القانون الأصلح للمتهم

القانون الأصلح للمتهم في القانون الأردني

من القواعد القانونية المتعارف عليها قاعدة عدم رجعية قانون العقوبات إذ تعني تطبيق القانون على الوقائع التي تحدث في ظله وأثناء سريانه، غير أن المشرع الأردني استثنى من هذه القاعدة ما يُعرف بالأثر الرجعي للقانون الأصلح للمتهم، أي تطبيقه على وقائع تمت قبل صدوره، وذلك في الحالات التي يكون فيها تطبيق القانون الجديد يجعل المتهم في وضع أفضل من السابق، ويعود تقدير هذا القانون إلى القاضي استنادًا لنص القانون وليس للمتهم، فالقانون الأصلح للمتهم هو الذي يرفع عن الفعل صفة التجريم، أو يخفف من العقوبة المفروضة على الفعل في ظل القانون القديم، وفي هذه الحالة تبقى الصفة الجرمية على الفعل، ولكن يتم تخفيف العقوبة وفقًا لما وردَّ في القانون الأصلح؛ لذا سوف نتناول في هذا المقال ما يتعلق بالقانون الأصلح للمتهم باعتباره ضابطًا من ضوابط الشرعية القانونية، وضمانة مستقلة من ضمانات الحماية الجنائية لحقوق المتهم، وذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:

أولًا: مفهوم القانون الأصلح للمتهم في القانون الأردني

ثانيًا: أساس تطبيق القانون الأصلح للمتهم في المواثيق الدولية والقوانين العقابية

ثالثًا: خصائص القانون الأصلح للمتهم

رابعًا: الطبيعة القانونية للقانون الأصلح للمتهم

خامسًا: مبررات تطبيق القانون الأصلح للمتهم في القانون الأردني

سادسًا: ماهية الضوابط التي يجب مراعاتها عند تطبيق القانون الأصلح للمتهم

سابعًا: شروط تطبيق القانون الأصلح للمتهم في القانون الأردني

ثامنًا: صور تطبيق القانون الأصلح للمتهم في القانون الأردني

تاسعًا: السوابق القضائية المتعلقة بالقانون الأصلح للمتهم في القانون الأردني

وسوف نقدم شرح تفصيلي لكلًا من العناصر الرئيسية الآتية:

أولًا: مفهوم القانون الأصلح للمتهم في القانون الأردني

لم يرد في القوانين الوضعية تعريف صريح للقانون الأصلح للمتهم، وترك المشرع تعريفه لفقهاء القانون، ومن ضمن من صدر عنهم تعريف القانون الأصلح للمتهم محكمة النقض المصرية، إذ عرفته في أحد الأحكام الصادرة عنها على أنه: “القانون الذي يُنشأ للمتهم مركزًا أو وضعًا يكون أصلح له من القانون القديم”.

ومن الفقهاء من يُعرف القانون الأصلح للمتهم على أنه: “القانون الذي يُطبق على الأفعال التي ارتكبت قبل نفاذه، ويعني ذلك استبعاد النص الذي كان معمولًا به وقت ارتكابها، واستفادة المدعى عليه من النص الأصلح له”([1])

ثانيًا: أساس تطبيق القانون الأصلح للمتهم في المواثيق الدولية والقوانين العقابية

يستمد القانون الأصلح للمتهم وجوده من العديد من المواثيق الدولية، والقوانين العقابية، وذلك على النحو الآتي:

1.    أساس تطبيق القانون الأصلح للمتهم في المواثيق الدولية:

يستمد القانون الأصلح للمتهم وجوده من المواثيق الدولية الآتية:

أ. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

لم ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على قاعدة القانون الأصلح للمتهم صراحةً، ولكن نص على أنه لا يجوز فرض أية عقوبة تكون أشد من تلك التي كانت سارية المفعول وقت ارتكاب الجريمة، ويعني ذلك أنه إذا كانت العقوبة المقررة أخف تطبق، وذلك وفقًا لنص (المادة ١١) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه: ” لا يدان أي فرد بأية جريمة بسبب فعل، أو امتناع عن فعل لم يكن وقت ارتكابه يشكل جريمة بمقتضى القانون الوطني أو الدولي، كما لا يجوز فرض أية عقوبة تكون أشد من تلك التي كانت سارية المفعول في الوقت الذي ارتكبت فيه الجريمة”.

