أثر القوة القاهرة على التزامات السفينة

أثر القوة القاهرة على التزامات السفينة وفقاً لقانون التجارة البحرية الأردني

في مستهل الحديث عن أثر القوة القاهرة على التزامات السفينة، لابد أن أؤكد على أن النقل بطريق البحر أصبح ركيزة هامة في حركة التبادلات التجارية، الأمر الذي يستلزم تنظيم العلاقة بين طرفي عقد النقل البحري، ولقد كانت العلاقة بين الناقل والشاحن في البداية يحكمها الاتفاقات الشفوية التي تتم بينهما، مما جعل إثبات حقوق الشاحنون عند حدوث نزاع بينهم وبين الناقلين أمراً عسيرا، ولذلك وحسماً لأى خلاف قد ينشب بينهما، بدأ الناقلون يدونون إيصال استلام البضاعة ويسلموه للشاحنين، ثم بعد ذلك بدأوا يدونوا فيه شروطاً لصالحهم باعتبارهم الطرف الأقوى في تلك العلاقة.

وترتيباً على ما تقدم بدأ التحرك على الصعيد الدولي بوضع اتفاقيتين شهيرتين لتنظيم مسئولية الناقل البحري وتحديد حالات الإعفاء منها، وهما اتفاقية بروكسيل واتفاقية هامبورج، ثم قامت بعد ذلك منظمة الأمم المتحدة بوضع اتفاقية جديدة سميت بقواعد روتردام، وتناولت كل هذه الاتفاقيات حالات إعفاء الناقل البحري من المسئولية، وعددت حالات القوة القاهرة والتي تعفيه من المسئولية.

وواكب المشرع الأردني هذا التحرك عندما أدرك أهمية التطرق للقوة القاهرة كسبب هام لإعفاء الناقل البحري من المسئولية، فتحدث عنها في قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972، وتأكيد لذلك سوف أسلط الضوء في هذا المقال على الموضوع الهام من خلال العناصر الآتية: –

أولاً: مفهوم القوة القاهرة وشروطها وأثارها: –

ثانياً: أثر القوة القاهرة على التزامات السفينة في التشريع الأردني

ثالثاً: حالات القوة القاهرة وأثرها على التزامات السفينة في الاتفاقيات الدولية

رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن أثر القوة القاهرة على التزامات السفينة

خامساً: خاتمة

أولاً: مفهوم القوة القاهرة وشروطها وأثارها: –

  • بادئ ذي بدء لابد أن أشير إلى أن هناك من الفقهاء من يرى أن القوة القاهرة تختلف عن الحادث الفجائي فالقوة القاهرة هي الحادث الذى يستحيل دفعه، أما الحادث الفجائي فهو الحادث الذى لا يمكن توقعه، ولا يلزم اجتماع الخاصيتين، وهذا الرأي يرد عليه بأن القوة القاهرة يجب أن تكون حادثاً لا مستحيل الدفع فحسب، بل أيضا غير ممكن التوقع، ولأن الحادث الفجائي يجب أن يكون حادثاً لا غير ممكن التوقع فحسب بل أيضاً مستحيل الدفع، ولا يكفى وجود إحدى هاتين الخاصيتين لذا فغالبية الفقهاء لا يفرقون بين القوة القاهرة والحادث الفجائي.
  • وغنى عن البيان أن القوة القاهرة أو الحادث الفجائي يلزم أن يتوافر فيهما شرطان: –
  • الأول: أن يكون الحادث المفاجئ أو القوة القاهرة غير ممكن التوقع، فإذا أمكن توقعه فلا يكون قوة قاهرة أو حادث مفاجئ، والمعيار موضوعي بمعنى ألا يكون في الوسع توقعه عادة من جانب أشد الناس يقظة وتبصراً بالأمور بحيث يكون عدم التوقع مطلقاً وليس نسبياً.
  • الثاني: أن يكون الحادث أمراً لا يستطاع دفعه، فإذا أمكن دفع الحادث فلا يكون قوة قاهرة أو حادث مفاجئ حتى ولو استحال توقعه. ومن أمثلة الحوادث المفاجئة والقوة القاهرة الحرب بما يترتب عليها من أحداث مادية وأزمات اقتصادية مادامت مستحيلة الدفع وغير متوقعة، وقوع زلزال أو حريق وكل حالة أخري إذا توفر فيها هذه الشروط[1].
  • ويثور في الأذهان تساؤلاً هاماً حول أثر القوة القاهرة وهل تعفى دائماً من المسئولية؟

في الواقع أنه إذا كانت القوة القاهرة هي السبب الوحيد في وقوع الضرر انعدمت علاقة السبيبة، ولا تتحقق المسؤولية، وقد لا يكون إثر القوة القاهرة الإعفاء من تنفيذ الالتزام، بل وقف تنفيذ حتى يزول الحادث.

