دور القضاء في حماية المستهلك
لا شك بأن حماية المستهلك من أحد أهم المهام التي أسندها المشرع للقضاء، لا سيما في إفراد الحماية القضائية للمستهلك من تلك الشروط التعسفية في عقود الاستهلاك، ولمّا كان البين من مطالعة قوانين حماية المستهلك في التشريع الوطني الداخلي وكذلك التشريعات المقارنة أنها تفرد شتّى أنواع الحماية للمستهلك أمام المزود المهني، خاصة وأن المستهلك في تلك العلاقة هو الطرف الضعيف قليل الخبرة إذا ما تمت مقارنته بالمزود الممتهن بشكل احترافي لعملية التجارة وارتياد الأسواق، لذلك؛ كان من المهم ونحن في هذا الصدد التعرض للحماية القضائية للمستهلك بشيء من التفصيل، وكذلك التعرض لصور تلك الحماية، وميكانيزمات وآليات إفراد تلك الحماية في مجال التقاضي أمام المحاكم في القضاء الأردني، وذلك على النحو التالي ذكره:
أولاً: مفهوم ومدلول الحماية القضائية للمستهلك:
ثانياً: آليات إفراد الحماية القضائية للمستهلك:
ثالثا: صور الحماية القضائية للمستهلك:
رابعا: اجتهادات محكمة التمييز الأردنية فيما هو متصل بحماية المستهلك:
أولاً: مفهوم ومدلول الحماية القضائية للمستهلك:
لا شك بأنه لم يتم الاتفاق على تعريف فقهي موحد للمستهلك في التشريعات والقوانين المقارنة، وكذلك في الاتجاهات الفقيه والتطبيقات القضائية في هذا الصدد، ومع تطور حركة التجارة مؤخراً، وزيادة الإقبال على الاستهلاك والشراء إبّان الانفجار التكنولوجي الحاصل مؤخرا، كان هناك اتجاه فقهي وتشريعي نحو التعرض لذلك الإطار التعريفي لمفهوم المستهلك والمزود المهني، حتى يتسنى للقضاء وللجهات الرقابية إفراد الحماية القانونية على نحو فعال، وحتى يقضي قاضي الموضوع المنظور أمامه النزاع وينزل حكمة المنزل الصحيح على الدعوى المطروحة أمامه، لذلك، وقبل التعرض للحديث حول حماية القضاء للمستهلك، كان من اللازم التعرض لمفهوم المستهلك وكذلك المزود المهني، ومن ثم التعرض لمفهوم الحماية القضائية للمستهلك على النحو التالي:
- مفهوم المستهلك:
لا شك بأن المشرع لم يعبأ كثيرا بتعريف المزود المهني قدر ما قد اهتم بتعريف المستهلك، ذلك لأنه لا يوجد إجماع على تعريف فقهي وقانوني موحد للمستهلك حول العالم، وإنما يدخل في التعريف عدة عوامل معيارية لتحديد فكرة مدلول ومفهوم المستهلك، ولقد ذهب بعض الفقه لتعريفه على أنه: (المستهلك هو كل من يقوم بالتصرفات القانونية اللازمة لإشباع حاجاته الشخصية والعائلية ويخرج من ذلك كل من يبرم التصرفات لأغراض المهنة أو الحرفة).[1]
ولقد نصت المادة الثانية من (قانون حماية المستهلك الأردني لسنة 2017) على التعريف القانوني للمستهلك، حيث نصت على: (الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يحصل على سلعة أو خدمة بمقابل أو دون مقابل إشباعا لحاجاته الشخصية أو لحاجات الآخرين ولا يشمل ذلك من يشتري السلعة أو الخدمة لإعادة بيعها أو تأجيرها).
- وهديا بما سلف نجد بأن التعريف الضيق في الفقه للمستهلك والتعريف القانوني الذي يتبناه المشرع الأردني قد اتفقا على أن المستهلك لا بد وأن يُنزع عنه صفة الامتهان والتجارة، فلكي يحاط المستهلك بسياج حماية القضاء والقانون لابد وأن يكون نشاطه الاستهلاكي مقتصر فقط على إشباع حاجاته الشخصية والاستهلاكية بعكس المزود المهني الذي يكون الغرض الأساسي من نشاطه هو التجارة والمكسب لا الاستهلاك، ولما كان ذلك، وكان البين من مطالعة الجوانب الفقهية للحماية القضائية للمستهلك أن مفهوم ومدلول المزود هو من أحد أهم الجوانب الفقهية بحثاً للوصول إلى رؤية شاملة حول إفراد تلك الحماية بواسطة القضاء، فالمزود هو الطرف الآخر في العملية الاستهلاكية، وهو المخاطب بالقوانين واللوائح التشريعية المتخصصة في هذا الشأن، وكذلك الطرف الثاني في القضايا الخاصة بحماية المستهلكين، وهديا بما سلف كان من اللازم التعرض لتعريفه من المنظور الفقهي، وذلك على النحو التالي ذكره:
- مفهوم المزود:
لقد ذهب فريق من أهل الفقه إلى تعريف المزود بأنه : (الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يعمل من أجل حاجات مهنته، ويسعى إلى الربح، وعلى سبيل الاحتراف، فاحتراف التجارة هو الذي يكسب الشـخص صـفة المزود، فتعريف المزود يرتبط بالعمل الذي يباشره، حيث تشترط القوانين طبيعياً أم معنوياً أن تكون الأعمال التجارية التي يمارسها، ويحترفها لاكتساب صفة المزود هي الأعمال التجارية بحكم ماهيتها الذاتية).[2]
- وقد عرفته المادة الثانية من قانون حماية المستهلك الأردني على أنه: ( الشخص الطبيعي أو الاعتباري من القطاع العام أو الخاص يمارس باسمه أو لحساب الغير نشاطا يتمثل بتوزيع السلع أو تداولها أو تصنيعها أو تأجيرها أو تقديم الخدمات إلى المستهلك بما في ذلك أي شخص يضع اسمه أو علامته التجارية أو أي علامة فارقة أخرى يملكها على السلعة أو الخدمة.(
-
وهديا بما سلف نجد بأن التعريف الفقهي للمزود قد أخذ بعين الاعتبار صفتي الاحتراف والتجارة كأساس لمعيار الإطار المفاهيمي للمزود، بعكس ما جاء في التعريف الفقهي للمستهلك، فالاحتراف والتربح من وراء النشاط التجاري وبعض العوامل الأخرى المتصلة بذات السياق تعد من أهم السمات المميزة للتجار والمزودين المهنيين أمام القضاء وكذلك أمام أجهزة الدولة الرقابية المتخصصة في هذا الشأن.
