الضرر الاحتمالي في الطلب المستعجل

مدى اختصاص قاضي الأمور المستعجلة للنظر في الضرر الاحتمالي تطبيقا لمبدأ الحيطة

القضاء العادي له العديد من الإجراءات التي قد يستغرق وقت طويل قد يضر الانتظار لصدور حكم بات بمصالح وقتية، من أجل ذلك فلقد شرع القضاء المستعجل، والهدف الأصيل للقضاء المستعجل الحفاظ على مصالح وقتية من ضرر محدق واقع، وفي هذا المقال سنتناول جانب مستحدث في نطاق القضاء المستعجل وهو مدى اختصاص قاضي الأمور المستعجلة للنظر في الضرر الاحتمالي تطبيقا لمبدأ الحيطة. وسنتناول ذلك من خلال النقاط الأتية:

أولًا: ماهية القضاء المستعجل

ثانيًا: اختصاص القضاء المستعجل

ثالثًا: شروط قبول الدعوى المستعجلة

رابعًا: مدى اختصاص قاضي الأمور المستعجل بنظر الضرر الاحتمالي

خامسًا: تطبيقات قضائية

سادسًا: خاتمة

 

أولًا: ماهية القضاء المستعجل

يقصد بالقضاء المستعجل ذلك الطريق الذي رسمه القانون يلجا اليه المتقاضون حال تهديد مصلحه بشكل لا يحتمل الانتظار فتره التقاضي العادية، فيكون الفصل في النزاع بسرعة لرفع هذا الخطر والتهديد للمصلحة المعتبرة.

والقضاء المستعجل فرع من القضاء المدني، وولايته محدودة بالقدر الذي يدخل في صميم اختصاص القضاء المدني، ويترتب على ذلك انه حيثما تخرج المنازعة الموضعية عن اختصاص القضاء العادي فإنها تدخل ضمن اختصاص القضاء المستعجل[1]. وبهذا يمكننا القول ان القضاء المستعجل هو استثناء عن الأصل العام في اختصاص القضاء العادي بنظره الدعاوى المدنية.

ولابد لكي يتم اللجوء للقضاء المستعجل ان يتوفر شرطين، الشرط الأول ان يتوافر حاله من حالات الاستعجال في الحق المطلوب اتخاذ تدبير احترازي للحفاظ عليه، والثاني ألا يمس هذا الفصل في الضرر الواقع أصل الحق فيظل الفصل في الحق من اختصاص المحاكم العادية.

وفي هذا السياق يرى بعض الفقهاء ان القضاء المستعجل أنشئ بجانب القضاء العادي لاتخاذ إجراءات وقتيه سريعة حياتيه لمصالح الخصوم دون أي يتعرض هذا القضاء لأصل الحقوق المتنازع عليها، فيبقى للخصوم حق عرض النزاع على المحكمة المختصة ليأخذ طريقه العادي[2].

ثانيًا: اختصاص القضاء المستعجل

كما بيننا في أولا فان اختصاص القضاء المستعجل يكون في الأحوال التي يكون في فيها حالة من الحالات التي يلزم صدور حكم للحفاظ على حق معين، وتختلف تلك الحالات عن الحالات التي حددها القانون للنظر على وجه السرعة، ويحدد ذلك المادة (60/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي نصت على (في الدعاوى التي تحوز صفة الاستعجال بمقتضى أحكام هذا القانون أو أي قانون آخر يعين القاضي جلسة المحاكمة فور قيد لائحتها بدون حاجة لتبادل اللوائح.) أردنية ومثال على ذلك ما جاب المادة (42/ه) من قانون ضريبة الدخل الأردني والتي نصت على (تجري المحاكمة لدى المحكمة بصورة علنية إلا إذا أمرت المحكمة خلاف ذلك، وتعطى الدعاوى والطلبات المنظورة أمامها صفة الاستعجال).

ولقد نظم قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني اختصاص القضاء المستعجل وذلك بالمواد:

المادة (31) والتي نصت على:

  1. قاضي الأمور المستعجلة هو رئيس محكمة البداية أو من يقوم مقامه أو من ينتدبه لذلك من قضاتها وقاضي الصلح في الدعاوى التي تدخل ضمن اختصاصه.
  2. تختص محكمة الاستئناف بالنظر والفصل في الطلبات المتعلقة بالأمور المستعجلة التي تقدم إليها بشأن الدعاوى المنظورة أمامها.