  • هذا ويجوز لطرفا العقد عند توافر القوة القاهرة أن يعدلا اتفاقهما، ولكن إذا تدخل مع القوة القاهرة خطأ المدعي في إحداث الضرر، كان المدعى مسؤولاً مسئولية كاملة فلو أن سائق سيارة أسرع أكثر مما ينبغي له ثم هبت ريح فاقتلعت شجرة وألقت بها أمام السيارة وترتب على ذلك أن انقلبت السيارة على أحد المارة فأصابته، فإن السائق يسأل مسؤولية كاملة ويلتزم بكامل التعويض[2].

ثانياً: أثر القوة القاهرة على التزامات السفينة في التشريع الأردني

  • نصت المادة (213) من قانون التجارة البحرية الأردني لسنة 1972 على أنه: “يضمن الناقل كل ما يلحق البضاعة من هلاك وتعيّب وأضرار ما لم يثبت أن هذا الهلاك وهذا التعييب وهذه الأضرار ناتجة عما يلي …”، ثم أورد عدة حالات ذكرها، وبذلك فقد أعفى المشرع الأردني في المادة المذكرة أعلاه الناقل من المسؤولية إذا وقع ضرر على البضائع للأسباب الواردة نصها ويمكن أن نذكر منها ما يلي: –
  1. العيوب الخفية في السفينة: –

  • نصت المادة (213 /2) من قانون التجارة البحرية الأردني على: “عن العيوب الخفية التي في السفينة …”، وعي الرغم من التزام الناقل بتوفير سفينة صالحة للملاحة، إلا أن القانون أعفى الناقل البحري من المسؤولية إذا كان عدم صلاحية السفينة بسبب عيب خفي فيها ولم يعلم به، ويقع على عاتقه إثبات هذا العيب وأن لا علم له بهذا العيب، وقد يكون سبب هذا الإعفاء يعود إلى ضخامة حجم السفينة وتعدد أجهزتها وأن ليس من العدل تحميل الناقل البحري أخطاء مصنعي السفينة ([3]).
  • وفى معظم الأوقات يلجأ الناقل البحري لشركات مختصة في إجراء الكشف والصيانة على السفينة للتأكد من خلوها من أي عيوب إلا أن هذه الشهادة الصادرة من الشركة لا تعتبر حجة على الشاحن لأن للأخير إثبات عكسها.
  1. الإضراب أو إيصاد أبواب العمل: –

  • نصت الفقرة 4 من المادة 213 من قانون التجارة البحرية الأردني على (عن الإضراب أو ما يقابل به من إيصاد أبواب العمل أو ما يعترض العمل كلياً أو جزئياً أو أي سبب كان من وقف أو عائق) قوة قاهرة، فعل عدو ، حجز قضائي، حجز حكومي، أو صحى، الخ …)، ويستخلص من النص السابق أن الناقل البحري يعفى من المسؤولية إذا أثبت أن سبب هلاك البضاعة يرجع إلى إضراب عن العمل أو إيصاد أبواب العمل، وقد جاء هذا النص عام أي يشمل العمال التابعين للناقل البحري أو عمال الموانئ أو غيرهم بيد أنه يجب على الناقل البحري إثبات أن الضرر الذى يلحق البضائع يرجع إلى إضراب العمال أو إيصاد أبواب العمل لإعفائه من المسؤولية. بالإضافة إلى أن الامتناع عن العمل لا يتطلب أن يكون مستمر أو لمدة معينة يكتفى أن يكون الإضراب جزء من اليوم، أما في حالة إذا توقفوا عن العمل بالاتفاق مع صاحب العمل فلا يعد ذلك إضراب، ويقع عبء الإثبات على الناقل البحري، فعليه إثبات أن الضرر الذي لحق بالبضاعة نتيجة الإضراب.
  1. العيب الخاص بالبضاعة: –

