دور عقد البيع فوب ((F.O.B في التجارة الدولية

دور عقد البيع فوب ((F.O.B في التجارة الدولية

لا ريب بأن عقد البيع فوب بطبيعته كعقد بيع بحري هو أساس وقوام التجارة الدولية، إذ تُمثل عملية النقل البحري للبضائع أكثر من 80 في المائة من حركة التجارة العالمية بين الدول، لا سيما في عصر الانفتاح التجاري الحداثي الذي يشهده العالم في التاريخ المعاصر،  ونظرا لأهمية تلك البيوع البحرية والذي على رأسها البيع فوب؛ عملت منظمة التجارة الدولية جاهدة على توحيد القواعد المنظمة لتلك العقود بين الدول، تلبية للتزايد المستمر على البيوع البحرية بين الدول، وذلك إبان الثورة الصناعية الكبيرة منذ بدايات القرن الثامن عشر الميلادي، لذلك؛ ولأهمية تلك العقود التي ترد على البيوع البحرية، نتناول الإطار المفاهيمي والفقهي لعقد البيع فوب باعتباره من أهم العقود الواردة على البيوع البحرية على النحو التالي:

أولا: مدلول ومفهوم عقود البيع فوب ((F.O.B:

ثانيا: أنواع وخصائص عقود البيع فوب ((F.O.B:

ثالثا: أهمية عقد البيع فوب ((F.O.B في حركة التجارة الدولية:

رابعا: الجهود الدولية لوضع إطار تشريعي دولي لعقود البيع فوب ((F.O.B:

خامسا: اجتهادات محكمة التمييز فيما هو متصل بعقد البيع فوب ((F.O.B:

 

أولا: مدلول ومفهوم عقود البيع فوب ((F.O.B:

لا شك بأن عقد البيع فوب هو نوع من أنواع عقود البيع العادية، ولكن يكمن الاختلاف بينه وبين عقد البيع العادي في طبيعة الالتزامات الواقعة على المشتري المتحمل للنفقات والمخاطر، كذلك طبيعة ومكان هذا المبيع الذي يتحتم معه إضافة بنود خاصة وملحقه بعقد البيع فوب؛ كالتأمين البحري على البضائع وغيرها من العقود المرتبطة بذلك العقد، رغبة في إشباع متطلبات حركة التجارة العالمية عبر البحار، وكذلك إشباعا المتطلبات للتجار حول العالم، لذلك نتعرض للتعريف الفقهي لعقد البيع فوب، ومن ثم نتعرض لتاريخ ونشأة تلك العقود، وأخيرا التميز بينه وبين العقود المشابهة له، وذلك حتى نفهم بشكل سليم الإطار الفقهي والقانوني لذلك العقد:

1- ماهية عقود البيع فوب ((F.O.B:

عرف الفقهاء عقد البيع فوب على أنه: ” عقد يلتزم فيه البائع بتسليم البضاعة المبيعة في ميناء القيام على ظهر السفينة التي يُحددها المشتري مقابل التزام الأخير بدفع الثمن “.[1]

كما عرفه جانب آخر من الفقه بأنه: ” البيع الذي يتفق فيه مع البائع على أن يقوم بتسليم المـشتري البـضاعة المبيعـة في ميناء الشحن على ظهر السفينة التي يحددها المشتري مقابل دفع الثمن “.[2] كما عرف البعض بأنه: ” هو عقد يلتزم بمقتضاه البائع بتسليم البضاعة للمشتري في ميناء الشحن على ظهر السفينة التي اختارها المشتري مقابل دفع الثمن وتنتهي التزامات البائع بتسليم المشتري البضاعة على هذا النحو، ومنذ لحظة هذا التسليم تنتقل ملكية البضاعة للمشتري الذي يتحمل مخاطر الطريق “.[3]