وكذلك المادة (32) نصت على:

يحكم قاضي الأمور المستعجلة بصفة مؤقتة مع عدم المساس بالحق بالأمور التالية، على ان هذا لا يمنع من اختصاص محكمة الموضوع أيضا بهذه المسائل إذا رفعت لها بطريق التبعية:

  1. المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت.
  2. النظر في طلبات تعيين وكيل أو قيم على مال، أو الحجز التحفظي، أو الحراسة، أو منع السفر.
  3. الكشف المستعجل لإثبات الحالة.
  4. دعوى سماع الشاهد الذي يخشى فوات فرصة الاستشهاد به على موضوع لم يعرض بعد على القضاء ويحتمل عرضه عليه. وتكون مصروفاته كلها على من طلبه.

ونظمت المادة (33) من قانون المحاكمات المدنية الأردني نظر الدعاوى المستعجلة حيث نصت على:

  1. تنظر المحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة في المسائل المستعجلة تدقيقا دون حاجة لدعوة الخصوم إلا إذا رات المحكمة أو القاضي خلاف ذلك.
  2. على الطالب ان يرفق الوثائق التي يستند إليها في طلبه وللمحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة ان يقرر تكليفه بتقديم تامين نقدي أو كفالة مصرفية أو عدلية تحدد المحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة نوعها ومبلغها ويقدمها كفيل ملئ يضمن العطل والضرر الذي قد يلحق بالمستدعى ضده إذا ظهر ان المستدعي غير محق في طلبه، ويستثنى من تقديم التامين أو الكفالة الدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية والعامة والبلديات والبنوك العاملة في المملكة، وللمحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة التحقق من ملاءة الكفيل.
  3. القرار الذي يصدر بقبول طلب المستدعي في المسائل المستعجلة يكون على ذمة الدعوى الموضوعية ولحين الفصل فيها.

ثالثًا: شروط قبول الدعوى المستعجلة

لكي يمكن الحديث عن مدى إمكانيه تعرض قاضي الأمور المستعجلة للضرر الاحتمالي لابد أولا من التعرف على شروط قبول الدعوى المستعجلة، ويمكن تقسيم تلك الشروط إلى شروط عامة وشروط خاصة.

1- الشروط العامة

يشترط في الدعاوى المستعجلة كشروط عامة المصلحة والأهلية، فمن حيث المصلحة فقد نصت المادة (3) من قانون أصول المحاكمات المدنية على:

  1. لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون.
  2. تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه.

ومن النص يتضح لنا انه لابد ان يتوافر شرط المصلحة لدى رافع الدعوى، لكن الفقرة الثانية قررت انه يمكن ان يكون المصلحة محتمله ما دامت معتبرة.

وأما من حيث الأهلية فلابد أن يتوافر فيمن يقيم الدعوى المستعجلة شأنها شأن جميع الدعاوى، أما في حالة عدم توافر تلك الأهلية فيلزم أن تتوفر فيمن يمثل عديم الأهلية مثل الولي أو الوصي.

2- الشروط الخاصة

نجد أن المشرع قد اشترط شروطًا خاصة في الدعوى المستعجلة، والشرطان هما أن يكون هناك حالة من حالة الاستعجال التي اشترطها القانون، والثاني ألا تمس الدعوى المستعجلة بأصل الحق، وفي ذلك جاء بالحكم رقم 7821 لسنة 2018 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2018-12-20 (وحيث إن هذا النعي غير سديد ذلك أن المشرع حدد بنص المادة (32) من قانون أصول المحاكمات المدنية شروط اختصاص القضاء المستعجل بصفة عامة وهي الاستعجال وأنه يشترط لاختصاص قاضي الأمور المستعجلة توافر شرطين متلازمين:

أولهما: ركن الاستعجال.

وثانيهما: أن يكون المطلوب مجرد إجراء وقتي لا يمس أصل الحق.

