النتيجة الجرمية

النتيجة الجرمية في قانون العقوبات الأردني

تُعد النتيجة الجرمية أحد عناصر الركن المادي للجريمة والتي يسعى الجاني إلى تحقيقها جراء ارتكاب فعله الإجرامي، ويترتب على تخلف النتيجة الجرمية أن فعل الجاني قد لا يوصف بصفة الجريمة أو أن تقف مسئوليته الجزائية عند حد الشروع في الجريمة.

بالإضافة إلى أنه يتطلب لإعلان مسئولية الجاني الجزائية أن يكون عالماً بالنتيجة الجرمية المترتبة على فعله وأن تتجه إرادته الحرة إلى إحداث تلك النتيجة، بحيث إذا تخلف مثل هذا العلم أو تخلفت إرادته لأدى ذلك إلى إعلان عدم مسئوليته أو إلى انطباق وصف جنائي يختلف عن الوصف الذي كان من المفترض أن يُطبق عليه حال تحقق علمه بالنتيجة الواقعة واتجاه إرادته إلى إحداثها.

يتضح من خلال ما تقدم مدى أهمية النتيجة في تحديد المسئولية الجزائية للجاني وأثرها على تغيير تلك المسئولية أو نفيها برمتها، وفي هذا المقال سنتولى بيان ماهية الجرمية والأثار القانونية المترتبة على التغيرات التي قد تطرأ على تلك النتيجة أو تخلفها من خلال عرض العناصر التالية:

أولاً: التعريف بالنتيجة كأحد عناصر الركن المادي للجريمة:

ثانياً: تأثير النتيجة الجرمية على تقسيمات الجرائم:

ثالثاً: علاقة النتيجة الجرمية بالسلوك المؤثم:

رابعاً: علاقة النتيجة الجرمية بعلاقة السببية:

خامساً: دور النتيجة الجرمية في تحديد البنيان القانون للجريمة ” التفرقة بين الشروع والجريمة التامة “:

سادساً: مسئولية المساهمين في الجريمة عن النتيجة المترتبة عليها:

سابعاً: استحالة تحقق النتيجة الجرمية:

ثامناً: علاقة النتيجة الجرمية بعناصر الركن المعنوي للجريمة:

تاسعاً: أثر تراخي حدوث النتيجة الجرمية عن السلوك:

عاشراً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن النتيجة الجريمة:

 

أولاً: التعريف بالنتيجة كأحد عناصر الركن المادي للجريمة:

لا يكتمل البنيان القانوني للجريمة إلا باكتمال جميع أركانها وعناصرها، وتُعد النتيجة أحد عناصر الركن المادي بالإضافة إلى عنصري السلوك وعلاقة السببية، ومن ثم فحتى نكون بصدد جريمة اكتمل بنيانها القانوني لا بد وأن تتحقق النتيجة المؤثمة على النحو الذي بينه المشرع.

وتُعد النتيجة بمثابة الأثر المترتب على السلوك المجرم الذي اقترفه الجاني، فهذا السلوك من شأنه أن يحدث تغييراً في العالم الخارجي، هذا التغيير هو ما يُعبر عنه بالنتيجة، كما هو الحال في جرائم القتل حيث يتمثل السلوك في العدوان على المجني عليه بُغية تحقيق نتيجة مُعينة وهي إزهاق روح الأخير، وفي جريمة السرقة يتمثل السلوك المؤثم في الاختلاس بُغية إخراج المال من حيازة المجني عليه وإدخاله في حيازة وملكية الجاني.

والنتيجة بهذا المعنى تختلف عن الضرر الذي يُعد الأثر المتولد عن الجريمة بما تحدثه من خسارة أو فوات للكسب، حيث إنه إذا نظرنا إلى جريمة القتل لوجدنا أنه إذا كانت النتيجة تتمثل في وفاة المجني عليه فإن الضرر يتمثل في الخسارة التي تلحق بزوجة الأخير وأبناءه نظراً لفقدانهم لمعيلهم بالإضافة إلى المعاناة النفسية التي حلت بهم جراء فقدانهم للمجني عليه.[1]

وبإمعان النظر في مفهوم النتيجة يتجلى لنا أن لها مفهومين أحدهما مادي والأخر قانوني، فالمدلول المادي للنتيجة هو الذي يمكن إدراكه إدراكاً حسياً بحيث يتجسد في الأثر المادي المترتب على السلوك الذي اعتبره المشرع عدواناً، أما المدلول القانوني فينصب على الحق أو المصلحة التي كانت في نظر المشرع جديرة بالحماية الجنائية والتي تم الاعتداء عليها من خلال السلوك المجرم الذي اقترفه الجاني.