  • مما لاشك فيه أن الناقل البحري لا يسأل عن الهلاك أو الضرر الذى يلحق بالبضائع إذا كان سببه عيب خاص بالبضاعة سندا للفقرة( 5 ) من المادة( 213 )من قانون التجارة البحرية الأردني، ويقصد بالعيب الخاص هنا هو أي سبب ناشئ عن طبيعته البضاعة الداخلية يؤدى إلى هلاك البضاعة أو تلفها دون تدخل من الناقل، كما يعفى الناقل البحري من المسؤولية في حالة عطب الفاكهة إذا لم يتم تغليف البضاعة تغليفاً جيداً،[4] وعلى الشاحن أيضاً وضع إشارات تدل على طبيعة البضاعة لمعرفة كيفية تعامل مع هذه البضاعة وهذا ما يسمى بتعليم البضاعة، وأيضاً لا مسؤولية على الناقل البحري في حالة نقصان حجم أو وزن كجفاف الحبوب البضاعة وذلك حسب عرف كل ميناء.
  1. الإسعاف البحري: –

  • يعفى الناقل البحري من المسؤولية إذا أثبت أن الضرر الذي يلحق بالبضائع سببه القيام بمساعدة أو إسعاف بحري أو إن تاهت السفينة، وذلك سندا للفقرة 6 من المادة 213 من قانون التجارة البحرية الأردني. وقد نظم المشرع الأردني أحكام الإسعاف والمساعدة البحرية لتقديم المساعدة والإنقاذ لأي سفينة بحاجة إلى ذلك من قبل الربان وتحت طائلة المسؤولية عليه.
  • وبالتالي لا يسأل الناقل البحري عن الضرر الذي يلحق بالبضائع بسبب تنفيذ هذا الالتزام القانوني، ولا يشترط أن يتم إنقاذ البضاعة، بل يشترط محاولة تقديم المساعدة. إذ لم يميز المشرع الأردني بين حالة إنقاذ البضائع والأرواح وقد جاءت مطلقة، وعليه فللناقل الاعتماد على هذه الفقرة لإعفائه من المسؤولية عند إثبات الضرر الذي لحق بالبضاعة يعود المساعدة الذي قدمها لإنقاذ البضائع والأرواح مملوكة للغير.
  • وفى جميع الحالات المذكورة في المادة (213) من قانون التجارة البحرية الأردني يجوز للشاحن أن يقطع الرابطة السببية بين الضرر والسبب إذ أثبت أن الضرر قد وقع بسبب خطأ الناقل البحري، وبالتالي تقع المسؤولية على الناقل البحري ولا يعفى منها وإذا لم يستطيع الاستفادة مما جاء في الفقرة الأولى من هذه المادة أي خطأ في ملاحة.

ثالثاً: حالات القوة القاهرة وأثرها على التزامات السفينة في الاتفاقيات الدولية

  • حالات القوة القاهرة في اتفاقية بروكسل واتفاقية هامبورج وأثرها: –
  • حددت المادة (4) من اتفاقية بروكسل حالات إعفاء الناقل البحري من المسئولية، وتتمثل هذه الحالات في عدم صلاحية السفينة للملاحة بشرط بذل جهد كافي، الأخطاء الملاحية والعيب الخفي في السفينة وكذلك حالة القوة القاهرة، وعددت الحالات التي تعد قوة قاهرة، وهي حالات القضاء والقدر والحروب وغيرها، أيضاً العيب الخفي في البضاعة، عدم التغليف، الإضرابات عن العمل أو الإغلاق، الاضطرابات الأهلية والأضرار الناجمة جراء قيام السفينة بمساعدة أو إسعاف بحري[5].

وسوف أعرض لبعض حالات القوة القاهرة: –

أ‌- انعدام أو عدم كفاية التغليف: –

يستفاد من النص سالف البيان أن اتفاقية بروكسل اعتبرت عدم التغليف للبضاعة أو تغليفها تغليفاً معيباً خطأ من قبل الشاحن، وتدخل ضمن حالات القوة القاهرة والتي يترتب عليها إعفاء الناقل من المسئولية.

ومن المسلم به أن التغليف يختلف حسب نوع البضاعة وطبيعتها وطبيعة الرحلة ومدتها، ومسألة كفاية التغليف من عدمه هي مسألة نسبية تختلف باختلاف البضائع، فما يعد تغليفاً كافياً لبضاعة معينة قد لا يعد كذلك لبضاعة أخرى، لذا فهي مسألة واقع تترك لتقدير قاضى الموضوع.