وفي الحالتين يجب أن يتجمع لدى صاحب المصلحة أسباب معقولة يخشى مع توافرها تحقق خطر عاجل في اختصاص القضاء المستعجل أي شرط الاستعجال أي الخوف المعقول من احتمال وقوع ضرر بالحق الموضوعي إذا لم يحصل المدعي – صاحب المصلحة – على الحماية الوقتية المطلوبة والذي قد لا تدرؤه الخصومة الموضوعية سواء كانت قائمة أو حالة، أما إذا انعدمت تلك الخشية أو كان يترتب على هذا الإجراء المساس بأصل الحق وجب عليه القضاء بعدم اختصاصه بنظر الدعوى لتخلف أحد شرطي اختصاصها النوعي بنظر النزاع وهما الاستعجال وعدم المساس بأصل الحق.

فيجب توافر خطر حقيقي محدق يخشى عدم تداركه ويخضع تقدير ذلك لمحكمة الأمور المستعجلة مستعينة في ذلك بظروف الدعوى ووقائعها وطبيعة الحق المراد حمايته على أن تبني حكمها على ما تتلمسه من ظاهر الأوراق ودون تعمق في تفسيرها أو تأويلها وأن يكون الحق المطلوب حمايته واضحاً جلياً لا يحتاج ثبوته إلى تحقيق، فإن غم عليها ذلك كان عليها أن تحكم بعدم اختصاص القضاء المستعجل بنظر الدعوى.

وإن القاضي المستعجل يختص بإصدار حكم وقتي يرد به عدوانًا باديًا للوهلة الأولى أو يتخذ إجراءً يصون به موضوع الحق أو دليلاً من أدلته دون المساس بأصل الحق، وذلك في المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت وذلك من ظاهر الأوراق مستعينًا بظروف الدعوى ووقائعها وطبيعة الحق المراد حمايته متى كان هذا الحق واضحًا جليًا لا يحتاج ثبوته إلى تحقق.

فالدعوى المستعجلة الطلب فيها طلب مستعجل يصدر فيه حكم بإجراء وقتي يحدد مركز الخصوم تحديدا مؤقتا دون ان يتضمن فصل في موضوع الحق، بل ان قاضي الأمور المستعجلة يحسم النزاع المرفوع أمام القضاء المستعجل إلا انه إذا كان قائما على ظروف متغيرة فانه يمكن تعديله متى تغيرت الظروف التي أدت إلى إصداره، فهو حكم حجيته مؤقته، بل انه لا يقيد محكمه الموضوع عند نظرها النزاع على أصل الحق فلها ان تغفل عما قضى به وتقضي على خلافه[3].

رابعًا: مدى اختصاص قاضي الأمور المستعجل بنظر الضرر الاحتمالي

يبينا في السطور السابقة أن المشرع الأردني قد اشترط أن يكون الضرر الذي يخشى منه على مصلحة معتبرة ضرر واقع فعلا أو مصلحة يخشى فواتها، لكن ومع ذلك فقد ظهر اتجاه جديد يدخل ضمن اختصاص قاضي الأمور المستعجلة التصدي للضرر الاحتمالي. وسنناقش ذلك من خلال النقاط الأتية:

1- الضرر محقق الوجود

ويقصد بالضرر المحقق الوقوع أي أن يأتي على وجه وبصورة لا تدع مجالا للشك انه حدث بصفة فعلية حالة، أو بأن الضرر سيقع حتما في المستقبل، لذلك فإن الضرر ينقسم إلى ضرر قد وقع فعلا وهو الضرر الذي يصيب الشخص في الحال ويكون إثباته بجميع الطرق باعتباره واقعة قانونية والأمثلة على ذلك متعددة كأن يصاب المضرور في جسمه بمرض أو جرح أو في أي مصلحة مالية له[4].

وقد عمل الفقه على إعطاء تعاريف شاملة لمفهوم الضرر، من حيث كونه هو كل ما يصيب المضرور في جسمه، أو ماله، أو عاطفته، أو كرامته، أو شرفه، أو أي معنى آخر من المعاني التي يحرص الإنسان عليه أو هو ذلك الأذى الذي يصيب الشخص في حق من حقوقه أو مصلحة مشروعة له ويدور عموما حول المساس بحق أو مصلحة مشروعة لشخص مساسا، يترتب عليه جعل مركزه أسوء ما كان قبل ذلك لأنه انتقص من المزايا أو السلطات التي يخولها ذلك الحق أو تلك المصلحة لصاحبه[5].

