إثبات الخطأ الطبي

إثبات الخطأ الطبي

لجسم الأنسان حرمة دينيه وحماية تشريعية، ويعد لجوء الإنسان إلى الطبيب والسماح له بالتعدي على جسده استثناء على الحماية المفروضة على جسد الأنسان، لذلك فقد عمدت جميع التشريعات على ضبط هذا الاستثناء لكي يكون في أضيق الحدود، لذلك فقد فرضت التشريعات لمواجهة الخطأ الطبي، وسنتناول في هذا المقال كيفية تناول المشرع الأردني لأثبات الخطأ الطبي وذلك من خلال النقاط الأتية:

أولًا: مفهوم العمل الطبي

ثانيًا: ماهية الخطأ الطبي

ثالثًا: صور الخطأ الطبي

رابعًا: إثبات الخطأ الطبي

خامسا: دور الخبرة في إثبات الخطأ الطبي

سادسا: الطبيعة المعقدة للخطأ الطبي

سابعًا: موقف المشرع الأردني

ثامنًا: تطبيقات قضائية

تاسعًا: خاتمة

 

أولًا: مفهوم العمل الطبي

قبل الحديث عن إثبات الخطأ الطبي لابد لنا ان نتعرف على ماهية العمل الطبي، والغاية من هذا الإيضاح ان العاملين بالمجال الطبي والمرخص لهم بمزاولته هم فقط من يستفيدون من تقدير الخطأ الطبي، أما من يقومون بممارسه هذا العمل دون ترخيص فلا يستفيدون من هذا التقدير، كذلك فان الطبيب يستفيد من تقدير الخطأ الطبي حال الممارسة لعمل طبي وليس لجريمه بشكل عمل طبيعة.

وعرّفه آخر بأنه: ذلك النشاط الذيِ يتفق في كيفية وظروف مباشرته مع القواعد المقررة في علم الطب ويتجه في ذاته – أي وفق المجرى العادي للأمور- إلى شفاء المريض، والأصل في العمل الطبي أن يكون علاجيا، أي يستهدف التخلص من المرض أو تخفيف حدته؛ أو مجرد تخفيف آلامه؛ ولكن يعد كذلك من قبيل الأعمال الطبية ما يستهدف الكشف عن أسباب الصحة أو مجرد الوقاية من المرض[1].

المادة (2): من قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم 25 لسنة 2018 جاء بها (يكون للكلمات والعبارات التالية حيثما وردت في هذا القانون المعاني المخصصة لها أدناه ما لم تدل القرينة على غير ذلك: القواعد المهنية: مجموعة القواعد والأعراف والتشريعات التي تفرضها طبيعة عمل مقدمي الخدمة وفقا لأحكام المادة (5) من هذا القانون.)

ثانيًا: ماهية الخطأ الطبي

يعرف الخطأ عموما بأنه الخروج عن تصرف الشخص العادي عن طريق رعونة وعدم الحيطة وعدم اتباع القوانين، أما الخطأ المهني فيمكن تعريفه بانه الخطأ الذي يتعلق بأصول فقهية للمهنة، وبذلك فالخطأ الطبي يتفرع من هذا التعريف فيمكن القول ان الخطأ الطبي عبارة عن خطا الطبيب لسبب راجع له لخروجه عن الأصول الفقهية لمهنة الطب، تلك الأصول قد تكون مكتوبه مثل اللوائح والقوانين وقد يكون متعارف عليها بالممارسة الطبية العملية.

المادة (2): من قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم 25 لسنة 2018 جاء بها (يكون للكلمات والعبارات التالية حيثما وردت في هذا القانون المعاني المخصصة لها أدناه ما لم تدل القرينة على غير ذلك: الخطأ الطبي أي فعل أو ترك أو أهملا يرتكبه مقدم الخدمة ولا يتفق مع القواعد المهنية السائدة ضمن بيئة العمل المتاحة وينجم عنه ضرر.)

