النطاق الزمني لمسؤولية الناقل البحري
مازلنا نتابع سلسلة مقالاتنا التي تتعرض لنشاط النقل البحري وتنظيمه في قانون التجارة البحرية الأردني، ولعل أحد أهم المسائل المتعلقة بالنقل البحري وإن لم تكن أهمها قاطبة هي مسؤولية الناقل البحري، لاسيما وأن تلك المسؤولية تعد أحد المحاور الرئيسية لعقد النقل، فهي التي تحدد على من تقع تبعة تحمل الأضرار التي قد تقع لأياً من المتعاقدين، ومن يكون ملتزماً بالتعويض، وغيرها من المسائل الأخرى الهامة ذات العلاقة.
ولعل النطاق الزمني لمسؤولية الناقل البحري هو أحد أهم محددات تلك المسؤولية، فهو يضع الحدود الزمنية التي تبدأ فيها مسؤولية الناقل البحري، كما يحدد أيضاً المدى الزمني الذي تستمر خلاله مسؤولية الناقل البحري قائمة، وأيضاً يوضح متى يتوقف سريان هذه المسؤولية، ونظراً لما يتمتع به هذا النطاق من أهمية بالغة في رسم الإطار العام لمسؤولية الناقل البحري، فقد وجدنا أنه أنسب موضوع نتخذه محلاً للمناقشة في هذا المقال، حيث سنتناوله في ضوء محددات المشرع الأردني، والتي قررها في نصوص ومواد قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972 وتعديلاته.
أولاً: الإطار العام لمسؤولية الناقل البحري
ثانياً: مسؤولية الناقل البحري خلال مدة القسم الأول من عملية النقل
ثالثاً: مسؤولية الناقل البحري خلال مدة القسم الثاني من عملية النقل
رابعاً: مسؤولية الناقل البحري خلال مدة القسم الثالث من عملية النقل
خامساً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: الإطار العام لمسؤولية الناقل البحري
حتى يمكننا أن نتبين الحدود العامة والرئيسية لمسؤولية الناقل البحري بوجه عام، سواء من حيث حدودها الزمنية أو الموضوعية أو غيرها من الحدود الأخرى، فيجب علينا بداية التنويه إلى ما جاء بنص المادة رقم (211) من قانون التجارة البحرية الأردني، والتي جاءت في مستهل المواد والنصوص القانونية التي توضح التزامات الناقل وشروط إبراء ذمته من المسؤولية، حيث نصت في سياقها على أن (……… لا تطبق احكام هذا الجزء الا على النقل البحري القاضي بتسليم وثائق شحن ومن حين شحن البضائع على متن السفينة حتى تفريغها في المحل المقصود…..).
ومن خلال هذا الجزء من نص المادة المبينة أعلاه يتبين لنا أن القانون قد قسم تنفيذ عقد النقل البحري إلى ثلاث أقسام أو مراحل، القسم الأول منها يبدأ من التوقيت الذي يتسلم فيه الناقل البضائع وينتهي عند البدء في شحن هذه البضائع على سفينة الشحن، والقسم الثاني منها يبدأ من التوقيت الذي يتم فيه شحن البضائع على ظهر سفينة النقل وينتهي بتفريغ البضائع على رصيف ميناء التسليم، أما القسم الثالث والأخير فيبدأ من التوقيت الذي يتم فيه الانتهاء من تفريغ البضائع وينتهي بتسليمها إلى المستلم (المرسل إليه).
والهدف من تعرضنا لهذا التقسيم هو أننا سنتعرض بناء عليه للنطاق الزمني لمسؤولية الناقل البحري، فسنوضح مسؤولية الأخير في كل قسم من هذه الأقسام، وذلك لمعرفة من أي توقيت تبدأ مسؤولية الناقل البحري، وفي أي توقيت تنتهي.
ثانياً: مسؤولية الناقل البحري خلال مدة القسم الأول من عملية النقل
كما سبق وأن أوضحنا فإن القسم الأول من أقسام تنفيذ عقد النقل هو القسم الذي يبدأ من وقت تسلم الناقل للبضائع، وينتهي عند البدء في شحن هذه البضائع على سفينة الشحن، وبالعودة إلى ما جاء بمضمون المادة رقم (211) تجارة بحرية سيتبين لنا أن ذلك القسم لم يشمله المشرع بأحكام تنظمه في سياق النصوص القانونية التي تنظم التزامات الناقل ومسؤوليته، وهو ما يجعلنا نسلم بأن ذلك القسم من عملية تنفيذ عقد النقل تنظمه القواعد المتفق عليها فيما بين الناقل والشاحن، ويكون تحديد تلك القواعد مستنداً إلى مبدأ حرية المتعاقدين في تنظيم علاقتهما التعاقدية[1].
