أثر رضا المجني عليه

أثر رضا المجني عليه في مسؤولية الجاني الجزائية

لما كان الأصل أن قيام المسئولية الجزائية في مواجهة الجاني لارتكابه فعلا غير مشروع أمرا لا يتوقف على رضا المجني عليه أو رفضه له، باعتبار أن قيام تلك المسئولية ومعاقبة الجاني على إثرها يهدف إلى تحقيق مصلحة المجتمع و حفظ أمن والسلم الاجتماعي داخل الدولة، إلا أنه وفي بعض الأحيان قد يكون لرضاء المجنى عليه أثرا بليغا في تحريك الدعوى الجنائية ضد الجاني سواء كان ذلك بمنع تحريكها لتوافر سببا من أسباب الإباحة، أو بتغيير الوصف القانوني للجريمة بناء على توفر الرضا أو انتفائه، وفي خلال هذا المقال سوف نوضح دور رضا المجني عليه واثره في تقرير المسئولية الجزائية على الجاني على التفصيل الآتي:

أولا: المقصود برضا المجني عليه:

ثانيا: تمييز رضا المجني عليه عما يتشابه معه:

ثالثا: مفهوم المسئولية الجزائية:

رابعا: أثر وقوع الرضا من المجني عليه على تحقق المسئولية الجنائية على الجاني:

خامسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز حول رضا المجني عليه وأثره في مسئولية الجاني الجزائية:

 

أولا: المقصود برضا المجني عليه:

يُعرف الرضا في اللغة بأنه ضد السخط ويعني السرور في القلب وطيب النفس وضده السخط والكراهية،[1] ويُعرف رضا المجني عليه من الناحية القانونية بأنه الإذن الذي يصدر من أحد أشخاص القانون الخاص نابع من إرادته الحرة، أو الإذن الصادر من أحد أشخاص القانون العام إذا وقع العمل منه في نطاق القانون الخاص ولصالح الغير مع علمه وإدراكه لما يترتب من أثر على هذا الإذن من ضرر أو إيذاء ضد الصادر منه هذا الرضا.[2]

ومن خلال هذا التعريف يمكن استخلاص عناصر رضا المجني عليه على النحو الآتي:

  • أن الرضا هو إذن من المجني عليه صاحب الحق القانوني بهدف إحداث أثر قانوني متعلق بهذا الحق.
  • أن الأثر القانوني المترتب على ذلك الرضا مضمونه قبول المجني عليه لاعتداء يقع على حق أو مصلحة قرر القانون حمياتها.
  • أن الرضا حتى يكون قد صدر صحيحا من المجني عليه يجب أن يكون مٌصدره قد اتجهت إرادته إليه مع علمه وإدراكه بما يترتب على ذلك من آثار.
  • أن الرضا المعمول به هو الرضا الصادر من ذي أهلية وممن يملك إصداره.

ثانيا: تمييز رضا المجني عليه عما يتشابه معه:

يختلط مفهوم رضا المجني عليه مع غيره من المفاهيم الأخرى نظرا لشدة التشابه بيهم من حيث الوصف وسوف نوضح في الفرق بين رضا المجني علهي ومع ما يتشابه معه على النحو الاتي:

1- الفرق بين رضا المجني عليه وإيذاء الشخص لنفسه:

يُعتبر الفرق بين هذين المفهومين متمثلا في أن رضاء المجني عليه يستلزم وجود شخص آخر هو الجاني والذي صدر الرضا لصالحه، أما في حالة إيذاء الشخص لنفسه بالاعتداء على حياته أو جسده أو ماله فإن الجاني هو في ذات الوقت المجني عليه، وبالتالي تنتفي المسئولية الجنائية كلما كان الضرر الذي ألحقه الشخص بنفسه لم يمس مصلحة عامة لذلك خلت العديد من التشريعات القانونية من العقاب على الانتحار أو الشروع فيه.[3]

2- الفرق بين رضا المجني عليه والاتفاق على عدم مسئولية الجاني في المستقبل:

حيث يُعرف الاتفاق على عدم المسئولية في المستقبل بأنه اتفاق بين طرفين أو أكثر قبل وقوع الأفعال الإجرامية يقتضي إعفاء الجاني من المسئولية الجنائية عن الجرائم العمدية التي يرتكبها في المستقبل، وهذا الاتفاق لا يمكن الاحتجاج به بأي حال من الأحوال إذ يولد منعدما وباطلا لمخالفته للنظام العام، فلا يجوز الاتفاق على إضفاء الشرعية على فعل مٌجرم إذا حدث في المستقبل، كما أن هذا الاتفاق يعلي مصلحة الفرد على مصلحة المجتمع وهذا أمر غير مقبول.