ثالثًا: صور الخطأ الطبي

الطبيب في ممارسته لعمله الطبي يمر بأربعة مراحل، التشخيص المبدئي والتشخيص التكميلي ومرحله العلاج ومرحله تنفيذ العلاج، ويوجد مرحلة أخيرة تنقطع فيها الصلة بين الطبيب والمريض وقد يترك خطا الطبيب على المريض الضرر، ذلك الضرر قد لا يرى إلا بعد العلاج بفترة. والخطأ الطبي قد يكون في أحد الصور الأتية:

1- عدم التبصر

يمكن تعريف عدم التبصر بأنه عدم بذل الجهد في الوصول للمعلومات التي من شانها منع حدوث الخطأ.

ويفترض على الطبيب أن يبذل عناية الرجل اليقظ وجد في نفس الظروف الخارجية التي أحاطت بالطبيب المسئول وكان مماثلا له في الشهادة والتخصص وفي الظروف العامة الموجودة. وعلى الطبيب كذلك أن يعتمد في تشخيصه كافة الوسائل والتجهيزات الطبية الضرورية؛ واستعمال الطرق العلمية الجاري العمل بها عند الأطباء. وله الاستعانة بزملائه الأكثر تخصصا، إذا ما ثارت شكوكه حول طبيعة المرض[2].

2- عدم الاحتراز

يعد عدم الاحتراز مضاد للحالة الأولى لأنه في هذه الحالة يمكن للطبيب توقع المعلومة أو استيفائها ومع ذلك لا يبذل من الجهد لمنع حدوث خطأ جراء عدم وضع تلك المعلومة موضع الاعتبار في تقدير العملة الطبي.

3- الإهمال والرعونة

الإهمال هو عدم اتخاذ ما يلزم لتفادي حدوث ضرر، والرعونة تعني التسرع وعدم احترام ضوابط العمل، ويعد الإهمال والرعونة من النتائج المترتبة على جهل من الطبيب أو إلى عدم ضبطه لمخرجات المعلومات التي بين يده.

كما قضت المحكمة العليا بأن صرف دواء غير ملائم لحالة المريض الصحية والمؤدي إلى وفاته؛ كفيل بانعقاد مسؤولية الطبيب على أساس خطئه المتمثل في الإهمال وعدم الانتباه[3].

4- عدم مراعاة اللوائح والقوانين

بيننا ان ما يحكم الخطأ الطبي هو المعمول به في الفقه الطبي، لذلك فإن من الأولى أن يحترم الطبيب واجبه والتزاماته من خلال مراعاة اللوائح والقوانين المنظمة لعمله.

رابعًا: إثبات الخطأ الطبي

1- المتحمل عبء الإثبات

قبل الحديث عن كيفيه إثبات الخطأ الطبي في مواجهه الطبيب لابد أولا ان نحدد دور الطبيب في العمل الطبي، فالطبيب قد تقتصر مسؤوليته على بذل العناية ويكون ذلك في الأعمال التي لا يتيقن فيها الحصول على نتيجة، وعندئذ يكون عبء الإثبات على المضرور ليثبت ان الطبيب لم يبدل العناية المطلوبة، وقد يتفق الطبيب مع المريض لتحقيق نتيجة معينة فاذا لم تحدث تلك النتيجة وأصيب المريض بضرر معين انتقل عبء الإثبات في عدم وجود الضرر ليكون على الطبيب ليثبت ان عدم الوصول للنتيجة والضرر الذي أصاب المريض ليس راجع لسوء تقدير منه لعدم اخذ الاحتياط الذي يأخذه أقرانه في نفس الظروف.

وعندما يكون التزام الطبيب بتحقيق نتيجة؛ فبمجرد عدم تحقق النتيجة يقع عبئ إثبات الخطأ الطبي على عاتق الطبيب إذ يكتفي المريض بإثبات وجود التزام طبي بينه وبين الطبيب» فتفترض قيام مسؤولية الطبيب، إلا إذا أقام هذا الأخير الدليل على تنفيذه لهذا الالتزام أو أن عدم تنفيذ الالتزام يرجع إلى وجود سبب أجنبي كالقوة القاهرة، أو الحادث الفجائي، أو خطأ المضرور، أو خطأ الغير[4].

