الآثار العرضية للعقد الباطل
العقد الباطل يكون هو والعدم سواء لا وجود له من الناحية القانونية ولا يترتب عليه أي أثر، ولكن قد يترتب على بطلان العقد ضياع حقوق المتعاقدين أو عدم استقرار المعاملات بينهما لذلك أوجد المشرع آثار عرضية للعقد الباطل حتى يمكن الإبقاء على العلاقة التعاقدية بين المتعاقدين بقدر الإمكان وسوف نبين في هذا المقال هذه الآثار العرضية في النقاط التالية وفقاً للقانون المدني الأردني:
أولاً: المقصود بالعقد الباطل والآثار العرضية له
ثانياً: نظرية الخطأ في تكوين العقد
ثالثاً: نظرية تحول العقد الباطل
رابعاً: نظرية انتقاص العقد الباطل
خامساً: التطبيقات القضائية لمحكمة التمييز الأردنية بالنسبة للآثار العرضية للعقد الباطل
سادسا:الخاتمة
أولاً: المقصود بالعقد الباطل والآثار العرضية له
يقصد ببطلان العقد: “الجزاء القانوني على عدم استجماع العقد لأركانه كاملة مستوفية لشروطها.”[1]
وقد بينت (المادة 168/1) من القانون المدني الأردني المقصود بالعقد الباطل بقولها: “العقد الباطل: 1. العقد الباطل ما ليس مشروعاً بأصله ووصفه بأن اختل ركنه أو محله أو الغرض منه أو الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده ولا يترتب عليه أي أثر ولا ترد عليه الإجازة.”
- أما الآثار العرضية للعقد الباطل: فهي تلك الآثار الغير مباشرة المترتبة على اعتبار العقد عمل مادي وذلك بأن يكون هناك خطأ في تكوين العقد، أو أن يتحول العقد الباطل إلى عقد آخر صحيح توافرت فيه شروط صحته، أو انتقاص العقد.
-
إذاً يتضح لنا مما سبق أن العقد الباطل في الأصل لا يترتب عليه آثار قانونية إلا أن هناك استثنائية للعقد الباطل وهي الآثار العرضية المتمثلة فيما يلي:
- نظرية الخطأ في تكوين العقد.
- نظرية تحول العقد.
- نظرية انتقاص العقد.
ثانياً: نظرية الخطأ في تكوين العقد
من الآثار العرضية للعقد الباطل نظرية الخطأ في تكوين العقد وسوف نبين في النقاط التالية المقصود بهذه النظرية، وموقف الفقه من هذه النظرية، وكذلك موقف المشرع الأردني منها:[2]
أ- المقصود بنظرية الخطأ في تكوين العقد
يقصد بالخطأ في تكوين العقد: اعتقاد أحد المتعاقدين بحسن نية بصحة العقد مع إخلال المتعاقد الآخر بالتزاماته الناشئة عن العقد.
فأحد المتعاقدين يكون مخلاً بالتزاماته الناشئة عن العقد والمتعاقد الآخر لا يكون على علم بهذا الإخلال، بل يعتقد صحة العقد ويقوم بإبرامه أو بتنفيذ التزاماته الناشئة عنه ثم يكتشف المتعاقد حسن النية ببطلان العقد وانعدام أثره ويطالب بالتعويض عن الضرر الذي أصابه من وراء ذلك، ومثال ذلك: كأن يتم بيع ملك الغير ويعتقد المشتري أن البائع هو مالك الشيء المباع فيقوم بإبرام عقد البيع بناءً على هذا الاعتقاد.
1. موقف الفقه من نظرية الخطأ في تكوين العقد
يرى الفقه القانوني من خلال نظرية الخطأ في تكوين العقد أن المتعاقد حسن النية الذي اعتقد بحسن نية منه صحة العقد رغم إخلال الطرف الآخر بالتزامه بحق المتعاقد حسن النية في الحصول على تعويض نتيجة الضرر الذي لحقه من بطلان العقد المترتب على الإخلال بتنفيذ أحد المتعاقدين التزامه.