ب. الميثاق العربي لحقوق الإنسان:

لقد نصت (المادة ١٥) من الميثاق العربي لحقوق الإنسان على أنه: “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص تشريعي سابق، ويطبق في جميع الأحوال القانون الأصلح للمتهم”.

ج. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية:

لقد نصت (المادة ١٥) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه: “لا يدان أي فرد بأية جريمة بسبب فعل، أو امتناع عن فعل لم يكن وقت ارتكابه يشكل جريمة بمقتضى القانون الوطني، أو الدولي، كما لا يجوز فرض أية عقوبة تكون اشد من تلك التي كانت سارية المفعول في الوقت الذي ارتكبت فيه الجريمة، وإذا حدث بعد ارتكاب الجريمة إن صدر قانون ينص على عقوبة أخف، وجب أن يستفيد مرتكب الجريمة من هذا التخفيف”.

2.    أساس تطبيق القانون الأصلح للمتهم في القوانين العقابية:

هناك العديد من القوانين العقابية التي يمكن الاستناد إليها عند تطبيق قاعدة القانون الأصلح للمتهم، وذلك على النحو الآتي:

أ. قانون العقوبات المصري:

لقد نصت (المادة ٥) من قانون العقوبات المصري على أنه: “يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها، ومع هذا إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائيًا قانون أصلح للمتهم، فهو الذي يتبع دون غيره، وإذا صدر قانون بعد حكم نهائي يجعل الفعل الذي حكم على المجرم من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم، وتنتهي آثاره الجنائية، غير أنه في حالة قيام إجراءات الدعوى، أو صدور حكم بالإدانة فيها وكان ذلك عن فعل وقع مخالفًا لقانون ينهي عن ارتكابه في فترة محددة؛ فإن انتهاء هذه الفترة لا يحول دون السير في الدعوى، أو تنفيذ العقوبات المحكوم بها”.

ب. قانون العقوبات العراقي:

لقد نصت (المادة ٢) من قانون العقوبات العراقي على أنه: “1-يسري على الجرائم القانون النافذ وقت ارتكابها، ويرجع في تحديد وقت ارتكاب الجريمة إلى الوقت الذي تمت فيه أفعال تنفيذها دون النظر إلى وقت تحقق نتيجتها.

٢- على أنه إذا صدر قانون، أو أكثر بعد ارتكاب الجريمة، قبل أن يصبح الحكم الصادر فيها نهائيًا؛ فيطبق القانون الأصلح للمتهم.

٣- وإذا صدر بعد صيرورة الحكم نهائيًا قانون يجعل الفعل، أو الامتناع الذي حكم على المتهم من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم، وتنتهي آثاره الجزائية ولا يمس هذا بأي حال ما سبق تنفيذه من العقوبات ما لم ينص القانون الجديد على خلاف ذلك، وعلى المحكمة التي أصدرت الحكم ابتداءً أن تقرر وقف تنفيذ الحكم بناء على طلب من المحكوم عليه، أو الادعاء العام.

٤- أما إذا جاء القانون الجديد مخففًا للعقوبة فحسب جاز للمحكمة التي أصدرت الحكم ابتداءً إعادة النظر في العقوبة المحكوم بها على ضوء أحكام القانون الجديد، وذلك بناء على طلب المحكوم عليه، أو الادعاء العام”.

ج. قانون العقوبات الكويتي:

لقد نصت (المادة 15) من قانون العقوبات الكويتي على أنه: “إذا صدر بعد ارتكاب الفعل وقبل أن يحكم فيه نهائيًا قانون أصلح للمتهم، وجب تطبيق هذا القانون دون غيره، مع ذلك إذا صدر بعد الحكم النهائي قانون يجعل الفعل غير معاقب عليه إطلاقًا، وجب تطبيق هذا القانون واعتبار الحكم كأن لم يكن”.

ثالثًا: خصائص القانون الأصلح للمتهم

تتميز قاعدة القانون الأصلح للمتهم بعدة خصائص، وذلك على النحو الآتي:

١. يُعد القانون الأصلح للمتهم قاعدة قانونية تمتاز بالشرعية إذ نص عليها المشرع بنصوص صريحة، وواضحة مبينًا شروطها وأحكامها.

