حرية التظاهر

حرية التظاهر

إن أهم ما تسعى إليه الدول قاطبة في تشريعاتها الداخلية وارتباطاتها الدولية من خلال تلك المعاهدات التي تبرمها الدول مع غيرها من الدول الأخرى أو عن طريق تلك التشريعات التي تصدر من قبل السلطة التشريعية داخل الدولة؛ إنما الهدف الأسمى من ذلك هو حماية الحقوق والحريات والمحافظة على استعمال هذه الحقوق دون الإضراب بمصالح الدولة طالما أنها تتماشى مع القانون ولا تعارض القيم والآداب العامة داخل الدولة.

تفرعاً من ذلك إن الحق في التظاهر وهو موضوع هذه المقالة أن الحق في التظاهر والاجتماع حق من الحقوق الأساسية للإنسان ولكن بشرط أن يكون هذا الاجتماع سلمياً ولا تتأثر به مقدرات الدولة ولا أن تتم أو يتم الإضرار بمؤسساتها، فهو من أهم المبادئ الرئيسية التي لا يخلو أي دستور من النص عليها وكان لزامًا على المشرع أن يتضمن تنظيم هذا الحق وأن ينص على احترامه وعدم تعطيله أو تقييده إلا طبقًا لأحكام القانون لأنه من المبادئ الرئيسية والأساسية لحقوق الإنسان الأمر الذي جعله محل اهتمام دولي حيث اهتمت بتنظيمه العديد من القوانين والمواثيق الدولية .

ومن أبرز هذه الإعلانات والمواثيق والمعاهدات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 حيث تضمن هذا الإعلان في نصوصه على ضرورة حماية هذا الحق وعدم تعطيله أو العمل على تعطيله أو تقييده إلا طبقاً للاستثناءات التي ترد في القانون.

ولكن طالما تعلمنا أنه لا توجد دائمًا قواعد عامة بدون استثناء ولا يوجد قانون لا يرد عليه قيود وإلا فإن الأمر إن ترك هكذا فستستبيح الناس القوانين وتستخدمها بصورة خاطئة الأمر الذي يفرغ النص القانوني من مضمونه ومحتواه والهدف من إصداره وبالتالي فإنه يمكن للقوانين التي تنظم الحق في التظاهر أن تنظمه بما لا يتعارض مع الأمن القومي للبلاد وفي ذات الوقت تضمن في ممارسته أن يتمتع به جميع المواطنون على قدم المساواة مع الحفاظ على الأمن والسلام المجتمعي والصحة والسلامة العامة والآداب العامة.

وبناء على ذلك سوف نتكلم عن الحماية القانونية لحرية التظاهر في النقاط التالية.

أولاً : مفهوم التظاهر وشروطه.

ثانياً: الحق في التظاهر في القوانين والمواثيق الدولية.

ثالثًا: التظاهر في القانون الأردني .

رابعا: أهم ما ورد من ملاحظات على هذا الموضوع .

 

أولاً : مفهوم التظاهر وشروطه.

1-مفهوم التظاهر.

كعادة الفقهاء دائمًا أنهم لم يتفقوا على تعريف موحد لأي من المصطلحات القانونية أو تلك الأمور التي تحتاج إلى تعريفات محددة، وبالتالي لم يتم الاتفاق على تعريف موحد للحق في التظاهر. فلقد اختلفت فيه آراء الفقهاء فبعض الفقهاء من قسم تعريف التظاهر الى تعريفات فقهية وتعريفات قانونية.[1]

أ: التعريف الفقهي لحماية الحق في التظاهر طبقاً لأنصار هذا الفريق.

يرى فريقاً من الفقهاء أن الحق في تظاهر ما هو إلا صورة من صور الحرية فهو يراها متجسدة في حرية الاجتماع والتجمع، فكل شخص له الحرية في أن يجتمع بما يشاء وكيفما يشاء في الوقت الذي يشاء طالما أنه يحترم القانون والدستورـ فيرى هذا الفريق أن من حق الإنسان التجمع وبالتالي لا يستطيع أن يمارس هذا الحق إلا من خلال التجمعات، فله أن يجتمع بما يشاء شريطة أن يكون هذا التجمع سلميًا، وبناءً على رؤية هذا الفريق أنه يمكن تعريف التظاهر بأنه حق من الحقوق الأساسية للإنسان يستطيع ممارسته بصورة ذاتية تمكنه بصورة أو بأخرى من الاجتماع بعدة أشخاص في أماكن ثابتة أو متنقلة في مكان عام ولكن تحت مظلة القانون ويخضع في ذلك الأمر لرقابة السلطة.[2]

ويرى جانب آخر من الفقهاء فمنهم من ينظر للتظاهر على أنه حق من حقوق الإنسان في التعبير عن رأيه هو صورة من صور التعبير عن الرأي، ولذلك يرى انصار هذا الفريق أن الحق في التظاهر هو حق من حقوق الإنسان تمكنه من الحق في إبداء رأيه بصوره سلمية طبقاً للقانون وبما لا يتعارض مع الأداب والأخلاق العامة.

كان هذا مجمل آراء الفقهاء في التعريف الفقهي للتظاهر ولم يتسع المجال لذكر كافة أقوال الفقهاء في هذا الأمر.

ب: التعريف القانوني للحق في التظاهر.

إن التعريف القانوني للتظاهر أيضا لا يوجد له تعريف محدد ولكن تعريف الحق في التظاهر يختلف بحسب قانون كل بلد والنظام العام بها.

