المسؤولية الجنائية عن جريمة التعذيب

المسؤولية الجنائية عن جريمة التعذيب في القانون الأردني

لا شك بأن تجريم التعذيب للبشر يُعد من الثوابت التي تُعلي القيم الإنسانية الغير مختلف عليها، ويأتي ذلك إبّان الاهتمام العالمي المتزايد بتأثيم تلك الجريمة الشنعاء في حق البشر، لا سيما في الفترة الأخيرة التي فطن فيها الشُراع لخطورة تلك الاعتداءات على الأفراد والمجتمع بشكل عام، ولما كان الأمر كذلك، وكانت جريمة التعذيب تُشّكل خطراً متزايداً على حياة الأفراد داخل المجتمع، فكان لابد من التعرض لذلك الموضوع بالغ الأهمية من الناحية الفقهية والقانونية، موضحين آثار وأركان جريمة التعذيب في القوانين الوضعية، وأيضا دور المجتمع الدولي المتزايد لمواجهة تلك الجريمة، نتعرض لذلك الموضوع على النحو التالي:

أولا: مدلول ومفهوم التعذيب:

ثانيا: أركان جريمة التعذيب:

ثالثا: صور جريمة التعذيب:

رابعاً: أسباب جريمة التعذيب في التشريع الأردني:

خامساً: المسؤولية الجنائية للتعذيب في التشريعات الدولية:

سادساً: المسؤولية الجنائية عن جريمة التعذيب في التشريع الأردني:

سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن جريمة التعذيب:

 

أولا: مدلول ومفهوم التعذيب:

لا جرم أن التعرض إلى جريمة التعذيب يحتاج إلى التعمق في الآراء الفقهية والقانونية لدراسة أركان ذلك السلوك الخطير داخل المجتمع، كما يحتاج إلى بناء التصور الصحيح لدى القارئ للإطار المفاهيمي لتلك الجريمة، وتوضيح الفارق بين تلك الجرائم التي تتسم بالتعاملات الخشنة وبين جريمة التعذيب، لذلك نتعرض لمفهوم ومدلول جريمة التعذيب والفارق بينها وبين الجرائم الأخرى المشابهة لها على النحو التالي:

1- مفهوم جريمة التعذيب:

تعرض المشرع الأردني لنوع من أنواع جرائم التعذيب في قانون العقوبات المُعدل، حيث نصت المادة (208) الخاصة بانتزاع الإقرار والمعلومات على:

أ- من سام شخصا أي نوع من أنواع التعذيب بقصد الحصول على إقرار بجريمة أو على معلومات بشأنها عوقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.

ب- لغايات هذه المادة يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب جسدي أو معنوي يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول منه أو من شخص آخر على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو، أو غيره، أو تخويف هذا الشخص، أو إرغامه هو، أو غيره أو عندما يلحق بالشخص مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية”.

وباستقراء النص السابق نجد بان المشرع وضع تعريفا للتعذيب: أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب جسدي أو معنوي يلحق عمدا بشخص ما، في حين اتجه جانب من الفقه لتعريفة بالتالي: “الإيذاء القاسي العنيف الذي يرتكب ضد المعذب ويحمله على قبول الاعتراف للخلاص منه”[1]، في حين يعرفه البعض الآخر على أنه “اعتداء على المتهم أو إيذاءه نفسيا وماديا”.[2]

ومما سبق نجد بأن القاسم المشترك في كل تلك التعريفات هو الإيذاء النفسي والبدني، فيكون الشخص مرتكب ذلك الإيذاء معاقب بقوة القانون جراء الفعل والسلوك الإجرامي الذي قارفه، ويتضح لدينا أركان جريمة التعذيب والتي سنفرد لها قدر كافي من الحديث لاحقا.