لكن هؤلاء الفقهاء قد اختلفوا في الأساس القانوني للتعويض عن الضرر في هذه الحالة فذهبوا إلى القول بأن الأساس القانوني ما يلي:
أ. العقد كتصرف قانوني أساساً للمطالبة بالتعويض عن الخطأ في تكوين العقد عند (أهرنج)
يرى الفقيه الألماني (أهرنج) الذي هو من مؤسسي نظرية الخطأ في تكوين العقد بأن الأساس القانوني للتعويض عن الضرر الناتج عن إبطال العقد هو الخطأ العقدي طبقاً للمسؤولية العقدية.
وطبقاً لهذا الأساس فإن المسؤولية العقدية تنشأ سواء أكان إخلال أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه قبل إبرام العقد أو بعد إبرام العقد؛ فقبل إبرام العقد يعتبر العقد منعقداً بصورة ضمنية فكلا الطرفين يتعهدان بأن يكون تنفيذ التزاماته للعقد يتم بصورة صحيحة وفي المقابل يوافق الطرف الآخر على ذلك ومن ثم إذا أخل أحد الطرفين بتنفيذ التزامه قبل إبرام العقد فإنه يكون مسؤولاً عن هذا الإخلال ويلتزم بالتعويض تجاه الطرف الآخر المتضرر.
وقد وجه لهذا الأساس عدة انتقادات منها:
- يعاب على هذا الأساس أنه يفترض نشوء العقد ضمنياً فيما بين المتعاقدين قبل إبرام العقد باعتبار أن المتعاقد لا يكون ملتزماً في مرحلة المفاوضات بإبرام العقد، بل تجرى المفاوضات حتى يصل كلا المتعاقدين لرضا تام بالعقد ويحق لكلاهما عدم إتمام المفاوضات ومن ثم لا يكون الطرف المخل بالتزامه في مرحلة المفاوضات ملزماً بالتعويض.
- قيام المتعاقد الملتزم بالتعويض بإثبات انتفاء مسؤوليته العقدية أمر في غاية الصعوبة في مرحلة المفاوضات.
- أنه لا يترتب على مرحلة المفاوضات وجوب إبرام العقد بين المتعاقدين إذ كل منهما يملك عدم المضي في التعاقد طالما كانت هناك أسباب سائغة تبرر له ذلك.
ب. العقد الضمني كأساس للمطالبة بالتعويض عن الخطأ في تكوين العقد عند الفقيه الفرنسي (سالي)
يرى الفقيه الفرنسي (سالي) أن أساس التعويض عن الخطأ هو الإخلال بعقد ضمني مفاده التزام كلا المتعاقدين بضمان صحة العقد الذي تجرى المفاوضات بشأنه من أي سبب يؤدي إلى بطلانه، ومن ثم يكون المتعاقد الذي ارتكب خطأ أدى إلى بطلان العقد حتى وإن كان حسن النية مسؤول مسؤولية عقدية وملتزماً بالتعويض عن الضرر الذي أصاب المتعاقد الآخر، ويقترب هذا الرأي من الرأي الأول الذي ذهب إليه الفقيه الألماني (أهرنج).
كما اعتد الفقيه الفرنسي (سالي) بالعقد التمهيدي الذي هو بمثابة وعد بالتعاقد حيث يلتزم فيه المتعاقد الواعد بالالتزامات الواردة في هذا العقد فإن أخل بالتزامه كان مسؤولاً مسؤولية عقدية حتى ولو لم يتم إبرام العقد النهائي بينهما.
ويعاب على هذا الرأي بما يلي:
- يتعذر إثبات عناصر المسؤولية العقدية في مرحلة العقد التمهيدي.
- حتى وإن ثبت خطأ المتعاقد في مرحلة العقد التمهيدي ثم تبين بطلان هذا العقد فإنه لا مجال لإعمال المسؤولية العقدية لكون العقد باطل ولا أثر له ومن ثم لا جود له.
ج. المسؤولية التقصيرية كأساس للتعويض عن الخطأ في تكوين العقد في الفقه المصري
يرى الفقه القانوني المصري أن أساس التعويض عن الخطأ الناشئ عن إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته قبل إبرام العقد هو المسؤولية التقصيرية وليس المسؤولية العقدية.