ب‌- العيب الذاتي للبضاعة: –

والمقصود به أي سبب ناشئ عن طبيعة الداخلية يؤدى دون تدخل من الناقل إلى هلاك البضائع أو تلفها، مثل إشعال تلقائي أو هلاكها بسبب عيب ناشئ عن طبيعتها، مثل تفاعل بعض مكونات البضائع في درجات الحرارة العالية، ويترتب على هلاك البضاعة نتيجة عيب ذاتي خاص بها أن الناقل لا يسأل عن الضرر الذي أصاب البضاعة، لأن مثل هذا الضرر يعد سبب أجنبي عن الناقل وتابعية فلا يسأل عنه[6].

ويلاحظ أن المادة (4) من اتفاقية بروكسل أشارت لعبارة العيوب الخفية التي لا تكشفها اليقظة المعقولة، دون أن تحدد ما إذا كان الأمر يتعلق بعيب خفي للسفينة أم في البضائع المنقولة، وفى الحقيقة أن العيب الخفي المقصود به هنا عيب في السفينة[7].

جـ- الإسعاف البحري: –

  • مما لا شك فيه أن الناقل لا يعد مسؤولاً عن الإضرار أو الهلاك الذي يصيب البضاعة إذا أثبت أن الضرر نشأ عن قيامه بأعمال إسعاف بحري، لإنقاذ أرواح بشرية أو إنقاذ سفينة من الغرق مما تسبب في تأخير السفينة.
  • ولقد نصت الفقرة (6) من المادة (5) من اتفاقية هامبورج على إعفاء الناقل من المسؤولية في حالة إنقاذ الأرواح والأموال في البحر وفى حالة تأخير في تسليم البضائع إذا كان سبب هذا التأخير هو الإنقاذ، بيد أنه يشترط للاستفادة من هذا الإعفاء أن يقوم الناقل بالتدابير المعقولة لحماية الأموال، وإذا أدى إنقاذ الأموال أو الأرواح إلى انحراف معقول للسفينة، هنا يتحقق إعفاء الناقل من المسؤولية وللقضاء تحديد نسبة معقولية الانحراف وإنقاذ الأموال[8].

د- نقل الحيوانات الحية: –

نصت الفقرة (5) من المادة (5) من اتفاقية هامبورج على أنه “فيما يتعلق بالحيوانات الحية لا يسأل الناقل على الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم الناتج عن أي مخاطر خاصة تلازم هذا النوع من النقل ومتى أثبت الناقل أنه راعى أية تعليمات خاصة أصدرها إليه الشاحن فيما يتعلق بالحيوانات  وأن الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم يمكن أن يعزى في مثل هذه الحالة إلى هذه المخاطر، يفترض أن الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم قد نتج عن هذه المخاطر ما لم يتوافر دليل على أن الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم قد نتج كله أو بعضه عن خطأ أو إهمال من جانب الناقل أو مستخدميه أو وكلائه “(يتضح لنا من هذا النص، أن الناقل البحري لا يسأل في حالة وقوع أي ضرر على الحيوانات الحية التي تم نقلها بشرط أن يكون قد التزم بجميع التعليمات التي صدرها الشاحن له، وبشرط أن يثبت أن الأضرار التي وقعت على الحيوانات تعود للمخاطر التي ترافق عملية النقل إلا إذا أثبت الشاحن أنه خطأ الناقل أو أحد تابعيه الذى أدى إلى وقوع الضرر[9].