والتعذيب يُعد الاعتداء الشديد على الشخص، ولكن مع عدم وجود نية لإزهاق الروح، وذهب بعض فقهاء القانون الدولي إلى تعريف التعذيب بأنه: “المعاملة اللاإنسانية التي احتوت على المعاناة العقلية أو الجسدية التي تفرض بقصد الحصول على المعلومات أو الاعترافات أو لتوقيع العقوبة، والتي تتميز بحالة خاصة من الإجحاف والشدة”.[3]

ولما كان ذلك، وكان البين من تلك التعريفات أن التعذيب هو من الجرائم التي تتسم بالمعاملات الخشنة والعنيفة، لذلك ولفهم مدلول التعذيب بشكل أوضح نتعرض إلى التميز بين جريمة التعذيب وغيرها من الجرائم المماثلة لها في ذات الإطار على النحو التالي:

2- التميز بين جريمة التعذيب وغيرها من الجرائم المماثلة لها في ذات الإطار:

أ- التميز بين التعذيب بغرض انتزاع الإقرار وجريمة استعمال القسوة:

نصت (المادة 129) من قانون العقوبات المصري على أن: “كل موظف أو مستخدم عمومي وكل شخص مكلف بخدمة عمومية استعمل القسوة مع الناس اعتماداً على وظيفته بحيث إنه أخل بشرفهم أو أحدث آلاماً بأبدانهم يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تزيد على مائتي جنيه مصري”.

فيما لم يورد المشرع الأردني تعريفا خاصا لجريمة استعمال القسوة في قانون العقوبات، ويتضح لدينا هنا أن أركان جريمة استعمال القسوة تتمثل في الأركان المادية والمعنوية وكذلك الركن المفترض، فالركن المفترض هنا يتمثل في صفة الجاني وهو أن يكون موظفاً عاماً منوط به القيام بمهام الوظيفة العامة داخل الدولة، فلا تقوم جريمة استعمال القسوة إلا من موظف عام، وإلا اختلف التكييف القانوني لاستعمال القسوة في هذه الحالة إلى الجرائم الأخرى الواردة بنصوص قانون العقوبات المعدل، أما الركن المادي يتمثل في إتيان هذا السلوك من استعمال القسوة أو الإيذاء؛ وهو يتشابه كثيرا مع السلوك الإجرامي الحادث في جريمة التعذيب ولكن بدرجات متفاوتة ومتباينة عن بعضها البعض.

ولا يشترط هنا توافر ركناً معنوياً خاصاً أو قصداً جرمياً خاص في جريمة استعمال القسوة، ولكن يتم الاكتفاء بتوافر القصد العام بركنيه العلم والإرادة في جريمة استعمال القسوة، وتقوم الجريمة حتى وإن لم يوجد هناك قصدا خاصا من ذلك السلوك الإجرامي، على عكس ما جاء بجريمة التعذيب التي اشترط المشرع فيها ركن خاص أو قصد إجرامي خاص يتمثل في الإرادة الآثمة إلى انتزاع الإقرار أو المعلومات التي يريد الجاني أن يستقيها من المجني عليه بشكل يخالف القانون.

ب- التميز بين التعذيب بغرض انتزاع الإقرار وجريمة اغتصاب التوقيع:

نصت (المادة 111) من قانون العقوبات الأردني على جريمة اغتصاب التوقيع على أنه: “يعاقب بالحبس لا أقل من ثلاثة أشهر وبالغرامة لا أقل من عشرة دنانير كل من قام بالتهديد أو باستعمال العنف، لاجتلاب نفع غير مشروع له ولغيره على: – اغتصاب توقيع أو أي صك يتضمن تعهدا، أو إبراء، أو حوالة هذا الصك، أو تغييره، أو إتلافه. – تحرير ورقة، أو بصمة، أو توقيع، أو ختم، أو علامة أخرى على صك كي يستطاع فيما بعد تحويله، أو تغييره، أو استعماله كصك ذي قيمة، وتفرض عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة إذا كان الفاعل حاملا سلاحا هدد به المجني عليه”.

ويتضح لدينا أن جريمة اغتصاب التوقيع تنصب على نية امتلاك الأشياء من المجني عليه، ويكون القاسم المشترك هنا ما بين جريمة اغتصاب التوقيع وبين جريمة التعذيب لانتزاع الإقرار هو التعدي على إرادة المجني عليه وإجباره على شيء لا يريد فعله، بينما يكون الاختلاف في القصد من وراء ذلك الفعل والسلوك الإجرامي، حيث إن القصد الجرمي الخاص هنا هو الاستيلاء على السندات أو الأشياء المملوكة للمجني عليه بعكس ما يكون الأمر في جريمة التعذيب وهو القصد الخاص الذي يكون فيها انتزاع الإقرار أو انتزاع المعلومات عنوة من شخص.