وانتقد هذا الرأي الأساس الذي تم الاستناد إليه في الآراء السابقة باعتبار العقد الذي تم الإخلال به ضمنياً ومن ثم يكون المتعاقد الآخر مسؤول مسؤولية عقدية، ورأى أن المسؤولية التقصيرية هي الأنسب.
فالاعتداد بالمسؤولية التقصيرية أفضل من المسؤولية العقدية لتميزها عنها من حيث الأهلية، والتعويض، والتضامن وغير ذلك من اختلافات.
فالمسؤولية التقصيرية لا تشترط أهلية المسؤول عن الضرر بخلاف المسؤولية العقدية التي تشترط فيه التمييز، مما يعني اتساع نطاق المسؤولية التقصيرية، وقد نصت على ذلك (المادة 256) من القانون المدني الأردني بقولها: “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر.”
كما أن التعويض في المسؤولية التقصيرية يكون عن الأضرار المتوقعة والغير متوقعة بخلاف المسؤولية العقدية يقتصر فيها التعويض عن الأضرار المتوقعة عند العقد فقط دون الأضرار الغير متوقعة.
3. موقف المشرع الأردني من نظرية الخطأ في تكوين العقد
لا يأخذ المشرع المدني الأردني بفكرة العقد الافتراضي الذي ذهب إليه الفقيه الألماني (أهرنج)، وإنما يقيم المسؤولية التقصيرية على المتعاقد الذي أخل بالتزامه قبل إبرام العقد مما ترتب عليه بطلانه والإضرار بالمتعاقد الآخر.
وهذا ما يستدل عليه من نص (المادة 256) من القانون المدني الأردني بقولها: “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر.”
كما أن (المادة 168/1) من ذات القانون حينما بينت المقصود بالعقد الباطل بقولها: “العقد الباطل: 1. العقد الباطل ما ليس مشروعاً بأصله ووصفه بأن اختل ركنه أو محله أو الغرض منه أو الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده ولا يترتب عليه أي أثر ولا ترد عليه الإجازة.”
قد اعتبرت العقد الباطل ليس له أي أثر قانوني فهذا دليل على أنه لا يترتب عليه مسؤولية عقدية وإنما مسؤولية تقصيرية حتى ولو كان المتعاقد المسؤول لا يعلم بسبب البطلان.
ثالثاً: نظرية تحول العقد الباطل
إن من الآثار العرضية للعقد الباطل هو فكرة تحول العقد التي يكون الهدف منها تخفيف حدة آثار بطلان العقد مراعاة للظروف الاقتصادية والاجتماعية، وسوف نبين في النقاط التالية عن المقصود بنظرية تحول العقد، وشروط تحول العقد الباطل، وآثار هذا التحول، وموقف المشرع الأردني من هذه النظرية:[3]
1. المقصود بنظرية تحول العقد الباطل
يقصد بتحول العقد الباطل: “ظاهرة قانونية بفضلها ينقلب عقد باطل إلى آخر صحيح عند توفر شروط صحة هذا الأخير بحيث يخضع لنفس الهدف المرغوب من قبل أطرافه.”
وقد أخذ المشرع المدني المصري بنظرية تحول العقد الباطل ونص عليها صراحةً في (المادة 144) منه بقولها: “إذا كان العقد باطلاً أو قابلاً للإبطال وتوافرت فيه أركان عقد آخر فإن العقد يكون صحيحاً باعتباره العقد الذي توافرت أركانه إذا تبين أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى إبرام هذا العقد.”
أما المشرع المدني الأردني فلم ينص على مفهوم نظرية تحول العقد الباطل.
ويتضح لنا مما سبق أن تحول العقد الباطل يعني: تحول عقد فقد ركن من أركانه أو شرط من شروطه أو وصفه أو شكله الذي حدده القانون إلى عقد صحيح توافرت فيه أركانه وكانت نية المتعاقدين تتجه إلى هذا العقد.
2. أنواع تحول العقد الباطل
يوجد نوعان لتحول العقد الباطل هما:
- التحول في موضوع العقد: أي يتحول العقد الباطل من حيث الغرض والقصد الأصلي منه إلى عقد آخر صحيح.