2- التبعية والمسؤولية الشيئية

لبيان مسؤوليه الطبيب الشيئية ومسؤوليه المؤسسة المسؤولة عن الطبيب لابد ان نفرق بين الطبيب الذي يعمل لدى جهة حيث انه يتبع مؤسسه سواء كانت عامه أو خاصه والطبيب الذي يعمل لصالحه، ففي حاله اذا كان الطبيب يعمل وقت وقوع الضرر لدى مؤسسه فانه يكون تابع لها فيسال عن خطئه جزائيا وتسال عنه المؤسسة التي يعمل لديها مدنيا بناء على مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، كذلك تسال المؤسسة التابع لها الطبيب عن الأشياء التي يستخدمها الأطباء أثناء ممارستهم مهامهم، أما في حال كون الطبيب يعمل لصالحه ويستخدم أشياءه فانه يسال عن أفعاله جزائيا ومدنيا، ويسال عن الأضرار التي تسببها الأشياء التي يستخدمها طالما انه لم يستخدمه وفق المعايير والضوابط المتعارف عليه

خامسا: دور الخبرة في إثبات الخطأ الطبي

القاضي عامة لا يقضي بعلمه، بل لابد ان يستند في حكمه على أسس فنيه إذا ما أحتاج الحكم إلى ذلك، والخطأ الطبي كذلك لا يمكن البث فيه إلا بعد اللجوء إلى الخبرة، واللجوء إلى الخبرة يفيد في وجهين، الأول تحديد وجود خطأ من عدمه، والثاني تحديد ما خلفه هذا الخطأ من ضرر عاد على المريض لتحديد نسبة عجز عضو من الأعضاء أو نسبه عجز كامل الجسد.

والجدير بالذكر ان راي الخبرة غير ملزم للمحكمة فتستطيع طرح ما تراه غير متسق مع العدالة بما لها من السلطة التقديرية لتقدير الأدلة، كما أنها تستطيع ان تلجا إلى سبل أخرى للإثبات مثل شهادة الشهود والتحقيق، وكذلك فان لها سلطه تقديريه في تقدير التعويض الجابر للضرر الذي وقع على المريض.

إن المبدأ العام في التزام الطبيب اتجاه المريض لا يمنع القاضي من تقدير الخطأ بنفسه متى تعلق الأمر بالأعمال الطبية الظاهرة، مثل عدم إعطاء المريض حقنة المخدر أو عدم تقيم الأدوات الطبية المستعملة في العملية الجراحية؛ أو في حالة نسيان بعض الأدوات في جسم المريض؛ وهذه الحالات تندرج ضمن الأخطاء العادية حسب رأي الفقه[5].

سادسا: الطبيعة المعقدة للخطأ الطبي

قليلا ما نجد ان الخطأ الطبي يمكن إثباته بسهوله ويرجع ذلك لعده أسباب نذكرها منها:

1- صعوبة تقدير الضرر

الضرر أما ان يكون حال أو مستعجل أو محتمل، والضرر الذي يكون محل اعتبار لدى القاضي هو الضرر الحال والضرر المستقبلي أما الدار المحتمل فيستبعد تناوله لعدم تحقق وجوده، والصعوبة التي تواجه تحديد الخطأ الطبي هي تحديد الضرر حيث ان التدخل في جسم الأنسان بصوره خاطئة قد لا تظهر أثاره إلا بعد العديد من السنوات في بعض الحالات.

2- عدم دراية المريض بالخطورة الطبية

بعض الحالات قد تحتاج إلى موافقه خاصه من المريض أو ذويه لخطورة العمل الطبي، تلك الموافقة تكون في معظم الحالات قائمه على شرح الطبيب وتكمن الصعوبة في تقدير مدى إيصال الطبيب للمعلومة للمريض بدقه ومدى تفهم المريض لها، وتقدير مدى خطا الطبيب إذا ما وقع ضرر للمريض.

3- التقدم الطبي السريع

لم يعد العالم كسابق عهده من حيث الانطواء كذلك المجال الطبي فكل يوم نجد المؤتمرات الدولية التي تهتم بالصحة وبالمجال الطبي عامه، تلك المؤتمرات تساعد على الارتقاء بالأطباء وارتفاع مستوياتهم المهنية والطبية خاصه المترددين على تلك المؤتمرات والمتابعين لها، مما يجعلهم أفضل من غيرهم، والسؤال الذي يثير في هذا النطاق هل إهمال الطبيب في متابعه تلك المؤتمرات والمستحدثات الطبية وما توصل اليه العلم يعد شكلا من أشكال التقصير إذا ما أصاب المريض بخطأ جراء عدم اطلاعه أم لا؟

4- الحيطة في قبول الإثبات

كما بيننا فان القاضي يكون حذر في فرض المسؤولية على الطبيب ويرجع في تحديد ذلك إلى أهل الخبرة، لتقدير ما إذا كان هناك خطا طبي من عدمه، ويرجع ذلك لان الأصل في العمل الطبي الإباحة مما يجعل إثبات الخطأ صعبا على المريض من الحفاظ على المصلحة العامة واستقرار المعاملات.