والواقع من الأمر أن هناك صلة وطيدة بين المفهومين القانوني والمادي، فالمفهوم القانوني للنتيجة لا يعدو أن يكون تكييفاً لمفهومها المادي، فقيام الجاني بإزهاق روح المجني عليه وتحقيق تلك النتيجة المادية يؤدي إلى تكييف فعله على أنه ارتكب جريمة قتل يستحق عليها العقاب الذي قرره المشرع.

ثانياً: تأثير النتيجة الجرمية على تقسيمات الجرائم:

غني عن البيان أن الجرائم ليست على وتيرة واحدة، فهناك العديد من التقسيمات الخاصة بالجرائم سواء باعتبارها جنايات، أو جنح، أو مخالفات، أو باعتبارها جرائم وقتية وأخرى مستمرة أو باعتبارها جرائم بسيطة وجرائم اعتياد وغيرها من التقسيمات الأخرى والتي تعتمد على عناصر مختلفة في الجريمة.

ومن ضمن التقسيمات والتي تعتمد على عنصر النتيجة تقسيم الجرائم إلى جرائم مادية وأخرى شكلية، فالجريمة المادية هي الجريمة التي لا يكتمل بنيانها القانوني إلا إذا تحققت النتيجة الجرمية التي قررها المشرع، في حين أن الجرائم الشكلية هي الجرائم التي يكتمل بنيانها القانوني دون أن تكون النتيجة أحد عناصر ذلك البنيان، فتلك الطائفة من الجرائم تقع كاملة دون أن يتطلب لها المشرع نتيجة جرمية معينة.

ومن الأمثلة على الجرائم المادية – والتي تمثل السواد الأعظم للجرائم – جريمة القتل وجريمة السرقة وجريمة الاغتصاب وجريمة الإتلاف وغيرها من الجرائم التي لا تكون مكتملة إلا إذا تحققت النتيجة الجرمية، أما الجرائم الشكلية – أو جرائم الخطر كما يُطلق عليها بعض الفقهاء – فهي مثل جريمة حيازة سلاح بدون ترخيص أو جريمة مجاوزة السرعة القانونية أو جريمة الامتناع عن الإدلاء بالشهادة أمام القضاء.

ولهذا التقسيم أهميته والتي تتمثل في أن جرائم الخطر تتحقق بمجرد إتيان السلوك الإجرامي حتى ولو لم تتحقق النتيجة في معناها المادي أو القانوني، وترتيباً على ذلك قضي بتوافر جريمة تسجيل محادثات شخصية في محل خاص بصرف النظر عن الحالة الفنية لهذا التسجيل ولو كان رديئاً إلى حد لا يمكن سماعه.[2]

ثالثاً: علاقة النتيجة الجرمية بالسلوك المؤثم:

السلوك هو ذلك الفعل الإيجابي الذي يكون له كيان مادي محسوس يتمثل فيما يصدر عن مرتكبه من حركات في أعضاء جسمه ابتغاء تحقيق آثار مادية معينة.[3]  وهذا السلوك حتى يكون مؤثم يستحق فاعله العقاب يجب أن يكون ناجم عن إرادة حرة للجاني، أما إذا أكره الجاني على إتيان هذا السلوك سواء كان إكراه مادي أو معنوي فإن مؤدى ذلك انعدام مسئوليته الجزائية أو تقرير براءته حسب ظروف ومقتضيات وملابسات الدعوى المنظورة أمام القضاء.

وهناك جانب أخر من السلوك يتمثل في السلوك السلبي، حيث قد ينجم عن امتناع الجاني عن إتيان سلوك مُعين إعلان مسئوليته الجزائية، وعلى الرغم من سكوت المشرع الأردني عن بيان مدى قدرة السلوك السلبي في إحداث الجريمة إلا أن غالبية الفقه تتجه نحو الاعتداد بالسلوك السلبي كأحد عناصر الجريمة شريطة أن يكون هناك التزام على الجاني بالتدخل سواء تمثل هذا الالتزام في التزام قانوني أو التزام اتفاقي وأن تكون الجريمة قد وقعت بسبب امتناع الجاني عن التدخل.

فإذا كانت النتيجة سبباً مترتب على سلوك الجاني سواء في صورته السلبية أم الإيجابية فإن ذلك يُعد كافياً لإعلان مسئولية الجاني الجزائية، ذلك أن القانون – عادة – لا يُلقي بالاً لكيفية ارتكاب الجريمة أو الوسيلة المستعملة في إحداثها وإنما يهتم بالنتيجة المترتبة على فعل الجاني والتي بمقتضاها يكتمل البنيان القانوني للجريمة.