- التحول في صفة العقد: وفي هذه الحالة يكون موضوع العقد صحيحاً، ولكن يتحول فيه أثر من آثاره مثل تحول عقد العمل محدد المدة إلى عقد عمل غير محدد المدة فالذي تحول في هذه الحالة هي صفة المدة في العقد وليس موضوعه بأنه عقد عمل.
3. شروط تحول العقد الباطل
يلزم لتحول العقد الباطل إلى عقد آخر صحيح توافر عدة شروط هي:
أ. بطلان التصرف الأصلي
حتى يمكن تحويل العقد الباطل إلى عقد صحيح لابد من بطلان العقد الأصلي أولاً فإذا لم يكن العقد الأصلي باطلاً أو كان موقوفاً على إجازة المتعاقد الآخر فلا تنطبق عليه نظرية تحول العقد حينئذ.
وقد بينت (المادة152) من القانون المدني الأردني بطلان العقد إذا وقع غلط في ماهيته أو شرط من شروط الانعقاد أو في المحل.
ب. الإرادة في تحول العقد
يلزم أن تتجه إرادة المتعاقدين إلى الموافقة على تحول العقد الباطل إلى العقد الصحيح حتى يمكن تحول العقد وإنتاج آثاره، لكن لا يلزم أن تكون هذه الإرادة حقيقية بل يكفي أن تكون إرادة محتملة يستخلصها القاضي من ظروف الحال، وهذا في حالة القوانين التي تأخذ بالمعيار الذاتي حيث تكون سلطة القاضي ضيقة، أما القوانين التي تأخذ بالمعيار الموضوعي فيتسع فيها سلطة القاضي ويعتمد على الهدف الاقتصادي من العقد ، فإن رأى القاضي تحقق الهدف الاقتصادي من العقد الباطل في العقد المحول إليه قضى بتحول العقد دون أن يرجع لإرادة المتعاقدين ويتبين اتجاه إرادتهما لهذا التحول.
ج. اشتمال التصرف الباطل على عناصر تصرف صحيح آخر
لكي يتم تحول العقد الباطل إلى عقد آخر صحيح ينبغي أن تتوافر عناصر العقد المحول إليه في هذا العقد الباطل، أما إذا كان العقد الباطل لا يتوفر فيه أركان وعناصر العقد الصحيح فلا يمكن إعمال نظرية تحول العقد الباطل.
4. آثار نظرية تحول العقد الباطل
يترتب على نظرية تحول العقد الباطل آثار من حيث الزمان وأخرى من حيث الأشخاص:
أ. آثار تحول العقد الباطل من حيث الزمان
إذا ثبت بطلان العقد الأصلي وتوافر أركان العقد الجديد المحول إليه انصرف أثر هذا العقد الجديد بأثر رجعي إلى الوقت الذي أبرم فيه التصرف الأصلي على أساس أن التصرف الأصلي لم يعد له وجود ولا يترتب عليه أي أثر فكأن المتعاقدان قد أبرما العقد الجديد في تاريخ إبرام العقد الأصلي الباطل.
ب. آثار تحول العقد الباطل من حيث الأشخاص
ينتج العقد الباطل والعقد الجديد المحول إليه آثار بالنسبة لكلا المتعاقدين وكذلك بالنسبة للغير، وقد اختلف الفقهاء فيما إذا كان يلزم المتمسك بتحول العقد إثبات عناصر هذا التحول من عدمه.
5. موقف المشرع المدني الأردني من نظرية تحول العقد الباطل
لم ينص المشرع الأردني على نظرية تحول العقد الباطل بشكل صريح بخلاف المشرع المدني المصري الذي نص على هذه النظرية بشكل صريح في (المادة144) منه بقولها: “إذا كان العقد باطلاً أو قابلاً للإبطال وتوافرت فيه أركان عقد آخر فإن العقد يكون صحيحاً باعتباره العقد الذي توافرت أركانه إذا تبين أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى إبرام هذا العقد.”