- مفهوم الحماية القضائية للمستهلك:
لا شك بأن المشرع الأردني وغيره من الشارعين العرب قد أعطوا اهتماماً بالغاً لإحاطة المستهلك بسياج تشريعي يحميه من الممارسات الضارة التي قد يمارسها المزود أو التاجر، تلك الحماية لا تتأتى إلا بإشراك القضاء في تلك العملية، وجعله المدافع الأول عن مصلحة المستهلك، وذلك ليتناغم دور القضاء مع أجهزة الدولة الرقابية على حركة التجارة والشراء داخل الأسواق، فيمكن القول بأن الحماية القضائية للمستهلك من وجهة نظرنا هي : ( إخضاع جميع العمليات ذات الطابع الاستهلاكي لرقابة القضاء، وتسهيل حق التقاضي للمستهلك عن كل ما من شأنه الإخلال بحقوقه أو الإضرار بها أو تقييدها).
وفي ذات المعني قد ذهبت المادة الثالثة فقرة رقم (6) من قانون حماية المستهلك إلى التأكيد على ذلك، حيث نصت على : (6- إقامة الدعاوى عن كل ما من شأنه الإخلال بحقوقه أو الإضرار بها أو تقييدها بما في ذلك اقتضاء التعويض العادل عن الأضرار التي تلحق به جراء ذلك).
ولقد اتفق المشرع المصري على ذات المعني أيضا فيما هو متصل بحماية المستهلك قضائيًا، حيث نصت المادة الثانية من قانون حماية المستهلك المصري على : (يحظر على أي شخص إبرام أي اتفاق أو ممارسة أي نشاط يكون من شأنه الإخلال بحقوق المستهلك الأساسية، وعلى الأخص: 6- الحق في رفع الدعاوى القضائية عن كل ما من شأنه الإخلال بحقوق المستهلك أو الإضرار بها أو تقييدها، وذلك بإجراءات سريعة وميسرة.7- الحق في الحصول على تعويض عادل عن الأضرار التي تلحق بالمستهلك أو بأمواله جراء شراء المنتجات أو استخدامها أو تلقي الخدمات).
ولما كان الأمر كذلك، وكانت التشريعات المقارنة قد اتفقت على إفراد الحماية القضائية للمستهلك في كل ما هو متصل بأي نشاط يمارسه المزود قد يلحق الضرر بالمستهلك، وكان البين من مطالعة النصوص أنفه البيان وغيرها من النصوص في القوانين الأخرى، نجد بأنها قد حددت آليات معينة لتدعيم ركائز حماية المستهلك قضائياً، لذلك كان من اللازم أن نتناول في السطور التالية تلك الآليات، على النحو التالي ذكره:
ثانياً: آليات إفراد الحماية القضائية للمستهلك:
لا جرم بأن المشرع في الأردن قد أعطى اهتماماً تشريعاً بالغاً للطريق الذي يتخذ من أجل شمول المستهلك بالحماية القضائية، فتعددت الطرق؛ فنجد أن هناك تشريعات تضمن حماية المستهلك أثناء التعاقد، كذلك حمايته من عيوب المنتجات الصناعية والعيوب التي من شأنها الإضرار بصحة المستهلك، فهناك عدة طرق تؤدي إلى إحالة النزاع الي نظر ورقابة القضاء، وبحث ما قد يحدث جراء التقصير أو الضرر الناجم عن عدم التزام المزود بالقانون، وعدم مراعاته لمصلحة المستهلك وفقا للمعايير التي تم تحديدها في التشريعات الوطنية والاتفاقات الدولية التي صادقت عليها المملكة.