ولا شك في أن تلك الجريمة – اغتصاب التوقيع – تتطلب أن وجود قصدا جنائيا عاما وقصدا جنائيا خاصا، والقصد الجنائي العام يتمثل في ركني العلم والإرادة مثله مثل جريمة التعذيب، حيث يكون الجاني على علم بأن ذلك الفعل مجرم بنصوص القانون وتتجه إرادته إلى القيام بالإجبار والتعذيب والإيلام حتى يصل إلى ما يريده. أما القصد الخاص في كل من الجريمتين مختلف عن الأخرى، حيث يتمثل القصد الخاص في جريمة انتزاع الإقرار في الحصول على الإقرار، أو الإبراء، أو البصمة، أو التوقيع الخاص بالمجني عليه، أما القصد الخاص في جريمة التعذيب فيكون بُغية الحصول على إقرار بجريمة أو الحصول منه على معلومات بشأنها.

فيما يتفق كلا من الركن المادي والسلوك الإجرامي لتلك الجريمتين في أن كلا منهما يسلك طريق إجبار وإيلام الجاني، حتى يصل إلى النتيجة والقصد الذي يريد أن يحصل عليهما، سواء كان انتزاع الإقرار في جريمة التعذيب، أو الاستيلاء على الممتلكات على سبيل المثال في جريمة اغتصاب التوقيع.

ثانيا: أركان جريمة التعذيب:

لم يشترط المشرع الأردني صفة معينة لشخص الجاني حتى تقوم أركان جريمة التعذيب، بعكس ما ذهب إليه المشرع المصري من اشتراط صفه الموظف العام كركن مفترض من أركان جريمة التعذيب، فنجد النص في (المادة 208) من قانون العقوبات الأردني تحدث عن كل شخص يقوم بالتعذيب دون أن يضع شرطا خاصا لصفه هذا الشخص مرتكب الجرم، وبالتالي ونحن هنا في مقام الحديث عن المسؤولية الجنائية عن جريمة التعذيب التي تقع بشكل عام من أي شخص، فلن نتحدث عن الركن المفترض الذي ورد في التشريعات المقارنة مثل التشريع المصري والتشريع العراقي وهي صفة الجاني في تلك الجريمة، وإنما نتطرق إلى الأركان المادية والمعنوية لقيام جريمة التعذيب من خلال استقراء نصوص قانون العقوبات المعدل في التشريعات الأردنية على النحو التالي ذكره:

1- الركن المادي لجريمة التعذيب:

لا شك بأن الركن المادي في جريمة التعذيب يتكون من السلوك الإجرامي والنتيجة الإجرامية ورابطة السببية، فالسلوك الإجرامي هو عبارة عن الإيذاء الذي يحدث من قبل الجاني لشخص المجني عليه، كالإيذاء البدني أو استخدام صور التعذيب المختلفة لحمل المجني عليه على الاعتراف أو الحصول على معلومات منه أو أيا ما كان الغرض من التعذيب، فيكون السلوك الإجرامي هو السلوك المؤثم المتمثل في عملية الإيذاء والذي يعاقب عليه القانون في تلك الجريمة، فلا شك بأن هذا السلوك هو قوام إسناد الاتهام لشخص الجاني، فبدونه ينهار الركن المادي للجريمة وتنهار معه الجريمة برمتها، حيث لا يوجد في تلك الحالة إسناد اتهام لشخص الجاني إلا بعد إتيان هذا السلوك.

أما النتيجة الإجرامية فهي النتيجة الحادثة بعد وقوع السلوك الإجرامي من قبل شخص الجاني، وتلك النتيجة تمثل في الأثر الذي يقع على شخص المجني عليه بعدما قد تم تعذيبه على يد الجاني، بغض النظر عما إذا كان هذا الإيذاء هو إيذاء بسيط أو حتى إيذاء جسيم، فيضحى إسناد الاتهام قائما حتى وإن كانت النتيجة الإجرامية لم تصل لحد الجسامة، والجدير بالذكر في هذا السياق أن بعض التشريعات العربية الأخرى المقارنة قد فرقت ما بين النتيجة الإجرامية البسيطة والنتيجة الإجرامية الجسيمة، وجعلت من تلك الأخيرة ظرفا مشددا للعقوبة، مثل المشرع المصري الذي قد شدد ظرف الإيذاء الذي يصل إلى حد الجسامة، على سبيل المثال في حالة وفاة المجني عليه جراء هذا التعذيب، فيعاقب الجاني في تلك الحالة بجريمة القتل العمد وليس بجريمة التعذيب.