وباستقراء النصوص سالفة البيان يتضح لدينا السمات الرئيسة المكونة لعقد البيع فوب، في أنه عقد بيع بحري يوقع عاتق النقل وتحمل المخاطر وكافة المصاريف الأخرى على المشتري، والبائع هنا يتحمل فقط مصاريف وضع البضائع على ظهر السفينة والذي يسميها للمشتري، ولا شك بأن هناك أنواع من عقد البيع فوب سنفرد لها الحديث لاحقا بصدر هذا المقال، ومما سلف يتضح أيضا بأن عقد البيع فوب ((F.O.B له طبيعة مزدوجة، حيث إنه عقد بيع خاضع لأحكام البيوع في القانون المدني، وكذلك هو عقد بحري ويخضع للقوانين البحرية والتجارية، ويثور التساؤل ونحن في هذا المقام عن نشأة وتطور هذا العقد، نتعرض لتلك النقطة على النحو التالي:

2- تاريخ ونشأة عقود البيع فوب ((F.O.B:

الباحث في تاريخ عقد البيع فوب (F.O.B) يجد بأن مصدره هو العرف وليس القانون، حيث إنه وفي بدايات القرن التاسع عشر وبالتحديد في القارة الأوروبية، ازدهرت حركة التجارة البحرية في ذلك الوقت عند دول أوروبا بشكل عام، ويرجع أصل كلمة فوب إلى اختصار لجملة إنجليزية وهي “free on board “، ولا شك بأنه في تلك الحقبة الزمنية كانت وسائل التواصل والتكنولوجيا بشكل عام تقريبا غير موجودة وبدائية للغاية، وكانت حركة الملاحة البحرية بين الدول تفتقر إلى الحداثة والتنظيم الذي يشهده العالم اليوم.

لذلك كان التجار من مختلف البلدان يذهبون بسفنهم الخاصة إلى تلك الدول بشكل عشوائي وغير مخطط له، يحمّلون ما يجدونه من أمتعة وبضائع على متن سفنهم الخاصة، ويدفعون الثمن للبائع عند تحميل المبيع علي السفينة، ومن هنا نجد أن الأصل التاريخي لعقود فوب هو العرف السائد بين التجار في تلك الحقبة الزمنية داخل القارة الأوروبية، واستمر الوضع كما هو منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتى الآن، خاصة مع بداية عصر الانفجار الصناعي والتكنولوجي حول العالم، ولكن هذا التطور الحادث أدى إلى تطور أيضا تلك العقود، وإدخال بنود واشتراطات خاصة عليها، وكذلك استحداث أنواع جديدة منها واستحداث عقود أخرى تلبية لاحتياجات السوق الدولي وحركة التجارة البحرية حول العالم.

ولا شك بأن العرف يعتبر مصدرا أساسيا يرتكن إليه الشراع حول العالم، فالعرف هو أساس القوانين وأساس الاتفاقيات الدولية خاصة في مجال البيع والنقل البحري، ومع ازدهار وزيادة التجارة الدولية مؤخرا، ظهر نوع آخر من العقود وهو عكس عقد الفوب يدعى بعقد سيف، هذا العقد الذي هو على النقيض تماما من عقد فوب، إذ يتحمل فيه البائع كافة التكاليف من الشحن والنقل والمخاطر وغيرها من الأعباء التي كانت على المشتري في عقد فوب، وأصبح هذا العقد الأخير محل انتشارا واسعا حول العالم خاصة في ظل تدخل المؤسسات المالية والبنوك في حركة التجارة البحرية، فنستطيع القول إن عقد سيف هو وليد لفكره عقد الفوب، إذ إن التطور الحداثي وازدياد حركة التجارة الدولية كانت في حاجة إلى هذا التنوع من العقود لإشباع رغبات التجار حول العالم بمختلف مراكزهم وأماكنهم.

ولما كان الأمر كذلك، وكان البين مما سبق أن هناك عقودا تشبه في طبيعتها عقد بيع الفوب، كان لازما أن نتعرض لتتميز بين تلك العقود وبين عقد بيه الفوب، وذلك على النحو التالي:

3- تميز عقد البيع فوب ((F.O.B عن غيره من العقود البحرية:

سلف وأن أشرنا من قبل أن ازدياد وازدهار حركة التجارة العالمية وانتظام حركة الملاحة البحرية حول العالم، وكذلك تطور الوسائل التكنولوجية المستخدمة في النقل البحري وتدخل المؤسسات المالية والبنوك في عملية تمويل حركات البيع والشراء حول العالم؛ كل ذلك أدى إلى زيادة أنواع التعاملات في مجال الملاحة البحرية، وبالتالي تطلب ذلك زيادة أيضا واستحداث أنواع جديدة من عقود البيع البحري، ونجد أن تلك الأنواع الجديدة من العقود تتشابه مع بعضها البعض في نقاط معينة وتختلف في البعض الآخر، لذلك ونحن في مقام الحديث عن عقد البيع فوب كان لابد وأن نتعرض للتمييز بينه وبين تلك العقود المشابهة له، وذلك على النحو التالي ذكره:

أ- تميزه عن عقد البيع سيف (C.I.F):

عرف الفقهاء عقد البيع سيف (C.I.F) بأنه: ” اتفاق يجري بين طرفين هما البائع والمشتري حيث يلزم الأول أي البائع بتسليم البضاعة في ميناء الشحن وشحنها على ظهر السفينة إضافة إلى التزامه بإبرام عقد نقل البضاعة ودفع أجرة نقلها وكذلك التأمين عليها، مقابل التزام المشتري بدفع مبلغ مالي إجمالي عن ذلك يشمل قيمة البضاعة وأجرة نقلها وقسط التأمين عليها ويتكون البيع سيف في مصطلحه من الأحرف الأولى للكلمات الإنجليزية fright Insurance cost، وتعنى ثمن البضاعة وقسط التأمين وأجرة النقل “.[4]

وباستقراء التعريف السابق نجد بأن عقد سيف يتشابه مع عقد البيع فوب في أن كل منهما في إطار عقود البيوع البحرية، ولكن عقد البيع سيف تكون فيه الالتزامات كاملة على عاتق البائع، من نفقات شحن البضائع إلى نفقات وأقساط التأمين عليها وكذلك نفقات إرسال المستندات والفواتير الخاصة بالبضائع محل للبيع، وأيضا الالتزام بالسير في استخراج ترخيص التصدير والتخليص الجمركي في مقابل أن يدفع المشتري ثمن المبيع ويستلم البضاعة ويفحصها ويتأكد من سلامتها ومطابقتها لما هو متفق عليه في عقد البيع سيف، ولعل هذا العقد قد أسهم بشكل كبير في زيادة حركة التجارة البحرية؛ ذلك لما فيه من تشجيع للمستثمرين من شراء البضائع بتلك الطريقة التي تخفف عن المشتري أعباء الاستيراد، وتضمن للمشتري وصول سليم وآمن ومطابق للبضائع بشكل يزيد الطلب على المنتجات، ومن الملاحظ أيضا بأن عدم تحديد الأخير مكان تسليم الشيء المبيع يعد فارق جوهري بين عقد فوب وعقد سيف، فهو عكس عقد فوب الذي حدد ظهر السفينة كمكان لتسليم المشتري الشيء المبيع.

ب- تميزه عن عقد البيع فاس (F.A.S):

عرف البعض عقد البيع فاس بأنه: ” البيع الذي ينتهي فيه التزام البائع بوضع البضاعة على رصيف الميناء الذي تقف عليه السفينة الناقلة أو توضع البضاعة في الصنادل التي تنقلها إلى السفينة الناقلة إذا كانت تقف بعيدا عن رصيف الميناء، ويعني ذلك أن المشتري يتحمل جميع النفقات ومخاطر هلاك أو تلف البضاعة منذ هذه اللحظة، وهذا يعني أنه على المشتري في هذا البيع، على خلاف البيع فوب أن يخلص ما على البضاعة من رسوم جمركية حتى يتم تصديرها، ويحدد في عقد البيع ميناء الشحن.”[5]