2- الضرر الاحتمالي والضرر المستقبلي

يفرق بين ضرر الاحتمال والضرر المستقبلي في أن الضرر الاحتمال قد يحدث وقد لا يحدث، أما الضرر المستقبلي فهو ضرر متوقع حدوثه في المستقبل، والضرر الاحتمالي لا يعول عليه في التشريعات المتباينة حيث انه من الأمور الغيبية التي لا يعلم مدى إمكانية حدوثها.

3- موقف القضاء الأردني من الضرر الاحتمالي

لقد كان موقف القضاء الأردني واضحًا من التعرض للضرر الاحتمالي، حيث لم يجعل الضرر الاحتمالي محل اعتبار وذلك لعدم تيقن حدوثه، وفي ذلك جاء بالحكم رقم 227 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2022-04-12

ورداً على أسباب التمييز:

وعن أسباب التمييز كافة ومفادها تخطئة محكمة الاستئناف باعتماد تقرير الخبرة من حيث اعتبار أن الشارع أحدث فرقاً بالمنسوب في حين أن أعمال أمانة عمان الكبرى هي تعبيد الشارع وتوسعته بمنسوبه المفتوح سابقاً وأن التعبيد بحد ذاته ليس سبباً موجباً لإحداث فارق المنسوب وليس موجباً للضمان وأن الضرر الاحتمالي غير قابل للتعويض ولم تعالج المحكمة التناقض بين سعر الأساس وبين تقرير الخبرة وأن الخبير غير مختص في مجال هندسة الطرق وتصميمها وتنفيذها وعملية التقدير مخالفة لأسس التقدير العقاري.

وفي هذا نجد أنه وعلى الرغم من أن الكشف والخبرة تعتبر بينة كافية لإثبات الضرر إلا أنه وبالرجوع إلى المهمة التي أفهمتها محكمة الدرجة الأولى للخبير (ص11) من محضر المحاكمة نجد أنها تمثلت بتقدير الضرر المادي اللاحق بالمدعية جراء أفعال المدعى عليها وتدني قيمة العقار قبل البدء بالتنفيذ ومباشرة الأعمال التي قامت بها المدعى عليها (على فرض الثبوت) وبعد تاريخ الانتهاء من إتمام الأعمال (الفرق بين القيمتين).

أي أن محكمة الدرجة الأولى وعند إفهامها الخبير المهمة الموكول إليه افترضت وجود الضرر وطلبت من الخبير تقديره وهذا مخالف للمادة (83) من قانون أصول المحاكمات المدنية وحيث كان يتوجب على محكمة الدرجة الأولى إفهام الخبير فيما إذا كان هناك ضرر واقع على قطعة الأرض موضوع الدعوى أم لا وفي حال وقوعه تقدير قيمته وكذلك بيان فيما إذا كان الشارع المحاذي لقطعة الأرض كان منفذاً في السابق وبالارتفاع نفسه أم أن هناك توسعة جرت عليه بالارتفاع نفسه وحيث لم تراعِ محكمة الاستئناف ما تم الإشارة إليه فإن هذه الأسباب ترد على القرار المميز ويتعين نقضه.

لهذا نقرر نقض القرار المطعون فيه وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني.

4- الاتجاه الحديث القائل بإمكانية تصدي الأمور المستعجل للضرر الاحتمالي

أ- مضمون الاتجاه

يذهب هذا الاتجاه إلى أن القضاء المستعجل وفقًا للتطور الحاصل حاليًا لابد أن يتصدى للأضرار المحتملة وليس فقط الأضرار الواقعة أو الوشيكة، وعلة هذا الاتجاه أن المصالح المحتملة يجوز أن يرد عليه طابع الاستعجال إذا ما كانت تمس بمصالح ضرورية ومهمة.

فالأساس الذي يستند إليه أنصار هذا الاتجاه هو “مبدأ الحيطة” ومفاده هذا المبدأ أنه لابد أن يتخذ القضاء المستعجل من التدابير الاحترازية ما يمنع به من الأضرار ما يكون محتملًا.