ولا شك ولأهمية الموضوع؛ نجد بأن المشرع الأردني قد أعطى اهتمامًا بالغًا لتلك القضايا المتعلقة بحماية المستهلك، حيث نصت المادة (23) من قانون حماية المستهلك الأردني على : ( تعطى القضايا المدنية والجزائية المتعلقة لحماية المستهلك المقامة وفقا لأحكام هذا القانون صفة الاستعجال لدى المحاكم المختصة بما في ذلك تنفيذ الأحكام الصادرة عنها).
- ولأهمية ذلك، نتعرض لطرق تحريك الدعوى ضد المزود باعتبارها الآلية التي تُدخل القضاء في عملية حماية المستهلك، وذلك على النحو التالي ذكره:
- تحريك الدعوى العمومية من طرف المستهلك:
لا شك بأن المشرع الأردني قد أحاط المستهلك بعدة مواد تشريعية بالأخص داخل قانون حماية المستهلك الأردني، تلك النصوص قد قيدت المزود عن القيام بأي فعل من شأنه الضرر بمصلحة المستهلك، كذلك الأمر حول تعليمات حماية المستهلك الصادرة في عام 2017 وذلك استنادا لأحكام قانون حماية المستهلك الأردني، وبالنظر داخل نصوص القانون الأردني نجد بأنه ليس هناك ما يمنع من تحريك الدعوى العمومية ضد المزود مباشرة من قبل المستهلك المتضرر، ذلك على أن يراعي المستهلك إخطار مديرية حماية المستهلك المختصة، ويكون هذا الإجراء بمثابة الإخطار فقط وليس للجهات المختصة أن توافق أو ترفض حق اللجوء للقضاء.
- حيث نصت المادة الحادية عشر من قانون حماية المستهلك على : ( تتولى المديرية المهام والصلاحيات التالية: ب. تلقي الشكاوى من المستهلكين أو أي من الجمعيات عن أي مخالفة لأحكام هذا القانون أو الأنظمة أو التعليمات الصادرة بمقتضى كل منهما، ارتكبها أي مزود والتحقق منها، وتنظيم محاضر ضبط بتلك المخالفة.(
لكن هناك شرط آخر حتى يحق للمستهلك تحريك الدعوى، وهو ولا بد أن يتم إخطار المزود بالمخالفة التي يتم التحقيق فيها، ولقد نصت المادة (13) من قانون حماية المستهلك الأردني: (أ. للمديرية إخطار المزود في حال تثبتها من ارتكابه مخالفة لأحكام هذا القانون أو التشريعات النافذة أو الأنظمة الصادرة بمقتضاها على أن تحدد في الإخطار الإجراءات الواجب عليه تنفيذها لتصويب المخالفة والمدة المحددة لذلك).
ولقد حددت المادة (4) من ذات القانون ضوابط الإخطار وذلك على النحو التالي:
(1- للمديرية في حال تثبتها من ارتكاب المزود مخالفة لأحكام هذا القانون إخطاره على نموذج معد لهذه الغاية على أن يشتمل النموذج على ما يلي:
أ. اسم المؤسسة أو الشركة . ب. تاريخ الإخطار. ج. اسم محرر الإخطار .
د. السند القانوني للمخالفة . ه. تفاصيل المخالفة . و. دليل المخالفة .
ز. تاريخ تصويب المخالفة النهائي. ح. الإجراء المتخذ لتصويب المخالفة من قبل المزود أو من يمثله .
ط. توقيع استلام الإخطار من قبل المزود أو من يمثله. ي. قرار الوزارة النهائي وتاريخه.
2- على المزود تصويب المخالفة باتخاذ الإجراءات الواجب عليه تنفيذها والواردة في المادة (7) من القانون، بمدة لا تتجاوز ثلاثة شهور من تاريخ استلامه للإخطار).
- ومنذ لحظة إخطار المزود بالمخالفة يحق للمستهلك أن يلجأ للقضاء، والحكمة من إخطار المزود لأنه عسى أن يصحح المزود أوضاعه ويتراجع عن تلك المخالفة، وإن كنا نرى بأن شرط الإخطار هذا يحتاج إلى تعديل لأنه مجحف بحق المستهلك في التقاضي، فإذا ما تقاعست مدرية حماية المستهلك عن إخطار المزود لأي سبب من الأسباب، فقد يتم رفض الدعوى من قبل محكمة الموضوع وذلك لعدم اكتمال شكل الدعوى وانعقاد الخصومة وفقا لنصوص المواد (11، 13) من قانون حماية المستهلك الأردني سالفي البيان، ولما كان ذلك وكان البين بأن هناك عدة طرق أخرى يتم اللجوء من خلالها إلى القضاء، نستعرض لكم في السطور التالية طرق تحريك الدعوى العمومية بواسطة الأجهزة الرقابية وجمعيات حماية المستهلك:
- تحريك الدعوى العمومية من الأجهزة الرقابية وجمعيات حماية المستهلك:
لما كان البين من مطالعة نصوص قانون حماية المستهلك أنه قد أحاط المستهلك بالحماية القضائية ضد أي مخالفة من شأنها الإضرار به، وكان من المقرر أن هناك عدة طرق لتحريك الدعوى العمومية داخل نصوص ذلك القانون، فلم يرسم القانون نمط أو شكل واحد لتحريك الدعوى العمومية ضد المزود، وبالتالي كان هناك عدة طرق رسمها القانون لنقل النزاع إلى ساحات القضاء، ومن أحد أهم تلك الطرق هي تحريك الأجهزة الرقابية والجهات المختصة للدعوي العمومية ضد المزود، ولقد جاء القانون واضح وصريح في تلك النقطة، حيث أناط بالجهات الرقابية التابعة للدولة والمختصة بحماية المستهلك تحريك الدعوى العمومية ضد المزود في عدة مواضع.