هـ- الحريق: –

  • إن المادة (5 / 4) من معاهدة هامبورج تقضى:(بمسؤولية الناقل عن هلال البضائع أو تلفها أو التأخير في تسليمها إذا أثبت المدعي أن الحريق نشأ عن خطا، أو إهمال الناقل، أو مستخدميه، أو وكلائه، أو إذا أثبت المدعى أن الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم يرجع إلى إهمال الناقل أو مستخدميه أو وكلائه في اتخاذ التدابير المعقولة لإطفاء الحريق أو لتفادى آثاره أو للتخفيف منها)، ويستفاد من خلال القراءة الأولية للمادة سالفة الذكر أن هذه المادة تقرر إعفاء ضمنياً للناقل. ولصعوبة الإثبات المطلوب في هذه الحالة وللتحفيف على المدعى، فقد منحت المادة ذاتها كلا من المدعى أو الناقل الحق في طلب إجراء تحقيق وفقاً للممارسات المتبعة في الشحن لبيان سبب وظروف الحريق، على أن يعطى نسخه من تقرير التحقيق إلى أي منها عند الطلب.
  • ويكفي الناقل أن يثبت أن الضرر يرجع إلى الحريق، فيعفى من المسئولية دون حاجة به لأن يثبت أن الحريق حدث دون خطأ منه.
  • وجدير بالذكر أنه قد ورد في المادة الرابعة الفقرة ثانياً بند (ب) من اتفاقية بروكسل وغيرها من التشريعات السابق ذكرها أعلاه حالة الحريق، وقد أثارت هذه الفقرة خلافا. فما يتعلق بعبء الإثبات، فيما إذا كان يقع على الناقل أن يثبت أن الحريق لم يحصل بفعل أو خطأ منه أو من تابعيه، أم أنه يقع على الشاحن أن يثبت كون الحريق حصل بفعل خطأ الناقل أو تابعيه.
  • ويرى غالبية الفقه، إذا دفع الناقل بحصول الحريق، فتوجد قرينة على أن الأضرار حصلت بسبب الحريق وبالتالي فإنه لا يسأل عنها. ومن يريد هدم هذه القرينة، عليه أن يثبت كون الحريق قد حصل بفعل الناقل أو خطئه، وطالما كان ذلك يؤدى إلى تحرر الناقل من المسئولية بمجرد الدفع به، فهو وسيلة لتهربه منها. ويصعب على الشاحن غالبا ً أن يثبت كون الحريق حدث بفعل من الناقل، وبذلك تكون آثار هذا البند خطيرة [10].
  • ومن المقرر أن النص في المادة 4/2 من معاهدة بروكسل الخاصة بتوحيد بعض القواعد المتعلقة بسندات الشحن على ألا يسأل الناقل أو السفينة عن الهلاك أو التلف الناتج أو الناشئ عن: (ب) الحريق ما لم يحدث بفعل الناقل أو خطئه يدل على أن الناقل بعفى من المسؤولية متى أثبت أن ثمة علاقة سببية بين الضرر الذي أصاب البضاعة والحريق الذي حصل.
  • وبالتالي يستطيع الناقل أن يبرئ نفسه من المسئولية كما جاء في اتفاقية هامبورج بمجرد إثبات أن الضرر نشأ عن حريق، فما هو الحريق؟ (الحريق هو عبارة عن تفاعل كيميائي يشمل الأكسدة الشريعة للمواد القابلة للاشتعال وعناصر الاشتعال تتكون من المادة والأوكسجين ومصدر الاشتعال والتفاعل الكيميائي المتسلسل للحريق.
  • قد يقال إن ذلك معروف ولا يحتاج إلى تعريف. ومع ذلك فمن القضاء العالمي ما اشترط لإعمال النص اندلاع اللهب، بحيث إذا اقتصر الأمر على مجرد تصاعد دخان أو حدوث احتراقات أو تفحم فلا يعتبر حريقاً ومن ثم لا إعفاء، كما يشمل الإعفاء من المسئولية عن الضرر الذى يلحق بالبضائع التي بدأ فيها الحريق أو التي امتد إليها، بل والتي لم يدركها ولكنها تأثرت به كالتي أفسدها الدخان أو البلل من المياه التي استخدمت في الإطفاء، ويكفى لانتفاء المسئولية أن يقيم الناقل الدليل على أن الضرر نشأ عن حريق حدث، ولا يكلف بإثبات سببه، فلا افتراض إذن لخطأ الناقل أو تابعيه في حالة الحريق وإنما يكلف المدعى بإثبات هذا الخطأ إن أراد أن يحول دون الناقل والإفادة من الإعفاء[11].
  • والأصل انتفاء مسئولية الناقل عن الحريق، وبالتالي يقع عبء إثبات خطأ أو إهمال الناقل أو تابعيه على عاتق مدعى المسئولية وهو أمر ليس باليسير.
  • وقد بينت المادة الخامسة بالفقرة الرابعة تحديداً من اتفاقية هامبورج، عدم مسئولية الناقل عن الأضرار الناتجة عن الحريق والتي تصيب البضائع المنقولة، إلا أنه يمكن للمدعى أن يثبت أن الحريق قد نشأ بسبب خطأ، أو إهمال الناقل، أو مستخدميه، أو وكلائه[12].
  • وواقع الأمر إنه لا سبيل لحصر الحوادث التي يمكن أن تعد قاهرة. لذا تندرج في عداد القوة القاهرة: الفتن والثورات وحظر التجارة وفرض حظر بحري على ميناء الوصول وإغلاق واستيلاء السلطة العامة على السفينة وقيود الحجر الصحي الاستثنائية. ويثبت اعتبار أي من هذه الحوادث قوة قاهرة متى أثبت الناقل أن الحادث مستحيل التوقيع والدفع وانتفى كل خطأ من جانبه إعفاء الناقل البحري من المسئولية في حالة الحريقة الذي يقع أثناء الرحلة البحرية فقط.
  • ويلاحظ من خلال العرض السابق لحالات القوة القاهرة والتي وردت في اتفاقيتي بروكسل وهامبورج أن اتفاقية هامبورج قد حددت حالات إعفاء معينة وأقل من اتفاقية بروكسل فلقد عددت اتفاقية هامبورج حالات الإعفاء في المادة (5) وأكدت على أن منها: إنقاذ الأرواح والأموال، الحريق، نقل الحيوانات الحية، وأن الناقل في مثل هذه الحالات لا يطالب بدفع المسئولية عن الأضرار التي تلحق بالبضائع.
  • قواعد روتردام وأثر القوة القاهرة على التزامات السفينة: –
  • جدير بالذكر أنه عندما انتشر استعمال سند الشحن قام الناقلون بوضع شروط لإعفائهم من المسئولية عن الأضرار التي تلحق بالبضائع أثناء عملية نقلها وذلك باعتبارهم الطرف القوى في عقد النقل الأمر الذي يؤثر سلباً على مصالح الشاحنين الذين بدورهم طالبوا بالتخفيف من تلك الشروط الضارة بمصالحهم.