ب- تطبيق عملي للاتجاه

لكي يتثنى لنا مناقشة هذا الاتجاه فكان من الضروري أن نورد تطبيقًا عمليًا لتطبيق هذا الاتجاه، وهذا التطبيق هو “الأمر الاستعجالي عدد 612 / 2015 الصادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بمكناس بتاري 2 يونيو [6]2015″

1- وقائع الأمر

تتلخص وقائع الأمر في عدد من المدعين لجئوا لقاضي الأمور المستعجلة طالبين إيقاف أعمال شركة الاتصالات المغربية والمتمثلة في تركيب لاقط لهاتف المحمول، وأرجعوا طلبهم هذا لأن تلك الأبراج تشع موجات مغناطيسية قد تؤثر على صحة المدعين.

2- طبيعة الضرر في الأمر

والناظر إلى وقائع الأمر ليجد أن الضرر الذي يؤيد به المدعون طلبهم في إيقاف الأعمال ضرر احتمالي ليس واقعًا ولا وشيك الحدوث، ويؤيد ذلك ما جاء في طيات الحكم نفسه حيث جاء فيه (عدد 21 المؤرخ في 22 ماي 2003 – بوجود أضرار من الإشعاعات الكهرومغناطيسية الغير المؤينة المنبعثة من المنشآت الكهربائية اللاسلكية؛ فإنما لم تحسم بالمقابل من ذلك في مدى سلامتها على صحة الإنسان سيما على المدى البعيد)

3- القرار الصادر في الأمر

وقد صدر القرار في الأمر بخصوص هذا الضرر (ثانيا. نأمر المدعي عليها شركة اتصالات المغرب في شخص مثلها القانون بإيقاف أشغال تنصيب برج تقوية 3 شبكة الإرسال الخاصة بالهاتف الخلوي فوق سطح المنزل» الكائن برقم ….. وبإزالة الأجزاء المركبة منه تحت طائلة غرامة تهديدية وقدرها 1000 درهم عن كل يوم امتناع عن التنفيذ مع تحميلها الصائر وشمل الأمر بالنفاذ المعجل على الأصل.)

4- تسبيب القرار

لقد قررت محكمة الأمور المستعجلة في هذا القرار مبدأ جديدًا من حث تصدي محكمة الأمور المستعجلة للضرر الاحتمالي، وأيدت ذلك الاتجاه كما جاء بأسباب القرار حيث جاء فيه:

وحيث إن مبداً الحيطة والحذر يقتضي اتخاذ تدابير احترازية وامتناعية عند الاقتضاء كلما كان هناك سبب كاف للاعتقاد بأن أي نشاط أو منتج قد يسبب أضرارا جسيمة بشكل غير قابل للتدارك على صحة الإنسان دونما حاجة إلى إقامة الدليل القاطع والملموس على وجود علاقة سببية بين هذا النشاط أو المنتج والأضرار الوخيمة التي قد تترتب عنه مستقلا.

وحيث ترتيبا على ما ذكر» فإن حالة الخوف التي تصيب ساكنة حي من جراء تنصيب برج لتقوية شبكة الإرسال الخاصة بالهاتف الخلوي بالمحاذاة من سكناهم» ومن منطلق عدم اليقين العلمي الذي يحوم حول سلامتها على صحتهم» ولما لهذه الحالة من تأَثير على راحتهم النفسية وسكينتهم وحسن استقرارهم ليجعل حالة الاستعجال قائمة في الدعوى؛ وموجبا لتدخلنا كقاضي للمستعجلات لأمر المدعى عليها الثانية بإيقاف أشغال تنصيبه وعند الاقتضاء إزالة الأجزاء المركبة منه.

5- التعقيب على القرار

من خلال العرض السابق فإنه يمكن القول إن الضرر الاحتمالي لا يصلح أن يكون من اختصاص المستعجل، وذلك للأسباب الأتية:

أ- عدم توافر ركن الاستعجال

كما بينا في أنواع الضرر فإن هناك فرق ببن الضرر الحال والضرر المستقبلي والضرر الاحتمالي، ولقد بينا أن أخفهم حدة هو الضرر الاحتمالي حيث إنه يحتمل الحدوث ويحتمل عدم الحدوث، وبذلك فالضرر الاحتمالي يخرج عن غاية القضاء المستعجل.

ولما كان الضرر الاحتمالي لم يحدث بعد ولا يتيقن حدوثه على المدى القريب فإنه يفتقر لركن الاستعجال، حيث إن لجوء المضرور للقضاء العادي لن يفوت عليه فرصة تفادي ضرر لم يحدث أصلًا ولا يعلم وقت حدوثه أو كونه سيحدث من الأساس.