وبالتالي فإن هذا القسم يتضمن العديد من الاتفاقات التي يمكن أن تتم بين الناقل والشاحن لتوزيع المسؤولية بشكل زمني فيما بينهما، على ألا تخالف أياً من القواعد التي حددها القانون بشكل آمر، فإذا ما أردنا أن نوصف مسؤولية الناقل خلال هذا القسم من عملية النقل، فإن ذلك يكون من خلال بعض الضوابط والقواعد على النحو التالي:
- يقع على عاتق الشاحن وضع البضائع المنقولة رهن تصرف الناقل وحيازته، وذلك حتى يكون التسليم قد تم سواء فعلياً أم حكماً، وبالتالي يبدأ القسم الأول من الأقسام الزمنية لعملية النقل، ويلزم حتى يكون التسليم صحيحاً وسليماً من الناحية القانونية أن يتم وفقاً لما هو وارد بالاتفاق المبرم بين الشاحن والناقل، أي في الزمان والمكان المحددين.
-
المبدأ العام المستقر عليه العمل هو أن مسؤولية نقل البضائع من مكان التخزين إلى مكان التسليم للناقل تقع على عاتق الشاحن، ولكن ذلك لا يعد بمثابة قاعدة ثابتة، بحيث يمكن للشاحن أن يتفق مع الناقل على أن تكون تلك المسؤولية على الأخير، فيكون الناقل هو المسؤول عن استلام البضائع من مكان تخزينها مباشرة وبالتالي تبدأ مسؤوليته عنها منذ استلامها من مكان التخزين وليس من مكان بدء رحلة النقل.
-
يقع على عاتق الشاحن التزام إضافي متى كان استلام الناقل للبضائع سيتم من مكان التخزين، وهو التزام هام يترتب على عدم تنفيذه أن يتحمل الشاحن – على سبيل الاستثناء – مسؤولية تلف البضائع أثناء نقل الناقل لها من مكان التخزين إلى مكان الشحن، ويقوم هذا الالتزام في حالة خاصة وهي الحالة التي تستلزم فيها البضائع محل النقل تجهيزات واستعدادات خاصة لنقلها إلى مكان الشحن، ويكون التزام الشاحن هنا هو إبلاغ الناقل بتلك التجهيزات والاستعدادات ليحتاط لها ويؤمنها في وسائل النقل التي سيستحضرها لنقل البضائع إلى مكان الشحن، وإن لم يفعل وقام الناقل باستلام البضائع لنقلها إلى مكان الشحن بوسائل نقل لا تتوافر بها تلك التجهيزات، وترتب على ذلك تلف في البضائع، فإن مسؤولية هذا التلف تقع على عاتق الشاحن وليس الناقل على سبيل الاستثناء.
-
إذا ما افترضنا أن الاتفاق المبرم بين الشاحن والناقل لم يشتمل على بيان واضح وصريح بموعد ومكان تسليم الشاحن البضائع إلى الناقل، فيكون الزمن الذي تبدأ فيه مسؤولية الناقل غير واضح، وعندئذ يكون تحديدهما قائماً على ما يسود ميناء الشحن من أعراف استقر عليها العمل في شأن تحديد زمان ومكان التسليم[2].
-
باعتبار أن العلاقة بين الشاحن والناقل هي علاقة تعاقدية تبادلية، أي أنها علاقة تقوم على عقد ملزم للجانبين، فإن كلاً من طرفيه يقع عليه مسؤولية تنفيذ التزام محدد، فالشاحن يتحمل مسؤولية تنفيذ التزامه بوضع البضائع المنقولة رهن تصرف الناقل، والناقل تقع على عاتقه مسؤولية استلام تلك البضائع من الشاحن في الميعاد والمكان المحددين، وذلك الالتزام مرهون بأن تكون البضائع مطابقة للحالة والصفات المتفق عليه، سواء من حيث الكم أو الوزن أو الصنف أو غيرها من المواصفات، ومتى كانت البضائع غير مطابقة لأياً من تلك المواصفات، فإنه يحق عندئذ للناقل الامتناع عن تنفيذ التزامه باستلامها دون أي مسؤولية يمكن أن تقع عليه، إلا أنه وبمجرد تيقنه من مطابقتها لما هو متفق عليه من مواصفات وتسلمه لها، فإن النطاق الزمني لمسؤوليته عن تلك البضائع يعد قد بدأ بالفعل.