وترتيب على ما تقم إبرام اتفاقيتين شهيرتين هما: –

  • اتفاقية بروكسل الخاصة بتوحيد بعض القواعد المتعلقة بسندات الشحن الموقعة بتاريخ (25) آب/أغسطس 1924. وقد عمدت هذه الاتفاقية إلى التخفيف من عبء التزام الناقل، فجعلته التزاما مختلطاً بين التزام بتحقيق نتيجة من جهة، والتزاما ببذل عناية من جهة أخرى، وبذلك زاد عبء الإثبات الذي يقع على المرسل إليه، فلم يعد قاصراً على إثبات هلاك البضاعة أو تلفها أو التأخير في تسليمها، بل توسع ليشمل إثبات خطأ الناقل أو تابعيه في بعض الحالات. كما منحت هذه الاتفاقية الناقل الحق في اشتراط إعفائه من المسئولية في حالات كثيرة. حيث إنها وضعت في وقت كانت فيه مخاطر الملاحة البحرية كثيرة ووسائل الاتصال محدودة، ولهذا روعيت في أحكامها مصلحة الناقل، [13] فقررت له إعفاءات عديدة يستند إليها للإفلات من المسئولية، وفى مقدمتها الدفع بالخطأ البحري الذي كان له أكبر الأثر في إفساد دعوى المسئولية وحرمان صاحب الحق في البضاعة من الحصول على التعويض العادل عند هلاكها أو تلفها. وحيث وجد في التطبيق العملي: إن “اتفاقية بروكسل” جاءت قاصرة عن مسايرة التطور السريع في فنون الملاحة البحرية، واتساع نطاق التجارة البحرية، فقد دعت هذه الضرورات إلى إعادة النظر فيها وتعديل بعض أحكامها.
  • أما الاتفاقية الثانية، فهي اتفاقية الأمم المتحدة في شأن نقل البضائع بحرا عام (1978) والتي تعرف باسم: (قواعد هامبورج). وهذه الاتفاقية لم تحظ بقدر كاف من الاختبار على المستوى الدولي نظرا لقصر فترة سريان هذه الاتفاقية مقارنة مع اتفاقية بروكسل من جهة، وقلة الدول الأعضاء فيها من جهة أخرى، فقد بلغ إجمالي الدول المصدقة عليها إلى الآن (34) دولة فقط مقارنة ب (48) دولة مصدقة على اتفاقية بروكسل مما يقلل من شأنها في مجال النقل البحري.
  • ورغم دخول هذه الاتفاقية حيز النفاذ، إلا أنها لم تلق قبولا من الدول البحرية المهمة، فقد مالت هذه الاتفاقية بخلاف اتفاقية بروكسل بشكل نسبي إلى جانب الشاحنين، الأمر الذي ترتب عليه انقسام دول العالم إلى قسمين: قسم اتجه إلى الاحتفاظ بالتصديق على اتفاقية بروكسل لسنة (1924) ، وعدم الانضمام لقواعد هامبورج لسنة (1978)، وهي تمثل الدول الناقلة، وقسم اتجه إلى التصديق على قواعد هامبورج، والانسحاب من اتفاقية بروكسل وهي تمثل الدول الشاحنة المستقبلة للبضائع، الأمر الذي دفع بعض الدول إلى عدم التصديق على أي منهما.
  • وأما الانقسام الذي حصل بين الدول، قامت منظمة الأمم المتحدة بوضع اتفاقية جديدة تم التوقيع عليها في مدينة روتردام الهولندية ووصفت الأحكام التي تضمنتها بقواعد روتردام.
  • وتضمن الفصل الخامس من قواعد روتردام، أساس مسؤولية الناقل البحري عن هلاك البضائع، التلف أو التأخير في تسليمها، ضمن نص المادة (17)، بشكل مفصل على النحو الآتي:
  1. يكون الناقل مسئولا عن هلاك البضائع أو تلفها، وكذلك من التأخير في التسليم، إذا أثبت المطالب أن إهلاك، أو التلف، أو التأخير، أو الحدث الذي تسبب أو أسهم فيه، قد وقع أثناء مدة مسئولية الناقل حسبما حددت في الفصل4.
  2. يعفي الناقل من المسئولية التي تقضي بها الفقرة (1) من هذه المادة أو جزء منها إذا أثبت أن سبب الهلاك، أو التلف، أو التأخير، أو أحد أسبابه لا يعزى إلى خطأ ارتكبه هو أو أي شخص مشار إليه في المادة (18).
  3. يعفي الناقل أيضا من المسئولية التي تقضي بها الفقرة (1) من هذه المادة أو من جزء منها، إذا أثبت بدلا من إثبات عدم ارتكاب خطأ حسبما تنص عليه الفقرة (2) من هذه المادة، أن واحد أو أكثر من الأحداث أو الظروف التالية قد تسبب أو أسهم في الهلاك أو التلف أو التأخير:
  • أ‌- القضاء والقدر.
  • ب‌- مخاطر البحار أو المياه الأخرى الصالحة للملاحة وأخطارها وحوادثها.
  • ت‌- الحرب والأعمال القتالية والنزاع المسلح والقرصنة والإرهاب وأعمال الشغب والاضطرابات الأهلية.
  • ث‌- تقيدات الحجر الصحي، أو ما تقوم به الحكومات، أو الهيئات العمومية، أو الحكام، أو الناس من تدخلات أو ما تقيمه من عوائق، بما فيها الاحتجاز أو التوقيف أو الحجر الذي لا يعزى إلى الناقل أو أي شخص مشار إليه في المادة (18).
  • ج‌- الإضرابات أو إغلاق المنشآت في وجه العمال أو التوقيف عن العمل أو المعوقات المتعلقة بالأيدي العاملة. ونشوب حريق على السفينة.
  • ح‌- وجود عيوب خفية يتعذر اكتشافها ببذل العناية الواجبة.
  • خ‌- فعل أو إغفال من جانب الشحن، أو الشاحن المستندي، أو الطرف المسيطر، أو أي شخص أخر يكون الشاحن أو الشحن المستند مسئولا عن أفعاله بمقتضى المادة (33 أو المادة 34).
  • د‌- أعمال تحميل البضائع أو مناولتها أو تستفيها أو تفريغها التي تؤدى بمقتضى اتفاق مبرم وفقا للفقرة 2 من المادة | 13، ما لم يقم الناقل أو الطرف المنفذ بذلك النشاط نيابة عن الشاحن أو الشاحن المستندي أو المرسل إليه.
  • ذ‌- حدوث فقد في الحجم أو الوزن أو أي شكل آخر من الهلاك أو التلف من جراء خلل أو سمه أو عيب في البضائع.
  • ر‌- وجود قصور أو عيب في أعمال الرزم التي يقوم بها الشاحن أو تؤد نيابة عنة. لإنقاذ أرواح في عرض البحر أو محاولة إنقاذها.
  • ز‌- تدابير معقولة لإنقاذ ممتلكات في عرض البحر أو محاولة إنقاذها.
  • س‌- ما يقوم به الناقل من أفعال بمقتضى الصلاحيات التي تخوله إياها المادتان 15 و16 “.

رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن أثر القوة القاهرة على التزامات السفينة: –

1- قرار محكمة التمييز الأردنية رقم 78 لسنة 1963، منشورات العدالة: – حيث جاء فيه أن 🙁 القوة القاهرة أو الحادث الفجائي هو الذي لا يد للإنسان في حدوثه ولا يمكن توقعه لا زماناً ولا مكاناً، وفى الوقت نفسه لا يمكن دفعه، كالحوادث المرتبطة بالحروب، أو صدور تشريعات جديدة، أو كوارث طبيعة، كالزلازل والعواصف والفيضانات، أو الحرائق، أو الأوبئة، أو ما شابه…).

