سلطة القاضي التقديرية في وزن وتقدير البينات
لا يستطيع الإنسان الوصول إلى حقه إلا إذا أقام الدليل عليه أمام القضاء، فالإثبات يُمثل الوسيلة التي يُعتمد عليها في حفظ الحقوق، إذ لا قيمة للحق ما لم تكن هناك وسيلةً لإثباته، وعلى هذا فإن الإثبات يُمثل تكوين اقتناع القاضي بوجود واقعة قانونية من عدمه، فلا يكفي ادعاء شخص بوجود واقعة، بل يتعين عليه إثباتها. ومن هنا كان لزامًا منح القاضي سلطة في تقدير الأدلة سعيًا وراء الحقيقة التي يجب أن يحملها الحكم بين طياته، وسوف نتناول جميع ما يتعلق بسلطة القاضي التقديرية في وزن وتقدير البينات من خلال العناصر الرئيسية التالية:
ثانيًا: خصائص السلطة التقديرية
ثالثًا: الضمانات العامة للسلطة التقديرية للقاضي
رابعًا: سلطة القاضي في تقدير وسائل الإثبات التي لها حجية
خامسًا: سلطة القاضي في تقدير وسائل الإثبات التي ليس لها حجية
سادسًا: السوابق القضائية الخاصة بسلطة القاضي في وزن وتقدير البينات
ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: تعريفات هامة
- السلطة التقديرية: تُعرَّف السلطة التقديرية على أنها “الحرية المتروكة للقاضي بمقتضى القانون صراحةً أو ضمنًا من أجل اختيار الحل الأنسب والأقرب للصواب من بين حلول أخرى”([1]).
- البينة: تُعرَّف البينة لغةً على أنها “الحجة الواضحة، وتعَّرف اصطلاحًا بأنها إقامة الدليل أمام القضاء، على وجود واقعة قانونية ترتبت آثارها، وقد حدد قانون البينات الأردني طرق الإثبات المختلفة، وحدد لكل طريق قوته، وتتمثل قواعد الإثبات حسب ما جاء في (المادة 2) من قانون البينا في: الأدلة الكتابية، الشهادة، القرائن، الإقرار، اليمين، المعاينة والخبرة.
ثانيًا: خصائص السلطة التقديرية
تتميز السلطة التقديرية بعدد من الخصائص تتمثل فيما يلي:
- أنها سلطة قانونية تستمد أساسها من نص القانون.
- أنها ذات مضمون واحد في مختلف فروع القانون وإن اختلف مداها.
- أنها تشمل القوانين الإجرائية والموضوعية على حد سواء.
- أنها ملزمةٌ للقاضي، فلا يجوز له التحلل منها بحجة عدم وجود نص قانوني، أو كون هذا النص غامض.
ثالثًا: الضمانات العامة للسلطة التقديرية للقاضي
تُفرض على السلطة التقديرية الممنوحة للقاضي مجموعة من الضمانات، تكفل من خلالها حسن سير العمل في المرافق القضائية فيما يتعلق بأعمال القضاة، فالسلطة التقديرية كما أسلفنا هي سلطة تُمنح للقاضي؛ وبالتالي لا بد من ضمانات تحكم هذه السلطة، وهذه الضمانات لا تُقيد أعمال القضاة، بل تهدف إلى تطبيق القوانين بعدالة ومساواة فيما بين الخصوم. وقد أورد المشرع الأردني هذه الضمانات في قانون البينات كقانون خاص والقانون المدني كقانون عام. كما بيّن قانون أصول المحاكمات المدنية بعض هذه الضمان. وتتمثل أهم هذه الضمانات فيما يلي:
1. مبدأ حيادية القاضي
إن المقصود بمبدأ حياد القاضي هو أن يقتصر دور القاضي على تلقي الأدلة التي يُقدمها أطراف النزاع في الدعوى وتقدير قوة كل دليل وفقًا لقوته المحددة بموجب القانون، إذ ليس للقاضي المساهمة في جمع الأدلة.
