الدافع في القانون الأردني

الدافع في التشريع الجزائي الأردني

لا شك بأن كل سلوك إجرامي له دافع يحركه تجاه اقتراف ذلك الفعل والنشاط الإجرامي المُؤَثَّم، فلا يُتصور وقوع النشاط الإجرامي بدون أن يكون له دافع وهدف، وتكمن أهمية التعمق في دراسة وتحليل الدافع والهدف الإجرامي لما له من أثر بالغ في توقيع العقاب المناسب على الجاني، ولمّا كان الثابت والقاعدة الأصولية في فقه وقضاء محكمة التمييز أن دراسة وتحليل الدافع والباعث على الجريمة هو أمر بالغ الأهمية، حيث يترتب عليه إنزال الحكم المناسب المنزل الصحيح على الواقعة محل الاتهام، لذلك نلقي الضوء على تحليل الدافع والهدف وأثره في التشريع الجزائي الأردني على النحو التالي:

أولا: مدلول ومفهوم الدافع بين التجريم والتبرير والعقاب:

ثانيا: العوامل الدافعة نحو السلوك الإجرامي:

ثالثا: أثر الدافع في الشريعة الإسلامية:

رابعا: مدى تأثير الدافع في القانون الجزائي الأردني:

خامساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالدافع وأثرة على الجريمة:

أولا: مدلول ومفهوم الدافع بين التجريم والتبرير والعقاب:

لا شك بأن اتجاه فقهاء القانون الحديث قد أخذ بالدافع الشخصي للمجرم كأساس يعتمد عليه في عملية التجريم والتبرير والعقاب، فيتم البحث في دوافع المجرم الشخصية التي دفعته لاقتراف السلوك الإجرامي، فعلى سبيل المثال قد أخذ المشرع الأردني بعين الاعتبار الدافع في مجال إيقاع العقاب على المتهم، ولكن وقبل أن نسترسل في المقال كان من اللازم أن نتعرض لمدلول ومفهوم الدافع والتفرقة بينه وبين المفاهيم الأخرى المرتبطة بذات الإطار على النحو التالي:

1- مدلول ومفهوم الدافع والهدف:

الدافع هو: ” القوة النفسية الحاملة على السلوك الإرادي المنبعثة عند إدراك وتصور للغاية”،[1] مما يعني أن الدافع هو القوة النفسية التي بنيت عليها النية الجرمية لتقوم النية بعد ذلك بتوجيه الإرادة مع العلم للقيام بالسلوك المطلوب منها، [2]والدافع ينظر إليه من منطلق مجموعة القواعد المميزة للسلوك الإنساني، لا سيما وأن هذا السلوك المبني على عملية الاختيار هو نتيجة حتمية لوجود الدافع، فيختار الإنسان السلوك الذي يريد أن يسلكه بناءً على دوافع معينة تُعد المحفّز الأول للنشاط والسلوك الإنساني.

ويلتقي علم النفس مع القانون في دراسة قوام وأساس الدوافع الإجرامية لدي الجاني، حيث إن القانون يعتمد اعتمادا كبيرا على تفسير السلوك والدوافع والحالة النفسية المؤدية إليه، حتى يتم تكييف وإنزال العقاب المناسب على الواقعة الإجرامية في كافة أنواع الجرائم، فيلعب علم النفس وعلوم دراسة السلوك الإنساني دورا مكملاً في الإثبات الجنائي وتشريع القوانين الجزائية.

ولا شك بأن للدافع أقسام نفسية وجنائية، فعلى الصعيد النفسي هناك عدة دوافع تتحكم في السلوك الإنساني، منها ما هو فطري، مثل دافع الأمومة والذي يكون جزء منه فيسيولوجي نتيجة ونفسي يدفع الأم للحفاظ على سلامة أبنائها، ومثل دافع الجوع والذي قد يولد سلوكا إجراميا يتمثل في سرقة الطعام حالة الجوع الشديد، ودافع الجنس والذي قد يتولد عنه جرائم غاية في الخطورة إن لم يتم تلبيته في إطار مشروع.