ب- مناقشة الضرر الاحتمالي يمس أصل الحق

لما كان الشرط الثاني لقبول الدعوى ألا تمس الدعوى أصل الحق فإن تعرض محكمة الأمور المستعجلة للضرر الاحتمالي ينافي هذا الشرط، وعلة ذلك أن محكمة الأمور المستعجلة عند مناقشتها لضرر واقع أو وشيك الحدوث فإنها لا تحتاج إلى تمعن في بحث أوراق الدعوى، بل إن الأحرى أنها إذا رأت الدعوى غير صالحة للفصل فيها دون التعرض للموضوع أن تكف يدها وتحيلها لمحكمة الموضوع، وتأسيسًا على ذلك فإذا كان الضرر الاحتمالي غير واقع فعلًا ويحتمل الحدوث وعدم الحدوث فإن محكمة الأمور المستعجلة لن تجد مفر من مناقشة أصل الحق لترجيح أمكانية حدوث الضرر من عدمه، ونجد ذلك جليًا في القرار المعروض حيث أن محكمة الأمور المستعجلة لم تعتمد في قرارها على مجرد مناظرة الأوراق بل تخطت ذلك وأسست حكمها على مبدأ الحيطة والذي لا يصلح استخدامه إلا مع الضرر الواقع فعلًا، حيث أن الأصل أن الإنسان حر في استخدام حق ما لم يكن في هذا الاستخدام تعسفًا يضر بالغير، ولابد أن يكون هذا الضرر واقع أو مستقبلي لا أن يكون احتمالي.

ج- منافاة الأصول القضائية

إذا كانت محكمة الأمور المستعجلة هي استثناء على الأصل وهو تصدي المحاكم العادية للدعاوى فإن المنطق يقول بألا تخالف محكمة الأمور المستعجلة الأصول المتعارف عليها في المحاكم العادية، فإذا كانت المحكمة العادية في مناقشتها لموضوع الحق لا تعطي للضرر الاحتمالي أهمية لأنه كما قلنا إن الأصل أن الإنسان حر في استعمال حقه ما لم يثبت تعسفه، فلا يجب على محكمة الأمور المستعجلة أن تفترص حدوث ضرر وتؤسس على أساسه قرارها لأن ذلك سيؤدي لزعزعة المراكز القانونية للأفراد.

خامسًا: تطبيقات قضائية

الحكم رقم 4639 لسنة 2021 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2021-09-06

أن اختصاص قاضي الأمور المستعجلة بنظر الطلب منوط بتوافر شرطين الأول شرط الاستعجال وهو الخطر المحدق بالحق المطلوب حمايته ويستخلص قاضي الأمور المستعجلة هذا الشرط من ظروف الطلب ومن ظاهر البينة والثاني عدم المساس بأصل الحق والمقصود بذلك ألاّ يمس القرار المستعجل أصل الحق وهو ما يدور مع الحق وجوداً وعدماً بمعنى أنه لا يمس القرار المستعجل المراكز القانونية للخصوم وإنما يقرر الحماية العاجلة للطرف الأجدر بهذه الحماية والمستقر عليه في الفقه والقضاء أن قاضي الأمور المستعجلة يصدر قراره في الطلب مراعياً الطرف الأجدر بالحماية العاجلة التي يطلبها ولكن هذا القرار يصدر بناءً على ظاهر البينة التي تقدم لغايات هذا الطلب وأن عدم المساس بأصل الحق لا يمنع قاضي الأمور المستعجلة من تحسس ظاهر هذه البينة لا ليفصل في الموضوع وإنما ليتخذ قراره بقبول الطلب أو رفضه.