رابعاً: علاقة النتيجة الجرمية بعلاقة السببية:

علاقة السببية هي أحد عناصر الركن المادي للجريمة، ومؤداها أنه يجب أن تكون النتيجة سبباً مباشراً لسلوك الجاني بغض النظر عن كون هذا السلوك سلبياً أم إيجابياً، بحيث إذا انقطعت علاقة السببية بين سلوك الجاني والنتيجة الجرمية الواقعة لأدى ذلك إما إلى إعلان عدم مسئوليته أو توقف مسئوليته عند حد الشروع في الجريمة.

ذلك أنه قد تتدخل العديد من العوامل الأخرى مع سلوك الجاني في إحداث النتيجة، فإن كانت تلك العوامل من قبيل العوامل المألوفة فإنها تكون عديمة الأثر في مسئولية الجاني، ويبقى الجاني مسئولاً مسئولية كاملة عن فعله وعن النتيجة الجرمية التي حدثت على إثر فعله، أما إذا كانت تلك العوامل شاذة غير مألوفة لترتب على ذلك توقف مسئولية الجاني عند حد الشروع نظراً لانقطاع علاقة السببية بين فعله والنتيجة الجرمية الواقعة.

وفي بعض الأحيان قد يرتكب الجاني سلوكاً مؤثماً إلا أن النتيجة تحدث لسبب أخر لا دخل لسلوك الجاني في إحداثه، ففي تلك الحالة يكون سلوك الجاني منبت الصلة عن النتيجة مما يترتب عليه إعلان عدم مسئولية الجاني عن الفعل الواقع وتقرير براءته عن الجرم المنسوب إليه.

ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أنه وإن كان الفقه والقضاء الغالب في مصر وفرنسا يأخذ بنظرية السبب الملائم والتي عرضنا لها، إلا أن المشرع الأردني قد اعتنق نظرية تعادل الأسباب صراحة بموجب (المادة 345) من قانون العقوبات والتي نصت على أنه: (إذا كان الموت أو الإيذاء المرتكبان عن قصد نتيجة أسباب متقدمة جهلها الفاعل وكانت مستقلة عن فعله، أو لانضمام سبب منفصل عن فعله تماما عوقب كما يأتي:

  • بالأشغال مدة لا تقل عن عشر سنوات إذا كان فعله يستلزم عقوبة الإعدام أو الأشغال المؤبدة.
  • بتخفيض أية عقوبة مؤقتة أخرى حتى نصفها إذا كان فعله يستلزم عقوبة غير الإعدام أو الأشغال المؤبدة.

وفي هذا الصدد تقضي محكمة بداية عجلون بصفتها الاستئنافية في حكمها رقم 637 لسنة 2020 بما يلي: (إن المشرع الأردني وفي مجال الجرائم غير المقصودة قد أخذ بمعيار السببية المناسبة أو الملائمة لقيام علاقة السببية بين الفعل والنتيجة بعكس الجرائم المقصودة التي أخذ بها المشرع بنظرية تعادل الأسباب).

خامساً: دور النتيجة الجرمية في تحديد البنيان القانون للجريمة ” التفرقة بين الشروع والجريمة التامة “:

هناك فارق جوهري بين الجرائم المادية والجرائم الشكلية يتمثل في أن إتيان السلوك المؤثم في الجرائم الشكلية بجانب تحقق عناصر الركن المعنوي من شأنه أن يجعلنا بصدد جريمة تامة يُسأل عنها الجاني، أما فيما يتعلق بالجرائم المادية فإن إتيان السلوك وحده لا يكفي لاكتمال البنيان القانوني للجريمة، حيث أنه من اللازم أن تتحقق النتيجة لإعلان مسئولية الجاني عن الجريمة، أما إذا تخلفت النتيجة لسبب خارج عن إرادة الجاني فإن ذلك من شأنه أن ينفي عن الجاني ارتكابه لجريمة تامه ويجعله بصدد مسائلته عن مجرد الشروع في الجريمة إن كان المشرع يُعاقب على الشروع في الفعل المرتكب.

فالشروع يتمثل في البدء في تنفيذ الفعل بُغية ارتكاب جناية أو جنحة، ولكن يخيب الأثر المترتب على هذا الفعل لسبب خارج عن إرادة الجاني،[4] فيتضح إذن أن جوهر الشروع يتمثل في البدء في تنفيذ السلوك المؤثم ولكن تتخلف النتيجة لسبب خارج عن إرادة الجاني، وهذا الأمر لا يتحقق إلا إذا كنا بصدد أحد الجرائم المادية، أما الجرائم الشكلية فلا يتصور أن يقوم الشروع بشأنها.