وأيضا هناك دوافع نفسية اجتماعية مكتسبة، نتاج مواقف حياتية داخل المجتمع مثل الدوافع الاقتصادية، كأن يرغب أحد الأفراد في الثراء أو التملك للمقتنيات، وقد يترتب أيضا جرائم خطرة إن لم يتم تلبية هذا الدافع بشكل وإطار مشروع، أما الدوافع الجنائية فهي التي تكون مرتبطة بالجزاءات والإباحة والتجريم من الأساس، وأيضا فيما يتعلق بالعقاب والأثر المخفف والمشدد لها، وسنتحدث عن الدوافع الجنائية بشيء من التفصيل لاحقا في هذا المقال.

2- الفرق بين الدافع والباعث والقصد الجرمي:

لا شك بأن لكل جريمة أركان مادية ومعنوية تقوم عليها، ولا شك بأن الدافع الذي ينبعث منه السلوك الإجرامي متعلق بالجانب والركن المعنوي للجريمة “القصد الجرمي”، نظرا لأنه وليدا للنشاط النفسي المحفز للسلوك الإجرامي، ولما كان ذلك؛ وكان الدافع والباعث والقصد الجنائي من أركان الجريمة المعنوية، فكان لابد وأن نفرق بين كلا منهما حتى يتضح لدينا مفهوم ومدلول الدافع دون عن غيره من المفاهيم المرتبطة به، نتعرض لهذه الفوارق على النحو التالي:

أ- الفرق بين الباعث والدافع:

الباعث هو: ” موقف خارجي مادي أو اجتماعي يستجيب له الدافع فيؤدي إلى إشباعه”،[3] فالباعث يكًون المصدر الخارجي الذي يشكل الدافع لدى الشخص، فالاختلاف البيّن هنا بين الباعث والدافع هو المصدر لكل منهما، فالدافع مصدره داخلي سواء كان دافع فطري أو مكتسب، أما الباعث فمصدره خارجي من خلال موقف ما أو تجربة معينة ذات بعد اجتماعي أثرت في نفس الجاني فشكلت عنده الدافع الذي بني عليه السلوك الإجرامي.

والباعث فهو وليد إحساس الفرد، فهو مجموعة من العوامل النفسية الصادرة عن إحساس الفرد وميوله وعواطفه تدفعه بشكل عشوائي ودون تدبير إلى ارتكاب الجريمة.[4]

ب- مفهوم القصد الجرمي:

النية: هي إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون، والنية هي الركن المعنوي للجريمة والذي ينصرف فيه إرادة الجاني إلى ارتكاب السلوك الإجرامي، فلا جريمة لا يتوافر فيها القصد الجرمي والركن المعنوي لها، ومن المستقر عليه في الإثبات الجنائي أن القصد الجرمي يتكون من ركنين أساسين، هما العلم والإرادة:

فالعلم: هو إدراك الأمور على نحو صحيح مطابق للواقع فيلزم أن يعلم الجاني بتوافر أركان الواقعة الإجرامية وأن القانون يعاقب عليها. من ذلك يتضح أن القصد الجنائي ينتفي إما بالجهل بالواقع أو الغلط فيه.[5]

أما الإرادة: فهي نشاط نفسي أتجه إلى تحقيق فعل عن طريق وسيلة معينة. فالإرادة ظاهرة نفسية وهي قوة يستعين بها الإنسان للتأثير على ما يحيط به من أشخاص وأشياء.[6]

فالركن المعنوي هنا والنية الإجرامية لا تتحقق إلا بعلم المجرم بالجريمة علماً تاماً واقتران هذا العلم بالإرادة الآثمة المتجهة نحو ارتكاب الفعل والسلوك الإجرامي، ولما كان الدافع هو شعور داخلي محفز للسلوك الإجرامي، كما سلف وأن أردفنا ذلك من قبل، فيثور السؤال هنا؛ عن مدى ارتباط الدافع بالأركان المعنوية للجريمة من عدمه؟

في الواقع يُعد الدافع هو الركيزة والأساس الذي يبنى عليه القصد الجرمي، فُيعد الدافع هو المحرك للقصد الجنائي والمحفز له، ويصعب الفصل بين القصد الجنائي والدافع الإجرامي، حيث إن كليهما من مصدر داخلي مستقران في نفس وحفيظة الجاني، ومما سبق يتضح لدينا أهمية الدافع الكبيرة وأثرها على الجريمة، ونتعمق أكثر في دراسة الدافع والعوامل الدافعة للسلوك الإجرامي على النحو التالي:

ثانيا: العوامل الدافعة نحو السلوك الإجرامي:

إن العوامل الدافعة نحو السلوك الإجرامي تكون بمثابة المحفز القوي لاستمرار ونشاط هذا السلوك، وتتعدد العوامل التي تدفع نحو ارتكاب الجريمة، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي نتعرض لهم على النحو التالي:

1- العوامل الداخلية:

العوامل الداخلية هي العوامل التي لا دخل للشخص بها، فهي مجموعة الصفات التي خُلق بها الشخص كالعوامل الوراثية والسن وغيرة، فعلى سبيل المثال إذا تحدثنا على عامل السن والنوع كأحد العوامل الداخلية المؤثرة في دوافع المتهم، فيختلف الدافع باختلاف العمر، فمثلا في مرحلة المراهقة يكون الشخص حدثا، وتزيد احتمالية ارتكاب الجرائم في هذا السن، نظرا للتغيرات النفسية والفيزيولوجية التي تطرأ على الشخص، لذلك نجد أن المشرع قد أحاط تلك المرحلة العمرية بتشريعات خاصة تراعي حداثة السن ومدي قوامة المتهم.

ولا شك بأن التكوين العضوي والعقلي والنفسي للشخص يكون من أحد أهم العوامل المؤثرة في الدوافع الإجرامية، فتلك التغيرات التي تطرأ على الجسد تكون وثيقة الارتباط والصلة بالسلوك الإجرامي، خاصة التكوين النفسي والعقلي الذي هو ركن أساسي في تشكيل الدوافع الإجرامية لدى الشخص، أيضا لا نستطيع أن نغفل دور العوامل الوراثية في تشكيل تلك الدوافع، وهي تلك الصفات التي يتوارثها الشخص من سلفه، ولقد اختلف فقهاء القانون على مدى ارتباط العوامل الوراثية بالدوافع الإجرامية، فقد ذهب فريق إلى أن السلوك الإجرامي يورث، وينشئ الدافع الإجرامي لدى الشخص المولود والمنتمي لعائلة إجرامية على سبيل المثال، فيما ذهب اتجاه آخر إلى إنكار ذلك جملة وتفصيلا، مردفين بان الدافع يتشكل فقط عبر العوامل المحيطة بالشخص وليس له علاقة من قريب أو بعيد بالوراثة أو السلالة .

وبشكل عام لا نستطيع أن ننكر العوامل الداخلية، فهي كثيرة ومتعددة منها من يؤثر في الدوافع الإجرامية ويشكلها ومنها ما ليس له تأثير.

2- العوامل الخارجية:

تًعد العوامل الخارجية من أهم العوامل المُشكّلة للدوافع الإجرامية، ولم يختلف فقهاء القانون في أن العوامل الخارجية هي من تشكل الدوافع، فالوسط الخارجي هو الذي يؤثر في طبيعة دوافع الشخص ويغيرها، وتنقسم العوامل الخارجية إلى عدة انقسامات، فمنها الذي يرجع إلى عوامل اجتماعية واقتصادية، ومنها ما يتعلق بالعوامل الطبيعية، ومنها ما يتعلق بالعوامل الثقافية والسياسية، فكلا منهم يؤثر وبشدة في الدوافع الإجرامية.

والعوامل الاجتماعية والاقتصادية تعد من أهم العوامل المغيرة في طبيعة الدوافع لدى الشخص، مثل ظاهرة الكساد والتضخم ودورها المؤثر في زيادة البطالة وزيادة معدلات الفقر لدى الأفراد، كل ذلك يؤدي إلى تشكيل دافع لارتكاب جرائم بسبب الحالة الاقتصادية، حتى يستطيع المجرم أن يشبع حاجاته المادية.

أما العوامل الاجتماعية فتتمثل في البيئة المحيطة بالشخص والتي يكتسب منها القناعات والسلوكيات المشكلة لشخصيته، فإذا نشأ الفرد في وسط منحرف فإنه يصبح أكثر عرضة لأن يسلك السلوك الإجرامي المعاقب عليه قانونا، وتتمثل العوامل الاجتماعية في الأصدقاء والمراحل التعليمية باختلافها، كذلك بيئة العمل وغيره من أماكن التجمعات الاجتماعية المؤثرة في الفرد ودوافعه.