ويظهر الفرق بين المفهومين في أن الرضاء يزيل عدم الشرعية عن الفعل أو يقلل من المسئولية الجنائية عن الفعل أو يغير وصفها، أما الإعفاء المستقبلي من المسئولية الجنائية يقصد منه التصريح للجاني بارتكاب فعل غير مشروع في المستقبل.

3- الفرق بين رضا المجني عليه وسكوت المجني عليه:

يظهر الفرق بين الرضا والسكوت في أن الرضاء عن الفعل الإجرامي يقوم كلما أذن المجني عليه للجاني بالقيام بالفعل الغير مشروع وإن كان الرضاء يمكن التعبير عنه صراحة أو ضمنا فإن السكون قد لا يكون في بعض الحالات تعبيرا عن رضا المجني عليه، فقد تشير ظروف الحال إلى أن سكوت المجني عليه لم يكن وليد رضا وإنما كان وليد خوفا ورهبة، لذلك فلا يمكن التثبت من طبيعة السكوت وغايته إلا إذا تم بحث ظروف الواقعة حتى يتم استنباط طبيعته وما إذا كان بغرض الرضا أو بسبب الخوف والرهبة.[4]

4- رضا المجني عليه وتنازل المجني عليه عن الشكوى:

يُعرف التنازل عن الشكوى بأنه إظهار المجني عليه رغبته بوقف السير في رفع الدعوى الجنائية في مواجهة الجاني قبل صدور حكم بات في الدعوى الجنائية،[5] وعلى ذلك فيمكن القول إن رضا المجني عليه لا يعد تنازلا إذ أن الرضا يكون سابق على ارتكاب الفعل أو خلال القيام به من الجاني، أما التنازل فيكون بعد ارتكاب الجاني للفعل الإجرامي والبدء في إجراءات تحريك الدعوى الجنائية في مواجهته.

ثالثا: مفهوم المسئولية الجزائية:

تُعرف المسئولية في العموم بأنها ما يقع على الشخص من التزام بقيامه بأداء فعل معين أو الامتناع عنه بحيث يقع تحت المسائلة إذا نكث عن القيام به.[6] أما تعريف المسئولية الجزائية على وجه الخصوص فيمكن القول بأنها التزام الشخص بأن يتحمل الآثار المترتبة على توافر أركان جريمة معينة سواء من حيث العقوبة أو التدابير الاحترازية التي يقررها القانون على المسئول عن ارتكاب تلك الجريمة.[7]

وعلى ذلك فيمكن القول إن المسئولية الجزائية حتى تتوفر يجب أن تتوافر عدة أمور تتمثل في:

1- وقوع فعل غير مشروع من الشخص.

2- أن يصدر الفعل من الجاني عن إرادة حرة وذلك إعمالا لنص المادة (74/1) من قانون العقوبات حيث نصت على: (لا يحكم على أحد بعقوبة ما لم يكن قد أقدم على الفعل عن وعي وإرادة).

3- لا تقوم المسئولية الجزائية إلا بعد وقوع الفعل الغير مشروع.

رابعا: أثر وقوع الرضا من المجني عليه على تحقق المسئولية الجنائية على الجاني:

الأصل أن رضا المجني عليه لا يؤثر في مسائلة الجاني عن فعله الغير مشروع،[8] ومن الأمثلة على ذلك عدم جواز إعفاء الجاني من المسئولية الجزائية في القيام بأفعال تؤدي إلى وقوع جريمة الإجهاض، حتى لو كانت تلك الأفعال قد تمت بناء على طلب المجني عليها أو برضاها، إذ أن حق المجتمع في هذه الحالة يغلب على حق الحامل، وقد حرمت الشريعة الإسلامية والقانون الأردني جريمة الإجهاض وأجازت هذه العملية في حالة وجود سبب طبي يشير إلى ضرورة القيام بها للحفاظ على حياة الأم.