وتجد هذه الضمانة سندها في (المادة 3) من قانون البينات بنصها على أنه: “ليس لقاض أن يحكم بعلمه الشخصي”. بمعنى أنه متى كان القاضي على علم بواقعة معينة تتعلق بالدعوى المطروحة أمامه، فليس له أن يستند إلى علمه الشخصي عن هذه الواقعة في حكمه طالما أنها لم تُقدم وفقًا للإجراءات التي يتطلبها القانون.
ولا يعني ذلك أن القاضي دوره سلبيًا، فقد منحه القانون سلطة تقدير قيمة بعض الأدلة واستكمالها حتى يكون بإمكانه الوصول إلى الحقيقة، فيتحدد دور القاضي وسلطته والحالة هذه بالحجية التي أسبغها المشرع على كل وسيلة من وسائل الإثبات، دونما أن يكون لعلمه بمضمون الدعوى أي دور في سير مجريات الدعوى المطروحة أمامه.
2. مبدأ احترام حقوق الخصوم في الإثبات
يُعتبر مبدأ احترام حقوق الخصوم من واحد من الضمانات الراسخة التي تكفل حماية حقوق الخصوم من العبث، حيث يؤكد الدستور الأردني وتعديلاته على هذا المبدأ. وكذلك فعلت التشريعات الأردنية ومنها قانون البينات الأردني وقانون أصول المحاكمات المدنية.
“وينبني على هذا المبدأ على أن الخصم الذي يقدم أي دليل لدى القاضي يجب أن يقدمه بحضور الخصم الآخر، بمعنى أنه لا بد أن يُعرض على الخصم؛ لمناقشته وتفنيده، وهو ما يُطلق عليه مبدأ المجابهة”([2]).
“ومن مستلزمات هذا المبدأ هو حق كل خصم في حضور جميع إجراءات المحاكمة وتقديم ما لديه من أدلة وأن يُحاط علمًا بكل طلب أو دفاع يتقدم به خصمه كما يُتاح لع حق مناقشة الخصم الآخر ورفض أدلته. فالقاضي لا يتمكن من تقدير الألة تقديرًا سليمًا إلا عن طريق تمتع أطراف الخصومة بالحرية التامة وتكافؤ الفرص بينهم”([3]).
رابعًا: سلطة القاضي في تقدير وسائل الإثبات التي لها حجية
يُقصد بالأدلة التي لها حجة الأدلة التي حدد المشرع مقدمًا حجيتها في الإثبات ولم يتركها للقاضي، وتتمثل هذه الوسائل في: الأدلة الكتابية، والقرائن القانونية، والإقرار، واليمين، وسوف نقوم بتحليل النصوص الخاصة بتلك الوسائل على النحو التالي:
1. سلطة القاضي في تقدير المحرر الرسمي كدليل
المحرر الرسمي هو كل ورقة صادرة من موظف عام أو مكلف بخدمة عامة مختص بتحريرها من حيث سلطته واختصاصه ويثبت بها ما تلقاها الموظف من ذوي الشأن.
والورقة الرسمية تشتمل على نوعين من البينات، أولهما ما دُوّن فيها من أمور قام بها الموثق في حدود مهمته، أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره مثل تأكده من شخصية المتعاقدين وتثبته من أهليتهما ورضائهما وما قرره ذوو الشأن أمامه، وهذه البينات ليس للقاضي سلطة تقديرية في تقبلها كدليل للإثبات طالما لم يثبت تزويرها سندًا لنص (المادة7/ 1) من قانون البينات الأردني على أنه: “تكون الأسناد الرسمية حجة على الناس كافة بما دُوّن فيها من أفعال مادية قام بها الموظف العام في حدود اختصاصه، أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره وذلك ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانونًا”.
وبالنسبة للنوع الثاني فهو الذي يشمل جميع البيانات التي أدلى بها ذوو الشأن إلى الموظف العام فقام بتدوينها تحت مسؤوليتهم بناءً على ما سمعه منهم ودون أن يكون له تحري صحتها، كإقرار البائع أنه سبق أن قبض الثمن، وإقرار المشتري أنه عاين المبيع ووضع يده عليه، وحكم هذه البيانات لا يختلف عن حكم البيانات الواردة في ورقة عرفية ما دام الموظف العام لا يملك تحري صحتها، وعلى ذلك يجوز إثبات عكسها بطرق الإثبات العادية وطبقًا للقواعد العامة في الإثبات، سندًا لنص (المادة 7/2) من القانون سالف الذكر على أنه: “أما ما ورد على لسان ذوي الشأن من بينات فيعتبر صحيحًا حتى يقوم الدليل على ما يخالفه”.