سابعًا: موقف المشرع الأردني

1- التصدي المنجز

لقد حسن فعل المشرع الأردني حين أعطى أوجد نظامًا مستقلًا للشكوى من الخطأ الطبي يعمل بنزاهة وحيادية، وذلك من خلال إنشاء لجنة نظمت عملها المادة (9) من قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم 25 لسنة 2018 والتي نصت على:

على الرغم مما ورد في أي تشريع آخر:

أ. يشكل الوزير لجنة تسمى (اللجنة الفنية العليا) على النحو التالي:

  1. خمسة من أطباء الاختصاص ممن لا تقل ممارستهم للمهنة عن عشر سنوات.
  2. اثنان من أطباء اختصاص الأسنان ممن لا تقل ممارستهم للمهنة عن عشر سنوات.
  3. صيدلاني ممن لا تقل ممارسته للمهنة عن عشر سنوات.
  4. ممرض ممن لا تقل ممارسته للمهنة عن عشر سنوات.
  5. ممثل عن المهن الصحية يسميه الوزير ممن لا تقل ممارسته للمهنة عن عشر سنوات.
  6. المستشار القانوني في الوزارة.

ب.1. تنتخب اللجنة في أول اجتماع تعقده رئيسا لها ونائبا له من بين أعضائها.

  1. تكون مدة العضوية للأعضاء المنصوص عليهم في البنود من (1) إلى (5) سنتين قابلة للتجديد لمرة واحدة.
  2. يسمي الوزير أحد موظفي الوزارة أمينا لسر اللجنة يتولى تنظيم اجتماعاتها وتدوين محاضر جلساتها وحفظ قيودها وسجلاتها.

ج. تتولى اللجنة المهام والصلاحيات التالية:

  1. النظر في الشكاوى المقدمة من متلقي الخدمة، أو ورثته، أو وليه، أو وصيه إلى الوزير أو النقابة المعنية بحق مقدم الخدمة ورفع القرار بشأنها إلى الوزير أو النقابة المعنية.
  2. تقديم الخبرة الفنية في الدعوى أو الشكوى بناء على طلب الجهة القضائية المختصة.

د. على اللجنة اتخاذ قراراتها أو تقديم الخبرة الفنية خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ تقديم الشكوى أو طلب الخبرة الفنية.

ه. تجتمع اللجنة بدعوة من رئيسها أو نائبه عند غيابه وكلما دعت الحاجة ويكون اجتماعها قانونيا بحضور أغلبية أعضائها على أن يكون من بينهم الرئيس أو نائبه وتتخذ قراراتها بأغلبية أصوات أعضائها.

و. على اللجنة تشكيل لجان فرعية متخصصة من خارج أعضائها تتولى إبداء رأيها في الطلبات التي تحيلها إليها اللجنة وعلى هذه اللجان رفع تقريرها بشأنها إلى اللجنة.

ز. يقسم أعضاء اللجان قبل مباشرتهم أعمالهم أمام الوزير اليمين التالية:

أقسم بالله العظيم أن أقوم بعملي بكل أمانة وإخلاص وأن أقوم بمهامي وواجباتي بتجرد وحياد دون أي تمييز”

2- العقوبات الرادعة

كذلك فقد عددت العقوبات التي يمكن أ تقع على الطبيب بالمواد (20) و (21) و (22) و (23) من قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم 25 لسنة 2018 والتي هي بمثابة ردع للمتسبب في الخطأ، وشدد المشرع الأردني العقوبات بالمادة (24) من ذات القانون حيث نصت على: (تضاعف العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون إذا كان مرتكب الخطأ الطبي تحت تأثير مخدر أو مؤثر عقلي.)