٢ـ القانون الأصلح للمتهم لا يمس الحقوق الشخصية، بل يتحدد نطاقه بالآثار الجنائية للفعل المرتكب، أما الآثار المادية فهي أمور تتعلق بالحقوق الشخصية للغير، فالمدعي المدني يحق له مراجعة المحكمة المدنية للمطالبة بالتعويض بالرغم من صدور قانون جديد يبيح الفعل المرتكب.

٣. القانون الأصلح للمتهم يُعد قاعدةً قانونيةً لها ما يُميزها عن غيرها من القواعد القانونية من حيث أساسها القانوني، وشروطها، وفلسفتها، ونطاق تطبيقها.

٤. القانون الأصلح للمتهم ضمانة مستقلة ومهمة من ضمانات الحماية الجنائية لحقوق الإنسان، فللمتهم الحق في الاستفادة من القانون الجديد الأصلح له، بشأن الأفعال التي جرمها قانون، وأحلها قانون جديد، أو خفف عقوبتها، كما أنه ليس من المصلحة في شيء التمسك بجريمة أو عقوبة قرر المشرع صراحةً عدوله عنها بواسطة القانون الجديد.

٥. قاعدة القانون الأصلح للمتهم خاصة بالنصوص العقابية الموضوعية التي ترتبط بمبدأ قانونية الجرائم والعقوبات، ولا علاقة لها بالنصوص الإجرائية الشكلية التي لا شأن لها بالتجريم والعقاب.

٦. “القانون الأصلح للمتهم يستند على فكرتين المصلحة الاجتماعية والعدالة، فمن منظور المصلحة الاجتماعية فالعقوبة إذا لم تفتضيها ضرورات المصلحة الاجتماعية، فليس هناك ما يبرر توقيعها، وبذلك فإن صدور قانون جديد يبيح فعلًا كان مجرمًا، أو يخفف عقوبة يُعد اعترافًا من جانب المشرع بعدم جدواها، أو زيادتها، ومن ثمَّ لا نجد نفعًا من الإصرار على تجريم فعل قرر المشرع إباحته، أو تطبيق عقوبة معينة قرر تخفيفها، أما من منظور العدالة، فلا شك أن للمتهم حقًا في أن يستفيد بالوضع الأفضل الذي منحه القانون الجديد له، ولاسيما أن الدعوى المقامة ضده لم يفصل فيها بحكم نهائي”([2]).

رابعًا: الطبيعة القانونية للقانون الأصلح للمتهم

يتميز القانون الأصلح للمتهم بطبيعة قانونية خاصة به، تميزه عن غيره من الأنظمة القانونية الأخرى، ولكن اختلقت آراء الفقهاء حول الطبيعية القانونية للقانون الاصلح للمتهم، فذهب رأي من الفقه إلى أن القانون الأصلح للمتهم لا يُعد مبدأ مستقل بذاته؛ وإنما هو استثناءٌ على مبدأ عدم رجعية القانون، حيث إن الأصل هو عدم رجعية القانون، والاستثناء هو رجعية القانون الأصلح للمتهم.

واتجه رأي آخر إلى أن القانون الأصلح للمتهم مبدأ مستقل بذاته، وليس استثناءً من مبدأ عدم رجعية القانون العقابي، وإنما يُعد القانون الأصلح للمتهم قاعدةً تتميز عن قاعدة عدم رجعية القانون، سواء من حيث نطاق تطبيقها، والأساس القانوني الذي تستمد منه، ولكن يهدف كلًا منهما إلى حماية حقوق الإنسان، ونحن مع هذا الرأي.

خامسًا: مبررات تطبيق القانون الأصلح للمتهم في القانون الأردني

هناك مبررات عديدة تم الاستناد إليها من أجل تطبيق القانون الأصلح للمتهم، منهما اعتبارات العدالة، واعتبارات تعود لمصلحة المجتمع، وبعضها اعتبارات تعود لمصلحة المتهم، وذلك على النحو الآتي:

1.    مبررات العدالة:

إن اعتبارات العدالة من أهم الأهداف التي يسعى القانون الجنائي إلى تحقيقها، والتي كانت لها دور كبير في تطبيق القانون الأصلح للمتهم، حيث تقتضي بأنه في حال اتحدت ظروف الواقعة ينبغي أن تتساوى العقوبة، فلا بد من توقيع نفس العقوبة على كل شخص يرتكب فعل ما متي كانت الظروف موحدة، والقول بغير ذلك يؤدي إلى تطبيق عقوبتين مختلفتين على شخصين ارتكبا نفس الفعل؛ نظرًا لأن أحدهما ارتكب الجريمة في ظل القانون الجديد الأصلح، والآخر ارتكبه في ظل القانون القديم الأشد، ولكن صدر الحكم ضده بعد صدور القانون الجديد، كما تقتضي اعتبارات العدالة أن يكون هناك تناسب بين الفعل المرتكب، والعقوبة المقررة له، فليس من العدل توقيع عقوبة غير متناسبة مع الفعل المرتكب.

2.    المبررات القانونية:

“وفي نطاق المبررات القانونية فقد أسس بعض الفقه أساس رجعية القانون الأصلح للمتهم على أساس فكرة سمو القانون الجديد على القانون القديم، إذ إن القانون الجديد يسمو على التشريع القديم، وأكثر تحقيقًا للمصلحة العامة منه، وأكثر اتفاقًا مع تغيرات المجتمع، وقيمه، ومصالحه، فلا بد إذن من تطبيقه على الوقائع المرتكبة قبل صدوره”([3]).

3.    مصلحة المتهم:

لا شك في أن تطبيق القانون الأصلح يحقق مصلحة المتهم؛ لأنه يجعله في وضع أفضل من الوضع السابق في ظل القانون القديم، فنص القانون الجديد على إلغاء عقوبة كانت مجرمةً، أو تخفيف عقوبة، أو تقرير عقوبة واحدة بدلًا من عقوبتين كل ذلك في مصلحة المتهم، ولا يلحق به أي ضرر؛ مما يجعل المتهم مرحبًا بتطبيق القانون الجديد.

4.    مصلحة المجتمع:

لا شك أن قواعد القانون الجنائي مقررة لمصلحة المجتمع، وحمايته، ولتحقيق الاستقرار، وفيما يتعلق بالقانون الجديد الأصلح للمتهم، فلا شك أن تطبيقه يحقق مصلحة المجتمع؛ لأنه في حالة نص القانون الجديد على إلغاء العقوبة التي كانت مقررة للفعل في ظل القانون القديم، أو تخفيف العقوبة، يعني ذلك أن العقوبة التي كانت مقررةً للفعل، أو العقوبة الأشد للفعل في ظل القانون القديم لم تعد تحقق مصلحة المجتمع؛ لأن الاسباب التي دعت إلى فرضها، أو تشديدها قد زالت.

سادسًا: ماهية الضوابط التي يجب مراعاتها عند تطبيق القانون الأصلح للمتهم

لا بد عند تطبيق القانون الجديد الأصلح للمتهم من مراعاة ضوابط معينة عند المقارنة بين القانون القديم والقانون الجديد، حيث يتحدد القانون الأصلح للمتهم بالمقارنة بين القانون القديم والقانون الجديد؛ للتوصل إلى ما إذا كان القانون الجديد أصلح للمتهم أم لا، ويجب على القاضي وهو يجري المقارنة بين القانون الجديد والقانون القديم؛ ليُحدد ما يعتبر أصلح للمتهم أن يستعين بضوابط معينة تتمثل في الآتي:

“١. ينبغي أن تكون المقارنة واقعيةً، بمعنى أنه لا يجوز للقاضي أن يقارن بين القانونين من حيث الاتجاه العام لكل منهما، وما إذا كان يتجه نحو التشديد أو التخفيف، كما لا يجوز أن يقارن بين أغلبية نصوص كل منهما؛ وإنما يتعين أن تتم المقارنة بالنسبة إلى المتهم بالذات، وفى حالة واقعية معينة، فالقانون الذي يؤدى تطبيقه على هذه الحالة إلى عدم توقيع عقوبة، أو إلى توقيع عقوبة أخف يُعتبر أصلح للمتهم، وتعين على القاضي أن يطبقه دون غيره، وإن كان تطبيقه في حالات أخرى قد يؤدى إلى التشديد على متهمين آخرين”([4]).