وبوجه عام وموجز يمكننا القول إن ذلك القسم لا يشمله المشرع الأردني بأحكام خاصة في قانون التجارة البحرية، وذلك فيما يخص مسؤولية الناقل عن البضائع المنقولة، حيث تركها المشرع ليتم تنظيمها من قبل القواعد العامة في المسؤولية، وبالتالي يعد تحديد توقيت واقعة استلام الناقل للبضائع هو أحد أهم الأسس التي يتم الاستناد إليها في تحديد القواعد الحاكمة لمسؤوليته، سواء من حيث توقيت قيامها أو كنه القواعد المنظمة لها.
ثالثاً: مسؤولية الناقل البحري خلال مدة القسم الثاني من عملية النقل
ثاني أقسام عملية النقل البحري للبضائع يبدأ من التوقيت الذي يتم فيه شحن البضائع من رصيف ميناء الشحن إلى ظهر السفينة المخصصة للنقل، وتنتهي بتفريغ هذه البضائع من سفينة النقل على رصيف ميناء الوصول، وحتى يكون هذا القسم واضحاً من الناحية الزمنية أي من حيث بدايته ونهايته، فيلزم أن نتعرض إلى تعريف عمليتي الشحن والتفريغ باعتبارهما تمثلان بداية ونهاية هذا القسم.
يقصد بعملية شحن البضائع العملية المادية التي تتم بغرض رفع البضائع من على رصيف ميناء الشحن ووضعها على ظهر سفينة النقل، وظهر السفينة هنا قد يقصد به متن السفينة أو العنابر المخصصة لوضع البضائع، بينما يقصد بعملية تفريغ البضائع العملية العكسية لعملية الشحن والتي تتم بميناء الوصول، فهل العملية المادية التي تتم بميناء الوصول، وذلك بغرض إنزال البضائع من على ظهر السفينة لوضعها على رصيف ميناء الوصول[3].
ويعد هذا القسم من أقسام عملية النقل البحري هو القسم الذي انصب عليه تنظيم المشرع الأردني في قانون التجارة البحرية، لا سيما وأنه القسم الذي تتم فيه عملية نقل البضائع بحرياً من ميناء الشحن إلى ميناء الوصول والتسليم، وهو ما يستدعي منا أن نوضح متى تبدأ عملية الشحن في ميناء الشحن والتي تتزامن معها بداية هذا القسم، وأيضاً متى تنتهي عملية الإنزال والتفريغ في ميناء الوصول والتسليم باعتبار أنه وبانتهائها ينتهي هذا القسم.
تمهيداً لعملية النقل البحري التي سيقوم بها الناقل، فإن الشاحن يبدأ في إجراءات عملية جلب البضائع محل النقل من مكان تخزينها، وذلك لوضعها رهن تصرف الناقل على رصيف الشحن، كما يبدأ الناقل البحري في اتخاذ تجهيزاته والاستعداد لاستلام البضائع من الشاحن، واستحضار السفينة التي ستقوم بالنقل، والتأكد من صلاحيتها لخوض رحلة النقل، ومتى أتم كلاً منهما التزاماته تلك، فإن البضائع تكون جاهزة لشحنها على السفينة سواء على ظهرها أو في عنابر النقل المعدة لذلك وفقاً لما هو متفق عليه ويتناسب مع طبيعة هذه البضائع.
ومن الجدير بالذكر في مقامنا هذا أن القاعدة العامة بشأن المسؤولية عن عملية شحن البضائع من على رصيف الميناء لظهر السفينة، وأيضاً عن عملية تفريغ البضائع من السفينة على رصيف ميناء الوصول، هي أن الناقل هو من يتحمل مسؤولية القيام بكلتا العمليتين، وذلك باعتبارهما يدخلان في إطار اختصاص الناقل ومهمته، وأيضاً لما له من خبرة كبيرة في القيام بهما، إلا أن ذلك لا يحول دون الاتفاق في عقد النقل على أن الاختصاص بعملية الشحن وحدها أو عملية التفريغ وحدها أو كليهما يكون لشخص آخر خلاف الناقل[4].
