمه للطرف الآخر، كما هو الحال في عقود البيع التي يقدم فيها المشتري الثمن نظير حصوله على ملكية الشيء المبيع، بينما يقدم البائع ملكيته للشيء المبيع نظير حصوله على الثمن.

وهو أيضاً الأمر ذاته بالنسبة لعقد التأمين البحري، حيث يقدم المؤمن له أقساط التأمين نظير حصوله على قيمة التأمين عند تحقق الخطر البحري المؤمن منه، كما يقدم المؤمن له مبلغ التأمين مقابل ما يحصل عليه من أقساط.

وفي حالة عدم تحقق الخطر المؤمن منه تتحقق تقدمة المؤمن فيما يقدمه من أمن واطمئنان للمؤمن له على محل التأمين خلال الرحلة البحرية، حيث أن عدم وقوع الخطر الذي تم التأمين منه لا يسقط عن عقد التأمين البحري الصفة التعويضية، وهو ما يخرج عقود التأمين البحري من إطار عقود التبرع، وذلك لكون طرفيه من حال المبتدأ لا يحمل أيهما نية التبرع عند إبرام هذا العقد.

ومن أهم النتائج المترتبة على هذه الخاصية أن عقود التأمين البحري باعتبارها ضمن عقود المعاوضة أن هذه العقود لا ترد سوى على الأموال فقط، فلا ينعقد على الأفراد أو حياتهم، بل يقتصر فقط على البضائع المنقولة على السفن، أو ينصب على السفينة ذاتها.

4- عقد التأمين البحري من العقود الزمنية

العقود الزمنية والتي يسميها البعض بالعقود المستمرة والبعض الآخر يسميها بالعقود الممتدة، وهي جميعها تسميات تصدق على العقود التي يتم تنفيذ ما تتضمنه من التزامات في صورة أداءات دورية أو مستمرة، أي أن يكون الزمن هو أحد العوامل التي تؤثر بشكل مباشر في تكوين العقد وتنفيذ ما ينشأ عنه من التزامات[4].

ويعد عقد التأمين البحري عقداً زمنياً باعتبار أن الزمن يمثل عنصراً أساسياً فيه، فهو عقد يتم إبرامه لمدة محددة من الزمن، وهذه المدة قد يتم تحديدها بالزمن الذي تستغرقه رحلة بحرية، أو بزمن محدد يبدأ من تاريخ معين وينتهي في تاريخ معين، إلا أنه في الحالتين يكون الزمن له تأثير واضح على العقد.

ويترتب على تمتع عقد التأمين البحري بهذه الخاصية أكثر من نتيجة هامة، منها على سبيل المثال أن عقد التأمين متى قضي بفسخه فإن هذا الفسخ لا ينتج عنه أي أثر رجعي، لاسيما وأن العقود الزمنية أو المستمرة لا يكون هناك إمكانية متى تم فسخها أن يعاد الحال إلى ما كان عليه قبل إبرام العقد، فتكون آثار الفسخ قائمة منذ تاريخه فقط دون الفترة السابقة عليه، فيعد العقد منقسماً إلى قسمين، القسم الأول هو القسم الواقع قبل تاريخ الفسخ، وهذا القسم تنحسر عنه آثار الفسخ ولا تمتد إليه، بينما القسم الثاني والذي يقع بعد تاريخ الفسخ يكون هو الخاضع لكافة الآثار المترتبة على الفسخ، وبالتالي فإن فسخ عقد التأمين لا يترتب عليه أي استرداد لما تم سداده من أقساط تأمينية عن الفترة السابقة على الفسخ، وذلك لأن ما تقاضاه مقابلها المؤمن له من اطمئنان على بضائعه لن يتمكن من رده، وبالتالي يكون ما سدده من أقساط هو مقابل لما تحصل عليه من اطمئنان عن تلك الفترة.

5- عقد التأمين البحري من عقود الإذعان

لم يعرف المشرع الأردني عقد الإذعان بتعريف مستقل، ولكنه اقتصر على بيان تعريف القبول في عقود الإذعان، وذلك بنص المادة (104) من القانون المدني التي تضمنت أن (القبول في عقود الإذعان يقتصر على مجرد التسليم بشروط مقررة يضعها الموجب ولا يقبل المناقشة فيها).