ولعل الفارق الجوهري هنا بين عقد البيع فوب وعقد البيع فاس يكمن في مكان تسليم الشيء المبيع، حيث إن هذا الأخير يكون مكان تسليم الشيء المبيع فيه بجوار السفينة وعلى الميناء، عكس عقد البيع فوب الذي يكون فيه تسليم الشيء المبيع على ظهر السفينة، فيلتزم المشتري هنا بإعلام البائع بالرصيف المجاور للسفينة التي سوف تشحن عليها البضاعة وبكافة التفاصيل الأخرى، حتى يستطيع البائع إيصال البضائع إلى شخص المشتري أو من ينوب عنه وإلى الرصيف المجاور لسفينته، أما المشتري فيلتزم بكافة النفقات الأخرى التي تقع بعد البيع مثل، نفقات تحميل البضائع على السفينة وكذلك النقل والشحن والتأمين البحري وغيرها من النفقات، فتنتهي مسؤوليه البائع هنا بتوصيل البضائع إلى جوار السفينة الخاصة بالمشتري.

ثانيا: أنواع وخصائص عقود البيع فوب ((F.O.B:

لا شك بأن عقد البيع فوب له خصائص تميزه عن غيره من العقود الواردة بشكل عام في إطار البيوع، بل وتميزه عن تلك العقود الواردة في ذات إطار البيع البحري أيضا، ومع ازدهار حركة التجارة عبر الملاحة البحرية؛ استحدثت بعض الأنواع الجديد من عقد البيع فوب، تلك الأنواع تختلف في مضمونها عن عقد البيع فوب التقليدي، ولذلك ولكل ما تقدم؛ كان لا بد وأن نتعرض إلى الخصائص المميزة لعقد البيع فوب أولا، ومن ثم نتعرض إلى أنواع عقود البيع فوب التقليدية، وكذلك الأنواع المستحدثة منه مؤخرا، وذلك على النحو التالي ذكره:

1- خصائص عقد البيع فوب:

إن عقد البيع فوب – كما سلف وأن أشرنا – في طبيعته ينطوي على عملية البيع ونقل ملكية البضائع، ولذلك نجد أنه يشترك في أهم الخصائص والأركان المتوفرة في عقود البيع العادية، بالإضافة إلى بعض السمات الخاصة التي تميزه عن البيوع التي ترد في الإطار المدني والطبيعي للبيوع داخل الدولة وخارجها، وهديا بما سلف نتعرض للخصائص على النحو الآتي:

أ- عقد بيع بحري:

مما لا شك فيه ومن خلال استقراء النصوص والقواعد القانونية سالفه البيان نجد بأن عقد البيع فوب أهم ما يميزه هو أنه عقد بيع بحري، إذ يتم فيه شحن الشيء المبيع على ظهر السفينة استعدادا إلى الإبحار بها إلى بلد الوجهة، فأهم ما يميز هذا العقد عن عقود البيع الأخرى هي تلك النقطة بالتحديد.

ب- يخضع لمبدأ سلطان الإرادة:

سلف وأن أشرنا من قبل بأن عقد البيع فوب هو في طبيعته عقد بيع ذو طبيعة بحرية، إذ يتفق هذا العقد مع ما هو وارد في أحكام عقود البيع بشكل عام، مضافا إليه الأحكام والاشتراطات الخاصة بالملاحة البحرية كعقود الشحن والتأمين وخلافة، ولما كان ذلك وكانت عقود البيع بشكل عام تخضع لمبدأ سلطان الإرادة الذي يقره القانون المدني، وكان البين من مطالعة أحكام عقد البيع فوب أن هذا العقد يخضع لإرادة طرفي التعاقد، إذ تخضع ما فيه من بنود واشتراطات لتلك الإرادة التعاقدية، مثل أن يتم الاتفاق على قواعد الاختصاص المحلي حالة النزاع، ويستوي أن يتم إبرام هذا التعاقد بين شخص المشتري أو وكيله، شريطة أن تكون تلك الوكالة صالحة وتبيح للوكيل إبرام التعاقد، وأن تنشأ العلاقة العقدية بتراضي المشتري الأصلي  والبائع.

ج- طبيعة الالتزامات الواردة على عاتق المشتري وكذا انتقال ملكية المبيع:

وهديا بما سالف ذكره بصدر هذا المقال؛ يتضح لدينا بأن من أهم الخصائص التي تميز عقد البيع فوب بأنه ينتقل فيه عاتق التكاليف والالتزامات الخاصة بنقل وشحن الشيء المبيع على المشتري، وكذلك تحمل المخاطر الواردة على عملية الشحن وكافة الأعباء الأخرى المتعلقة بإيصال الشحنة المبيعة إلى بلد الوجهة، وبالتالي تبرأ ذمة البائع من ثمة مسؤولية عن البضاعة المبيعة من وقت استقرار الحمولة على ظهر السفينة التي سوف يشحن عليها الشيء المبيع.