وباعتبار أن قيام مسؤولية الناقل وانتهائها في هذا القسم من أقسام عملية النقل يختلف زمنياً في تحديد توقيت بدايتها ونهايتها، وذلك باختلاف آلية القيام بعمليتي الشحن والتفريغ، حيث أن الشحن والتفريغ يتم القيام بهما عبر استخدام إحدى وسيلتين، الأولى هي الروافع الخاصة بالسفينة نفسها، والثانية هي الروافع الخاصة بمينائي الشحن والتفريغ، فيجب أن نحدد متى تبدأ مسؤولية الناقل في كل من هذين النوعين من وسائل الشحن والتفريغ؟
والإجابة على هذا التساؤل تتكون من شقين يمثل كل شق منهما افتراضاً مختلف:
الفرض الأول: وهو أن تكون الروافع المستخدمة في عمليتي الشحن والتفريغ هي روافع تخص سفينة النقل ذاتها، وهي روافع تكون متصلة بجسم السفينة، فعندئذ يكون هذا القسم من عملية النقل البحري قائماً منذ اتصال البضائع محل النقل بروافع السفينة في ميناء الشحن، وينتهي بتمام تفريغ البضائع وانحلال الصلة بينها وبين روافع السفينة في ميناء الوصول، وهو بدوره ما يحدد النطاق الزمني لمسؤولية الناقل التي تبدأ منذ لحظة اتصال البضائع بالروافع في ميناء الشحن، وتنتهي لحظة انفصالها عنها في ميناء الوصول.
الفرض الثاني: وهو أن الروافع المستخدمة في عمليتي الشحن والتفريغ هي روافع تخص مينائي الشحن والتفريغ، وهي روافع تتبع الميناء وتكون متواجدة على رصيف كل ميناء منهما، فعندئذ يكون هذا القسم من عملية النقل قائماً منذ لحظة استقرار البضائع على السفينة، وتنتهي بمجرد أن تقوم الروافع برفع البضائع عن ظهر سفينة النقل في ميناء الوصول، وذلك جميعه شريطة ألا يكون الناقل هو القائم على الإشراف على عمل الروافع، بل يكون ذلك خاضعاً لغيره سواء كان للميناء أو لشخص آخر طبيعي أو معنوي.
ويثور تساؤل هام في حالة البضائع ذات الطبيعة الخاصة، والتي تقتضي عملية نقلها استخدام وسائل وطرق ذات طبيعة خاصة، بحيث لا يتم استخدام الروافع في شحنها أو تفريغها، كما هو الحال في نقل السوائل باستخدام أسلوب الضخ سواء للسفينة أو منها، فكيف يتم تحديد نطاق مسؤولية الناقل البحري زمنياً بالنسبة لذلك النوع من البضائع؟
في حالات نقل هذا النوع ذو الطبيعة الخاصة من البضائع فإن مسؤولية الناقل البحري عن البضائع في هذا القسم من الرحلة تبدأ منذ اللحظة التي يتم فيها ضخ السوائل في الأنابيب متى كانت تلك الأنابيب تابعة للسفينة، أما إذا كانت أنابيب منفصلة عنها وليست تابعة لها، فعندئذ تبدأ مسؤولية الناقل عنها متى وصلت إلى الخزانات المعدة لنقلها على السفينة.
وهناك تساؤل آخر قد يتبادر إلى أذهان البعض بشأن النطاق الزمني لمسؤولية الناقل البحري متى كان شحن البضائع أو تفريغها يتم أثناء وجود سفينة النقل في مكان يبعد عن رصيف الميناء، ويتم توصيل البضائع إليها أو منها باستخدام قوارب صغيرة أو صنادل، فمتى تبدأ مسؤولية الناقل في تلك الحالة؟ ومتى تنتهي؟
نجيب على هذا التساؤل أن تلك القوارب الصغيرة أو الصنادل قد تكون تحت إشراف الناقل، فعندئذ تأخذ ذات حكم سفينة النقل، حيث على كونها بمثابة امتداد لها وتعامل معاملتها، فتقوم مسؤولية الناقل البحري من اللحظة التي توضع فيها البضائع على ظهر القوارب الصغيرة أو الصنادل، وتنتهي عند تفريغها منها على رصيف ميناء الوصول[5].
وهو ما يمكننا أن نصل معه إلى قاعدة رئيسية وعامة، مفادها أن مسؤولية الناقل في هذا القسم من عملية النقل البحري تبدأ من لحظة دخول البضائع في نطاق إشرافه واستلامه الفعلي أو الحكمي في ميناء الشحن، وحتى تفريغه لها من سفينته في ميناء الوصول، فالعبرة برقابة وإشراف الناقل على البضائع لتقوم مسؤوليته عنها، وهو ما يختلف في تحديده بداية ونهاية بحسب وسيلة الشحن والتفريغ المستخدمة، ومدى خضوعها لإشراف ورقابة الناقل البحري من عدمه.