وفي هذا الصدد يُقرر المشرع الأردني بموجب (المادة 68) أن: (الشروع: هو البدء في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة المؤدية إلى ارتكاب جناية أو جنحة، فإذا لم يتمكن الفاعل من إتمام الأفعال اللازمة لحصول تلك الجناية أو الجنحة لحيلولة أسباب لا دخل لإرادته فيها عوقب على الوجه الآتي إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك:

  • الأشغال المؤبدة أو المؤقتة من سبع سنوات إلى عشرين سنة إذا كانت عقوبة الجناية التي شرع فيها تستلزم الإعدام، وخمس سنوات من ذات العقوبة على الأقل إذا كانت العقوبة الأشغال المؤبدة أو الاعتقال المؤبد.
  • أن يحط من أية عقوبة أخرى مؤقتة من النصف إلى الثلثين.

إذن فتخلف حدوث النتيجة من شأنه أن يغير من مسئولية الجاني ويجعل الأخير مسئولاً فقط عن الشروع في الجريمة، بل وفي بعض الأحيان تنتفي مسئولية الجاني كلية إذا تخلفت النتيجة وذلك في الأحوال التي لا يُعاقب فيها المشرع على الشروع في الجريمة.

حيث أنه إذا تطرقنا إلى مدى إمكانية العقاب على الشروع في الجريمة لوجدنا أن المشرع يُعاقب على الشروع في الجنايات بصفة عامة إلا ما تم استثنائه بنص خاص، أما فيما يتعلق بالجنح فإن القاعدة العامة التي اتبعها المشرع الأردني تتمثل في عدم العقاب على الشروع في الجنح إلا ما تم تقريره بنص خاص، وهذا ما تؤكده (المادة 71) من قانون العقوبات بقولها: (لا يعاقب على الشروع في الجنحة إلا في الحالات التي ينص القانون عليها صراحة، فإذا نص القانون على عقوبة الشروع في الجنحة، تكون العقوبة بما لا يزيد على نصف الحد الأعلى للعقوبة المقررة لها فيما لو تمت فعلا ما لم ينص القانون على غير ذلك).

تخلف النتيجة بناء على إرادة الفاعل:

تخلف النتيجة الجرمية بناء على إرادة الفاعل هو ما يُعرف بالعدول الاختياري والذي يمكن تعريفه بأنه العدول الذي يتم بمحض إرادة الفاعل وبدافع من نفسه التي لا ملزم لها ولا سلطان عليها،[5] ويترتب على هذا العدول انعدام مسئولية الجاني إلا إذا كانت الأفعال التي ارتكبها الجاني تُشكل بذاتها جريمة مستقلة، وهذا ما تقرر بموجب (المادة 69) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (لا يعتبر شروعا في جريمة مجرد العزم على ارتكابها ولا الأعمال التحضيرية وكل من شرع في فعل ورجع باختياره عن أفعال الجرم الإجرائية لا يعاقب إلا على الفعل أو الأفعال التي اقترفها اذا كانت تشكل في حد ذاتها جريمة).

تأثر إعادة النتيجة إلى ما كانت عليه على مسئولية الجاني:

يُثار تساؤلاً حول مدى المسئولية القانونية للجاني الذي يُرجع النتيجة الجرمية إلى ما كانت عليه بعد ارتكاب جريمته تامة، مثل السارق الذي يُعيد ما قام بسرقته أو المُتلف المتعمد لمنقولات الغير الذي يُعوض المجني عليه بمنقول مماثل لما تم إتلافه، فهل في تلك الحالات تنتفي مسئولية الجاني أم لا يكون لأفعاله اللاحقة على إتمام الجريمة ثمة أثر قانوني؟

الواقع أن مسئولية الجاني لا تتأثر بأي فعل لاحق على إتمامها يُحاول فيه أن يُعيد الأمر إلى ما كانت عليه، ذلك أنه بتمام حدوث النتيجة تتقرر مسئولية الجاني ولا يُقبل منه العودة عن فعله، فالسارق الذي يسرق ويهم بإرجاع ما قام بسرقته لا يكون بذلك قد أعفى نفسه من المسئولية ويظل مسئولاً عن جريمة السرقة.

أما إذا كان إرجاع المسروقات تم قبل تمام الجريمة – أي في مرحلة الشروع – فإنه في هذه الحالة يُعد قد عدل عن الجريمة عدولاً اختيارياً ويُعلن عدم مسئوليته عن الجريمة، إذن فتمام حدوث النتيجة هو الحد الفاصل بين تقرير مدى إمكانية الاعتداد بالعدول الاختياري من عدمه.