- حيث نصت المادة الثالثة عشرة من قانون حماية المستهلك الأردني على:
(أ. للمديرية إخطار المزود في حال تثبتها من ارتكابه مخالفة لأحكام هذا القانون أو التشريعات النافذة أو الأنظمة الصادرة بمقتضاها على أن تحدد في الإخطار الإجراءات الواجب عليه تنفيذها لتصويب المخالفة والمدة المحددة لذلك. ب. تنظم المديرية محضر ضبط بالمخالفة المرتكبة خلافا لأحكام هذا القانون أو التشريعات النافذة أو الأنظمة الصادرة بمقتضاها وتحيلها إلى المحكمة المختصة في أي من الحالات التالية:
1- إذا ارتأت المديرية عدم إخطار المخالف لتصويب المخالفة لجسامتها أو تكرارها.
2- إذا امتنع المخالف الذي تم إخطاره وفقا لأحكام الفقرة (أ) من هذه المادة عن تصويب المخالفة أو جزء منها خلال المدة المحددة له في الإخطار).
- وهديا بما سلف ووفقا لما تقدم نجد بأنه لا مناص من اختصاص تلك الجهات الرقابية بتحريك الدعوى العمومية وإحالتها إلى المحكمة المختصة حال وقوع أي مخالفة لأحكام قانون حماية المستهلك، أما فيما هو متصل بجمعيات حماية المستهلك، فنجد أن المادة (15) قد حددت مهام تلك الجمعيات ودورها الهام في تحريك الدعوى العمومية أيضا، فلقد نصت على: ( للجمعية في سبيل تحقيق أهدافها القيام بما يلي:
أ. رعاية مصالح المستهلك وتثقيفه وتوعيته وتعريفه بحقوقه وطرق المطالبة بها.
ب. تقديم المشورة والإرشاد للمستهلك. ج. تلقي الشكاوى والتحقق منها والعمل على إزالة أسبابها.
د. تمثيل المستهلك لدى الجهات الرسمية وغير الرسمية فيما يتعلق بشكاوى المستهلكين ضد المزودين.
هـ. دراسة أسعار المنتجات ومقارنتها وجودتها والتأكد من صحة البيانات الخاصة بها وإبلاغ الأجهزة المختصة بما يقع من مخالفات في هذا الشأن. و. تقديم المعلومات للجهات المختصة عن المشكلات المتعلقة بحقوق المستهلك ومصالحه وتقديم المقترحات لحلها . ز. معاونة المستهلك الذي وقع عليه ضرر من جراء استخدام سلعة أو شرائها أو تلقي خدمة في تقديم الشكاوى للجهات المختصة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية حقوقه ومصالحه. ط. التوسط لفض النزاعات الناشئة بين المستهلك والمزود إذا وافق الطرفان على ذلك).
- ووفقا لما سلف يبرز لدينا دور تلك الجمعيات في تقديم الشكاوى إلى مديريات حماية المستهلك، والتوسط في حل النزاع حال موفقة الأطراف، ولكن نجد بأن دور الجمعيات أيضا مقيد بما تراه مديريات حماية المستهلك، إذ أنها الجهة التي يتوقف عليها اللجوء للقضاء، فلا بد للمشرع الأردني إعادة النظر في تلك النقطة وإعطاء جمعيات حماية المستهلك الحق في إقامة الدعوى العمومية أيضا وإخطار المزود بالمخالفة التي قارفها تجاه المستهلك.
- تحريك الدعوى العمومية من طرف النيابة العامة:
لا شك بأن الباحث في القوانين الأردنية يجد بأن اختصاص تحريك الدعوى العمومية بشكل عام هو من اختصاص النيابة العامة، فلقد نصت المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديلاته على أن : ( 1- تختص النيابة العامة بإقامة دعوى الحق العام ومباشرتها ولا تقام من غيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون) ، وهديا بما سلف وبالنظر والرجوع إلى مواد قانون حماية المستهلك وغيرها من القوانين التي تكافح الجرائم الواقعة على المستهلك لا نجد أي نص خاص يمنع من تحريك الدعوى العمومية من قبل النيابة العامة، لا سيما في مجال إفراد الحماية الجزائية ضد المخالفين، مثل حماية المستهلك من جرائم الغش التجاري وغيرها من الجرائم التي تنال من صحة وسلامة المستهلك.
ولا شك أن دور النيابة العامة يبرز في الشق الجنائي المتعلق بالجرائم التي تقع في حق المستهلك، فالنيابة العامة هي صاحبة الاختصاص والخصم الأول لكل من يخالف نصوص مواد القانون، ولم نجد في القانون الخاص ما يقيد تلك الصفة، فلا شك أن النيابة العامة هي صاحبة الحق في تحريك الدعوى العمومية.