إلا أنه يمكن استنتاج تبني المشرع المدني الأردني لهذه النظرية من نصوص أخرى تدل على ذلك منها:
- ما يستفاد من نص (المادة 735) من القانون المدني الأردني تحول عقد المزارعة عند فسخه أو بطلانه لعقد إجارة بقولها: “1. إذا فسخ عقد المزارعة أو تبين بطلانه أو قضي بإبطاله كان جميع المحصول لصاحب البذر فإن كان الآخر هو المزارع استحق أجر مثل عمله وإن كان هو رب الأرض استحق أجر مثل الأرض.”
- كما يستفاد من نص (المادة 562) من ذات القانوني تحول الهبة بشرط العوض إلى عقد بيع حيث تنطبق عليها أحكام البيع بقولها: “1. يجب أن يكون العوض في الهبة المشروطة به معلوماً وإلا جاز لكل من الطرفين فسخ العقد ولو بعد تسلم الموهوب ما لم يتفقا على تعيين العوض قبل الفسخ.
2.فإذا هلك الموهوب أو تصرف فيه الموهوب له قبل الفسخ وجب عليه رد قيمته يوم القبض.”
- اعتبار تصرفات المريض مرض الموت في حكم الوصية وفقاً لنص (المادة 1128/1) من ذات القانون بقولها: “كل عمل قانوني يصدر من شخص في مرض الموت ويكون مقصوداً به التبرع يعتبر تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت وتسري عليه أحكام الوصية أياً كانت التسمية التي تعطى له.”
رابعاً: نظرية انتقاص العقد الباطل
من الآثار العرضية للعقد الباطل بالإضافة لنظرية الخطأ في تكوين العقد، ونظرية تحول العقد نظرية انتقاص الحق، وسوف نبين في النقاط التالية المقصود بهذه النظرية، وشروطها، وآثارها، وتطبيقاتها في القانون المدني الأردني.[4]
1. المقصود بنظرية انتقاص العقد الباطل
يقصد بانتقاص العقد الباطل: “هو أحد الآثار العرضية التي تترتب على العقد الباطل بصورة استثنائية ومراعاة لاعتبارات خاصة عندما لا يكون العقد باطلاً بأكمله، وأن يكون باطلاً أو قابلاً للإبطال في جزء فقط منه ويكون الجزء الآخر صحيحاً حيث يتم استبعاد الجزء الباطل فقط ويظل الباقي من العقد صحيحاً باعتباره عقداً مستقلاً.
وقد نصت (المادة 169) من القانون المدني الأردني على نظرية انتقاص العقد الباطل بقولها: “1. إذا كان العقد في شق منه باطلاً بطل العقد كله إلا إذا كانت حصة كل شق معينة فإنه يبطل في الشق الباطل ويبقى صحيحاً في الباقي.
2.وإذا كان العقد في شق منه موقوفاً توقف في الموقوف على الإجازة فإن أجيز نفذ العقد كله وإن لم يجز بطل هذا الشق فقط بحصته من العوض ويبقى في النافذ بحصته.”
إذاً يتضح لنا مما سبق أن انتقاص العقد يقصد به: انتقاص شروط العقد المتفق عليها بين المتعاقدين بعدم الاعتداد بالشروط الباطلة منها والإبقاء على الشروط الصحيحة.
2. شروط نظرية انتقاص العقد الباطل
يشترط لإعمال نظرية انتقاص العقد الباطل توافر الشروط التالية:
أ. بطلان شق من العقد
يجب لإعمال نظرية انتقاص العقد الباطل أن يتوافر في العقد الأصلي بعض الشروط التي تكون باطلة أو لكونها مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة أما باقي شروط العقد فتكون صحيحة، وهذا يتوافر في العقود القابلة للانقسام أما في حالة ما إذا كان العقد باطلاً بأكمله أو صحيحاً بأكمله فلا مجال لإعمال نظرية انتقاص العقد.
ب. قابلية العقد للتجزئة
يجب أن يكون العقد قابلاً للتجزئة والانقسام حتى يمكن إبطال الأجزاء الباطلة منه وعدم الاعتداد بها وإنقاصها من العقد والإبقاء على الأجزاء الصحيحة بحيث تعتبر أجزاء مستقلة بذاتها يتحقق منها المقصود من العقد وينتج العقد آثاره من خلالها.