رابعاً: مسؤولية الناقل البحري خلال مدة القسم الثالث من عملية النقل
نصل إلى ثالث وآخر أقسام عملية النقل البحري والذي يبدأ من التوقيت الذي يتم فيه الانتهاء من تفريغ البضائع بميناء الوصول، وينتهي بتسليمها إلى المستلم (المرسل إليه)، وتصبح بعدها ذمة الناقل البحري بريئة من التزاماته الناشئة عن عقد النقل البحري.
فبوصول سفينة النقل إلى ميناء الوصول، وقيام الناقل بتفريغ السفينة من البضائع المنقولة ووضعها على رصيف الميناء، تبدأ المرحلة الثالثة والأخيرة من عقد النقل والخاصة بتسليم البضائع إلى المرسل إليه، ويقصد بالتسليم هنا هو وضع البضائع تحت تصرف المرسل إليه، بحيث يكون للأخير القدرة على التصرف في البضائع كيفما شاء.
هذا القسم يماثل القسم الأول في كونه لا يتمتع بأحكام خاصة لتنظيمه في قانون التجارة البحرية، حيث لم يقم المشرع الأردني بإخضاع هذا القسم من عملية النقل لنصوص تنظيم مسؤولية الناقل البحري كما هو وارد بنص المادة (211) تجارة بحرية سالفة البيان، وبالتالي فإنه طبقاً لقانون التجارة البحرية الأردني لا يتحمل الناقل البحري مسؤولية تلف أو هلاك البضائع عن ذلك القسم من عملية النقل البحري.
وعلى النقيض من ذلك فقد سلك القضاء الأردني مسلكاً مختلفاً عن المسلك الذي اتجه إليه المشرع في هذا الشأن، حيث قررت في أحكامها ما يؤسس قاعدة قضائية مناطها أن الناقل البحري يكون مسؤولاً عن البضائع المنقولة منذ اللحظة التي يتم فيها الانتهاء من تفريغ البضائع من على سفينة النقل لرصيف ميناء الوصول، ولا تنتهي مسؤوليته إلا لحظة أن يتم تسليمها إلى المرسل إليه[6]، وبالتالي فإن القضاء الأردني – متمثلاً في محكمة التمييز – والفقه أيضاً قد اتجها إلى مد النطاق الزمني لمسؤولية الناقل، بحيث تقوم مسؤوليته وتبدأ من لحظة بدء القسم الثاني من أقسام عملية تنفيذ عقد النقل، وتنتهي بنهاية القسم الثالث من أقسام تنفيذه، بحيث يبدأ النطاق الزمني – كقاعدة عامة – لمسؤولية الناقل البحري منذ شحن البضائع على سطح سفينة النقل، وينتهي بمجرد تسليمه البضائع للمرسل إليه بميناء الوصول.
وهو ما نستخلص معه أن القضاء الأردني لم يعتد بانتهاء مسؤولية الناقل بمجرد انتهاء عملية التفريغ في ميناء الوصول، ولكنه جعل مناط انتهائها هو تسليم البضائع من الناقل إلى المرسل إليه، ونحن نرى أن ما سلكه القضاء الأردني هو مسلك محمود، لاسيما وأن إتمام عملية النقل يلزمه أن تكون البضائع المنقولة سليمة وخالية من ثمة تلف أو ضرر، وهو ما لن يتم التأكد من تحققه إلا بتسلم المرسل إليه للبضائع، وفحصه لها ليتبين ما إذا كان هناك تلف أو ضرر أصابها أم لا، وهو ما لن يتحقق إلا إذا كان التسليم هو نقطة النهاية للنطاق الزمني لمسؤولية الناقل البحري، وهو ما عالجه القضاء الأردني – وبحق – بما أصدره من أحكام رسخت لذلك[7].
خامساً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1148 لسنة 1992، والصادر بجلسة 20/2/1993 والمتضمن أنه (المقصود بالتسليم هو التسليم الفعلي للمرسل إليه أو من يمثلـه، بحيـث يتمكن من فحص البضاعة والتعرف على حالتها، أي بعد تسليم آخر طرد مـن طـرود البضاعة للمرسل إليه، ولا يغني تسليم البضاعة إلى مؤسسة الموانئ أو الجمارك عـن التسليم الفعلي للمرسل إليه).