وقد نصت المادة (322) من قانون العقوبات الأردني على وجوب معاقبة الجاني في جريمة الإجهاض، حتى لو كان الفعل الإجرامي قد تم بناء على رضى الحامل مما يؤكد عدم جواز اعتبار الرضا في هذه الحالة مانعا من المسئولية أو سببا للإباحة حيث جاء نصها: (من أقدم بأية وسيلة كانت على إجهاض امرأة برضاها، عوقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات. وإذا افضى الإجهاض أو الوسائل التي استعملت في سبيله إلى موت المرأة، عوقب الفاعل بالأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن خمس سنوات).

ومع ذلك فهناك بعض الاستثناءات على هذا الأصل والتي قد تؤدي إلى إعفاء الجاني من المسئولية الجنائية، أو قد تُغير من وصف الجريمة وما يترتب على ذلك من تغيير مقدار العقوبة التي يجب توقيعها على الجاني، وسوف نذكر بعض الصور التي قد يؤدي فيها رضاء المجني عليه إلى وقوع تغيير في حدود مسئولية الجاني أو في إعفاء الجاني من المسئولية تماما على التفصيل الآتي:

1- دور رضا المجني عليه في تغيير الوصف القانوني للجريمة:

ومن الأمثلة الأكثر شهرة على هذه الصورة جريمة الزنا والتي تُعرف بأنها حدوث اتصال جنسي بين شخص متزوج وشخص آخر غير زوجه،[9] ويلعب الرضا دورا هاما في تحديد الوصف القانوني لذلك الاتصال الجنسي الذي يحدث بين الطرفين بحيث يترتب على ثبوت رضا الطرفين على قيامهما بالفعل الغير مشروع إلى أن يكون القيد والوصف لتلك الجريمة باعتبارها جريمة زنا والتي قرر القانون لها العقوبة الواردة في المادة (282) من قانون العقوبات الأردني حيث نصت على: (يعاقب الزاني والزانية برضاهما بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات. ولا تنقص العقوبة عن الحبس لمدة سنتين بالنسبة للزاني المتزوج أو الزانية المتزوجة. وتكون عقوبة الزاني والزانية الحبس لمدة ثلاث سنوات إذا تم فعل الزنا في بيت الزوجية لأي منهما).

أما إذا لم يكن الرضا بين الطرفين متوافرا فإن لذلك أثر هام في تغير القيد والوصف لتلك الجريمة من جريمة زنا إلى جريمة اغتصاب، وهي جريمة أشد وطئه وأشد عقوبة من جريمة الزنا حيث نصت المادة (292) على: (من واقع أنثى (غير زوجه) بغير رضاها سواء بالإكراه، أو بالتهديد، أو بالحيلة، أو بالخداع عوقب بالأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة. وتكون العقوبة الأشغال عشرين سنة إذا كانت المجني عليها قد أكملت الخامسة عشرة ولم تكمل الثامنة عشرة من عمرها. وكل شخص أقدم على اغتصاب فتاة لم تتم الخامسة عشرة من عمرها يعاقب بالإعدام).

ويظهر بذلك الدور الذي يلعبه الرضا الصحيح الخالي من أي عيب من عيوب الرضا في تغيير وصف الجريمة، وبمفهوم المخالفة إذا أثبت الجاني في جريمة الاغتصاب أن مواقعه للأنثى كانت عن رضا منها ودون أن يصيب ذلك الرضا أي عيب من عيوب الرضا فإن الوصف القانوني يتحول من جريمة اغتصاب إلى جريمة زنا، إذ الفيصل بين الجريمتين توفر الرضا من عدمه.