فمن الممكن أن يكون أحد القوانين أصلح للمتهم، وأسوأ بالنسبة لمتهم آخر، تختلف ظروفه عن ظرف الأول، مثال ذلك إذا نص القانون القديم على جواز وقف تنفيذ العقوبة، ثم جاء القانون الجديد فألغى وقف التنفيذ، وقرر عقوبة أخف من القانون القديم، فإن القانون القديم يكون أصلح بالنسبة لمتهم جدير بإيقاف التنفيذ، في حين يكون القانون الجديد أصلح بالنسبة لمتهم غير جدير بإيقاف التنفيذ.

٢ـ يتعين على القاضي عند المقارنة بين القانون الجديد والقانون القديم، إذا رأى أن القانون الجديد يتضمن أحكامًا بعضها أصلح للمتهم والآخر في غير مصلحته؛ فإن رجعية القانون الأصلح للمتهم تطبق بالنسبة للأحكام التي تكون أصلح للمتهم، ولا تطبق بالنسبة للأحكام الأخرى التي في غير مصلحته، متى كان الفصل بين الأحكام التي في مصلحته، والتي في غير مصلحته غير مناقضة لقصد المشرع؛ لأن من حق المتهم الاستفادة من نص قانونين، ويأخذ من كليهما ما يخدم مصلحته، ووضعه القانوني، أما إذا كان هذا الفصل بينهما مناقضًا لقصد المشرع، يتعين تقدير أحكام كل قانون في مجموعها والمقارنة بينهما لمعرفة أيهما أصلح للمتهم.

٣. لابد عند المقارنة بين القانون الجديد والقانون القديم أن يكون موضوع المقارنة الأحكام الجنائية في كل من القانونين، دون الاعتداد بالأحكام المدنية، أو الأحكام الإدارية الواردة بهما.

4ـ يتعين على القاضي عند المقارنة بين القانون الجديد والقانون القديم أن يأخذ بكل ما يساعده في تحديد القانون الأصلح للمتهم دون الاعتداد برأي المتهم.

٥. يتعين على القاضي أن يجري المقارنة بين القانون الجديد والقانون القديم على أساس نوع العقوبة، فعقوبات الجنايات أشد من عقوبات الجنح، وعقوبات الجنح أشد من عقوبات المخالفات، وإذا كانت المقارنة بين عقوبتين لنفس النوع من الجرائم؛ تتم المقارنة على أساس درجة العقوبة، فمثلًا بالنسبة للعقوبات المقررة للجنايات، فعقوبة الإعدام أشد درجة من عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، وعقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة أشد درجة من عقوبة السجن، فقد يكون الفعل معاقبًا عليه في ظل القانون القديم بعقوبة الإعدام، ثم ينص القانون الجديد على أن العقوبة المقررة للفعل هي بعقوبة الشاقة المؤبدة، فالقانون الجديد الذي يقر عقوبة مخففة يكون أصلح للمتهم، على الرغم من أن العقوبتين مقررة لنفس النوع من الجرائم (الجنايات).

سابعًا: شروط تطبيق القانون الأصلح للمتهم في القانون الأردني

يشترط لتطبيق القانون الأصلح للمتهم توافر الشروط الآتية:

1.    أن يكون القانون الجديد أصلح للمتهم:

يكون القانون الجديد أصلح للمتهم إذا كان من شأنه أن يجعل المتهم في وضع أفضل من تطبيق القانون القديم، وذلك على النحو الآتي:

أ. إذا جعل القانون الجديد الفعل المجرم غير معاقب عليه:

فيكون القانون الجديد أصلح للمتهم إذا كان من شأنه أن يجعل الفعل المجرم غير معاقب عليه، وذلك بأن عدل القانون الجديد شروط التجريم لصالح المتهم، كأن يكون الفعل من الأفعال المجرمة في ظل القانون القديم، ثم ينص القانون الجديد على إباحة هذا الفعل، أو كأن يشترط القانون الجديد ركنًا جديدًا للجريمة لم يكن مطلوبًا في القانون القديم، كأن يشترط القانون الجديد ركن الاعتياد في جريمة تعاطي المخدرات؛ وبالتالي فإن القانون الجديد الذي يستلزم توافر ركن الاعتياد في جريمة تعاطي المخدرات، هو أصلح للمتهم، إذ إن عدم توافر مثل هذا الركن يعني تبرئة المتهم باعتبار أن الجريمة لم تستكمل أركانها.