2. سلطة القاضي في تقدير السند العادي كدليل
تعرف (المادة 10) من قانون البينات الأردني السند العادي على أنه: “هو الذي يشمل على توقيع من صدر عنه أو على خاتمه أو بصمة أصبعه وليست له صفة السند الرسمي”.
وتنص (المادة 11) من قانون البينات على أنه: “1. من احتج عليه بسند عادي وكان لا يريد أن يعترف به وجب عليه أن ينكر صراحةً ما هو منسوب إليه من خط، أو توقيع، أو خاتم، أو بصمة أصبع وإلا فهو حجة عليه بما فيه.
- أما الوارث أو أي خلف آخر فيكتفى منه أن يقرر بأنه لا يعلم أن الخط، أو التوقيع، أو الختم، أو البصمة هو لمن تلقى عنه الحق”.
ويتضح من المادة سالفة الذكر أن المحررات العرفية تُعتبر من حيث صدورها ممن وقع عليها في قوة الورقة الرسمية ومن ثَم فهي حجةٌ عليه، وإذا كان لا يريد أن يعترف به وجب عليه أن ينكر صراحةً ما هو منسوب إليه من خط، أو توقيع، أو خاتم، أو بصمة أصبع. أما بالنسبة للغير فإنه يشترط لكي يكون السند حجة على غير المتعاقدين أن يكون له تاريخ ثابت.
ويتقيد القاضي في استعمال سلطته التقديرية إذا ما طُرح أمامه محرر عرفي فيما بين أطرافه بإقرارهم بصحة توقيعهم عليه أو عدم الدفع بالجهالة به من قِبل الورثة في حالة الوفاة. أما بالنسبة للغير فيتقيد القاضي بكون المحرر مثبت التاريخ سندًا لنص (المادة 12) على أنه: “لا يكون السند العادي حجة على الغير في تاريخه إلا منذ أن يكون له تاريخ ثابت”.
3. سلطة القاضي في تقدير القرائن كدليل
ذهب المشرع لإيجاد صفتين للقرينة: قرينة قضائية وأخرى قانونية، إلا أنه لم يُعرف مفهوم القرينة. مع ذلك فقد عرفت محكمة التمييز الأردنية القرائن بقولها: “إن القرائن مـن أدلـة الإثبـات وهـي استنتاج الواقعة المطلوب إثباتهـا مـن واقعـة أخـرى قـام عليهـا دليـل إثبـات مـعـلـوم فيكـون إثبـات الواقعـة التـي قـام الـدليل عليهـا قرينـة ثبوت الواقعـة التـي لـم يـرد عليهـا ومـن ثـَم فهنـاك صلة منطقية بين الواقعتين المجهولـة والمعلومة وإن استخلاص الواقعـة المجهولـة يـتم بعمليـة ذهنيـة يربط فيهـا القاضـي بحكـم الضـرورة المنطقيـة وبـاللزوم العقلـي بـين واقعـة معينـة وواقعـة أخـرى مـراد إثباتهـا”.
ومن الجدير بالذكر أن القرينة القانونية تحد من سلطة القاضي التقديرية طالما لم يتم نقضها بدليل عكسي من الخصم، سندًا لنص (المادة 40) من قانون البينات على أنه: “القرينة التي ينص عليها القانون تغني من تقررت لمصلحته عن أية طريقة أخرى من طرق الإثبات على أنه يجوز نقض هذه القرينة بالدليل العكسي ما لم يوجد نص يقضي بغير ذلك”.
وكذلك نص (المادة 41) على أنه: “1. الأحكام التي حازت الدرجة القطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة، ولكن لا تكون لتلك الأحكام هذه القوة إلا في نواع قام بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بالحق ذاته محلًا وسببًا. 2. ويجوز للمحكمة أن تأخذ بالقرينة من تلقاء نفسها”.