سادساً: مسئولية المساهمين في الجريمة عن النتيجة المترتبة عليها:

تفترض المساهمة الجنائية ارتكاب أكثر من شخص لجريمة واحدة، ومن ثم تقوم المساهمة الجنائية على فكرة تعدد الجناة المرتكبين لذات الجريمة،[6] والمساهم في الجريمة إما أن يكون مساهماً أصلياً بحيث يقوم بدور رئيسي في الجريمة فيسأل عن النتيجة التي حدثت على إثر فعله وفعل الفاعل الأصلي للجريمة. أو يكون مساهماً تبعياً وهو ما يتحقق بتوافر إما التحريض، أو المساعدة، أو الاتفاق.

وفي هذا الصدد يُثار تساؤل على قد بالغ من الأهمية يتمثل في مدى مسئولية الشريك عن الجريمة المُغايرة لقصده؟

ذلك التساؤل يعرض لمسألة على درجة بالغة من الأهمية تتمثل في افتراض أن الشريك قد قدم المساعدة للجاني بُغية ارتكاب جريمة سرقة إلا أن الجاني وأثناء ارتكاب جريمة السرقة قام بارتكاب جريمة قتل أو جريمة اغتصاب أو جريمة هتك عرض، فهل يمكن مسائلة الشريك عن تلك الجرائم الأخرى أم تقتصر مسئوليته عن الجريمة التي قدم المساعدة فيها؟

والواقع أن الأصل العام يتمثل في أن الشريك لا يُسأل عن الجريمة المُغايرة لقصده إذا كانت ماديات تلك الجريمة تختلف عن الجريمة التي اعتبر شريكاً فيها، أما إذا كانت الجريمة الأخرى المرتكبة تُعد بمثابة نتيجة محتملة للجريمة التي قصد الاشتراك فيها فإن الشريك يسأل في تلك الحالة عن الاشتراك في كلتا الجريمتين.

فإذا افترضنا أن الشريك قد المساعدة في جريمة لسرقة منزل وأثناء قيام الفاعل بارتكاب جريمة السرقة تفاجئ بمالك المنزل فأطلق عليه رصاصة من سلاحه فأرداه قتيلاً فإن الشريك في تلك الحالة يسأل عن جريمتي السرقة والقتل.[7]

سابعاً: استحالة تحقق النتيجة الجرمية:

لم يتعرض المشرع الأردني بنصوص قاطعة إلى مدى إمكانية العقاب على الجريمة المستحيلة، والأخيرة هي تلك الجريمة التي يُستحال تحقيق نتيجتها الجرمية، وذلك مثل الشخص الذي يهم بقتل غريمه فيطلق عليه الرصاص، ولكن يتبين أن المجني عليه قد فارق الحياة قبل إطلاق الرصاص عليه. أو الشخص الذي يُحاول دس السم في طعام المجني عليه فيضع له سكر بدل من السم لشدة التشابه بينهم.

ففي تلك الأمثلة السابقة هناك استحالة لتحقق النتيجة، ودون الخوض في عرض الآراء الفقهية المتعلقة بمدى إمكانية العقاب على الجريمة المستحيلة فنكتفي بالإشارة إلى أن محكمة التمييز الأردنية قد قررت بأنه ينبغي التفرقة بين الاستحالة المطلقة والاستحالة النسبية، حيث ذهبت في العديد من أحكامها إلى أن الجريمة تقوم في الأحوال التي يستحيل فيها تحقق النتيجة لعدم كفاءة الفعل أو لعدم صلاحية الوسيلة لوجود عطل بها.

ثامناً: علاقة النتيجة الجرمية بعناصر الركن المعنوي للجريمة:

1- القصد الجنائي العمد:

يجب حتى يمكن عقاب الجاني عن فعله أن يكون قد تحقق لديه القصد الجنائي بعنصريه المتمثلين في العلم والإرادة، حيث يجب أن يكون الجاني عالماً بالنتيجة المترتبة على فعله بحيث يكون لدى الجاني يقين بأن فعله سُيرتب النتيجة المرجوة، كما هو الحال في جريمة القتل، ذلك أن خبرة الحياة تشير إلى أن من يُطلق النار على غريمه من مكان ليس ببعيد فإن ذلك من شأنه أن يسبب الوفاة للمجني عليه، ففي تلك الحالة يكون الجاني على يقين بأن فعله سيؤدي إلى إحداث النتيجة المرجوة مما يجعلنا أمام جريمة عمدية.