2- قرار محكمة التمييز الأردنية رقم 1162 لسنة 1652، مجلة نقابة المحامين سنة 1995 ص681: –والذي قضت فيه بأنه :(يضمن الناقل البري كل ما يلحق البضاعة من هلاك وأضرار، طالما أنه استلم البضاعة من الشاحن حسبما هو مبين في بوليصة الشحن، عملاً بالمادة 213 من قانون التجارة البرية، … فإذا كانت إفادة الشحن مخالفة للحقيقة عد مسؤولا تجاه الناقل عن كافة الأضرار الناتجة عن إفادته، عملاً بالمادة 216 من ذات القانون).

3- قرار محكمة التمييز الأردنية رقم 254 لسنة 1992 منشورات العدالة: – والذي قضت فيه بأنه :(لا يضمن الناقل ما يلحق البضاعة من ضرر إذا كانت هذه الأضرار ناتجة عن سوء تغليف، وذلك باستعمال براميل من نوع معدني لحفظ البضاعة، بحيث أصبحت تشكل خطراً على السفينة وحمولتها، لا سيما وأن الكشف الذي أجرى على البضاعة بمعرفة مختصين أدى إلى نتيجة أن الناقل لم يرتكب خطأ أو إهمالا أسهم بإلحاق الضرر بالبضاعة موضوع الدعوى).

خامساً: خاتمة

وفى نهاية هذا المقال لابد من أن أشير إلى أن هناك حالات لم تنظم في مسئولية الناقل البري، في قانون التجارة البرية الأردني، على الرغم أن مثل هذه الحالات قد وردت في الاتفاقيات الدولية ومنها حالة الحريق وحالة نقل الحيوانات الحية، وينبغي أن يتضمن التشريع الأردني هذه الحالات لكي يحيط بجميع حالات المسئولية الناقل البحري وأيضاً حالات الإعفاء القانوني.

كتابة: جمال مرعي

[1]– انظر رمضان أبو السعود، النظرية العام للالتزام، الإسكندرية، دار المطبوعات، الجامعة، 2002، ص370، والعربي بلحاج، النظرية العامة لالتزام، الجزائر، ديوان المطبوعات، 1999.

[2]– انظر محمود جلال حمزة، العمل الغير مشروع باعتباره مصدراً للالتزام، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1985، ص135، وكذلك رمضان أبو السعود، النظرية العامة للالتزام، مصادر الالتزام الإسكندرية، دار المطبوعات، 2002، ص371.

[3]– انظر عقل، عبد الرحمن (2001)، الأحكام القانونية لمسؤولية الناقل البحري للبضائع، منشورات الجامعة الأردنية، ص193.

[4]– انظر فقرة 5 من المادة 213 من قانون التجارة البحرية الأردني

[5]– انظر محمود ترك عقد النقل البري، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان 2015، ص111.

[6]– انظر عادل على المقدادي، القانون البري، ط2 سنة 1999، ص136،137.

[7]– انظر أمينة، دريس، إعفاء الناقل البري من المسئولية عن الإضرار الحاصلة نتيجة العيب الخفي للسفينة مجلة الفقه والقانون العدد السابع 2013 ص209.

[8]– أنظر حمدي، كمال، 2003، القانون البري، الطبعة الثالثة، الإسكندرية، منشأة المعارف، ص744.

[9]– انظر الكومانى، عبد اللطيف، مسؤولية الناقل البري، دار الثقافة للنشر والتوزيع 1988، عمان، ص91.

[10]– انظر الكومانى، عبد اللطيف، مسئولية الناقل البري، دار الثقافة للنشر والتوزيع 1988، عمان، ص123.

[11]– انظر شفيق، محسن، الجديد في القواعد الدولية الخاصة بنقل البضائع بالبر، القاهرة، دار النهضة العربية ص79 وص80.

[12] – انظر العطير، عبد القادر، 1999، الوسيط في شرح قانون التجارة البحرية، عمان: دار الثقافة للنشر والتوزيع ص404.

[13]– أستاذنا الدكتور محمد بهجت قايد، مسئولية الناقل البحري للبضائع في اتفاقية هامبورج، دار النهضة العربية، القاهرة، 1992، بند 2-ص4.

Scroll to Top