ثالثا: صور الحماية القضائية للمستهلك:
تحدثنا فيما سلف عن أبرز الآليات والطرق لإفراد الحماية القضائية للمستهلك ونقل النزاع إلى المحاكم المختصة، ولكن يثور السؤال حول الصور والحالات التي يتم فيها نقل النزاع إلى القضاء، نتعرض لأبرز وأهم الحالات التي يتصدى فيها القضاء للمزود، وذلك على النحو التالي ذكره:
- حماية المستهلك قضائيًا من الشروط التعسفية:
لا شك بأن المستهلك دائما يكون الطرف الضعيف في مواجهة المزود الممتهن للتجارة وارتياد الأسواق باحتراف، وبالرغم من تبني كلا من المشرع المصري والمشرع الأردني مبدأ سلطان الإرادة، وأن العقد هو شريعة المتعاقدين، ونجد ذلك جليًا في نص المادة( 147 ) من القانون المدني المصري على أن : ( العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون)، وهذا ما ذهبت إليه أيضا محكمة النقض المصرية في الطعن رقم ٢٠٠٣١ لسنة ٨٨ قضائية الصادر بجلسة ٦/٧/٢٠٢١، والقاضي في منطوقه: ( العقد شريعة المتعاقدين. مؤداه. عدم جواز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين. عدم جواز انحراف القاضي عن عباراته الواضحة عدم جواز الانحراف عن عباراته الواضحة بدعوى تفسيرها. المادتان ١٤٧، ١٥٠ / ١ مدني. اعتبارها من مسائل القانون. خضوعها لرقابة محكمة النقض).
- ولم يختلف الأمر كثيرا في التشريع الأردني، حيث قد تبني المشرع الأردني مبدأ سلطان الإرادة في العديد من الأحكام القضائية وأحكام محكمة التمييز الأردنية على وجه الخصوص، إلا أنه وبالرغم من ذلك؛ ونظرا لعدة اعتبارات أخرى لم يترك المشرع الأردني الأمر كذلك فيما هو متصل بحماية المستهلك، فحماية المستهلك – الطرف الضعيف – من الشروط التعسفية هو أمر أورده المشرع في القانون الخاص، وكما هو معلوم بأن القانون الخاص يقيد القانون العام.
وعلى سبيل المثال في عقود الإذعان؛ والتي تناولها جانب من الفقه بأنها: ( عقود لا تكون إلا في دائرة معينة، إذ لا توجد إلا حيث يصدر الإيجاب من متعاقد يحتكر احتكارا فعلياً أو قانونياً شيئاً يعد ضرورياً للمستهلك، ويصدر الإيجاب عادةً إلى جميع الناس وبشكل مستمر ويكون واحداً بالنسبة للجميع ويغلب أن يكون مطبوعـاً، والشـروط التي يمليها الموجب شروط لا تناقش وأكثرها لمصلحته، فهي تارة تحفف من مسؤوليته العقدية وأخرى تشدد من مسؤولية الطرف الآخر).[3]
ومن ثم نجد أن المستهلك قد يتعرض للشروط التعسفية في عقود الإذعان، ونجد بأن هناك سلطة لمحكمة الموضوع للتعرض لتلك الشروط التعسفية الواردة في عقود الإذعان الأحادية، أما في عقود الاستهلاك فيكون للقاضي سلطة تقديرية مستندة إلى قواعد وقوانين حماية المستهلك في تقدير مدى تعسف تلك البنود الواردة في عقود الاستهلاك، وليس ذلك فحسب؛ بل إن للقاضي أن يتعرض لتفسير تلك البنود الواردة في عقد الاستهلاك والتعرض لها وإلغاؤها إذا لزم الأمر.
ونجد أن المادة ( 22) من قانون حماية المستهلك الأردني قد أكدت على ذات المعنى سالف البيان، حيث نصت على : ( أ. على الرغم مما ورد في أي تشريع آخر، للمحكمة أن تحكم ببطلان الشروط التعسفية الواردة في العقد المبرم بين المزود والمستهلك أو أن تعدلها أو تعفي المستهلك منها بناء على طلب من المتضرر أو الجمعية، ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك.)
ولقد حددت ذات المادة في فقرتها ( ب ) أنواع الشروط التي تعتبر تعسفًا في مواجهة المستهلك، حيث نصت على: ( ب. يعد من الشروط التعسفية بصورة خاصة كل شرط:
1- يؤدي إلى إخلال بين حقوق والتزامات كل من المزود والمستهلك على خلاف مصلحة المستهلك.
2- يسقط أو يحد من التزامات أو مسؤوليات المزود عما هو مقرر في هذا القانون أو أي تشريع نافذ.
3- يتضمن تنازلا من المستهلك عن أي حق مقرر له بمقتضى هذا القانون أو أي تشريع نافذ.
4- يتضمن منح المزود الحق في تعديل العقد أو فسخه بإرادته المنفردة .
5- يتضمن إلزام المستهلك في حال إخلاله بتنفيذ التزاماته بدفع تعويض لا يتناسب مع الضرر الذي يصيب المزود.
6- يتضمن إلزام المستهلك في حال إنهائه العقد قبل انتهاء مدته بدفع مبلغ من المال لا يتناسب مع الضرر الذي يصيب المزود.