وقد تكفل الفقه القانوني بتعريف عقود الإذعان بأكثر من تعريف، كان أبرزها وأكثرها وضوحاً هو تعريفها بأنها العقود التي يسلم فيها القابل بالشروط التي يقررها ويضعها الموجب، ولا يكون هناك أي مجال لوجود نقاش حول تلك الشروط، ويكون ذلك في العقود التي تتعلق بمنتجات أو خدمات أساسية وضرورية لحياة الإنسان لا غنى له عنها، ويكون هناك احتكار قانوني أو فعلي لها من قبل الموجب، أو تكون منافسته فيها بهي منافسة ضئيلة ومحدودة للغاية[5].

ويعتبر عقد التأمين بوجه عام والتأمين البحري بوجه خاص من عقود الإذعان، ويتضح ذلك من الصورة التي يصدر عليها وثائق التأمين، والتي تكون عبارة عن نموذج مطبوع ومجهز بشكل مسبق وعام للجميع، بمعنى أن أي شخص يتقدم للتأمين لدى هذا المؤمن، فإنه يقابل بنسخة من تلك الوثيقة دون تغيير أو تعديل فيما هو وارد بها من بنود، بحيث تكون غالباً البنود المتعلقة ببيانات المؤمن له والمستفيد – إن وجد – وقيمة قسط وإجمالي التأمين ومحل التأمين ومدة التأمين هي التي يتم إضافتها فقط لوثيقة التأمين، حيث تعد تلك البيانات مرتبطة بمتغيرات وظروف كل عملية تأمين، في حين تكون باقي البنود الأخرى بوثيقة التأمين ثابتة دون إمكانية لتعديلها أو تغييرها، وهي الخاصة بتحديد الهيكل العام للمسؤولية، والتزامات طرفي علاقة التأمين وتنظيم هذه العلاقة، وغيرها من الأساسيات الأخرى لعقد التأمين.

ولا تتنافى هذه الخاصية أو تتعارض مع كون عقد التأمين هو عقد من العقود الرضائية، بل هي في حقيقتها تؤكدها وتثبتها، فعلى الرغم من أن عقد التأمين يمثل عقد إذعان، إلا أن المؤمن له يحق له قبول العقد أو رفضه، فهو غير مجبر على الوقيع عليه أو إبرامه مع المؤمن متى لم يجد في بنودها المطبوعة ما يتناسب مع احتياجاته ورغباته، فيمكنه التوجه إلى مؤمن آخر للتأمين لديه، متى وجد لديه وثيقة تأمين تحمل شروطاً وتنظيماً أفضل.

وضماناً من المشرع الأردني لتحقيق التوازن في الالتزامات العقدية، وتقديراً منه لضعف موقف الطرف المؤمن له في العقد في مواجهة الطرف الأقوى وهو المؤمن، فقد قرر في نص المادة (204) من قانون التجارة البحرية أحقية المحكمة في تعديل شروط عقد التأمين أو إعفائها منها متى تبين لها وجود تعسف في تلك الشروط من قبل المؤمن، فجعل الرقابة على مدى إجحاف تلك الشروط بحق المؤمن له من سلطة المحكمة، وقرر البطلان لأي اتفاق يتم بالمخالفة لذلك.

6- عقد التأمين البحري من العقود الاحتمالية

العقود الاحتمالية هي العقود التي تسمى أيضاً بمسمى “عقود الغرر”، وهي العقود التي لا تتحدد فيها أداءات كل طرف بشكل دقيق عند التعاقد، بحيث يكون أداء كل طرف من المتعاقدين متوقفاً في تحديد وجوده ومقداره على أمر مستقبلي يحتمل وقوعه ولكن بشكل غير مؤكد، فلا يكون كلاً منهما على علم بمقدار ما سيقدمه للمتعاقد الآخر عند التوقيع على العقد، بل يتكشف ذلك في المستقبل متى وقعت أحداث محددة تتصف باحتمالية وقوعها.

وتعد تلك الخاصية هي أحد أهم الخصائص التي يتسم بها عقد التأمين عموماً والتأمين البحري على وجه الخصوص، حيث أن الاحتمالية هي محور التزام المؤمن، لاسيما وأن التزامه الأساسي هو ضمان أي ضرر ينشأ عن الخطر المؤمن منه، وبالتالي يرتبط أداء المؤمن لالتزامه باحتمالية وقوع الخطر المؤمن منه، بحيث لو تحققت احتمالية وقوعه يلتزم المؤمن بأداء قيمة التعويض للمؤمن له، أما إذا لم تتحقق تلك الاحتمالية ومرت الرحلة البحرية بسلام دون وقوع أياً من الأخطار المؤمن منها، فإن المؤمن لا يصبح ملتزماً بأداء هذا للالتزام.