فيما يضحى الالتزام بتحميل الشحنة على ظهر السفينة على عاتق البائع وكذا الالتزام بإرسال الفواتير والسندات الملكية الخاصة بالشحنة المبيعة على عاتق البائع أيضا، وفيما دون ذلك يقع على عاتق المشتري، ولا شك أيضا وفيما يخص انتقال الملكية؛ فإن من أهم ما يميز عقد البيع فوب بأن انتقال ملكية الشيء المبيع في هذا العقد يتحصل بمجرد استقرار البضاعة المراد شحنها على ظهر السفينة، فبمجرد أن تستقر تلك البضائع على ظهر السفينة المنوط بها إيصال الشحنة إلى بلد الوجهة؛ يكون الشيء المبيع ملكاً للمشتري وفي حيازته، حتى لو لم يتم تسديد كامل الثمن من قبل المشتري فإن الملكية تنتقل له، ويضحى على عاتقه الالتزام بدفع ما تبقى من ثمن في مقابل أن يرسل البائع السندات الخاصة بالشحنة المبيعة على ميناء الوصول في بلد الوجهة.

ولما كان الأمر كذلك، وكانت هناك أنواع قد استحدثت من عقد البيع فوب التقليدي على النحو المشار له سلفا، ولأهمية تناول تلك الأنواع الجديدة نظرا لانتشارها مؤخرا في مجال التجارة البحرية، نتعرض لتلك الأنواع على النحو التالي ذكره:

2- أنواع عقد البيع فوب:

أ- عقد البيع فوب التقليدي:

لا شك بأن عقد البيع فوب التقليدي هو امتداد لحركة التجارة الحاصلة في بدايات القرن التاسع عشر في دول أوروبا كما سلف وأن تحدثنا عن تلك الجزئية مسبقا في الجزء الخاص بنشأة عقد البيع فوب التاريخية، فالعقد التقليدي هنا يمثل الأركان الأساسية لعقد البيع فوب في التزام المشتري بكافة النفقات والنقل والمخاطر في مقابل إيصال البضائع على ظهر السفينة التي يختارها المشتري، وذلك بدون النظر إلى الالتزامات التعاقدية الأخرى التي قد تنشأ جراء عمليات التجارة البحرية، كعقود التأمين على البضائع، وعقود الشحن، وغيرها من العلاقات التعاقدية التي تفرضها متطلبات حركة التبادلات التجارية في مجال الملاحة البحرية.

ب- عقد بيع فوب الحديث:

لا شك بأن هذا النوع يقدم خدمات إضافية من جانب البائع على عكس البيع فوب التقليدي، فهو يلزم البائع بتقديم خدمات إضافية مثل التعاقد على الشحن والتأمين على البضائع والعديد من التسهيلات الأخرى في إطار إيصال البضائع المباعة إلى ميناء الوجهة الخاصة بالمشتري، لذلك نجد بأن جانبا من الفقه قد عرف ذلك التعاقد بصورته الحديثة على أنه: ” التزام البائع بتقديم خدمات عدة للمشتري مثل إبرام عقد التأمين وعقد النقل كوكيل من المشتري، فإذا حصل على توكيل خاص من المشتري، عندها يتصرف بموجب عقد وكالة، وليس بموجب عقد البيع وإذا أخل البائع بعقد النقل مثال فذلك يعد إخلال بعقد الوكالة لا إخلالا بعقد البيع “.