أما العنصر الثالث من عناصر جريمة التعذيب يتمثل في الرابطة السببية؛ وتلك الرابطة السببية يجب أن تكون موجودة من الأساس لقيام إسناد الاتهام، حيث توضح الرابطة التي تربط السلوك الإجرامي بالنتيجة الإجرامية، فلا يقوم الركن المادي للجريمة إلا بوجود رابطة سببية؛[4] توضح أن السلوك الإجرامي الذي قارفه الجاني في تلك الجريمة هو المُسبب للنتيجة الإجرامية الواقعة على شخص المجني عليه في جريمة التعذيب، لا سيما وأن تلك النتيجة إذا ما كانت بسبب آخر غير السلوك الذي قارفه الجاني؛ فنحن بصدد انهيار للركن المادي للجريمة، حيث لا يعاقب القانون على مجرد النوايا إنما يعاقب على الأفعال والنتائج الحادثة بسبب تلك الأفعال.

فلا بد وأن يكون الألم الناتج عن الاعتداء والإيذاء النفسي والبدني بسبب ما قارفه الجاني تجاه المجني عليه، وذلك كشرط أساسي لقيام الركن المادي لجريمة التعذيب، فإذا ما كانت تلك النتيجة الإجرامية بسبب عامل آخر أجنبي غير السلوك الإجرامي لجريمة التعذيب؛ فلا يقوم الاتهام أو لا يصبح التكييف القانوني لتلك الواقعة كجريمة التعذيب المعاقب عليها بنص (المادة 208) من قانون العقوبات الأردني المعدل. فيكون الركن المادي هنا عن طريق ممارسة التعذيب بكافة صوره والذي سوف نفرد له الحديث لاحقا.

ولا يشترط أن يكون الشخص ممارس للتعذيب بنفسه حتى يقوم الركن المادي، وإنما حتى مجرد الأمر بالتعذيب من قبل الشخص يجعله محل اتهام مباشر في تلك الجريمة، مثل صدور ذلك الأمر من الرئيس المختص لأحد مرؤوسيه، وقد ذهب اتجاه من الفقه على أن ذلك الشخص يُعاقب كفاعل أصلي وليس فاعل شريك في تلك الجريمة، وفي الأخير تكون لسلطة المحكمة تقدير مدى رابطة السببية جراء تلك الأفعال وجراء النتيجة الإجرامية الواقعة على شخص المجني عليه في جريمة التعذيب، ولكن الركن المادي وحده غير كافي لقيام تلك الجريمة، وإنما هناك ركن معنوي يتمثل في القصد الجرمي في الإيذاء بهدف الحصول على شيء ما من شخص المجني عليه، نفرد له الحديث على النحو التالي:

2- الركن المعنوي لجريمة التعذيب (القصد الجرمي):

لا شك بأن جريمة التعذيب مثلها مثل باقي الجرائم العمدية؛ تتطلب أن يكون هناك ركن معنوي أو قصد جرمي لقيام أركان تلك الجريمة، والركن المعنوي أو القصد الجرمي مثله مثل باقي الجرائم أيضا يتكون من عنصري العلم والإرادة، فالعلم يقوم بعلم الجاني بأن تلك الأفعال التي قارفها تمثل الجريمة المشار إليها في مواد قانون العقوبات، والإرادة تتمثل في رغبة الجاني في اقتراف السلوك الإجرامي والأفعال التي هو على علم بها؛ وبمدى مخالفاتها للقانون الذي جرمها تجريماً بيناً في النصوص الواردة به، وبإنزال القواعد القانونية السابقة على موضوع اليوم نجد بأن لا بد وأن يتوافر لدى المتهم العلم بأن تلك الجريمة هي جريمة التعذيب الواردة في (المادة 208) من قانون العقوبات الأردني المعدل، وأنه يفعل ذلك بإرادة آثمة، تلك الإرادة تتمثل في الاتجاه إلى الإيذاء والتعذيب بكافة صوره التي يعاقب عليها القانون والدستور وكافة الاتفاقات والمعاهدات الدولية في هذا الشأن.