ثامنًا: تطبيقات قضائية

الحكم رقم 859 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2020-06-21

وفي الرد على ذلك ومن الرجوع لأوراق الدعوى وتقرير الخبرة الجاري أمام محكمة الدرجة الأولى ومناقشة الخبراء أمام محكمة الاستئناف تبين أن دعوى المدعية ليلى تقوم على المطالبة بالتعويض عن الخطأ الطبي الذي ارتكبه المدعى عليه بمعالجتها وإن إثبات الخطأ الطبي يتطلب إجراء خبرة فنية من أهل المعرفة والاختصاص.

وقد قامت محكمة البداية بإجراء خبرة من الدكتور خلدون حدادين اختصاصي جراحة التجميل والترميم والدكتور أكرم عبوي استشاري جراحة التجميل والترميم وقدموا تقريراً خطياً وجرت مناقشتهم به أمام محكمة الاستئناف بصفتها محكمة موضوع وقد تضمن التقرير بأنهما قد اطلعا على التقارير الطبية المعطاة للمريضة وقاما بفحصها وتوصلا إلى أن المدعى عليه طبيب أخصائي جراحة عامة وإن المدعية تمت معالجتها بمادة نافخة للجلد ودائمة وغير مسجلة في مؤسسة الغذاء والدواء ويصعب إزالتها وقاما بوصف حالة المدعية بشكل واضح وتوصلا إلى أن المدعى عليه قد ارتكب خطأ طبياً كونه غير مختص في التجميل وإن المادة المستعملة في العلاج مادة خطرة ولا تستعمل في العلاج .

مما تقدم تبين أن التقرير واضح ومفصل وأثبت وجود الخطأ الطبي من جانب المدعى عليه وعليه فإن هذا التقرير يعتبر بينة صالحة لبناء الحكم عليه وإن اعتماده من محكمة الموضوع بما لها من صلاحية في قبول البينة وترجيح بينة على أخرى موافق للأصول وقرارها بالاستناد إليه موافق للقانون مما يجعل هذين السببين لا يردان على القرار ويتعين ردهما.

الحكم رقم 1202 لسنة 2016 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2016-06-05

إذا أسس المدعون بصفتهم الواردة في لائحة الدعوى دعواهم للمطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصابهم نتيجة وفاة مورثتهم المرحومة مادلين بسبب الخطأ الطبي الذي اقترفته الجهة المدعى عليها وأدى إلى وفاتها فإن المستقر عليه فقهاً وقضاءً أن المسؤولية الطبية بين الطبيب والمريض تقوم على بذل العناية اللازمة وعدم التقصير والإهمال وليس الشفاء أي بذل عناية وليس تحقيق غاية وإن من أركان هذه المسؤولية لغايات مساءلة الطبيب عن الخطأ الطبي تقوم على: 1. خطأ طبي .2. ضرر.3. علاقة السببية، وحيث إن معيار الخطأ الطبي الذي يسأل عنه الطبيب في حال تحقيقه هو سلوك الطبيب الوسط من المستوى نفسه في الظروف الخارجية نفسها المحيطة بالطبيب المعالج. وحيث إن إثبات الخطأ الطبي يتطلب إجراء خبرة فنية من أصحاب المعرفة والاختصاص بمثل هذه الأمور فقد أجرت محكمة الاستئناف خبرة ثلاثية لم يتم اعتمادها وأجرت خبرة جديدة من خمسة أطباء في مجال الأمراض الباطنية واستشاري الأمراض المعدية والطب الشرعي وهم من أصحاب المعرفة والاختصاص حيث قدم الخبراء تقرير خبرتهم بعد اطلاعهم على الملف الطبي للمرحومة وكامل أوراق الملف تبين لهم أن ما قام به طبيب الطوارئ المدعى عليه الرابع مخالف للأصول والأعراف الطبية المعمول بها وأنه قد قصر وأهمل في القيام بواجبه تجاه المرحومة مادلين وأخطأ في تشخيص مرضها حيث إن الأعراض التي كانت تعاني منها تتماشى مع مرض التهاب السحايا وكذلك الفحص السريري من وجود تشنج في العنق، وكان عليه إجراء مزيد من الفحوصات لإثبات أو نفي احتمالية حدوث التهاب السحايا وكذلك الأمر تقصيره بعدم إبلاغ واستشارة الاختصاصي المعالج وكذلك خطأه في التعامل مع حالة المرحومة، وعلى ضوء ثبوت إهمال وخطأ الطبيب المعالج بتقرير الخبرة الفنية المعتمد من محكمة الاستئناف قامت بإجراء خبرة فنية من خبراء محامين وطبيب لتقدير بدل التعويض عن الضررين المادي والمعنوي الذي أصاب المدعين، وحيث إن الخبرة الفنية وسيلة من وسائل الإثبات وفقاً للمادة (2/6) من قانون البينات. وحيث لا رقابة لمحكمة التمييز على محاكم الموضوع فيما تتوصل إليه من وقائع واستنتاجات ما دامت مستمدة من بينة قانونية ثابتة ومستخلصة استخلاصاً سائغاً، وبما أن الخبرة التي أجرتها محكمة الاستئناف بشقيها جاءت مستوفية لشروطها القانونية المنصوص عليها بالمادة 83 من قانون أصول المحاكمات المدنية، وجاء تقرير الخبرة واضحاً لا لبس فيه موفياً للغرض الذي أجري من أجله ولم يبد الطاعن أي مطعن جدي قانوني أو واقعي ينال من تقريري الخبرة فإن اعتمادها من محكمة الاستئناف وبناء حكمه عليهما يتفق وحكم القانون