4. سلطة القاضي في تقدير الإقرار كدليل
عرّفت (المادة 44) من قانون البينات الإقرار بنصها على أنه: “الإقرار هو إخبار الإنسان عن حق عليه للآخر”. وذُكر نوعان للإقرار: الإقرار القضائي والإقرار غير القضائي. كما عرّفت (المادة 45) الإقرار القضائي بنصها على أنه: “الإقرار القضائي هو اعتراف الخصم أو من ينوب عنه إذا كان مأذونًا له بالإقرار بواقعة ادُعي بها عليه وذلك أمام القضاء أثناء السير في الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة”.
في حين عرّفت (المادة 46) الإقرار غير القضائي بنصها على أنه: “الإقرار غير القضائي الذي يقع في غير مجلس الحكم أو يقع في مجلي الحكم في غير الدعوى التي أقيمت بالواقعة المقر بها”.
والإقرار بنوعيه سالفي الذكر يحد من سلطة القاضي التقديرية، ولكن في مواجهة المُقر فقط؛ نظرًا لأن حجته تكون عليه دون غيره سندًا لنص (المادة 51) من قانون البينات الأردني على أنه: “الإقرار حجة قاصرة على المقر”.
5. سلطة القاضي التقديرية فيما يتعلق باليمين
ذهب المشرع لإيجاد نوعين لليمين، أحدهما اليمين الحاسمة التي تكون بناءً على طلب أحد الخصوم (اليمين الحاسمة)، والأخرى اليمين المتممة وهي التي توجهها المحكمة من تلقاء نفسها في عدة حالات وردت في القانون على سبيل الحصر. وسوف نتناول سلطة القاضي التقديرية فيما يتعلق بهذين النوعين، وذلك على النحو التالي:
أ. اليمين الحاسمة
تنص (المادة 53) من قانون البينات على أنه: “اليمين الحاسمة هي التي يوجهها أحد المتداعين لخصمه ليحسم بها النزاع”، ويتضح من نص المادة المذكورة أن اليمين الحاسمة تُعد واحدةً من الحقوق المقررة للخصوم، حيث يحق للخصم أن يطلب من المحكمة المختصة توجيه اليمين الحاسمة، وإن كان ذلك لا يحول دون القاضي ومنع توجيه اليمين الحاسمة؛ فللقاضي الحق في منع توجيه اليمين الحاسمة إذا تبين له تخلف أحد شروط توجيهها، فهو يتمتع بسلطة تقديرية بشأن التحقق من توافر هذه الشروط.
ولا يكون للمحكمة سلطة تقديرية بعد توجيه اليمين الحاسمة حيث يكسب كل من وُجهت إليه اليمين أو رُدت عليه إذا حلف، ويخسر كل من وُجهت إليه أو رُدت عليه إذا نكلها عنها سندًا لنص (60) من قانون البينات على أنه: “كل من وُجهت إليه اليمين فنكل عنها دون أن يردها على خصمه وكل من رُدت عليه اليمين فنكل عنها خسر دعواه”.
ب. اليمين التي توجهها المحكمة من تلقاء نفسها
وردت الحالات التي يجب فيها على المحكمة توجيه اليمين من تلقاء نفسها في (المادة 54/ 2) بنصها على أنه: “على المحكمة من تلقاء نفسها تحليف اليمين في أي من الحالات التالية:
أ. إذا اثبت أحد ادعاءه بحقه في التركة فتحلفه المحكمة على أنه لم يستوف بنفسه أو بواسطة غيره هذا الحق من الميت ولم يبرؤه منه ولم يحله على غيره ولم يستوف دينه من الغير ولم يكن للميت رهن مقابل هذا الحق. ب. إذا استحق أحد المال وأثبت ادعاءه تحلفه المحكمة على أنه لم يبع هذا المال ولم يهبه لأحد ولم يخرجه من ملكه بأي وجه من الوجوه.
ب. إذا أراد المشتري رد المبيع لعيب فيه تحلفه المحكمة أنه لم يرض بالعيب صراحة أو دلالة.