ثالثا: أثر الدافع في الشريعة الإسلامية:

لقد اهتمت أحكام الشريعة الإسلامية بدراسة الباعث والدافع كعامل أساسي في تقدير العقوبة والقصاص المناسبين، لا سيما من حيث كون هذا الدافع مشروع أو غير مشروع، وعلى أساس ذلك يتم تحفيف العقاب أو تشديده أو إلغاء العقاب بالكامل، ولقد درس علماء الإسلام العوامل المؤثرة في الدوافع؛ مثل ضعف الإيمان واتباع الشيطان واتباع الأهواء والشهوات وغيرهم من العوامل المؤثرة في سلوك ودافع الفرد الإجرامي.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الإسلام شرع حدود وعقوبات لحفظ أمن وسلام الفرد والمجتمع، وللحديث عن أثر الدافع في مجال التجريم والعقاب كان لابد من تناول أنواع العقوبات في الإسلام ومن ثم تناول أثر الدافع على تلك العقوبات على النحو التالي:

1- أنواع العقوبات في الإسلام:

لا شك بأن الشريعة الإسلامية أحاطت بعض السلوكيات بالتأثيم والعقاب، بغية الحفاظ على قوام الفرد والمجتمع، وأطلقت الشريعة الإسلامية على تلك العقوبات اسم الحدود، وشددت على عدم المساس بها، فيقول الحق سبحانه وتعالى ” تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون”،[7] وشرعت الحدود لحفظ الدين والنفس والمال وعدم اختلاط الأنساب وغيره من الجوانب، فالحفاظ على النفس البشرية غاية أساسية من غيات الشريعة، فقد حرم الله – سبحانه وتعالى –  قتل النفس بغير الحق وعاقب على ذلك، حيث يقول الله تعالى ” يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى”،[8] فتكون تلك العقوبة لحفظ النفس من الهلاك.

أما النوع الآخر من العقوبات هو ما يشرع لحفظ النسل وعدم اختلاط الأنساب، فقد شرع حد الجلد للزاني والزانية، وتم الإشارة إلى تلك العقوبة في العديد من المواضع بالقرآن والسنة النبوية الشريفة، وهناك عقوبات شرعت لحفظ المال، مثل قطع يد السارق، وعقوبات لحفظ العقل مثل حد شرب الخمر.

وتنقسم العقوبات إلى عقوبات حد، وعقوبات القصاص والدية، وعقوبات التعزير، وتلك الأخيرة هي التي لم يرد فيها عقوبة، حيث عرفها ابن قدامة بأنها: ” العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها “.[9]

ولا شك بأن هناك إجماع على مشروعية التعزير استنادا للعديد من الأدلة من الكتاب والسنة، وللقاضي السلطة التقديرية في إيقاع الجزاء المُناسب على الجاني، عكس ما هو مقرر في عقوبات الحدود المُشّرعة فيها العقوبة بشكل لا يسمح بالاجتهاد أو التقدير.

2- أثر الدافع على العقاب في الشريعة الإسلامية:

لا شك بأن عقوبات الحدود لا يوجد بها سلطة تقديرية حتى ولو من الحاكم نفسه، فهي عقوبات محددة سلفاً من الشارع – سبحانه وتعالى – فلا يستطيع أحد أن يغير فيها، أما في جرائم القصاص فيختلف الأمر، فبالرغم من أنها عقوبات محددة سلفاً، ولكن يمكن النزول والعفو عنها، ويمكن للقاضي أن يقدر الأمور فيها بعكس الحدود، وتجوز فيها الشفاعة، ولما كان ذلك، وكانت تلك العقوبات المتعلقة بالقصاص مختلفة عن الحدود، بيد أن تأثير الدافع عليها غير موجود، حيث إن الأصل في الإسلام تطبيق العقاب دون النظر إلى الدافع والباعث.

والخلاصة أن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين الدافع والباعث فيما يخص كلا من عقوبات القصاص والحدود، إلا بعض الاستثناءات التي وردت على بعض الجرائم، مثل السرقة بدافع الجوع الشديد بالقدر الذي يدفع ذلك الخطر من الموت بسبب الجوع، فيُعطل هنا حد السرقة استنادا إلى باعث الضرورة.