فإذا كان العقد غير قابل للانقسام والتجزئة نظراً لطبيعة محله فلا يمكن إعمال نظرية انتقاص العقد، وقد أكدت على هذا الشرط نص (المادة 169/1) من القانون المدني الأردني بقولها: “1. إذا كان العقد في شق منه باطلاً بطل العقد كله إلا إذا كانت حصة كل شق معينة فإنه يبطل في الشق الباطل ويبقى صحيحاً في الباقي”، فالأصل إذا وجد جزء باطل في العقد بطل العقد كله ولا يترتب عليه أي أثر إلا إن المشرع استثنى من ذلك إذا كان العقد قابلاً للتجزئة وبطل جزء منه فقط فحينها يبطل هذا الجزء فقط ويظل العقد قائماً رغبة من المشرع في الإبقاء على العلاقة التعاقدية بين المتعاقدين.
ج. تعيين حصة كل شق
- يجب تعيين حصة كل شق وهو ما يستفاد من نص (المادة 169) من القانون المدني الأردني بقولها: “1. إذا كان العقد في شق منه باطلاً بطل العقد كله إلا إذا كانت حصة كل شق معينة فإنه يبطل في الشق الباطل ويبقى صحيحاً في الباقي”، وقد استمد المشرع المدني الأردني هذا الشرط من الفقه الحنفي وهو معيار موضوعي يتحدد فيه مقدار العوض عن الجزء الباطل، وذلك بخلاف المشرع المدني المصري الذي أخذ بالمعيار الذاتي واشترط اتجاه إرادة المتعاقدين لانتقاص العقد.
3. آثار نظرية انتقاص العقد الباطل
يترتب على إعمال نظرية انتقاص العقد الباطل عدة آثار هي:
أ. إبطال الشق المعيب
يترتب على إعمال نظرية انتقاص العقد الباطل اعتبار الجزء الباطل أو المخالف للنظام العام والآداب العامة ليس له أثر قانوني ولا وجود له، وهذا استثناء من الأصل الذي يقضي ببطلان العقد كله إلا أن المشرع رغبة في استقرار المعاملات بين الناس قرر بطلان الجزء المعيب فقط.
ب. تنفيذ باقي العقد
يكون الجزء الصحيح في العقد الذي لم تشوبه شائبة البطلان صحيحاً وينتج أثره ويكون له قوة إلزامية فنوع العقد والطبيعة القانونية له تظل كما هي لا تتغير.
4. تطبيقات نظرية انتقاص العقد في القانون المدني الأردني
نص المشرع المدني الأردني على عديد من التطبيقات على نظرية انتقاص العقد الباطل منها:
- ما ورد بنص (المادة671) منه بإنقاص مدة عقد الإيجار التي تزيد على 30 سنة إلى 30 سنة وجعل الحد الأقصى لمدة الإيجار هي 30 سنة.
- ما ورد بنص (المادة204) منه بإبطال الشرط التعسفي الوارد في العقد والإبقاء على باقي العقد صحيحاً.
خامساً: التطبيقات القضائية لمحكمة التمييز الأردنية بالنسبة للآثار العرضية للعقد الباطل
1- قضت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في القضية رقم 1163/2022 الصادرة بتاريخ 14/7/2022 بما يلي:
“ولما كان من المقرر أن القرائن القضائية هي التي لم ينص عليها القانون ويستخلصها القاضي من ظروف الدعوى ويقتنع بأن لها دلالة معينة ويترك لتقدير القاضي استنباط هذه القرائن عملاً بالمادة(43) من قانون البينات دون رقابة عليها من محكمة التمييز في أمر توافر القرينة القضائية من عدمه ولا سبيل لإلزامها باستنباطها إذ إن ذلك متروك لضميرها وأن العقد الباطل ما ليس مشروعاً بأصله ووصفه بأن اختل ركنه أو محله أو الغرض منه أو الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده ولا يترتب عليه أي أثر ولا ترد عليه الإجازة ولكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان وإعادة الحال إلى ما كان عليه وفقاً لأحكام المادة (168) من القانون المدني.