كما أن عقد التأمين – مثله في ذلك مثل سائر العقود الاحتمالية – لا يمكن لأياً من طرفيه أن يحدد ما إذا كان سيمنى بمكسب أم بخسارة من جراء إبرامه، فالمؤمن على سبيل المثال لا يكون على دراية عند إبرامه لعقد التأمين ما إذا كان الأمر سينتهي بخسائر تتمثل في سداده لقيمة التأمين إذا وقع الضرر، أم سيحقق أرباح تتمثل فيما تقاضاه من أقساط تأمين متى انتهت الرحلة البحرية دون تحقق الخطر المؤمن منه.

ويترتب على ذلك أن التأمين دائماً ما يكون ضد خطر احتمالي، فالخطر في عمليات التأمين دائماً ما يكون محتما الوقوع، وبالتالي لا يجوز التأمين ضد الخطر القائم أو المؤكد الوقوع، كما لا يجوز التأمين ضد الخطر الذي يستحيل وقوعه أو تحققه، ولعل التطبيق العملي لذلك هو ما نصت عليه المادة (321) من قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972 من أن (كل عقد تأمين أنشئ بعد هلاك الأشياء المؤمنة أو بعد وصولها يكون باطلاً …..)، حيث رتب على إبرام عقد التأمين ضد خطر تحقق بالفعل بطلان العقد كجزاء لذلك، ولكنه اشترط في ذات المادة لقيام هذا البطلان أن يكون علم المؤمن له قد اتصل بتحقق الخطر ووقوعه قبل إصداره الأمر بالتأمين، أو أن يكون علم المؤمن قد اتصل بتحقق الخطر ووقوعه قبل أن يوقع على عقد التأمين.

7- عقد التأمين البحري من العقود التجارية

يستمد عقد التأمين البحري خاصية كونه عقداً تجارياً من نص قانوني صريح أسبغ عليه الصفة التجارية، ونقصد بذلك نص المادة (6/1/ط) من قانون التجارة الأردني رقم 12 لسنة 1966 وتعديلاته، والتي نصت على أن (1- تعد الأعمال التالية بحكم ماهيتها الذاتية أعمالاً تجارية برية: ……. ط- التأمين بأنواعه).

ولا ينال من ذلك ما ورد بمستهل نص هذه المادة من أن تلك الأعمال تعد أعمالاً تجارية برية، حيث أن المشرع أسبغ الصفة التجارية على عمليات التأمين بوجه عام، والدلالة على ذلك من لفظ “بأنواعه” الذي اقترن بكلمة التأمين، وبالتالي فإن التأمين البحري يعد من الأعمال التجارية البحرية، وهو بدوره ما يجعل عقد التأمين عقداً تجارياً، لاسيما وأن القانون قد ألزم شركات التأمين التي تعمل في مجال التأمين أن تتخذ شكل قانوني ممثل في شركة من شركات المساهمة العامة، والتي يصدق عليها وصف التاجر.

ويعد عقد التأمين تجرياً دائماً بالنسبة للطرف المؤمن، في حين يختلف تحيد طبيعته بالنسبة للمؤمن له تبعاً للسبب الذي أنشأ من أجله هذا العقد، فإذا كان السبب أو الغرض منه بالنسبة للمؤمن له تجارياً فإنه يأخذ الصفة التجارية، أما إذا كان لسبب أو بغرض مدني فإنه يعد عقداً مدنياً.

ثالثاً: التكييف القانوني لعقد التأمين البحري

بعد أن تعرضنا في البند السابق إلى سمات وخصائص عقد التأمين البحري، فإننا وبناء على ذلك سنوضح الطبيعة القانونية لهذا العقد، وتعتبر الطبيعة القانونية لأي عقد هي خلاصة التكييف القانوني له، والذي ينبني بشكل كامل على الصفات والخصائص والسمات القانونية التي يتسم بها هذا العقد.