ت. إذا أثبت طالب الشفعة دعواه تحلفه المحكمة بأنه لم يُسقط شفعته بأي وجه من الوجوه”.
وجدير بالذكر أن اليمين والحالة هذه ليست حاسمةً للنزاع، ولكن يجوز مناقشتها إذا ما قدم الخصم دليلًا أقوى يثبت عكس ما حلف عليه المدعي، وعندئذ يكون للمحكمة سلطة تقديرية بشأن الموازنة بين البينات المختلفة وإصدار الحكم وفقًا لما تطمأن إليه قناعتها.
خامسًا: سلطة القاضي في تقدير وسائل الإثبات التي ليس لها حجية
يُقصد بالأدلة التي لا حجة لها الأدلة التي لم يحدد لها المشرع الأردني في قانون البينات حجية، وترك أمر تقديرها للقاضي الذي ينظر في الدعوى حيث أشار القانون إلى ذلك صراحةً بالعبارات الدالة مثل: “تُقدر المحكمة” و”للمحكمة”، ولا تخضع تلك التقديرات إلى رقابة محكمة التمييز.
وتتمثل الأدلة التي لا حجة لها في قانون البينات الأردني في: القرائن القضائية والشهادة والمعاينة والخبرة، وذلك على التفصيل التالي:
1. سلطة القاضي في تقدير القرينة القضائية كدليل
عرفت (المادة 43) من قانون البينات القرينة القضائية على أنها “1. القرائن التي ينص عليها القانون ويستخلصها القاضي من ظروف الدعوى ويقتنع بأن لها دلالة معينة ويترك لتقدير القاضي استنباط هذه القرائن”.
ويتبين من نص المادة سالفة الذكر أن سلطة القاضي في تقدير القرائن القضائية تتسع وتُقبل طالما أنها مبنية على أسباب سائغة.
2. سلطة القاضي في تقدير الشهادة كدليل
لا يوجد تعريف للشهادة في قانون البينات الأردني، وقد عرفت محكمة النقض المصرية الشهادة بقولها إن: “الشهادة في الأصل هي تقرير شخص لما يكون قد رأه أو سمعه بنفسه أو أدركه على وجه العموم بحواسه”، والشهادة هي وسيلة الإثبات في المعاملات غير التعاقدية والتعاقدية المستثناة بموجب نصوص (المواد 28، 29، 30).
والملاحظ أن سلطة القاضي في تقدير الشهادة كأحد البينات تتسع، حيث إنها غير ملزمة بالأخذ بها طالما أن لم تطمأن لها أو لم تجد من القرائن ما يدعمها، وذلك سندًا لنص (المادة 33) من قانون البينات على أنه: “1. تقدر المحكمة قيمة شهادة الشهود من حيث عدالتهم وسلوكهم وتصرفهم وغير ذلك من ظروف القضية دون حاجة إلى التزكية”.
وكذلك نص (المادة 34) نت القانون ذاته على أنه: “1. للمحكمة أن ترجح بينة على أخرى وفقًا لما تستخلصه من ظروف الدعوى.
- ولا يجوز للمحكمة أن تصدر حكمًا في أية قضية بالاستناد إلى شهادة شاهد فرد إلا إذا لم يعترض عليها الخصم أو تأيدت بينة مادية أخرى ترى المحكمة أنها كافية لإثبات صحتها”.
3. السلطة التقديرية للقاضي فيما يتعلق بالمعاينة والخبرة
“تمثل المعاينة والخبرة الوسيلة الأخيرة التي بيّنها المشرع الأردني، وتعرف الخبرة على أنها استشارة فنية تلجأ إليها المحكمة بغية الحصول على بعض المعلومات المتعلقة بالدعوى من أهل الاختصاص. أما المعاينة فتعرف على أنها مشاهدة المحكمة وكشفها على الأمر أو الواقع الذي يدعي به المدعي لأجل الوقوف عليه ومعرفة صدق هذه المطالبة من عدمها”([4]).
وقد أخضع قانون البينات الأردني تلك الوسيلة للأحكام الواردة في قانون أصول المحاكمات المدنية سندًا لنص (71) من قانون البينات على أنه “تعتبر جزءًا من البينات المعاينة والخبرة التي تجري وفقًا للأحكام المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية.