7- يسقط حق المستهلك في اللجوء إلى القضاء أو الوسائل البديلة لفض المنازعات وفقا للتشريعات النافذة.
8- يعفي المزود من التزامه بتقديم خدمات ما بعد البيع أو تأمين قطع الغيار ما لم يكن هذا الشرط مضافا إلى العقد بخط يد المستهلك بصورة تدل دلالة صريحة وواضحة لا لبس فيها على علم المستهلك لمضمونه وموافقته عليه).
أما الفقرة (ج ) من ذات المادة سالفة البيان أكدت بأن الحكم الصادر من القضاء يعتبر بمثابة إبطال لتلك الشروط التعسفية الواردة في العقد، حيث نصت على : ( ج. يعتبر القرار القطعي الصادر عن المحكمة ببطلان الشروط التعسفية نافذا بحق المزود المحكوم عليه(.
- وهديا بما سلف، نجد أن المشرع الأردني قد أحاط المستهلك بحماية القضاء ضد أي شرط تعسفي وارد في عقود الاستهلاك أو عقود الإذعان، ويبقى هذا النوع من الدور القضائي في الحماية ضد الشروط التعسفية في نطاق الحماية المدنية للمستهلك، ولكن يثور التساؤل عن صور الحماية الجزائية في الشق الجنائي للمستهلك، نتعرض للحماية الجزائية بواسطة القضاء على النحو التالي ذكره:
- دور القضاء في الحماية الجزائية للمستهلك:
لقد نظم قانون حماية المستهلك الأردني الضوابط التي يجب أن يراعيها المزود في علاقته مع المستهلك، تلك الضوابط تطرقت إلى منع الغش أو التضليل، أو أي شيء آخر يقدح في سلامة الإرادة المنفردة للمستهلك ويؤثر على قراره تأثير غير مشروع، ولما كان الأمر كذلك، وكانت هناك مواد عقابية داخل قانون حماية المستهلك تبيح لقاضي الموضوع إنزال العقاب على المزود المخالف لنصوص القانون، فنجد على سبيل المثال المادة (25 ) من قانون حماية المستهلك الأردني قد نصت على: ( أ- ما لم يرد نص على عقوبة أشد في أي تشريع آخر نافذ، يعاقب كل من يخالف أي حكم من أحكام هذا القانون أو الأنظمة الصادرة بمقتضاه بغرامة لا تقل عن (250) مائتين وخمسين دينارا ولا تزيد على (10000) عشرة آلاف دينار أو بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بكلتا هاتين العقوبتين. ب- في حال تكرار المخالفة للمحكمة منع المزود من ممارسة النشاط موضوع المخالفة بشكل دائم أو مؤقت) .
- ولم يكتفي المشرع الأردني بإفراد الحماية الجزائية للمستهلك بالنص سالف الذكر في قانون حماية المستهلك، بل أفرد العديد من العقوبات في قانون العقوبات الأردني المُعدل، وقد ذهب فريق من أهل الفقه إلى أنه قد( أولى المشرع عناية خاصة بالمستهلك وأعتبر حمايته من الممارسات التي قد تضر به من أولويات سياسته التشريعية، ومصالحه من المصالح العامة، التي كفل حمايتها من خلال تشريع عدة نصوص عقابية تجرم الانتهاكات التي قد تمس بمصالحه المشروعة، وتتوزع هذه النصوص في عدة تشريعات فمنها نصوص عامة أوردها المشرع في قانون العقوبات الأردني وهي في حقيقتها حماية غير محصورة بالمستهلك، لكونها تجرم الانتهاكات التي يرتكبها المنتج أو الموزع والتي قد يقع ضحيتها المستهلك أو تاجر ومنتج آخر).[4]
ولعل أبرز أنواع الحماية الجزائية للمستهلك في التشريع العقابي الأردني هو الحماية من الغش التجاري الذي قد يقع ضحيته المستهلك وغير المستهلك أيضا، فأسند المشرع سلطة التحقيق في تلك الجرائم إلى النيابة العامة، وذلك باعتبارها الخصم الأول والمدافع عن مصلحة المجتمع، واعتبارها صاحبة الدعوى العمومية، وقد ذهب البعض في تعريف الغش إلى أنه : ( كل تغيير أو تعديل أو تشويه يقع على الجوهر أو التكوين الطبيعي لمادة أو سلعة معدة للبيع ويكون من شأن ذلك النيل من خواصها الأساسية، أو إخفاء عيوبها، أو إعطاؤها شكل ومظهر سلعة أخرى تختلف عنها في الحقيقة، وذلك بقصد الاستفادة من الخواص المسلوبة أو الانتفاع بالفوائد المستخلصة والحصول على فارق الثمن).[5]
وهديا بما تقدم، ونظرا لخطورة الغش البالغة على المستهلكين، نجد النصوص العقابية في قانون العقوبات قد تصدت لتلك الجريمة بكل حزم، لردع المزودين عن تلك الممارسات الضارة بسلامة الأفراد داخل المجتمع، ولقد ذهب الباحثين في نصوص القانون الأردني فيما هو متصل بجرائم الغش إلى ( أن سياسة المشرع الأردني في حماية المستهلك من الغش تتميز بطابع وقائي، ذلك أنه لم يشترط وصول المنتجات المعيبة أو المغشوشة إلى يد المستهلك، فقد جرم مجرد حيازة منتجات أية مادة على أنها طعام أو شراب بمجرد أن تصبح مضرة بالصحة وذلك في نص المادة(388 ) من قانون العقوبات، كما جرم المشرع بنص المادة( 439) من قانون العقوبات، حيازة الأدوات المغشوشة أو غير المضبوطة، من عيارات ومكاييل أو غيرها من عدد الوزن والكيل التي تختلف عن العيارات والمكاييل المعينة في القانون، والتي قد يتم استعمالها في غش المتعاقدين.([6]
ولقد عاقب المشرع الأردني الغش بشكل عام بعقوبة تصل إلى سنة حبس وغرامة، حيث نصت المادة (433 ) من قانون العقوبات على أنه : ( كل من غش العاقد عن معرفة سواء في طبيعة البضاعة أو صفاتها الجوهرية أو تركيبها أو الكمية التي تحتويها من العناصر المفيدة أو في نوعها أو مصدرها عندما يكون تعيين النوع والمصدر معتبرا بموجب الاتفاق أو العادات السبب الرئيسي للبيع يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من خمسة دنانير إلى خمسين دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين).