وأيضا يشترط بالإضافة إلى ما سبق من توافر القصد الجنائي العام في جريمة التعذيب، أن يتوافر قصدا جنائياً خاصاً حدده المشرع في (المادة 208) عقوبات وهو القصد الخاص المتجه إلى الحصول على تلك المعلومات التي يريد أن يستقيها من شخص المجني عليه الذي يكون بجانب اتجاه قصد ونية المتهم إلى الإيذاء، أو أن يكون التعذيب قد تم بقصد معاقبة المجني عليه على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو غيره أو تخويف هذا الشخص أو إرغامه هو أو غيره أو عندما يلحق بالشخص مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، وبالتالي فإن المشرع قد اشترط قصد عام وقصد خاص لقيام إسناد الاتهام على جريمة التعذيب طبقا للنص الوارد في (المادة 208).

ثالثا: صور جريمة التعذيب:

1- العنف أو التعذيب المباشر:

يعتبر استخدام العنف أو التعذيب من أهم صور جريمة التعذيب لانتزاع الإقرار التي نص عليها المشرع الأردني في (المادة 208) من قانون العقوبات المعدل، ويستخدم الشخص الذي يوقع هذا التعذيب على المجني عليه طرق تتسم بالخشونة والعنف والإرهاق الشديد حتى يحصل على ما يريد من معلومات، كأن يبرحه ضربا أو يعذبه في لقاء الحصول على المعلومات التي يريدها، وقد تحدثت محكمة التمييز الأردنية في  قرارها رقم (716/97 ) بأن:” اعتراف المتهم كان وليد إكراه والضرب بدليل وضعه في النظارة مدة تزيد على أسبوع مع أن ذلك محظور بموجب المادة (133) من قانون أصول المحاكمات الجزائية فإن بقاءه هذه المدة في النظارة يعني تعريضه لممارسة وسائل الإكراه لحمله على الاعتراف، ويكون الأخذ بالاعتراف الذي جاء وليد التأثير على إرادة المتهم مخالفا للقانون”.

ولعل من أبرز وسائل التعذيب المباشر هي التعذيب بالخنق؛ كان يقوم الشخص الجاني في تلك الجريمة بإدخال كمية من الماء تجعل من عملية التنفس عمليه صعبه لإجباره على انتزع تلك المعلومات، أو يكون التعذيب بالكهرباء عن طريق تعريض المجني عليه إلى تلك الكمية من الكهرباء التي لا تصل به إلى حد الموت، ولكن تعذبه وتؤلمه لإجباره أيضا على الاعتراف، كذلك تعد من أخطر تلك الوسائل التعذيبيه هي جريمة هتك العرض والاعتداء على شخص المجني عليه، حتى يجبره على الاستسلام والإدلاء بما لديه من معلومات.

2- العنف أو التعذيب الغير المباشر:

ولعل من أبرز وسائل التهديد أو التعذيب الغير مباشر هي إيصال معلومات غير صحيحة لشخص المجني عليه لإجباره على الاعتراف، فعلى سبيل المثال أن يتم إيصال معلومة خاطئة بأن عائله المجني عليه في خطر، أو أن أحدا منهم قد يتعرض للموت إن لم يدلي المجني عليه بالمعلومات المراد انتزعاها منه، وأيضا يعد من أبرز الوسائل الغير مباشرة أن يتم إنهاك المجني عليه  بدنيا ونفسيا وذهنيا عن طريق الإطالة في عملية التحقيقات، وعدم تقديم الماء أو الطعام له، كي يجبره على الاعتراف أو الإدلاء بالمعلومات المراد انتزاعها منه، بعدما يكون في حالة من حالات الضعف وانعدام الإرادة، فيدلي بتلك المعلومات أمام شخص الجاني.

وأيضا كأن يتم إيهام المجني عليه بأنه سوف يتم تعذيبه إذا لم يدل بتلك المعلومات، حتى وإن كان هذا التهديد غير صحيح، فتلك الوسائل الغير مباشرة تجبر شخص المجني عليه على الإدلاء بما عنده من معلومات، حتى يصل الشخص الجاني إلى ما يريد جراء هذا الفعل الإجرامي الذي سلكه مع شخص المجني عليه.