ب. إذا قرر القانون الجديد للفعل عقوبة أخف من المقررة في القانون القديم:

يُعد القانون الجديد أصلح للمتهم إذا قرر القانون الجديد للفعل عقوبة أخف من المقررة في القانون القديم، كأن يُقرر القانون الجديد للفعل عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة، في حين كانت العقوبة المقررة للفعل ذاته عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة في ظل القانون القديم؛ فيتعين على القاضي الأخذ بعقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة المقررة في القانون الجديد؛ لأنها الأخف.

ج. إذا عدل القانون الجديد في عناصر المسؤولية والعقاب:

يُعد القانون الجديد أصلح للمتهم إذا عدل القانون الجديد في عناصر المسؤولية، وذلك بأن أضاف مانعًا من موانع المسؤولية، كأن يرفع القانون الجديد سن التمييز، أو ينص القانون على أن يعفي من المسؤولية الجزائية كل من لم يتم الثانية عشرة من عمره، ثم يصدر قانون جديد يرفع سن الاعفاء من المسؤولية، وكذلك يُعد القانون الجديد أصلح للمتهم، إذا اعتبر أن فقد العقل مانعًا من موانع المسؤولية، بخلاف القانون القديم الذي لم يُعده مانعًا من موانع المسؤولية، كما جاء في قانون العقوبات الأردني بأنه لا عقاب على من يكون فاقد الشعور أو الاختيار في عمله وقت ارتكاب الفعل؛ لغيبوبة ناشئة عن الكحول أو عقاقير مخدرة أيًا كان نوعها إذا أخذها من دون رضاه أو على غير علم منه بها، وذلك وفقًا لما جاء في نص (المادة ٩٣) من قانون العقوبات الأردني.

د. إذا كان أحد القانونين يقـــرر عقوبتين بينما يقرر الآخر عقوبة واحدة:

يُعد القانون الجديد أصلح للمتهم إذا كان القانون الجديد يقرر عقوبة واحدة للفعل المرتكب، في حين أن القانون القديم كان يقرر عقوبتين الفعل ذاته، كأن يقر القانون الجديد بأن العقوبة المقررة للفعل هي الغرامة، في حين كان يقرر القانون القديم بأن العقوبة المقررة له الحبس والغرامة.

2.    صدور القانون الأصلح للمتهم بعد ارتكاب الفعل:

“يطبق القانون على وقائع حدثت قبل صدوره، فلا يكفي أن يكون القانون أصلح للمتهم، وإنما يشترط بالإضافة إلى ذلك أن يكون قد صدر بعد ارتكاب الجريمة، وهذا أمر طبيعي؛ لأنه لا يمكن تطبيق القانون إلا بعد ارتكاب الجريمة، غير أن لتحديد زمان ارتكاب الجريمة أهمية في تحديد القانون الذي يطبق عليها في حالة تنازع قانونين أو أكثر، وتحديد وقت ارتكاب الجريمة التي تكتمل في لحظة واحدة، وإن كان لا يُثير صعوبة إلا أن ليست كل الجرائم كذلك، فقد لا تتحقق النتيجة فور اقتراف الفعل اللازم لارتكاب الجريمة، كأن يطلق شخص رصاصة على أخر، فيصيبه ولكنه لا يموت فورًا، بل تمر أيام على إصابته حتى يموت، وفي هذه الفترة يصدر قانون يغير في عقوبة الفعل فنكون هنا إمام قانونين قانون وقت ارتكاب الفعل الإجرامي، وقانون وقت تحقق نتيجته الجرمية، في هذه الحالة يكون الاعتداد بوقت ارتكاب الفعل الإجرامي بصرف النظر عن وقت حصول النتيجة الجرمية، وذلك عملًا بمبدأ الشرعية الجنائية الذي يشترط وجوب علم الإفراد بالأفعال المجرمة، وبالعقوبات المقررة لها قبل ارتكابها، غير أن قانون تحقق النتيجة الجرمية إذا كان أصلح للمتهم عند التطبيق فهو الذي يعتد به”([5]).