الحكم رقم 10483 لسنة 2021 – استئناف عمان الصادر بتاريخ 2021-10-17

ونجد بان المستقر عليه فيما بتعلق بالمسؤولية الطبية للطبيب وبمواجهة المريض بانها تقوم على بذل العناية اللازمة وعدم التقصير والإهمال أي بذل عناية وليس تحقيق غاية أو نتيجة وإن أركان المسؤولية عن الخطأ الطبي لغايات مساءلة الطبيب عن الخطأ الطبي تقوم على:

خطــأ طبــي من الطبيب

الضــرر اللاحق بالمريض

علاقة السببيــة بين الخطأ والضرر، وإذا تخلف أي عنصر من هذه العناصر انتفت المسؤولية، وإن معيار الخطأ الطبي الذي يسأل عنه الطبيب في حال تحققه هو سلوك الطبيب الوسط من المستوى نفسه في الظروف الخارجية نفسها المحيطة بالطبيب المعالج. وإن إثبات الخطأ الطبي يتطلب إجراء خبرة فنية من أصحاب المعرفة والاختصاص بمثل هذه الأمور (انظر بهذا الخصوص قرار محكمة التمييز الأردنية الحقوقية بهيئتها العامة رقم 503/2020 تاريخ 31/5/2020 وقرار تمييز حقوق رقم 1202/2016 تاريخ 5/6/2016) فقد جاء بقرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز الحقوقية رقم 503/2020 ما يلي:

(…ومحكمتنا بهيئتها العامة نجد أن الفقه والقضاء يجمع على أن التزام الطبيب أمام المريض ينحصر في الالتزام ببذل عناية لا بتحقيق نتيجة وبأن العناية المطلوبة منه تقتضي أن يبذل لمرضيته جهوداً صادقة يقظة تتفق في غير الظروف الاستثنائية مع الأصول المستقرة في علم الطب فيسأل الطبيب عن كل تقصير في مسلكه الطبي لا يتفق مع طبيب يقظ في مستواه الطبي وهو في الظروف الخارجية نفسها التي أحاطت بالطبيب كما يسأل عن خطئه العادي أياً كانت جسامته ويتحدد مدى التزام الطبيب بالقواعد المهنية ويؤخذ في الحسبان عند تحديد مدى التزامه بالظروف الخارجية التي يوجد فيها ويعالج فيها المريض كأن تكون حالة المريض خطيرة تقتضي إجراء جراحة فورية أي أن معيار الخطأ هو معيار موضوعي قوامه سلوك الشخص المعتاد…)

وبالتالي يتوجب عند تقدير خطأ الطبيب مراعاة فيما اذا كان طبيب عام أم طبيب متخصص بمجال معين ويتوجب مراعاة ما يحيط بعمل الطبيب من عادات طبية أصبحت مستقرة ومتعارف عليها بالوسط الطبي بذات المجال وكذلك مراعاة الظروف الخارجية التي أحاطت بالطبيب نفسه، ويكون المعيار الذي يقاس به خطأ الطبيب معيار فني يتمثل بالخروج عن الأصول المستقرة المتعارف عليها في مهنة الطب بشكل عام كما يتوجب الأخذ بالاعتبار ان عمليات التجميل لا يكون الهدف منها علاج مرض بل إزالة تشوه في عضو من الجسم والتحسين فيكون التزام الطبيب هنا التزام ببذل عناية اكثر من العناية المطلوبة بالعملية الجراحية التي تهدف إلى الشفاء من المرض.