رابعاً: أسباب جريمة التعذيب في التشريع الأردني:

لا شك بأن جريمة التعذيب وفقا لنص المادة (208) عقوبات تحتاج إلى قصد جرمي خاص حتى تكتمل، والركن الخاص هنا يتمثل في السبب الذي يقوم السلوك الإجرامي عليه، فالقصد الجنائي العام هنا يتمثل في العلم والإرادة المتجهة إلى فعل الإيذاء، أما القصد الجرمي الخاص يتمثل في الرغبة المنتظرة وراء هذا التعذيب، وهي بمثابة الأسباب والدوافع التي من أجلها وقعت الجريمة، ولما كان الأمر كذلك، وكانت المادة سالفة البيان قد تعرضت لموضوع التعذيب وعقوبته، كما تعرضت لتفصيل أسباب التعذيب في الفقرة الثانية منها على النحو التالي:

السبب الأول: قصد الحصول من المجني عليه أو من شخص آخر على معلومات أو على اعتراف:

إن إرادة الجاني في تلك الحالة تتجه إلى التعذيب بقصد إجرامي خاص ومحدد؛ وهو الحصول على معلومات من شخص المجني عليه، أو إجباره على الاعتراف بجريمة ما يتم التحقيق فيها بمرحلة جمع الاستدلال، فيقوم الموظف العام المنوط به القيام بمهام الوظيفة العامة بالتعذيب والضرب واستخدام كافة الصور التعذيبية سالفة الذكر في إجبار المجني عليه على الاعتراف.

وقد أفرد المشرع حماية ضد تلك الصورة من الإجبار بالتعذيب كما أشرنا سلفا؛ على أنه يضحى كل اعتراف قائم على التعذيب باطلاً؛ ولا يصلح لأن يكون دليل إسناد اتهام، ويستوي أن يكون التعذيب للمجني عليه بغرض الحصول منه على الإقرار أو الحصول من شخص آخر على ذلك الإقرار.

وجدير بالذكر أن تلك الجريمة قد تقع من موظف عام أو غيره، حيث إن المشرع لم يقرر لتلك الجريمة ركن مفترض متمثل في الموظف العام على عكس بعض المشرعين في القانون المقارن.

السبب الثاني: معاقبة المجني عليه على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو غيره:

لما كان الثابت في قضاء محكمة التمييز وفي القواعد الأصولية في الإثبات الجنائي؛ أن معاقبة المجني عليه بالتعذيب على فعل ما؛ أمر يستوجب العقاب والحبس لمن قارف هذا السلوك ضد المجني عليه وذلك بنص (المادة 208) من قانون العقوبات، ولا فرق هنا عما إذا كان الشخص المجني عليه في جريمة التعذيب قد قارف هذا الفعل من عدمه، فالدستور والقانون الأردني أعطى سلطة العقاب للقضاء والمحاكمات العادلة، بطرق ووسائل محددة يُراعى فيها القيم الإنسانية، ولا تجعل المتهم عرضة لإهانة كرامته أو أن يكون في خطر جسيم.

وبالتالي ليس من حق أي موظف عمومي عقاب المتهم في جريمة ما بطرق تعذيبيه مجرمة دولياً وداخلياً في التشريعات الوطنية داخل المملكة، وبالتالي يعاقب كل شخص بالحبس جراء مقارفته لتلك الأفعال على شخص المجني عليه بجريمة التعذيب.

السبب الثالث: تعذيب المجني عليه لأسباب تتعلق بالتمييز من قبل موظف رسمي:

لا شك بأن الدستور الأردني قد رسخ مبدأ المساواة وعدم التمييز والعنصرية بين جميع المواطنين داخل المملكة، حيث نصت المادة السادسة منه على” الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين “.، ولما كان الدستور هو الشريعة العامة التي تستقي منها القوانين أحكامها بما لا يخالف هذا الأصل التشريعي، فجاءت المادة 208 من قانون العقوبات الأردني بمعاقبة كل من يقدم على تعذيب شخص لسبب يتعلق بالعنصرية أو التمييز، ولعل التعرض لهذه الأسباب سالفة البيان يأتي على سبيل إفراد الحماية الجنائية ضد جرائم التعذيب بمختلف صورها داخل التشريع الأردني.