3.    ألا يكون قد صدر حكم نهائيًا في الدعوى:

يشترط لتطبيق القانون الأصلح للمتهم ألا يكون قد صدر حكم نهائيًا في الدعوى، أي يشترط نفاذ القانون الجديد قبل صدور حكم بات نهائي، والحكم النهائي هو كل حكم حائز لقوة الأمر المقضي به، أي لا يقبل الطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن العادية والغير عادية، فإذا أصبح الحكم حكمًا نهائيًا، ثم صدر قانون جديد أصلح للمتهم؛ لا يجوز تطبيقه على الدعوى التي تم الفصل فيها بموجب حكم بات، وذلك احترامًا للحجية التي أكتسبها الحكم النهائي، باعتباره عنوانًا للحقيقة، وللحفاظ على استقرار القانون، ولا يكون له أثر بالنسبة للمحكوم عليه.

قد استثنى المشرع الأردني على هذا الشرط حالة إذا أصبح الفعل غير معاقب عليه من الأساس، أي تم نفيّ الصفة الإجرامية عن الفعل، وأصبح الفعل غير مجرم؛ فيُنقض الحكم الصادر بالإدانة، وتنتهي آثاره الجانبية، وذلك لأن لاعتبارات العدالة التي تأبى أن يتم تنفيذ عقوبة على متهم عن فعل أصبح مباحًا في نظر القانون، وذلك وفقًا لنص (المادة ٥) من قانون العقوبات الأردني حيث نص على أنه: “كل قانون جديد يلغي عقوبة، أو يفرض عقوبة أخف يجب أن يطبق على الجرائم المقترفة قبل نفاذه، وإذا صدر قانون جديد بعد حكم مبرم يجعل الفعل الذي حكم على فاعله من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم، وتنتهي آثاره الجزائية”

ثامنًا: صور تطبيق القانون الأصلح للمتهم في القانون الأردني

لقد بيَّن المشرع الأردني الحالات التي يتم بموجبها تطبيق القانون الجديد الأصلح للمتهم، وتتمثل هذه الحالات في الآتي:

١. كل قانون يعدل شروط التجريم تعديلًا في مصلحة المشتكى عليه يسري حكمه على الأفعال المقترفة قبل نفاذه، ما لم يكن قد صدر بشأن تلك الأفعال حكم مبرم.

٢. قانون يعدل حق الملاحقة يطبق على الجرائم السابقة له إذا كان أكثر مراعاة للمتهم، ويُعد القانون الجديد أصلح للمتهم إذا قيد قواعد الملاحقة بوجود شكوى، أو جود طلب، أو إذن لتحريك دعوى الحق العام، ولم يكن القانون القديم يشترط لتحريك دعوى الحق العام، وتقديم شكوى، أو طلب، فيمتنع على النيابة العامة تحريك الدعوى إلا بعد تحقق القيد الذي وضعه القانون الجديد، وإلا كانت الإجراءات باطلةً، ولا شك أن القانون الجديد يكون أصلح للمتهم؛ لأن تقيد تحريك دعوى الحق العام بوجود شكوى أو طلب من شأنه أن يجعل تحريك الدعوى ليس من السهل، حيث لا بد من اتخاذ إجراء مسبق قبل تحريكها، وقد يمتنع صاحب الشكوى عن تقديمها.

٣. إذا عين القانون الجديد مهله لممارسة حق الملاحقة، فلا تجري هذه المهلة إلا من يوم نفاذ القانون، واذا عدل القانون مهلة موضوعة من قبل فهي تجري وفاقًا للقانون القديم على ألا يتجاوز مداها المدة التي عينها القانون الجديد محسوبة من يوم نفاذه، وتكون مهلة ممارسة حق الملاحقة معدلة في القانون الجديد لصالح المتهم، إذا قصر القانون مهلة ممارسة حق الملاحقة، كأن يشترط القانون القديم لتقديم الشكوى مهلة محددة ، ثم يصدر قانون جديد يقصر هذه المدة؛ فيكون أصلح للمتهم، كما هما الحال في جريمة الزنا، حيث اشترط القانون بأنه لا تقبل الشكوى بعد مرور ثلاثة أشهر اعتبارًا من اليوم الذي يصل فيه خبر الجريمة إلى الزوج أو الولي، وذلك وفقًا (للمادة ٢٨٤) من قانون العقوبات الأردني، ثم صدر قانون جديد بأنه لا تقبل الشكوى بعد مرور شهر واحد اعتبارًا من اليوم الذي يصل فيه خبر الجريمة إلى الزوج؛ فيكون القانون الجديد أصلح للمتهم.