2- القصد الخطأ:

القصد الخطأ هو الذي يتمثل في إحداث نتيجة لم يكن الجاني عالماً بها ولم تتجه إرادته إلى إحداثها، حتى ولو كان الجاني قد توقع حدوث تلك النتيجة إلا أنه كان رافض حدوثها، فمن يقود سيارته بسرعة عالية يتوقع أنه من الممكن أن يصطدم بأحد المارة إلا أنه لا يقبل تلك النتيجة ويعتقد أنه يستطيع أن يعتمد على مهارته في القيادة أو الإمكانيات المتطورة المتوافرة في سيارته والتي ستساعده على تفادي المارة وعدم الاصطدام بهم.

ففي تلك الحالة إذا اصطدم الجاني بأحد المارة نتيجة الفعل الأرعن الذي قام به والمتمثل في القيادة بسرعة عالية فإن مسئوليته تقف عند حد الجريمة الخطأ نظراً لأنه لم يكن يعلم بالنتيجة الواقعة ولم تتجه إرادته إلى إحداثها.

3- القصد الاحتمالي:

عرف المشرع الأردني القصد الاحتمالي بموجب (المادة 64) من قانون العقوبات الأردني بنصها على أن: (تعد الجريمة مقصودة وإن تجاوزت النتيجة الجرمية الناشئة عن الفعل قصد الفاعل إذا كان قد توقع حصولها فقبل بالمخاطرة، ويكون الخطأ إذا نجم الفعل الضار عن الإهمال أو قلة الاحتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة).

ويمكن إماطة اللثام عن المقصود بالقصد الاحتمالي بالقول بأنه إذا كان الجاني في القصد الخطأ قد توقع حدوث النتيجة لم يقبل حدوثها، فإنه في القصد الاحتمالي يتوقع الجاني حدوث النتيجة، ولكن يقبل حدوثها، بحيث يستوي لديه أن تحدث النتيجة أم يتخلف حدوثها. لذلك عامله المشرع مُعاملة المتعمد إحداث النتيجة.

وفي معرض بيان القصد الاحتمالي تقضي محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ١٦٦٩٢ لسنة ٨٣ بأن: ( لما كان ما أورده الحكم في معرض تدليله على توافر نية القتل قد شابه اضطراب وتناقض في التدليل إذ خلط الحكم في الاستدلال على توافر تلك النية بين القصد الجنائي المباشر والذى يفترض أن نتيجة الاعتداء مرغوبا فيها على نحو يقيني أو متلازم ، وقد دلل عليه الحكم بأن نية إزهاق الروح قد توافرت لدى الطاعنين ، وبين القصد الجنائي الاحتمالي الذى يقوم مقام القصد الأصيل في تكوين ركن العمد ، وهو نية ثانوية تختلج بها نفس الجاني ، قوامه أن يتوقع أن فعله يمكن أن يحدث النتيجة الإجرامية التي لا يتغياها بالدرجة الأولى فيمضى مع ذلك في تنفيذ الفعل ، مستويًا لديه حصول هذه النتيجة أو عدم حصولها بما يوفر لديه قبول تحققها، ومن ثمّ يجب لتوافر القصد الاحتمالي في جريمة القتل العمد أن يكون الجاني قد توقع وفاة المجنى عليه كأثر ممكن لفعله وأن يقبل ويرضى بتحقق هذه النتيجة).

4- القصد المتعدي ” حدوث نتيجة أشد جسامة من تلك التي تغياها الجاني “:

القصد المتعدي يعني أن الجاني قد أراد إتيان الفعل وإحداث نتيجة معينة إلا أن تقديراته لم تكن سليمة فحدثت نتيجة أشد جسامة من تلك التي كان يريد إحداثها، ففي هذه الحالة يُعاقب الجاني بعقاب يختلف عن العقاب المقرر للجريمة ذات النتيجة الأشد جسامة إذا كان فاعلها قصد إحداثها من البداية.

فمن يهم بضرب أحد الأشخاص إلا أن الأخير يلقى مصرعه فإن الجاني في تلك الحالة لا يُعاقب على أنه ارتكب جريمة قتل وإنما يُعاقب بجريمة الضرب المفضي إلى الموت، مع ملاحظة أن هناك بعض الحالات التي يعتبر فيها المشرع أن النتيجة المتجاوزة لقصد الفاعل ظرفاً مشدداً للجريمة مثل جريمة الحريق إذا ترتب عليها موت إنسان، وجريمة الاغتصاب إذا أدت إلى وفاة المجني عليها.