خامساً: المسؤولية الجنائية للتعذيب في التشريعات الدولية:

1- إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة:

ويمثل هذا الإعلان الصادر من الأمم المتحدة مصدرا هاما للحماية الدولية ضد جريمة التعذيب، حيث جاءت المادة الأولى منه معرفة للتعذيب ولهدف الإعلان على النحو التالي:

“1- لأغراض هذا الإعلان، يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عناء شديد، جسديا كان أو عقليا، يتم إلحاقه عمدا بشخص ما بفعل أحد الموظفين العموميين، أو بتحريض منه، لأغراض مثل الحصول من هذا الشخص أو من شخص آخر على معلومات أو اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، أو تخويفه أو تخويف أشخاص آخرين. ولا يشمل التعذيب الألم أو العناء الذي يكون ناشئا عن مجرد جزاءات مشروعة أو ملازما لها أو مترتبا عليها، في حدود تمشي ذلك مع “القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء”. 2- يمثل التعذيب شكلا متفاقما ومتعمدا من أشكال المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة.”

والمادة الثالثة منه نصت على أن: ” لا يجوز لأي دولة أن تسمح بالتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة أو أن تتسامح فيه. ولا يسمح باتخاذ الظروف الاستثنائية، مثل حالة الحرب أو خطر الحرب أو عدم الاستقرار السياسي الداخلي أو أية حالة طوارئ عامة أخرى، ذريعة لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة”.

وقد صادقت على هذا الإعلان عدة دول عربية وأيضا غالب دول الغرب، لا سيما بأنه خطوة من خطوات إفراد الحماية التشريعية داخل البلاد المصادقة على هذا الإعلان.

2- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

تنص المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمد ونشر على الملأ بقـرار الجمعيـة العامـة على أنه ” لا يجـوز إخـضاع أحـد للتعـذيب ولا المعاملـة أو العقوبـة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة “.

ولقد أرسى هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان العديد من المبادئ التي تُعلي القيم الإنسانية في شتى المجالات، لحفظ حياة وحقوق الإنسان في الحرية وعدم الاعتداء عليه، وارسي أيضا العديد من المبادئ الأخرى الواردة بذلك الإعلان، لذلك نجد بأنه قد ركز على منع وتجريم التعذيب معتبرا ذلك من أهم الحقوق التي يدافع عنها، وأورد في التعذيب نص خاص وذلك في المادة الخامسة سالفة البيان، وشجع الدول في جميع بقاع العالم على أن تصادق على هذا الإعلان، حتى يفرد نوع من الحماية الدولية ضد تلك الجريمة الشنعاء.

3- اتفاقية مناهـضة التعـذيب وغـيره مـن ضروب المعاملـة، أو العقوبـة القاسـية، أو اللاإنـسانية، أو المهينة:

وهي إحدى الاتفاقيات التي أصدرتها الأمم المتحدة، ولقد عرفت التعذيب تعريفا مفصلا على نحو دقيق، حيث جاءت في (المادة الأولى) منها: “1- لأغراض هذه الاتفاقية، يقصد “بالتعذيب” أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث وتخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.2- لا تخل هذه المادة بأي صك دولي أو تشريع وطني يتضمن أو يمكن أن يتضمن أحكاما ذات تطبيق أشمل.”

وجاءت الاتفاقية مشددة على كافة الدول منع التعذيب حتى لو في ظروف الحرب، موصية على اتخاذ التدابير التشريعية اللازمة لمنع تلك الجريمة، فنصت (المادة الثانية) من تلك الاتفاقية على: “1- تتخذ كل دولة طرف إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو أية إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي.2- لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أيا كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديدا بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب.3- لا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب.”

والجديد بالذكر أن ما سلف وتم بيانه ليس على سبيل الحصر، وإنما كان عرضا لأبرز الاتفاقات الدولية التي أفردت الحماية التشريعية لمنع ومناهضة جريمة التعذيب، وتوجد اتفاقات دولية أخرى ومؤتمرات أوصت بعدم التعرض للإنسان باي صورة من صور التعذيب، ويوما بعد يوم؛ نجد أن هناك اهتماما دوليا متزايدا بمنع عملية التعذيب وإعلاء كلمة الإنسانية فوق أي سلوك إجرامي شنيع يتسم بالمعاملة الخشنة ضد أي إنسان على مستوى العالم، وللتعمق أكثر في صور الحماية الجنائية من جريمة التعذيب.