فيكون البائع هنا مزدوج الصفة، حيث إنه يتصرف بشخصه في إبرام وإتمام عملية البيع، ويكون متصرفا بصفته وكيلا عن المشتري في إبرام العلاقات التعاقدية التي تخدم عملية البيع البحري، ولقد شاع هذا النوع الأخير نظرا لحجم التسهيلات التي يقدمها في مجال البيوع البحرية، وأصبح معتمدا عليه كعامل محفز على ازدهار ونماء حركة الملاحة البحرية حول العالم، ولا ينال من سلامة ما تقدم، في أن عقد البيع فوب التقليدي مازال حتى الآن مستخدما في العديد من مواضع حركة التجارة البحرية.

ج- عقد البيع فوب حسب مكان التسليم:

أما النوع الثالث من أنواع عقود البيع فوب هو الذي يختلف فيه مكان التسليم عن العقد التقليدي المشار إليه سلفا، فذلك النوع الأخير لا يتم التقيد فيه بتسليم البضائع على ظهر السفينة، وإنما استحدث حالات تسليم أخرى؛ كالتسليم على ظهر الشاحنة في البر أو التسليم في أي مكان آخر غير المكان الذي حدده حصرا عقد البيع فوب التقليدي وهو ظهر السفينة في الميناء المتفق عليه، فهذا النوع الأخير هو أكثر مرونة فيأخذ كافة الخصائص والشروط الواردة على عقد البيع فوب التقليدي ويلحقها  بالبيوع التي يكون فيها المكان مختلفا عما هو كائن في العقد فوب التقليدي، ولذلك؛ وللدور الذي تلعبه تلك العقود في حركة التجارة البحرية، كان لا بد وأن نتعرض إلى دور وأهمية تلك العقود في حركة التجارة الدولية، وذلك على النحو التالي ذكره:

ثالثا: أهمية عقد البيع فوب ((F.O.Bفي حركة التجارة الدولية:

لا جرم بأن عقد البيع فوب قد أصبح من أحد أهم ركائز وأعمدة حركة التجارة في مجال الملاحة البحرية حول العالم، إذ يعتبر الأساس في عمليات البيع والشراء التي تتم في إطار شحن البضائع البحري، وترجع تلك الأهمية إلى قدر التسهيلات التي تقدمها عقود البيع فوب للمستثمرين حول العالم، ولعل استقرار حركة الملاحة البحرية وانتهاء الحروب الكبرى مثل الحروب العالمية الأولى والثانية جعلت من المخاطر الواردة على عمليات الشحن البحري تكاد تكون منعدمة، مما شجع المشترين على تحمل مخاطر الشحن البحري وتكلفه ونفقات ذلك الشحن، كل ذلك قد أسهم علي الإقبال المتزايد على تلك العلاقات التعاقدية بمختلف أنواعها.

ولعل عقد البيع فوب الحديث قد قدم تسهيلات أكثر من التقليدية لكل من البائع والمشتري، فالمشتري يحصل على خدمات إضافية مثل توكيل البائع لإبرام التعاقدات التأمينية وتعاقدات الشحن في مقابل أن يحصل هذا البائع على عمولة ضمنية تضاف إلى ثمن المبيع، أما المشتري فقد وفر الجهد والوقت لمتابعة تلك العلاقات التعاقدية، وكذلك اطمئن للشراء بهذه الطريقة التي استقر عليها العرف في مجال الملاحة البحرية، والتي أدت إلى ازدهار ذلك المجال البحري ونماء حجم التجارة البحرية إلى الحد الذي وصل إلى نسبة 80% من حجم التبادلات التجارية العالمية.

فتقليل الفجوة بين متطلبات كل من البائع والمشتري وإشباع رغباتهم ومتطلباتهم التجارية، وكذلك المساهمة في نماء حركة التبادلات التجارية حول العالم استنادا إلى الشكل التعاقدي المتعارف عليه منذ بدايات القرن التاسع عشر، كل ذلك يوضح ويبرز أهمية عقود البيع فوب في مجال التجارة العالمية.