ومن المقرر وفقاً لأحكام المادة (169/1) من القانون المدني أنه إذا كان العقد في شق منه باطلاً بطل العقد كله إلا إذا كانت حصة كل شق معينة فإنه يبطل في الشق الباطل ويبقى صحيحاً في الباقي.
وبالبناء على ما تقدم ولما كان العقد الذي أبرم بين الفريقين يعتبر عقداً باطلاً بين الفريقين نتيجة لعدم تسجيل القطع الثلاث وأن هذا البطلان لا يرتب أثراً عليه بالنسبة للمتعاقدين ويعاد الحال لما كان عليه لفقدانه للشكلية التي تطلبها المشرع بمثل هذه العقود ولما كان المميزان أقرا بأنه تم الرجوع عن اتفاقية التنازل وما ورد بمشروحات دائرة التسجيل بالنسبة لهذه القطع بأنه لم يتم التنازل عنها للمميز ضده عن هذه الشقق ولما كانت الاتفاقية من شروطها الخاصة أن من التزامات المميز ضده دفع هذا المبلغ وأنه من حقه في حال عدم التسجيل المبلغ البالغ 30000دينار ولما كانت الكمبيالة حررت بتاريخ لاحق على الاتفاقية وأن تحريرها قرينة على قيام المميز ضده بدفع المبلغ الوارد في العقد الباطل لغايات إتمام تنازل المميز ضده معاذ عن الشقق والذي لم يتم تسجيله لدى دائرة الأراضي وقد ثبت من خلال ما تقدم بيانه أن ذمة المدعى عليهما / المميزان مشغولة للمدعي بالمبلغ المدعى به ويعتبر ديناً في ذمتهما وممن حقه طلب استرداده ويجب إلزامهما به وإذ خلصت المحكمة إلى النتيجة ذاتها مما يتعين رد هذين السببين.”
سادسا: الخاتمة
بعد أن استعرضنا النقاط السابقة يمكن لنا استنتاج وجود آثار عرضية للعقد الباطل نص عليها المشرع المدني الأردني منها ما هو بشكل صريح ومنها ما كان كتطبيقات على هذه الآثار.
فالأصل أن العقد الباطل لا يعتد به ولا يترتب عليه أي أثر ويكون هو والعدم سواء إلا أن المشرع رغب في استقرار المعاملات والإبقاء على العلاقة التعاقدية بقدر الإمكان فرتب آثار عرضية للبطلان بعضا يؤدي إلى قيام المسؤولية التقصيرية في حق المتعاقد المخطئ طبقاً لنظرية الخطأ في تكوين العقد، وبعضا يؤدي إلى تحويل العقد الباطل إلى عقد آخر صحيح توافرت فيه أركانه واتجهت إليه إرادة المتعاقدين، وبعضها الآخر يترتب عليه انتقاص الجزء الباطل من العقد والإبقاء على الجزء الصحيح منه.
إعداد: أبرار سيد
[1] السنهوري، عبد الرزاق، الوسيط في شرح القانون المدني، نظرية الالتزام بوجه عام، مصادر الالتزام، ج1، ص486وما بعدها، وانظر: رشايدة، نسرين علي محمد، الآثار العرضية للعقد الباطل في القانون المدني الأردني والفقه الإسلامي: دراسة مقارنة، موقع دار المنظومة، ص16وما بعدها، وانظر: عثمان، عادل طه محمد، العقد الباطل في الفقه الإسلامي والقانون: دراسة مقارنة، موقع دار المنظومة، ص47وما بعدها، وانظر: حدادين، بلقيس لؤي جميل، نظرية انتقاص العقد في القانون المدني الأردني، موقع دار المنظومة، ص4.
[2] انظر: السنهوري، عبد الرزاق، المرجع السابق، ص503وما بعدها، وانظر: رشايدة، نسرين علي محمد، المرجع السابق، ص29وما بعدها
[3] انظر: السنهوري، عبد الرزاق، مرجع سابق، ص497وما بعدها، وانظر: رشايدة، نسرين علي محمد، المرجع السابق، ص75وما بعدها.
[4] انظر: رشايدة، نسرين علي محمد، المرجع السابق، ص125وما بعدها، وانظر: حدادين، بلقيس لؤي جميل، المرجع السابق، ص4وما بعدها.