ومما سبق نستنتج أن الأصل في تطبيق العقوبة أنه لا يسقط إلا في حالات معينة مثل الباعث على الضرورة كما أسلفنا في المثال السابق، وهناك أيضا عدة حالات يعطل فيها العقاب، مثل حالة الباعث على الإكراه، ونستنج أيضا أن القاضي يأخذ بالدافع والباعث في جرائم التعزير، وله سلطة تقديرية في تخفيف العقاب أو تشديده أو حتى منعه بالكامل.

رابعا: مدى تأثير الدافع في القانون الجزائي الأردني:

إن الدافع هو المحفز والمحرك للسلوك الإجرامي، ولقد اتخذ فريق من أهل الفقه موقفا بان الدافع من العناصر المكونة للجريمة، ولكن المشرع لا يعتبر الدافع عنصر من عناصر الجريمة إلا في بعض الاستثناءات، وبالرغم من عدم ذكر الدافع كعنصر في التشريعات إلا أن بحثه أمر مهم جداً من قبل جهات التحقيق؛ فقد لا يتم التحقيق بدون أخذه بعين الاعتبار في كافة مراحل التقصي والإثبات.

ويثور السؤال عن تأثير الدافع في التشريعات الجزائية داخل المملكة، ونتعرض لضوابط الاعتبار بالدافع وأثره في التبرير والتجريم، ومن ثم لأثر الدافع في مجال العقوبات على النحو التالي:

1- ضوابط الاعتبار بالدافع وأثره:

يُعتبر الدافع عنصر أساسي من عناصر القصد الجرمي للجريمة، حيث إن الدافع هو المكون والمشكل الأساسي لعملية الإرادة، ومن المعروف أن القصد الجرمي يتكون من العلم والإرادة كما سلف وأن ذكرنا ذلك من قبل، ولكن يجب ملاحظة أنه وإن كان الدافع من العناصر الواقعية الجوهرية للجريمة إلا أنه من الناحية القانونية لا يكون له أهمية تذكر إلا في الحالات التي قررها المشرع بنصوص خاصة.

حيث إن القاضي عندما يشرع في استخلاص الأركان العامة المكونة للجريمة لا ينظر إلى الدافع الذي دفع الجاني إلى ارتكاب فعله، فالجريمة تقوم بمجرد توافر أركانها دون النظر إلى الدافع وراء ارتكابها إلا فيما قرره القانون بنص خاص.

فالمشرع وضع ضابطا للأخذ بالدافع في التجريم والتبرير داخل المملكة، حيث نصت (المادة 67) من قانون العقوبات الأردني المُعدل على تعريف “الدافع” بأنه: “العلة التي تحمل الفاعل على الفعل، أو الغاية القصوى التي يتوخاها”، ولا يكون الدافع عنصر من عناصر الجريمة إلا في استثناءات ينص عليها القانون، حيث نصت الفقرة الثانية من ذات المادة على: ” لا يكون الدافع عنصرا من عناصر التجريم إلا في الأحوال التي عينها القانون “.

ويؤكد ذلك ما ورد في حكم محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية رقم 1148 لسنة 2022 حيث قضت بأن: (ولقيام المسؤولية الجزائية في جريمة التهديد لا بد من توافر أركانها والمتمثلة بالركن القانوني بأن يكون هناك نص قانوني يجرم فعل التهديد، والركن المادي بأن يقوم الجاني بأفعال مادية أو قولية من شأنها أن تحدث الرعب في نفس المجني عليه مما يشكل اعتداء على حريته أو أمنه كالتهديد بإشهار سلاح أو توجيه كلمات للمجني عليه وسواء كانت هذه الأقوال صدرت عن الجاني شفاهةً أو كتابة أو بواسطة شخص ثالث طالما الأمر المهدد به يشكل جريمة، وكذلك لا بد من توافر الركن المعنوي (القصد الجرمي) بأن تتجه إرادة الفاعل إلى القيام بأفعال التهديد وهو يدرك ما لفعله هذا من أثر في نفس المجني عليه وأن تتجه نيته إلى إحداث هذا الأثر ولا عبرة للدافع على التهديد فيعاقب الفاعل سواء كانت بقصد من التهديد الانتقام أو الحصول على مال أو مجرد المداعبة أو المزاح).