سادساً: المسؤولية الجنائية عن جريمة التعذيب في التشريع الأردني:

لقد نص الدستور الأردني في (المادة السابعة) منه على أن الحرية للأفراد مصونة ومكفولة بقوة الدستور، كما أرسى قاعدة في (المادة الثامنة) منه على عدم جواز القبض على أحد أو توقيفه أو حبسه أو تقييد حريته إلا وفق أحكام القانون، وفي الفقرة الثانية من ذات المادة قد تحدث صراحة على عدم جواز تعذيب الأشخاص أو إيذائهم أو تهديدهم، والباحث في نصوص القانون الأردني العقابي يجد بأن هناك نصوص تحدث بشكل صريح عن تجريم التعذيب وانتزاع المعلومات والإقرار بالعنف كما ورد في (المادة 208) منه، وتصدي المشرع أيضا إلى تلك الجريمة إذا ما تخطت حدود التعذيب وأدت إلى الوفاة، فقد تحدث عن ذلك الظرف المشدد في (المادة 327) من قانون العقوبات المعدل.

ولا شك بأن المشرع الأردني أناط بجهة الأمن العام تحريك الدعوى الجزائية ضد شخص المعتدي، وأيضا أعطى الاختصاص للنيابة العامة بإقامة دعوى الحق العام إذا تم التقدم إليها بشكوى من المجني عليه، وقد واجه المشرع الأردني جريمة التعذيب لانتزاع المعلومات من شخص المجني عليه بعده الضمانات تجعل تلك الجريمة عديمة الفائدة، حيث إنه قد قرر ببطلان المعلومات المتحصلة جراء التعذيب أو انتزاع الإقرار حسبما هو وارد في (المادة السابعة) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني.

كما أحاط المشرع الأردني تلك الجريمة بعده عقوبات منها؛ عقوبات تأديبية ومسؤولية مدنية، حتى يقمع عملية التعذيب الواقعة على الأفراد داخل المجتمع، وقد نظم قانون الأمن العام تلك العقوبات التأديبية الواقعة من أشخاص الوظيفة العامة الذين قد قارفوا هذا الفعل الإجرامي، أما في ما يخص المسؤولية المدنية فقد أرسى مشرع الأردني حق طلب التعويض والرجوع بالضمان ضد الشخص الذي أصاب المجني عليه بالضرب أو بالتعذيب، حسب ما هو ثابت في (المادة 256) من القانون المدني، فيقيم المتضرر دعوى قضائية يطالب فيها التعويض إذا ما ثبت  اقتراف النشاط الإجرامي تجاهه.

وهديا بما سلف نجد أن المشرع الأردني قد تحدث في العديد من المواضع؛ أولها الدستور الأردني وقانون العقوبات؛ وكذلك أفرد الحديث داخل النصوص القانونية صراحة عن فكرة التعويض عن أي ضرر بشكل عام في القانون المدني، وتحدث عن العقوبات التأديبية للموظف المتهم بجريمة التعذيب، وذلك داخل نصوص قانون الأمن العام، كل ذلك في محاولة لإحاطة جريمة التعذيب بسياج من العقوبات تردع كل من يذهب فكره إلى اقتراف ذلك الفعل المشين، كذلك نجد بأن المملكة قد صادقت على العديد من الاتفاقات الدولية في هذا الشأن في محاولة للتصدي إلى تلك الجرائم باختلاف مواضعها داخل المجتمع.

سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن جريمة التعذيب:

ورد في حكم محكمة التميز بصفتها الجزائية رقم 1752 لسنة 2018 ما يلي:

وأن المحكمة تجد أن هذا الجرم وحسب أحكام المادة 208 من قانون العقوبات يحتاج إلى ركن خاص آخر وهو أن يكون هذا التعذيب معاقبة على فعل ارتكبه المجني عليه وأن المحكمة تجد أن المتهم قد عاقب المجني عليها لأنها كانت تشاهد أفلاماً إباحية وبالتالي فإن هذا القصد الخاص يكون قد تحقق.

إعداد/ عماد محمد.

[1] عبد الملك، الموسوعة الجنائية، ج2، ص 160.

[2] الحسيني، تعذيب المتهم لحمله على الاعتراف، ص 8-9.

[3] عدلي خليل، اعتراف المتهم فقهاً وتشريعاً وقضاء، دار الكتب القانونية، مصر، 2004م، ص 56.

[4] أنظر لخذاري عبد الحق، المسئولية الجنائية عن جريمة التعذيب: دراسة مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، 2014، ص 149.

Scroll to Top