وباستقراء نصوص قانون العقوبات نجد بأن المشرع قد أفرد العديد من المواد الخاصة بتجريم الغش التجاري على وجه الخصوص، والغش بشكل عام في المادة( 386 ) منه، تلك المواد تجعل للمحكمة والقضاء دورًا هامًا في إفراد الحماية الجزائية للمستهلك، ومما سبق يبرز لدينا دور القضاء الهام في حماية المستهلك سواء في الشق المدني أو في الشق الجنائي، وإن كنا نرى بضرورة تعديل المادة (13) من قانون حماية المستهلك التي جعلت لمدرية حماية المستهلك متوقف عليها أمر إحالة القضايا إلى المحكمة وذلك بعد أن يتم إخطار المزود من خلالها بما تراه مخالفاً.
رابعا: اجتهادات المحاكم الأردنية ومحكمة التمييز فيما هو متصل بحماية المستهلك:
- ورد في حكم محكمة بداية جزاء عمان بصفتها الاستئنافية / شمال عمان رقم :534/2020
(وعن الرد على أسباب الاستئناف مجتمعه ومفادها تخطئة محكمة الدرجة الأولى بالنتيجة التي توصلت إليها من حيث تطبيق وتفسير المادة 13 من قانون حماية المستهلك وأنه لا بد من توجيه إخطار من قبل مديرية حماية المستهلك للبائع فإنه وبالرجوع إلى المادة 11 من قانون حماية المستهلك والتي جاء فيها أنه( أن المديرية تتلقى الشكاوى من قبل الأفراد عن أي مخالفة لأحكام هذا القانون وأن الموظفين العاملين لديها يتمتعون بصفة ومهمة الضابطة العدلية ولهم أن يقوموا بتنظيم وتحرير المضبوطات بحق المخالفات) وأنه في مثل هذه الحالات لها ووفقا لأحكام المادة 13 من ذات القانون بتوجيه الإخطارات للبائع لتصويب المخالفة.
وعليه وحيث إن المشتكي لم يتقدم بهذه الشكوى إلى مديرية حماية المستهلك وفقا لأحكام المادة 11 من قانون حماية المستهلك وإنما تقدم بها لدى مركز أمن تلاع العلي وحيث إنه للمديرية توجيه إخطار للمستأنف ضده وفقا لأحكام المادة 13 من ذات القانون لغايات تصويب المخالفة بعد التحقق من قيامها وحيث إنه لم يتم توجيه الإخطار للمستأنف ضده مما يشكل إخلالا بشروط الملاحقة ويتعين إعلان وقف ملاحقته عن الجرم المسند إليه لذا فإن القرار المستأنف جاء متفقاً وصحيح القانون وان أسباب الاستئناف لا ترد عليه ويتعين ردها وتصديق القرار المستأنف . وعليه وحيث إن أسباب الاستئناف لا ترد على القرار المستأنف ولا تنال منه فتقرر المحكمة رد الاستئناف موضوعاً وتأييد القرار المستأنف وإعادة الأوراق لمصدرها.(
- ورد في حكم صلح جزاء غرب عمان رقم 2445 لسنة 2020 ما يلي:
(نصت المادة 430 من قانون العقوبات كل من أقدم باستعماله عيارات أو مكاييل أو عدد وزن أو كيل مغشوشة أو غير مضبوطة فهو عالم بها على غش العاقد في كمية الشيك المسلم يعاقب بالحبس بثلاثة أشهر إلى سنتين والغرامة من 10 دنانير إلى 50 دينار. وبتطبيق القانون على هذه الواقعة تجد المحكمة :-
بالنسبة للجرم المسند للمشتكى عليه هو جرم إساءة الأمانة خلافا لأحكام المادة 422 من قانون العقوبات وحيث أن هذا الجرم يتوقف على تقديم شكوى من الفريق المتضرر بموجب أحكام المادة 426 من قانون العقوبات وعند قيام المشتكي بالتنازل عن هذه الشكوى يستوجب على المحكمة إسقاط دعوى الحق العام تبعا لإسقاط الحق الشخصي.