فالضابط هنا هو ورود نص خاص يعتبر الدافع عنصر من عناصر الجريمة كي يؤخذ بعين الاعتبار ويغير في طبيعة العقاب، وبالرجوع للقصد الجرمي وعلاقته بالدافع، فنجد اتجاه من الفقه لا يشترط وجود قصد جرمي خاص وإنما يكتفي بالقصد العام لقيام الجريمة، ومن المعرف بأن الدافع لا يكون موجوداً إلا في وجود القصد الجرمي الخاص بالجريمة محل الاتهام، والواقع أن القصد الجرمي الخاص يشترط تواجده في جرائم معينة، وفي جرائم أخرى لا يشترط وجود دافع أو قصد خاص وإنما يكتفي بأن يتوافر القصد الجرمي العام مثل جريمة استثمار الوظيفة في القانون الأردني.

والخلاصة أن المشرع الأردني أخذ بعين الاعتبار الدافع كعنصر من عناصر الجريمة فقط في الجرائم التي ورد بها نص خاص، لأنه في بعض الحالات يكون من المهم جدا النظر في الدافع والباعث ومدي مشروعية كل منهما، فإذا كان الباعث والدافع شريف فيؤخذ بأسباب التخفيف أو منع العقاب، وإذا كان خبيث فيؤخذ بأسباب التشديد، سنتعرض لذلك على النحو التالي:

2- أثر الدافع في جرائم الخطر:

جرائم الخطر هي: الجرائم التي يتدخل المشرع لحماية المصلحة القائمة فيها بمجرد وقوع خطر عليها،[10] وتتمثل تلك الجرائم في الأفعال التي تنال من هيبة وسلامة الدولة والإضرار بمصالحها، مثل جرائم حمل الأسلحة وغيرها من الجرائم التي تشكل خطراً على أمن وسلامة الدولة والمجتمع والأفراد، وينظر للدافع هنا ويقوم على أساسه العقاب.

فمثلا جريمة دس الدسائس لدى العدو بهدف المعاونة له ضد الدولة تصل عقوبتها للإعدام، بعد الأخذ بالاعتبار دافع الإضرار بالدولة، حيث نصت المادة 112 من قانون العقوبات المعدل الأردني على ” كل أردني دس الدسائس لدى العدو أو اتصل به ليعاونه بأي وجه كان على فوز قواته على الدولة عوقب بالإعدام”، ويتضح لدينا هنا أنه يشترط لقيام الجريمة أن يكون هناك قصد جرمي خاص ودافع لإتيان السلوك الإجرامي، ويتضح لدينا هنا أن الدافع في جرائم الخطر هو عنصرا أساسيا تشدد على أساسه العقوبة.

3- أثر الدافع في جرائم الضرر:

أشرنا سلفا بأن هناك استثناءات داخل التشريعات الأردنية فيما يخص الدافع، وتطرقنا للحديث عن تأثير الدافع على جرائم الخطر، ووجدنا أن له تأثير مباشر في بعض الجرائم يؤخذ بعين الاعتبار في التجريم والعقاب، ويثور السؤال عن مدى الأخذ بعين الاعتبار للدافع في جرائم الضرر؟

وجرائم الضرر هي: هي الجرائم التي تتمثل النتيجة فيها إلى تحقق ضرر فعلي على المصلحة التي أراد المشرع حمايتها”، مثل جرائم عرقلة سير العدالة وجرائم الدين وجرائم الطرق العامة والمواصلات وغيرها.[11]

ولعل أبرز مثال على ذلك هو جريمة التعامل بالنشرات والمواد البذيئة، ويتوافر هنا القصد الجرمي والدافع على نشر مثل تلك المواد البذيئة، ويكون الدافع المحرك لذلك هو قصد البيع والنشر لجني الأموال من وراء تلك المواد البذيئة الممنوعة بقوة القانون، فقد اشترط المشرع بنص (المادة 319) الفقرة الأولى منها أن يكون الغرض والدافع من الجريمة هو البيع، ولا تقع الجريمة إلا بوجود البيع، وتبرز أهمية الدافع في منع العقاب هنا، حتى وإن توافر القصد العام فلا بد من توافر القصد الخاص والدافع.