أما إذا كان القانون الجديد يتضمن مهلة أطول من المهلة المذكورة في القانون القديم؛ فلا يطبق القانون الجديد، ويطبق القانون القديم؛ لأنه هو الأصلح للمتهم.

٤. إذا عدل قانون ميعاد التقادم على جرم أو عقوبة سرى هذا الميعاد وفقًا للقانون القديم، على ألا يتجاوز مداه الميعاد الذي عينه القانون الجديد محسوبًا من يوم نفاذه، وذلك وفقًا لنص (المادة ٤) من قانون العقوبات الأردني.

٥. كل قانون جديد يلغي عقوبة أو يفرض عقوبة أخف يجب أن يطبق على الجرائم المقترفة قبل نفاذه ما دام لم يصدر فيها حكم بات، وإذا صدر قانون جديد بعد حكم بات يجعل الفعل الذي حكم على فاعله من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم، وتنتهي آثاره الجزائية، وذلك وفقًا لنص (المادة ٥) من قانون العقوبات الأردني.

تاسعًا: السوابق القضائية المتعلقة بالقانون الأصلح للمتهم في القانون الأردني

لقد جاء في الحكم رقم (2150) لسنة 2020م الصادر من محكمة تمييز جزاء بتاريخ١٠/٩/٢٠٢٠م، بما نصه: “١- القانون يكون اصلح للمتهم إذا قضى بتخفيف العقوبة، وإن تحديد القانون الاصلح للمتهم هو في الحد الأقصى للعقوبة بصرف النظر عن حدها الادنى، ٢-إن قانون العقوبات رقم (12) لسنة ٢٠١٠م كان يعاقب على جرم اصدار شيك بدون رصيد بعقوبة الحبس حتى سنتين، والغرامة مئة دينار، وأن قانون العقوبات المعدل رقم (27) لسنة ٢٠١٧م قد خفض العقوبة إلى الحبس لمدة سنة واحدة، والغرامة مئة دينار، ٣-إن قانون العقوبات رقم (27) لسنة 2017 هو الاصلح للمتهم وهو واجب التطبيق،4-لا يقبل التمييز إلا للأسباب الواردة على سبيل الحصر في (المادة 274) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ٥-إن من المبادئ الجزائية عدم رجعية القوانين الجزائية بحيث لا تسري على ما وقع قبلها، وذلك كنتيجة حتمية لقاعدة قانونية الجرم، والجزاء إلا إذا كانت أحكام النصوص اللاحقة أصلح للمتهم من النصوص القديمة السابقة التي تم اقتراف الفعل في ظلها، وهذا ما ذهب إليه المشرع في المواد (4، 3، 6) من قانون أصول المحاكمات الجزائية”

كما جاء في الحكم رقم (1672) لسنة 2018م، من محكمة تمييز جزاء، بتاريخ0 ٣/٧/٢٠١٨م، بما نصه: “٣. قاعدة تطبيق القانون الأصلح للمتهم تكون في القانون الموضوعي حال عدل القانون الجديد مضمون العقوبة، وجاء بعقوبة أخف منها لذات الجرم؛ فإن القانون الجديد يطبق على الفاعل حتى ولو ارتكب الفعل قبل تعديل القانون، باعتباره الأصلح للمتهم وفقاً (المادتين 4 و5) من قانون العقوبات كون المشرع عندما يلغي عقوبة، أو يقرر عقوبة أخف؛ لأنه وجد في العقوبة السابقة مالا يتماش مع العدالة، ولا يحقق مصلحة الأفراد، ومصلحة المجتمع فيلجأ إلى تخفيفها، أو إعفائها؛ لإن المقصود من العقوبة ليس الانتقام؛ وإنما إصلاح المجرم”.

إعداد/ محمد محمود

[1] مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسة، العدد الثالث (ص321)

[2] د. يونس أيوبي، قراءة في مبدأ القانون الأصلح للمتهم، (٣٨٩).

[3] د. حسن الجوخدار، تطبيق القانون الجزائي من حيث الزمان، (ص٥٣).

[4] د. محمود محمود مصطفى، قانون العقوبات القسم العام، (ص٥٢).

[5] د. محمد عيد الغريب، شرح قانون العقوبات، (ص١٢٠).

Scroll to Top