مما يمكننا معه القول إن الطبيعة القانونية لعقد التأمين البحري هي مجمل هذه الخصائص والسمات، فهو عقد تجاري دائماً بالنسبة لطرفه المؤمن، بينما يعد تجارياً أو مدنياً بالنسبة للمؤمن له طبقاً للسبب والغرض من إبرامه، وهو ما يمكننا معه القول إنه إما أن يكون عقداً تجارياً خالصاً – أي تجارياً لكلاً من طرفيه – أو مختلطاً – أي تجارياً بالنسبة لطرف ومدني بالنسبة للآخر – ولكنه دائماً تجارياً في حق المؤمن.

كما أنه يعد عقد إذعان مستمر، يغلب عليه الطابع التعويضي لكونه من العقود التي تهدف لتعويض ما يصيب المؤمن له من أضرار خلال الرحلة البحرية، ولكنه عقد تحكمه قاعدة رئيسية تتمثل في أن التعويض يتناسب مع الأضرار المتحققة، فلا تتجاوزها وإلا أصبح عقد التأمين سبباً في إثراء المؤمن له، وهو ما يتنافى مع الصفة التعويضية لعقد التأمين البحري.

والخلاصة في شأن الطبيعة القانونية لعقود التأمين البحري إنها عقود مسماة، لكون المشرع قد اختصها بتنظيم خاص بها وحدها دون غيرها من سائر العقود الأخرى.

رابعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 106 لسنة 1986، والصادر بجلسة 23/2/1987 والمتضمن أن (احتجاج المؤمن له بشهادة التأمين التي تصدرها شركة التأمين للدلالة على وقوع التأمين على إخطار النقل البحري على بضائع المؤمن له يكفي لإثبات عقد التأمين).

2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 629 لسنة 1986، والصادر بجلسة 13/10/1986 والمتضمن أن (إن المادتين 296، 298 من قانون التجارة البحرية تشترطان لانعقاد التامين البحري أن يرد على ضرر محتمل من أخطار في معرض رحلة بحرية، إلا ان المادة 321 من قانون التجارة البحرية تشترط لبطلان عقد التامين الذي ينشئه العاقدان بعد وقوع الضرر او بعد وصول البضاعة ثبوت علم المؤمن له بالهلاك او الوصول قبل اصداره الامر بالتامين او ثبوت علم المؤمن بذلك قبل توقيع عقد التامين، وعلى ذلك فإن مجرد وقوع التامين بعد وصول البضاعة او هلاكها لا يكفي وحده سببا لبطلان عقد التامين بل لا بد من ثبوت علم أحد العاقدين على النحو المبين في المادة 321 من قانون التجارة البحرية).

خامساً: الخاتمة

يصدق على مجمل خصائص وسمات عقد التأمين البحري مسمى الطبيعة القانونية لهذا العقد، وذلك لأن المقصود بالطبيعة القانونية للعقد هو الوصف القانوني الذي يسبغه القانون عليه، وبالرجوع لما تم استعراضه من خصائص لعقد التأمين البحري سنجد أننا قد عددنا طوائف العقود المختلفة، والتي يدخل تحت طائلتها هذا العقد، فيمكن وصفه بأي منها كطبيعة قانونية له، كأن يقال إن الطبيعة القانونية لعقد التأمين البحري هو أنه عقد معاوضة، أو أنه عقد احتمالي، أو أنه عقد إذعان، أو غيرها من الصفات الأخرى، ولكن في الأصل تعد عقود التأمين هي عقود مسماة اختصها المشرع بتنظيم خاص بها

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – سمير محمود الشرقاوي – الخطر في التأمين البحري – الدار القومية للطباعة والنشر – مصر – 1966 – ص 4 وما بعدها.

[2] – عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني الجديد: عقود الغرر وعقد التأمين – مجلد (7) – دار الثقافة – مصر – بدون عام نشر – ص1139.

[3] – يراجع البند رابعاً من هذا المقال – الحكم رقم (1).

[4] – محمد حسام لطفي – الأحكام العامة لعقد التأمين – دار الثقافة – مصر – 1988 – ص 124.

[5] – عبد المنعم الصدة – محاضرات في القانون المدني: نظرية العقد في قوانين البلاد العربية – معهد الدراسات العربية العالمية – جامعة الدول العربية – مصر – ج1 – 1958 – ص91.

Scroll to Top