2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1317 لسنة 1992، والصادر بجلسة 20/2/1993 والمتضمن أنه (يستفاد من نصوص المواد 211، 213، 216 من قانون التجارة البحرية إن مسؤولية الناقل في عقد النقل البحري تبدأ من شحن البضاعة إلى حين تفريغها وتسليمها للمرسل إليه، وتسليم البضاعة للمرسل إليه هو العمل القانوني الذي يتحقق به تنفيذ التزام الناقل البحري وانقضاء عقد النقل، فإذا تضررت البضاعة قبل التسليم فالناقل ملزم بضمانه وفقا لعقد النقل وقانون التجارة البحري، وعليه فيلزم الناقل بضمان الضرر الذي أصاب البضاعة إن كان قبل التسليم).
3- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1943 لسنة 1997، والصادر بجلسة 28/12/1997 والمتضمن أنه (استقر الفقه والقضاء على أن عقد النقل البحري يرتب على عاتق الناقل التزاما بتحقيق نتيجة وليس مجرد التزام ببذل عناية، ومضمون هذا الالتزام هو أن يضمن الناقل كل ما يلحق بالبضاعة المنقولة من هلاك وتعيب وأضرار أو نقص خلال الرحلة البحرية وإلى حين تسليمها للمرسل إليه في ميناء الوصول عملا بأحكام المادة (213) من قانون التجارة البحرية رقم 12 لسنة 1972 ويمتد هذا الضمان في ميناء الوصول حتى بعد تفريغ البضاعة وإلى أن تسلم للمرسل إليه، والمقصود بالتسليم هو التسليم الفعلي للمرسل إليه أو من يمثله ، بحيث يتمكن من فحص البضاعة والتعرف على حالتها، ولا يغني تسليم البضاعة إلى مؤسسة الموانئ أو الجمارك عن التسليم الفعلي للمرسل إليه أو نائبه).
سادساً: الخاتمة
نعتقد أن اهتمام المشرع الأردني بتنظيم القسم الثاني من عملية النقل بنصوص خاصة في قانون التجارة البحرية، وذلك دون غيره من أقسام عملية النقل الأخرى، يعزى إلى أن هذا القسم يمثل جوهر عملية النقل، ويتحقق فيها الغرض الرئيسي منها، ألا وهو عبور البضائع للبحر من ميناء الشحن إلى ميناء الوصول والتسليم، مما يجعل هذا القسم هو الموضوع الأساسي في عملية النقل والالتزام الرئيسي المنوط بالناقل القيام به، بينما القسمين الآخرين ليسا من التزامات الشاحن الأساسية، والدليل على ذلك أنه يجوز أن يناط بغير الناقل عمليتي الشحن والتفريغ.
إلا أننا نرى أنه يجدر بالمشرع الأردني أن يمد ويوسع من نطاق تطبيق المادة (211) من قانون التجارة البحرية على القسم الثالث من أقسام عملية النقل، فلا يقصرها على القسم الثاني فقط بحيث تشمل مرحلة الشحن وحتى التفريغ، بل يجعلها شاملة القسمين الثاني والثالث من عملية النقل معاً، أي أن يبدأ النطاق الزمني لمسؤولية الناقل – كقاعدة عامة – من لحظة الشحن وحتى لحظة التسليم، حتى تكون مسؤولية الناقل البحري خاضعة لقواعد قانون التجارة البحرية بشأن ما يكتشفه المرسل إليه من تلف أو ضرر بالبضائع عند الاستلام، وعدم ترك الأمر لاجتهادات القضاء منعاً لتضارب الأحكام.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – فياض القضاة – أحكام مسؤولية الناقل البحري: دراسة مقارنة بين قانون التجارة البحرية الأردني واتفاقية هامبورج – مجلة دراسات – مج 26 – ع (1) – الجامعة الأردنية – 1999 – ص 227.
[2] – عادل المقدادي – القانون البحري – دار الثقافة للنشر – الأردن – 2002 – ص351.
[3] – محمد كمال حمدي – مسؤولية الناقل البحري للبضائع – منشأة المعارف – مصر – 1995 – ص50.
[4] – لطيف كوماني – القانون البحري – دار الثقافة للنشر – الأردن – 2003 – ص 114.
[5] – محمود سمير الشرقاوي – العقود البحرية – مطابع جامعة القاهرة – مصر – 1994 – ص110.
[6] – يراجع البند خامساً من هذا المقال – الحكم رقم (2).
[7] – يراجع البند خامساً من هذا المقال – الحكم رقم (1).