ولقد بين حكم محكمة بداية عجلون بصفتها الاستئنافية رقم 544 لسنة 2020 أنواع القصد الجنائي ومدى ارتباطه بالنتيجة الجرمية، حيث قضت بأنه: ( ويلاحظ على خطة المشرع الأردني في بحث الركن المعنوي أن القصد الاحتمالي والمتعدي لا يمكن أن يوجدا إلا مستندين إلى القصد المباشر أي انه لا يوجد لأي منهما كيان مستقل وبالتالي فإن قيام أي منهما يترتب بالضرورة على وجود قصد جرمي مباشر أي اتجاه الإرادة ابتداء لإحداث نتيجة جرمية أي أن القصد الجرمي بمختلف أنواعه يقوم على إرادة ارتكاب الفعل ولكن الإرادة تزداد وتنقص في القصد المباشر عنها في القصد الاحتمالي عنها في القصدي المتعدي، أي انه إذا أراد الفاعل الفعل والنتيجة نكون أمام قصد مباشر وإذا أراد الفاعل الفعل وقبل بالنتيجة أو رضي بها في أقل الفروض كنا أمام قصد احتمالي وإذا أراد الفاعل الفعل وأراد نتيجة جرمية أقل جسامة كنا أمام قصداً متعدياً وإذا أراد الفعل ولم يرد النتيجة سواء توقعها أو لم يتوقعها كنا أمام الخطأ الذي يخرج الفعل من نطاق المسائلة الجزائية).

5- الغلط في موضوع النتيجة الجريمة:

قد يحدث وأن يخطأ الجاني في موضوع النتيجة الجريمة، وفي هذه الحالة لم يلق المشرع بالاً لمثل هذا الخطأ واعتبر أن الجاني مسئولاً مسئولية جنائية كاملة، وهذا ما عبرت عنه (المادة 66) من قانون العقوبات بنصها على أن: (إذا وقعت الجريمة على غير الشخص المقصود بها، عوقب الفاعل كما لو كان اقترف الفعل بحق من كان يقصد).

وبالتالي فمن يتعمد قتل غريمه ويتربص به في مكان عودته المعتاد من العمل ويطلق الرصاص عليه حال رؤيته لخياله من بعيد اعتقاداً بأنه المجني عليه المقصود، ولكن تبين أن من تم إطلاق النار عليه هو شخص أخر، فإن ذلك لا يؤثر في مسئولية الفاعل والذي يظل مرتكباً لجريمة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد.

تاسعاً: أثر تراخي حدوث النتيجة الجرمية عن السلوك:

قد يحدث أن يرتكب الجاني جريمته ثم يمضي وقت من الزمن – يطول أو يقصر – حتى تتحقق النتيجة، وذلك متصور مثلاً فيمن يطلق النار على غريمه قاصدا قتله إلا أن المجني عليه لا يلقى مصرعه في الحال، بل يظل تحت الرعاية الطبية لفترة من الزمن ثم يُفارق الحياة.

والواقع أن تراخي النتيجة عن السلوك قد تثير إشكالية على قدر بالغ من الأهمية تتمثل فيما إذا صدر قانون جديد يسوء من مركز المتهم قبل حدوث النتيجة، فأي القانونين هو الواجب التطبيق على الجاني، هل يطبق عليه القانون الذي ارتكب في ظله السلوك، أم يخضع للقانون الساري وقت تحقق النتيجة؟

ذهب الرأي الراجح للإجابة على هذا التساؤل بالقول بأنه لا يعتد إلا بالقانون الذي كان سارياً وقت ارتكاب السلوك لأن هذا الوقت هو المعتبر في تحديد اللحظة الحاسمة التي وقعت فيها الجريمة، في حين برى البعض الأخير برأي لا يخلو من وجاهة أن الجريمة لا يكتمل بنيانها القانوني إلا لحظة اكتمال كافة عناصرها التي قررها المشرع والتي تختم بالنتيجة المترتبة على السلوك الإجرامي، ومن ثم فإن القانون الواجب التطبيق على تلك الجريمة هو القانون الساري لحظة اكتمال البنيان القانون للجريمة بحدوث النتيجة الجرمية.[8]

عاشراً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن النتيجة الجريمة:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 939 لسنة 2021 ما يلي:

وحيث إن اجتهاد محكمة التمييز قد استقر على الأخذ بمبدأ السببية في القصد الجرمي باتجاه ” تعادل الأسباب (ينظر تمييز جزاء رقم 665/2013 تاريخ 29/5/2013، عدالة، وقسطاس). وإن نظرية تعادل الأسباب تتحدث عن أفعال اعتداء قصدية أوقعها الجاني على المجني عليه وتظافرت عوامل أخرى معاً أدت إلى وفاة المجني عليه وهي على هيئتين: 1- أما أن يكون هذا العامل المتضافر كافياً ومخفياً لا يعلمه الجاني. 2- أو أن يطرأ العامل الآخر بعد الاعتداء فيؤدي إلى الوفاة (السبب المضاف). وفي جميع الأحوال فلا بد من أن يتم تحديد سبب الوفاة سواءً أكانت الوفاة ناجمة عن اعتداء قصدي أن نتيجة الخطأ أو الإهمال وقلة الاحتراز أو حتى الانتحار… (ينظر تمييز جزاء رقم 1900/2009 تاريخ 24/3/2010).

وأن مقتضى ذلك توفر رابطة سببية بين فعل المتهم والعوامل الأخرى التي تضافرت معه في إحداث وفاة المغدور فإن توفرت تلك الرابطة السببية بينهما فإنه يسأل المتهم عن النتيجة الحاصلة بوفاة المغدور طبقاً لنظرية تعادل الأسباب وإلا فلا.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 2141 لسنة 2021 ما يلي:

تعتبر هذه الجريمة من الجرائم العمدية والتي يتحقق ركنها المعنوي بتوافر القصد الجنائي العام الذي يتطلب توافر عنصري العلم والإرادة بأن ما يقوم به المرشح أو غيره من العرض بتقديم مزايا وإغراءات مادية أو معنوية على الناخب يعتبر عملاً مجرماً قانوناً ومعاقب عليه ولا يلزم توافر قصد جنائي من نوع خاص تتجه فيه إرادة الناخب إلى تحقيق نتيجة معينة ذلك أن هذه الجريمة من جرائم الخطر أي أنها من جرائم النشاط ومعنى هذا أنه يكفي أن يقوم شخص ما مرشحاً كان أو وكيلاً عنه بعرض فائدة للناخب سواء لنفسه أو لغيره ليحمله على التصويت على وجه معين أو الامتناع عن التصويت ومن ثم فلا يلزم لوقوع تلك الجريمة تحقق نتيجة معينة.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 1343 لسنة 2020 ما يلي:                                                                                      

وكل ذلك يدل دلالة أكيدة على أن نية المتهم الأول (…) قد اتجهت بأفعال الضرب التي أوقعها على ابنه المغدور معاذ إلى مجرد إيذاء المغدور بسبب حضور الأشخاص لمطالبة المغدور بنقود ثمن مخدرات ولم تتجه نيته إلى قتله قط وحيث إن النتيجة التي حصلت بوفاة المغدور معاذ نتيجة أفعال المتهم الأول (….) تعدت قصده بالمساس بسلامة جسم المغدور إلى حصول الوفاة وبالتالي فهو يسأل عن تلك النتيجة وفقاً للقصد المتعدي وحيث ارتبطت النتيجة الحاصلة بوفاة المغدور معاذ بأفعال الإيذاء التي ارتكبها عليه المتهم الأول (…..) برابطة السببية ومن ثم فإن أفعال المتهم الأول (……) في هذه الواقعة، تُشكل بالتطبيق القانوني، كافة أركان وعناصر جناية الضرب المفضي إلى الموت.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] أنظر طلال أرفيفان عوض، النتيجة الجرمية في قانون العقوبات الأردني: دراسة مقارنة، 2015، ص 11.

[2] أنظر الأستاذ الدكتور/ سليمان عبد المنعم، الدكتور/ أدهم أحمد حشيش، النظرية العامة لقانون العقوبات: الجزء الثاني، 2017، ط2، دار النهضة العربية، ص 411.

[3] أنظر الأستاذ الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات القسم العام: النظرية العامة للجريمة، 1962، دار النهضة العربية، ص 299.

[4] أنظر الأستاذ الدكتور/ فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات القسم العام، 2018، دار المطبوعات الجامعية، ص 284.

[5] طلال أرفيفان عوض، مرجع سابق، ص 80.

[6] أنظر الأستاذ الدكتور/ أمين مصطفى محمد، قانون العقوبات القسم العام، 2020، دار المطبوعات الجامعية، ص 239.

[7] أنظر الأستاذ الدكتور/ سليمان عبد المنعم، مرجع سابق، ص 561.

[8] أنظر الأستاذ الدكتور/ سليمان عبد المنعم، النظرية العامة لقانون العقوبات، 2014، دار المطبوعات الجامعية، ص 155، 156.

Scroll to Top