2- رضاء المجني عليه كمانع من مسئولية الجاني جزائيا:

قد يكون رضاء المجني عليه كافيا لمنع قيام المسئولية الجزائية في مواجهة الجاني إذ أن هناك بعض الأفعال الغير مشروعة والتي قرر القانون لها عقوبة على ارتكابها، ومع ذلك إذا ارتكبت برضا من المجني عليه انتفت مسئولية الجاني الجزائية عن الأثار المترتبة عليها، بحيث يكون الرضا سبب لإباحة ذلك الفعل ومن الأمثلة المشهورة على ذلك نقل الأعضاء البشرية برضا المجني عليه أو وليه الشرعي بعد وفاته، وكذلك جرح المجني عليه من قبل الطبيب وبرضاه، وأيضا ما يصيب المجني عليه نتيجة أداء الألعاب الرياضية وسوف نوضح كل منها على التفصيل الآتي:

أ- أثر الرضا على جريمة نقل الأعضاء البشرية:

الأصل أنه لا يجوز المساس بسلامة جسم الأنسان إذ أن في ذلك اعتداء على حقوق لا تصلح أن تكون محلا للرضا أو للتنازل عنها، خاصة وأن الاعتداء عليها يمتد أثره وضرره ليلحق بالمجتمع عموما وبمصلحته العامة، وعلى ذلك فلا يجوز الاعتداد برضاء المجني عليه إذا كان موضوع هذا الرضا بتر أحد أعضائه حال حياته ونقله لغيره، وكذلك الحال بالنسبة لجسد الميت إذ لا يجوز الاعتداء على سلامة جسد الميت أو العبث في جثمانه، ومع ذلك فقد أجاز القانون الأردني أن يتم نقل الأعضاء البشرية من جسد لآخر إذا كان المنقول منه قد توفى وقد أبدى رضاه أو وصيته بنقل عضوه لشخص آخر بعد وفاته أو أبدى الولي الشرعي للمتوفى موافقته ورضاه عن ذلك الفعل.

حيث نصت المادة (5) من قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان على: (للأطباء الاختصاصيين في المستشفيات التي يوافق عليها وزير الصحة نقل العضو من جسم إنسان ميت إلى جسم إنسان آخر حي يكون بحاجة لذلك العضو في أي من الحالات التالية:

  • إذا كان المتوفى قد أوصى قبل وفاته بالنقل بإقرار خطي ثابت التوقيع والتاريخ بصورة قانونية.
  • إذا وافق أحد أبوي المتوفى في حالة وجودهما على النقل أو وافق عليه الولي الشرعي في حالة عدم وجود الأبوين.
  • ج. إذا كان المتوفى مجهول الهوية ولم يطالب أحد بجثته خلال (24) ساعة بعد الوفاة على أن يتم انقل في هذه الحالة بموافقة المدعي العام).

وعلى ذلك فيظهر الدور الإيجابي الذي يقوم به الرضاء في تحويل الفعل الغير مشروع إلى فعل مشروع وعدم مسائلة الجاني جزائيا عليه، ويظهر ذلك جليا من خلال ما نصت عليه المادة (10) من ذات القانون من عقوبات على مخالفة تلك الاشتراطات على نقل الأعضاء ومن ضمنها طبعا شرط رضا المتوفي قبل وفاته أو رضى وليه الشرعي بعد وفاته حيث جاء نصها: (دون الأخلال باي عقوبة ورد النص عليها في أي تشريع أخر يعاقب كل من ارتكب مخالفة لأحكام هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة أو بغرامة لا تقل عن عشرة الأف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين ).

ب- دور الرضاء في جرائم الجرح:

الأصل أنه لا يجوز للشخص الاعتداء على غير بالضرب أو الجرح وقد قرر قانون العقوبات الأردني معاقة الجاني عن ارتكابه تلك الجريمة بالعقوبات الواردة في نص المادة (333) حيث نصت على: (كل من أقدم قصدا على ضرب شخص أو جرحه أو إيذائه بأي فعل مؤثر من وسائل العنف والاعتداء نجم عنه مرض أو تعطيل عن العمل مدة تزيد على عشرين يوما، عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات)، وكذلك ما نصت عليه (المادة 335) بقولها: (إذا أدى الفعل إلى قطع أو استئصال عضو أو بتر أحد الأطراف أو إلى تعطيلها أو تعطيل احدى الحواس عن العمل، أو تسبب في إحداث تشويه جسيم أو أية عاهة أخرى دائمة أو لها مظهر العاهة الدائمة، عوقب الفاعل بالأشغال المؤقتة مدة لا تزيد على عشر سنوات).