فضلاً عما تقرر بموجب (المادة 431) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: ” كل من غش آخر سواء في كمية الشيء المسلم أو ماهيته إذا كانت هذه الماهية هي السبب الدافع للصفقة يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبالغرامة من عشرة دنانير إلى خمسين دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين”.

خامساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالدافع وأثرة على الجريمة:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 542 لسنة 2021 ما يلي:

فالإرادة هي النشاط الذهني النفسي الذي يتجه إلى سلوك معين بغية تحقيق نتيجة ما استناداً إلى دافع وغاية محددة فالإرادة هي العنصر الجوهري للقصد الجنائي وهي موجودة في جميع صور الركن المعنوي وهي الإرادة الآثمة المعتد بها في القصد الجنائي ويتعين توافر الجدية في الإرادة لدى شخصين على الأقل بأن تتجه إرادة المتفق الحرة والسليمة التي لا يعتريها لبس ولا يشوبها مانع في أن يصبح طرفاً في الاتفاق والقيام بالدور المعهود به إليه وينبغي في ذلك التفرقة ما بين إرادة الجاني المتجهة إلى الاشتراك في الاتفاق على تشكيل عصابة بقصد التعدي على الأشخاص أو الأموال وارتكاب أعمال اللصوصية وبين مجرد التقاء شخصين أو أكثر وتوارد الخواطر وتوافقها فيما بينهم والذي لا يعني أنهم عقدوا اتفاقاً على تشكيل عصابة بقصد التعدي على الأشخاص أو الأموال وارتكاب أعمال اللصوصية.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 1773 لسنة 2018 ما يلي:

وبالتالي فإن الغاية المقصودة من فعل الخطف لا تدخل ضمن عناصر الركن المعنوي لهذه الجريمة سواء تم الخطف بقصد الزواج أو بقصد استيفاء دين أو غير ذلك وقد نصت المادة 67 عقوبات على أن الدافع لا يكون عنصراً من عناصر التجريم إلا في الأحوال التي عينها القانون – وهو العلة التي تحمل الفاعل على الفعل أو الغاية القصوى التي يتوخاها وعلى ذلك فإن الركن المعنوي المتمثل بقصد ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون قائم بأفعال المتهم الثابتة وبالتالي فإن جميع أركان وعناصر جناية الخطف متحققة بأفعال المتهم الثابتة.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 972 لسنة 2018 ما يلي:

فإن المحكمة تشير إلى أنه ليس بوسعها الاعتداد بالعلل التي ساقها الظنين وحملته على اقتراف فعله الجرمي إذ أنها من الدوافع والبواعث ولا يكون الدافع عنصراً من عناصر التجريم إلا في الأحوال التي عينها القانون وفقاً لما تقرره أحكام المادة (67) من قانون العقوبات.

إعداد/ عماد محمد.

[1] الماوردي، أبو الحسن على بن محمد، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 273.

[2] إبراهيم، محمد إسماعيل، مفهوم الدافع وأثره على عوامل السلوك الإجرامي: دراسة مقارنة، مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، ص 377.

[3] الماوردي، أبو الحسن على بن محمد، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، ص257.

[4] نقلاً عن: د. سعدية محمد كاظم، الاستفزاز، ط ٤، مطبعة العاني، بغـداد، ١٩٨٤، ص ٩١ نقلا عن مقال محامي أردني معروف ).

[5] د. السر الجيلاني الأمين حماد د. عمر الجيلاني الأمين حماد، مفهوم القصد الجنائي في الفقه الإسلامي والقانون، ص 295.

[6] د. السر الجيلاني الأمين حماد د. عمر الجيلاني الأمين حماد، المرجع السابق، ص 293.

[7] سورة البقرة، الآية 229. ومراجعة مقال محامي الأردن.

[8] سورة البقرة، الآية 178

[9] ابن قدامه، المغني، ص324.

[10] الجبور، خالد على، أثر الدافع في التشريع الجزائي الأردني، جامعة آل البيت، رسائل ماجستير غير منشورة، ص 19.

[11] المرجع السابق، ص 25

Scroll to Top