وتنص (المادة 83) من قانون أصول المحاكمات المدنية على أنه: “للمحكمة في أي دور من أدوار المحاكمة أن تقرر الكشف والخبرة من خبير أو أكثر على أي مال منقول أو غير منقول أو لأي أمر ترى لزوم إجراء الخبرة عليه على أن تبين المحكمة في قرارها الأسباب الداعية لإجراء الكشف والخبرة والغاية من ذلك وتحدد بدقة تفاصيل المهمة الموكَّلة إلى الخبير”.
وتتسع سلطة القاضي فيما يتعلق بتقدير المعاينة والخبرة كدليل سندًا لنص (المادة 86/ 4) من قانون أصول المحاكمات المدنية على أنه: “رأي الخبير لا يقيد المحكمة”.
سادسًا: السوابق القضائية الخاصة بسلطة القاضي في وزن وتقدير البينات
لقد ورد في الحكم رقم (8422) لسنة 2019م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 17/03/2020م، بما نصه: ” 2-تكون الأسناد الرسمية المنظمة حجة على الناس كافة بما دون فيها من أفعال مادية قام بها الموظف العام في حدود اختصاصه، أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره وذلك ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانونًا وفقًا لنص المادة (7) من قانون البينات”.
وما ورد في الحكم رقم (6033) لسنة 2019م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 08/06/2020م، بما نصه: ” 4- إن المادة (10) من قانون البينات قد عرفت السند العادي وأن المادة (11) من ذات القانون على أنه من احتج عليه بسند عادي وكان لا يريد أن يعترف به وجب عليه أن ينكر صراحة ما هو منسوب اليه من خط، أو توقيع، أو خاتم، أو بصمة أصبع وإلا فهو حجة عليه بما فيه”.
وكذلك ما ورد في الحكم رقم (1232) لسنة 2020م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية بتاريخ 02/07/2020م بما نصه: ” 6- إن القرائن هي وسيلة من وسائل الإثبات كما أنه من المقرر في المادة (43) من قانون البينات أن القرائن القضائية هي القرائن التي لم ينص عليها القانون ويستخلصها القاضي من ظروف الدعوى ويقتنع بأن لها دلالة معينة ويترك لتقدير القاضي استنباط هذه القرائن وأن المشرع أنزل القرائن القضائية منزلة الإثبات بالشهادة فحيث يجوز الإثبات بالشهادة يجوز قبول القرائن القضائية، وحيث إن قبض الثمن من عدمه أو تحديده يجوز إثباته بكافة الطرق القانونية ومنها البينة الشخصية فإنه يجوز الإثبات بالقرائن القضائية وتعتبر القرائن القضائية بينة قانونية في الإثبات.
وأيضًا ما ورد في الحكم رقم (6647) لسنة 2021م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 02/03/2022م بما نصه: “- أن قاضي الموضوع هو خبير الخبراء كما يذهب إليه الفقه القانوني وله من الصلاحيات ما نصت عليه المادة (86/4) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي تقضي بأن رأي الخبير لا يقيد المحكمة فإنه كان على محكمة الاستئناف إجراء خبرة جديدة وإفهام الخبراء المهمة الموكولة إليهم بكل وضوح وتفصيل وأن تكون الخبرة تتلاءم مع واقع الحال وتسعى لمساعدة المحكمة لتحقيق العدالة وحيث إنها لم تفعل فيكون قرارها مخالفًا للقانون ومستوجبًا للنقض”.
إعداد/ محمد محمود
([1]) عبد الرحمن إبراهيم، سلطة القاضي التقديرية في وزن وتقدير البينات في الفقه الإسلامي والقانون، (ص10).
([2]) صهيب علي الهروط، سلطة القاضي في تقدير وسائل الإثبات في القانون الأردني، (ص142).
([3]) عبد الرحمن إبراهيم، سلطة القاضي التقديرية في وزن وتقدير البينات في الفقه الإسلامي والقانون، (ص 45).
([4]) صهيب علي الهروط، سلطة القاضي في تقدير وسائل الإثبات في القانون الأردني، (ص144).