رابعا: الجهود الدولية لوضع إطار تشريعي دولي لعقود البيع فوب ((F.O.B:

لا شك ونظرا لأهمية موضوع البيوع الدولية ولأثرها البالغ على حركة التجارة العالمية، فقد تضافَرَت الجهود الدولية في هذا الشأن – عقود البيع البحرية – رغبة منهم في إرساء قواعد عامة دولية حتى تعمل على تعزيز المناخ المناسب لتلك البيوع، لذلك سوف نتعرض لأهم الجهات الدولية والتشريعات الخاصة بتلك البيوع على النحو التالي ذكره:

1- غرفة التجارة الدولية:

تعتبر غرفة التجارة الدولية واحدة من أهم المؤسسات التي تلعب دورا في مجال تنظيم عقود البيع البحرية والتجارة العالمية بشكل عام، إذ أنشأت غرفة التجارة الدولية في عام 1919 بفرنسا وبالتحديد في باريس، وكان الهدف الأساسي لها هو الحفاظ على قطاع الأعمال العالمي والمساعدة في تطويره، والمساهمة في عمليات النمو الاقتصادي العالمي وعمليات التجارة العالمية المتبادلة بين الدول والأشخاص حول العالم، ويتمثل نشاط تلك المنظمة بالغة الأهمية في مجال التجارة العالمية بشكل عام في عمليات تسوية النزاعات والتحكيم ما بين الأطراف الدولية، وكذلك في إصدار التشريعات والقواعد التي من شأنها أن تنظم عملية الملاحة البحرية والبيوع العالمية بشكل عام.

وتعمل تلك المنظمة في إطار متناغم مع منظمة التجارة العالمية ومع منظمة الأمم المتحدة، ولقد استقرت لجانها الوطنية في أكثر من 140 دولة حول العالم، إذ عملت تلك اللجان على تدعيم ركائز قطاع الأعمال العالمي، حيث اتجهت رغبة غالبية الأطراف المتنازعين دوليا حول العالم على حل نزاعاتهم بواسطة غرفة التجارة الدولية، فنجد أنه يقع على عاتقها ازدهار ونماء وتطوير قطاع الأعمال الدولي، ولعل من أبرز المهام التي أتت بها غرفة التجارة الدولية هي المحافظة على عقود البيع البحري في إطار من الاستقرار والنماء والتقدم، ونجد بأن عقد البيع فوب من أحد أهم تلك الاهتمامات لدى الغرفة الدولية، فلقد أرست قواعد خاصة بشأنه وأرست بعض التشريعات الدولية والمصطلحات الفقهية التي أسهمت على توحيد تلك القواعد والمصطلحات المتعلقة بالبيع عبر الملاحة البحرية حول العالم، ولعل من أبرز تلك الإسهامات وضع قواعد الإنكوتيرمز، لذلك وتأسيسا على ما سبق من أهمية تلك القواعد، نتعرض للحديث عنها على النحو التالي ذكره:

2- قواعد الإنكوتيرمز 1936 الصادرة من غرفة التجارة الدولية:

قامت غرفة التجارة الدولية سنة 1936 بوضع مجموعة من القواعد الموحدة التي تحكم عقود التجارة الدولية، ويطلق عليها الإنكوتيرمز (INCOTERMS)، التي عدلت أكثر من مرة، آخرها سنة 2010، والهدف منها هو توحيد وتحديد التزامات أطراف عقود التجارة الدولية تحديدا مفصلا ودقيقا، وتعتبر هذه القواعد قواعد مكملة يجوز للطرفين الاعتماد عليها كليا، أو عدم الأخذ بها، أو القيام بالتعديل عليها إما بالتغيير، أو بالإضافة، أو الحذف.[6]

ولا شك بأن ذلك التعديل الوراد على تلك القواعد هو في إطار تلبية ما يستحدث من متطلبات حركة التجارة العالمية، خاصة وأن تلك القواعد قد انصبت معظمها على تنظيم العقود البحرية، ولا ينال من سلامة ذلك أنها قد تعرضت لأنواع البيوع الأخرى، مثل البيع الجوي والبيع البري …إلخ، وقد تم تعديل تلك القواعد في عقد الستينات من القرن الماضي والسبعينيات وكذلك الثمانينيات من القرن الماضي، وذلك في إطار متناغم مع الاتفاقات الدولية الواردة بهذا الشأن.