ومن خلال استعراضنا لتقرير اللجنة الطبية اللوائية وهو البينة الرسمية المعتمدة فأننا نجد ابتدأ انه لم ينسب وقوع أي خطأ طبي من الطبيب المستأنف عليه نتيجة إجرائه العملية التجميلية لأنف المستأنفة حيث أكد التقرير بانه لا يوجد تشوه واضح في المظهر الخارجي للأنف، وانه لا يوجد انحراف في الوتيرة الأنفية ،وان الكسر في عظمة انف المستأنفة ناتج عن إجراء المداخلة الجراحية ،بمعنى ان هذا الكسر بعظم وتيرة الأنف هو من ضرورات ومستلزمات التداخل الجراحي لعملية تجميل الأنف وان تقدير اللجنة نسبة عجز للمستأنفة (10%)من كامل قواها العامة كان بناء على التقارير الطبية الصادرة بحق المستأنفة وبسبب كسر وإزالة بعض من عظم الأنف وهو أساس عملية تجميل الأنف التي طلبت المستأنفة من المستأنف عليه إجرائها لها، وبالنتيجة فإن تقرير اللجنة الطبية اللوائية لم يتضمن أسناد وقوع أي خطأ طبي من المستأنف عليه بسبب إجرائه عملية تجميل انف المستأنفة..

تاسعًا: خاتمة

في هذا المقال تحدثنا عن إثبات الخطأ الطبي، وبينا أن الله قد حرم التعدي على جسد الإنسان وكذلك التشريعات قررت هذا الحق (الحق في سلامة الجسد)، لذلك فقد عمدت التشريعات المختلفة لتنظيم حالة الإباحة في التعدي على جسم الإنسان والمتمثلة في العمل الطبي، وبينا كيف أن هناك شكلين لممارسة الطبيب لعمله أما أن يكون مطالب ببذل عناية وأما أن يكون في تحقيق غاية، فإذا كان مطالب ببذل عناية يكون عبء الإثبات على المريض، أما إذا كان بتحقيق غاية فينتقل عبء الإثبات على الطبيب، وبينا كيف يلقى الواقع العملي صعوبة في إثبات الخطأ الطبي، لذا وجب التشريعات المتباينة التنبه لتلك الصعوبات ومحاولة الوصول إلى سبل أفضل للموازنة بين المصلحة العامة والمتمثلة في عدم تهديد الأطباء بالمسائلة، وكذلك ضمان حصول المتضرر من الخطأ الطبي على حقه في مواجهة المتسبب بالضرر.

كتابة: محمد السعيد عبد المولى

[1] د/ محمود نجيب حسني؛ شرح قانون العقوبات اللبناني، القسم العام، بيروت. دار النهضة العربية؛ 1984، ص201: 202

[2] بسام محتسب بالله؛ المسؤولية الطبية المدنية والجزائية بين النظرية والتطبيق، دمشق، دار الإيمان، الطبعة الأولى، 1984، صـ136-149

[3] المحكمة العليا، قرار رقم (118720): بتاريخ 30 ماي 1995، المجلة القضائية. العدد الثاني 1996 ص 179.

[4] احمد حسن عباس الحيارى، المسؤولية المدنية للطبيب في القطاع الخاص في ضوء النظام القانوني الأردني والنظام القانوني الجزائري، دار الثقافة للنشر والتوزيع عمان الأردن، 2005، ص13

[5] فتحي توفيق العافور، الخطأ الطبي الجسيم في المسؤولية المدنية للطبيب» مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية. مجلد5, عدد19، نوفمبر 2016 جامعة كركوك، ص:330 وما بعدها.

المصدر : موقع محامي الأردن 

Scroll to Top