الحكم رقم 5240 لسنة 2021 -بداية عمان بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2021-10-04

نجد أن الفصل في طلب المستدعي (المستأنف) بمنحه الحماية الوقتية التي يطلبها (وقف إجراءات القضية التنفيذية رقم 341/2021 تنفيذ محكمة بداية شمال عمان) يستلزم البحث في البينات المقدمة في الدعوى رقم 5121/2021 (صورة ملف الدعوى رقم 3179/2018 صلح حقوق شمال عمان + صورة عقد الإيجار + صور الشيكات) ومناقشتها مناقشة موضوعية متعمقة للتحقق من الوقائع التي أسس ادعاءه عليها في الدعوى رقم 5121/2021 وتحديداً البنود (من الخامس ولغاية التاسع من لائحة الدعوى). وهذه أمور يتطلب الوصول إليها بحثاً متعمقاً ووزناً للبينات وهو محظور على القضاء المستعجل التعرض له مهما رافق طلب المستأنفة من استعجال، وحتى لو كان يخشى على المركز القانوني للمستأنفة من فوات الوقت، أو كان الخطر الذي يحيط بها وشيكاً، أو كان الضرر المطلوب درؤه لا يمكن تداركه؛ لما لهذه المسائل من مساس بأصل الحق موضوع النزاع، إذ ببحثها لن يبقَ لمحكمة الموضوع شيئاً تقوله.

– الحكم رقم 192 لسنة 2021 – استئناف معان الصادر بتاريخ 2021-05-03

وفي ذلك تجد محكمتنا ان دور القضاء المستعجل في بحثه في النزاع موضوع الدعوى ينحصر في تفحص الموضوع واصل الحق من حيث الظاهر توصلاً إلى القضاء في الإجراء الوقتي المطلوب منه بحيث يكون بحثه في موضوع الحق غير حاسم لموضوع النزاع بل مجرد بحث عرضي يستعرض فيه ما يحتمل ان يكون هو وجه الصواب في الطلب المعروض عليه , أما اصل النزاع يبقى من صلاحية جهة الاختصاص ويكون اختصاص القضاء المستعجل مقيد بتوافر شرطي الاستعجال وعدم المساس بأصل الحق والاستعجال هو الخطر الحقيقي ال داهم الذي يسبغ عليه صفة الاستعجال والذي يلزم درؤه عنه بسرعة لا تكون عادة في إجراءات التقاضي العادية وهو ينشأ من طبيعة الحق المطلوب حمايته أو صيانته من الظروف المحيطة به.

سادسًا: خاتمة

في هذا المقال تحدثنا مدى اختصاص قاضي الأمور المستعجلة للنظر في الضرر الاحتمالي، وبينا أن الأصل أن محكمة الأمور المستعجلة تختص بنظر القضايا التي تحتاج إلى إصدار حكم وقتي للحفاظ على حق معين أو لتفادي ضرر معين بشرط أن يكون واقع أو وشيك، وكذلك بشرط ألا يمس قرار قاضي الأمور المستعجلة بأصل الحق حيث أن ذلك يحتاج إلى بحث موضوعي متأني، وبينا كذلك الفرق بين الضرر الواقع والضرر المستقبلي والضرر الاحتمالي، وأوردنا تطبيقًا عمليًا للقضاء المغربي على تصدي قاضي الأمور المستعجلة للنظر في الضرر الاحتمالي، وبينا أنه استند في هذا القرار على الاعتماد على مبدأ الحيطة، وأخيرًا قمنا بالتعقيب على هذا القرار واستخلصنا الرأي لعدم قابلية الضرر الاحتمالي ليكون محل نظر أمام محكمة الأمور المستعجلة وذلك لعدم توافر ركن الاستعجال، ولأن فيه تعرض لأصل الحق، ولأنه منافي للأصول القضائية.

كتابة: محمد السعيد عبد المولى

[1] محمد علي راتب، 1996، قضاء الأمور المستعجلة، الجزء الأول، دار عالم الكتب القاهرة، الطبعة الأولى، صـ297

[2] احمد أبو الوفاء، 1986/1976، المرافعات المدنية والتجارية، منشاة المعارف الإسكندرية، صـ342

[3] أمينة النمر، مناط الاختصاص والحكم في الدعاوى المستعجلة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1967، صـ121

[4] أ/ سعاد الزروالي، مدى اختصاص قاضي المستعجلات للنظر في الضرر الاحتمالي تطبيقا لمبدأ الحيطة، المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، ع14، 2018، صـ249

[5] تعريف الضرر، سليمان مرقس، المسئولية المدنية، القسم الأول، معهد البحوث والدراسات العربية، 1971، ف 55، ص 99

[6] المصدر/ أ/ سعاد الزروالي، مدى اختصاص قاضي المستعجلات للنظر في الضرر الاحتمالي تطبيقا لمبدأ الحيطة، المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، ع14، 2018

Scroll to Top