3- الاتفاقيات الدولية المنظمة لعقد البيع فوب:

لعل من أبرز الاتفاقات التي نظمت موضوع عقد البيع البحري فوب هي اتفاقية الأمم المتحدة لعقود البيع الدولي للبضائع فيينا 1980، إذ عملت تلك الاتفاقية على إرساء قواعد متعلقة بعقود البيع البحرية بشكل عام، مثل عقد فوب وعقد شرط سيف، حيث جاءت موادها منظمة لالتزامات البائع والمشتري، وكذلك أحكام الفسخ والتعويض عن الإخلال بالالتزامات العقدية، وغيرها من الأمور التنظيمية الأخرى، وجاءت أيضا اتفاقية لاهاي بشأن البيع الدولي في ذات الإطار.

خامسا: اجتهادات محكمة التمييز فيما هو متصل بعقد البيع فوب ((F.O.B:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 276 لسنة 2006 ما يلي:

يعتبر البيع في مرفأ الشحن إما أن يكون بيع سيف (C.I.F) أو بيع (F.O.B) فوب حيث تنتقل بموجبه ملكية البضاعة من البائع إلى المشتري لدى وسقها في السفينة في ميناء الشحن، أو أن يكون البيع في ميناء الوصول بحيث تنتقل ملكية البضاعة من البائع إلى المشتري في ميناء الوصول.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 806 لسنة 1986 ما يلي:

من المتفق عليه أن البيوع البحرية بالنسبة إلى تاريخ النفاذ وانتقال ملكية البضاعة من البائع إلى المشتري أو من الشاحن إلى المرسل إليه، هي على نوعين: الأول: البيع في ميناء الشحن. الثاني: البيع في ميناء الوصول.

البيع في ميناء الشحن هو البيع الذي ينفذ في ميناء الشحن ويتم فيه تسليم البضاعة وانتقال ملكيتها مع المخاطر إلى المشتري المرسل إليه لمجرد عبور البضاعة لحاجز السفينة أثناء عملية التحميل ويشمل هذا النوع من البيع بيع السيف وبيع الفوب وبيع السي أند اف والبيع في ميناء الوصول هو البيع الذي يتم فيه تسليم البضاعة وانتقال ملكيتها إلى المشتري أو المرسل إليه في ميناء الوصول ولا يلزم المشتري دفع قيمتها إلا في ميناء الوصول وبعد التسليم وتقع فيه تبعة الهلاك ومخاطر الطريق على عاتق البائع. إذا كان البيع الذي يحكم العلاقة بين الطرفين هو (سي أند اف) فإن الشركة المشترية تكون ملزمة بدفع الثمن لمجرد أن تدخل البضاعة حيز السفينة في ميناء الشحن. يحق للشركة صاحبة البضاعة مطالبة المتسبب بالمصاريف الإضافية ونفقات التخزين في ميناء الوصول نتيجة تأخير وصول الأوراق الذي أدى إلى تأخير التخليص على البضاعة وإخراجها من حفظ السلطات الجمركية. إلا أن ذلك لا يبرر للشركة المشترية الامتناع عن دفع الثمن للبائع. أن اشتراط دفع الثمن ضد البوالص هو شرط لتأجيل دفع الثمن إلى ما بعد وصول بوليصة الشحن فقط ولا يعني أن البيع هو من قبيل البيع في ميناء الوصول.

إعداد/ عماد محمد.

[1] الأستاذ الدكتور/ محمد السيد الفقي، القانون البحري، 2020، دار الجامعة الجديدة، ص 391.

[2] البارودي، مبادئ القانون البحري، ص234.

[3] كمال حمدي، القانون البحري، ط3، منشأة المعارف للنشر، مصر، 2007، ص 637.

[4] رحموني ناصر، الآثار القانونية عن عقد البيع الدولي سيف، مذكرة لنيل شهادة الماستر، طحطاح علال، قسم الحقوق، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة خميس مليانة، 2014، ص 20.

[5] عمر سعد الله، قانون التجارة الدولية، دار هومة للطباعة والنشر، الجزائر، 2007، ط1، ص 139.

[6] هـدى كرازة، صور بيوع التجارة الدولية البيع فوب، مذكرة مكملة لنيل شهادة الماستر في الحقوق،2019، ص 1.

Scroll to Top