أما بالنسبة لجرم الغش في البضاعة تجد المحكمة أنه حتى تتحقق أركان الجرم يشترط أولا أن يكون الاتفاق على عيارات أو مكاييل أو عدد وزن أو كيل مغشوشة أو غير مضبوطة فهو عالم بها على غش العاقد في كمية الشيء المسلم وفي هذه الدعوى فان التعاقد بين المشتكي والمشتكى عليه ليس بيعا يتعلق في مكاييل أو عدد أو وزن وإنما مقاولة على أن يقوم المشتكى عليه بإصلاح العطل الحاصل في المركبة ولم يتم الاتفاق على شروط وصفات معينة في القطع المراد تركيبها الأمر الذي ينفي وجود أركان الجرم ويقتضي بالنتيجة إعلان عدم المسؤولية).
- ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 2184 لسنة 2018 ما يلي:
وعن سبب الطعن :
نجد أن المادة 431 من قانون العقوبات تنص على ما يلي : ( كل من غش آخر سواء في كمية الشيء المسلم أو ماهيته إذا كانت هذه الماهية هي السبب الدافع للصفقة يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبالغرامة من عشرة دنانير إلى خمسين ديناراً أو بإحدى هاتين العقوبتين ) . ومما يستفاد من هذا النص أنه ولمعاقبة من غش آخر سواء في كمية الشيء المسلم أو ماهيته أن يكون عقد البيع قد اكتمل بكافة أركانه ومن ثم تم اكتشاف الغش وحيث إن الادعاء بالغش بالمبيع متعلق ببيع المشتكى عليه ( شادي عبد الله أحمد الشلول ) سيارة نوع أوبل فكترا للمشتكي عبد الله سلطان الزعبي .
وحيث إن البين من أوراق الدعوى إن هذا البيع تم خارج دائرة الترخيص وحيث إن المادة 105/2 من القانون المدني نصت على أنه ( إذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين فهذا الشكل يجب مراعاته)
كما أن المادة 168 من القانون ذاته رتبت البطلان على عقد البيع في حال تخلف الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده حيث نصت على ما يلي : ( العقد الباطل ما ليس مشروعاً بأصله ووصفه بأن اختل ركنه أو محله أو الغرض منه أو الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده ولا يترتب عليه أي أثر ولا ترد عليه الإجازة ) .
وحددت المادة 7/ج من قانون السير رقم 49 لسنة 2008 على بطلان معاملات نقل ملكية المركبات ورهنها وسائر التصرفات القانونية المتعلقة بها ما لم يتم تسجيلها وتوثيقها في إدارة الترخيص حيث جاء نصها كما يلي :
( تعتبر معاملات نقل ملكية المركبات ورهنها وسائر التصرفات القانونية المتعلقة بها باطلة مالم يتم تسجيلها وتوثيقها في إدارة الترخيص ) .
وحيث إن عقد بيع المركبة موضوع الدعوى خارج دوائر الترخيص باطل بطلاناً مطلقاً ولا يترتب عليه أي أثر قانوني وحيث إن النزاع الدائر فيما بين المشتكي والمشتكى عليه لا يعدو إلا وأن يكون نزاعاً مدنياً وحيث إن محكمتي الموضوع بإدانتهما المستدعي شادي عبد الله الشلول خالفتا حكم القانون بإعمال نص قانوني لا ينطبق على الدعوى مما يجعل سبب الطعن وارداً على القرار المميز .
وبناءً على ما تقدم نقرر نقض قرار محكمة الاستئناف الشرطي رقم 212/2018 /دفاع مدني وحيث إن النقض وقع لصالح المحكوم عليه فيكون له مفعول النقض العادي عملاً بالمادة 291/4 من قانون أصول المحاكمات الجزائية .
إعداد / عماد محمد.
[1] د. زوزو هدى، آليات حماية المستهلك من مخاطر التعاقد الإلكتروني في التشريع الجزائري، مجلة الحقوق والحريات ب جامعة محمد خيضر – بسكرة،2017، صـ 318.
[2] ياملكي، أكرم: القانون التجاري دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، الأردن: دار الثقافة للنشـر والتوزيـع. 1998 .2 ص121 .
[3] عبداالله ذيب عبداالله محمود، حماية المستهلك في التعاقد الإلكتروني دراسة مقارنة، قدمت هذه الأطروحة استكمالًا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير فـي القـانون الخاص بكلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين، 2009، صـ 27.
[4] فاطمة عمر علي السامرائي، الحماية الجزائية للمستهلك من جرائم الغش في المعاملات التجارية، قدمت هذه الرسالة استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في القانون العام، جامعة الشرق الأوسط، 2022، صـ53.
[5]الجندي، حسن أحمد، شرح قانون قمع التدليس والغش، ط2 ،القاهرة، دار النهضة العربية،1996، صـ 148 .
[6] فاطمة عمر علي السامرائي، الحماية الجزائية للمستهلك من جرائم الغش في المعاملات التجارية، مرجع سابق، صـ61.