ورغم ذلك فقد يكون لرضاء المجني عليه دورا في انتفاء جريمة الجرح أو الإيذاء سواء في صورتها البسيطة المنصوص عليها في (المادة 333) أو في صورتها الجسيمة المنصوص عليها في (المادة 335) وهو ما يعرف بحق مباشرة العمل الطبي، إذ في هذه الحالة يلعب رضاء المجني عليه دورا هاما في دفع المسئولية الجنائية بعيدا عن الجاني وذلك بقدر ما يتطلب العمل الطبي أو الجراحي، خاصة وقد جعل القانون من الرضاء شرطا أساسيا لإباحة تلك الأعمال، سواء رضا الشخص نفسه إذا كان واعيا أو رضاء وليه الشرعي في حالة غيابه عن الوعي، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك بعض الحالات الطبية التي تستدعي التدخل الجراحي دون انتظار الحصوص على موافقة أحد نظرا لخطورة الحالة كما في الحوادث والكوارث، إلا أنه ومن حيث الأصل فإن شرط رضاء المريض لإباحة أعمال الطبيب هو شرط أصلي لا يمكن إغفاله إلا في حدود ضيقة. وقد نصت المادة (62/ج) من قانون العقوبات الأردني على: (العمليات الجراحية والعلاجات الطبية المنطبقة على أصول الفن شرط أن تجري برضا العليل أو رضا أحد والديه أو ممثله الشرعي أو في حالات الضرورة الماسة).

ج- دور رضا المجني عليه في ممارسة الألعاب الرياضية:

تُعتبر الألعاب الرياضية خاصة العنيفة منها مثل الكونغ فو والكاراتيه والمصارعة بأنواعها من أكثر الأفعال التي قد ينتج عنها إصابات لممارسيه وغالبا ما تكون تلك الإصابات ناتجة عن فعل شخص آخر غير المجني عليه، ولما كان من حيث الأصل عدم جواز ضرب أو جرح أو  إيذاء الأشخاص، و أن القانون قد رتب على ذلك الفعل عقوبات جزائية على الجاني، إلا أن هذه الأفعال إذا ارتكبت بسبب وأثناء أداء الجاني والمجني عليه أحد الرياضات فيكون الفعل خارجا عن دائرة التأثيم، ولا يجوز مسائلة الجاني جزائيا عليه إلا أن ذلك يتوقف على شرطين أساسيين، أولهما أن يتوفر رضا اللعب على ممارسة تلك الرياضة، و ثانيهما أن تكون تلك الرياضة مرخصة من الناحية القانونية.[10]

وحتى يكون الرضاء متوفرا يجب أن يكون ذلك الرضا صحيحا لا يشوبه أي عيب من عيوب الرضا كالإكراه أو الغش فإذا ثبت صحة رضاء اللاعب عن ممارسة تلك اللعبة فيجب أن تكون اللعبة أيضا تخضع للقانون من حيث الترخيص والتنظيم وأن يتم ممارستها وفقا للوائح والمواعيد والأماكن التي قررها القانون، فإذا توافر هذين الشرطين انتفت المسئولية الجزائية أما إذا خالف اللاعبان أحد الشرطان أصبح الضرر الواقع على أحدهما نتيجة ممارسة تلك الرياضة كافيا لمسائلة الجاني جزائيا عن فعله الغير مشروع، وبذلك يظهر مدى دور رضاء اللاعب في تحويل الفعل الغير مشروع والضرب أو الإيذاء أو الجرح إلى فعل مشروع.

خامسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز حول رضا المجني عليه وأثره في مسئولية الجاني الجزائية:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 878 لسنة 2022 ما يلي:

وإن محكمة الجنايات الكبرى وعلى الرغم مما ورد في شهادة المشتكي وبتقرير المختبر الجنائي اللذين استندت إليهما انتهت إلى نتيجة مفادها أن الأفعال الجنسية التي ارتكبها المميز ضدهما على المشتكي تمت بالرضا وذلك على الرغم من أنه لم يرد في شهادة المشتكي ما يدل على رضاه بالأفعال الجنسية الواقعة عليه من قبل المميز ضدهما بل إنه ذكر بأقواله الشرطية التي استندت إليها المحكمة أنه أفاق من النوم وكان المميز ضده صقر البزايعة يقوم بتقبيله على رقبته وأنه قال (لا تصدر صوت أنا بحبك وبحاسب عنك أنا محكوم إعدام لا تقاوم ولا بقتلك قتل موت) وحيث إن هذه العبارات تُعد تهديداً.

ومن جهة أخرى فإن المميز ضدهما أنكرا ارتكاب الأفعال المسندة إليهما ولم يتضمن دفاعهما أنهما ارتكبا الأفعال الجنسية على المشتكي برضاه كما لم تنصب أقوال شهود الدفاع على إثبات عنصر الرضا لدى المشتكي، بل نفي ارتكاب المميز ضدهما لأفعال هتك العرض على المشتكي.

الأمر الذي يجعل استخلاص محكمة الجنايات الكبرى لعنصر الرضا لدى المشتكي لا يستند إلى دليل ثابت في الأوراق كما أنه يخالف ما ورد بشهادة المشتكي وما ورد بدفاع المميز ضدهما، وكان عليها أن تبحث في ثبوت الأفعال المسندة للمميز ضدهما من عدمه وأن تطبق القانون على ما تتوصل إليه وحيث لم تفعل وجاء قرارها مشوباً بعيب الفساد في الاستدلال والقصور في التعليل فإن أسباب التمييز ترد عليه مما يوجب نقضه. لذلك نقرر نقض القرار المميز وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني في ضوء ما بيناه ومن ثم إصدار القرار المناسب).

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 542 لسنة 2022 ما يلي:

نجد أن محكمة الجنايات الكبرى قد أحاطت بوقائع الدعوى واستعرضت بينات النيابة العامة المقدمة فيها وبالأخص شهادة المشتكية (……… ) وهي البينة الرئيسة ووجدت من خلال مناقشتها لهذه الشهادة مناقشة وافية وسليمة وأن قيام المميز ضده بممارسة الجنس معها كانت برضاها وموافقتها ولم تكن رغماً عنها وقد دلّلت المحكمة على توفر الرضا لدى المشتكية تفصيلاً بالأسباب التي أوردتها وتؤدي إلى ما توصلت إليه وجاءت استخلاصاتها سائغة ومقبولة حيث ثبت أن الممارسات الجنسية التي تمت بين المميز ضده والمشتكية كانت برضا المشتكية ولم تكن رغماً عنها أو أنها تمت تحت وطأة العنف أو التهديد….. ).

إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.

[1] الموسوعة الفقهية الكويتية، ص227.

[2] محمد صبحي محمد نجم، رضا المجني عليه وأثره على المسئولية الجنائية. رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، ص 24.

[3] محمد صبحي محمد نجم، رضا المجني عليه وأثره عمى المسؤولية الجنائية، مرجع سابق، ص 27-28.

[4] محمد صبحي محمد نجم، رضا المجني عليه وأثره عمى المسؤولية الجنائية، مرجع سابق، ص31.

[5] عبد الرحمان خلفي، محاضرات في قانون الإجراءات الجزائية، دار الهدى، الجزائر، 2012، ص 138.

[6] مصطفى العوجي، القانون الجنائي العام، المسئولية الجنائية، ج2، دار نوفل، بيروت، ص 11.

[7] كامل السعيد، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن ص 11.

[8] جندي عبد المالك، الموسوعة الجنائية –الإتجار-الإشراك-دون دار النشر، الجزء الأول، مصر، 2008، ص538.

[9] محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، القسم الخاص، جرائم الاعتداء على الأشخاص، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 456.

[10] معوض عبد التواب، دروس في قانون العقوبات، جرائم الاعتداء على الأشخاص، دار الفكر العربي، الإسكندرية، ص 218.

Scroll to Top