خلاصة ما توصل إليه الباحث من التعريفات المتفرقة للحق في التظاهر من خلال أقوال الفقهاء القانونيين المختلفة وهم يرون أن الحق في التظاهر هو عبارة عن حق الإنسان في حشد الناس حشدًا منظمًا يسير في الشوارع أو أن يكون ثابتًا في مكان محدد من أجل المطالبة بحق من الحقوق أو رفع ظلم ما شريطة أن يكون سلمياً لا يتعارض مع القانون ولا يضر بمصالح الشعب ومؤسسات الدولة وتعطيل مصالح المواطنين .

2-شروط التظاهر:

إن التظاهر كحق من الحقوق التي منحها القانون والدستور للأفراد كما منحتها وأقرتها القوانين والمواثيق الدولية، فبالرغم من أنه حق أساسي للإنسان إلا أن ممارسة هذا الحق تقتضي بعضًا من التنظيم، فلم يترك الأمر عبثاً للأفراد يمارسونه بالطريقة التي يشاؤون ولكن إن التظاهر كما تم الإشارة سابقا يجب أن يكون سلميًا ومشروعاً في مطالبه.

ومن خلال التعريف السابق نستخلص منه شروط الحق في التظاهر على النحو الاتي:

أ- أن يكون هناك جمع من الأشخاص:

إن اشتراط أن يكون لاستعمال الحق في التظاهر من خلال جمع من الأشخاص فهذا شرط بدهي، إذ أنه كيف يكون هناك تظاهر بدون جمع من الناس للتظاهر أو لحماية الحق في التظاهر أن يكون هناك جمع من الناس لأنه شرطًا أساسيا لوجوده أن يجتمع الناس ويشتركون فيه.[3]

ولا نجد قانون يجزم أو يضع معيار محدد لعدد هذا الجمع من الناس ولكن من الممكن أن يكون هناك عدد اقصى مسموح به فلا يتم التصريح بالحق في التظاهر لعدد أقصى من الحد المسموح به قانوناً، ولكن نشير في تلك الجزئية لأن الواقع العمل في تلك المسالة يشير إلى أنه من الصعب أن يتم تحديد معيار لعدد المتظاهرين، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هناك حد أدنى لعدد المتظاهرين أو أن يتم ضبط العدد الأقصى وإلا فإن تدخلت الدولة في تحديد الحد الأقصى وتحجيم المتظاهرين سوف يؤدي الأمر في النهاية إلى كارثة كبرى قد تؤدي الى إراقة الدماء وإلى الزج بكثير من المتظاهرين في المعتقلات.

ب- عمومية المكان.

كما مر سابقًا أن من شروط التظاهر أن يكون هناك جمع من المتظاهرين فبالتالي إن عمومية المكان وهو أن يكون المتظاهرين أو أن يكون التظاهر في مكان عام، وهو أمر طبيعي لأنه بالمنطق كيف يمكن أن تتم عملية التظاهر في أي مكان ؟.

والمكان العام هو كل مكان ممهد كالطرقات العامة والأماكن المفتوحة التي تسمح بوجود عدد من المتظاهرين وبالتالي فإن الأماكن المغلقة لا تعد من قبيل الأماكن العامة والتي لا تتم عملية التظاهر من خلالها.

ت- مشروعية المطالب:

إن مشروعية المطالب كحق من حقوق التظاهر أمر طبيعي فمن البداهة أن نقر بأن للإنسان الحق في التظاهر ونطالب التشريعات والمواثيق لحماية هذا الحق وممارسته بصورة لا تشكل أي ضغوط على من يمارس هذا الحق، وبالتالي لا توضع القوانين ولا تقرر المواثيق إلا من خلال حقوق مشروعة، فلا يصح أن تتم التظاهرات أو أن يتم المطالبة بحقوق غير مشروعة مخالفة للقوانين والآداب العامة وندعي أنها من قبل حقوق الإنسان التي ينبغي على الدولة أن تحميها عن طريق القوانين أو عن بواسطة المجتمع الدولي عن طريق المواثيق التي يقرها والمعاهدات التي تبرمها الدول مع بعضها البعض.[4]

وبالتالي فلا يجوز أن يكون التظاهر من أجل المطالبة بمطالب مخالفة للقانون وتفتقد المشروعية كما لا يجوز لها أيضًا أن تخالف الأداب والتقاليد المجتمعية.

فعلى سبيل المثال لا يجوز التمسك بالحق في التظاهر في دولة مسلمة من أجل المطالبة بحقوق المثليين فهذا أمر مخالف لقوانين الدولة ولقيم المجتمع وتقاليده وأعرافه.

ث- عدم الإضرار بمؤسسات الدولة:

وهذا شرط كسابقه من حيث المضمون  فمؤسسات الدولة هي ملك لكافة أفراد الشعب وبالتالي لا يجوز بحال من الأحوال ممارسة الحق في التظاهر مع الإضرار بمؤسسات ومقدرات الدولة .

إن التظاهر كحق من حقوق الإنسان أقرته التشريعات الداخلية والمواثيق الدولية ولكن لا يجب أن يترتب على ممارسة هذا الحق الإضرار بمصالح الدولة والإضرار بمصالح المواطنين كمن يدعوا  للتظاهرات  في الطرق المؤدية لمصالح العمال وأن يؤدي إلى تعطيل حركة المواصلات أو أن يتم الإضرار بمرافق الدولة من خلال تعطيلها أو عدم تمكين الموظفين من الذهاب إلى أعمالهم نتيجة تلك التظاهرات التي يقومون بها فكل هذه الأمور تؤدي بالطبع إلى الإضرار بمصالح الدولة كما أنها تفرغ القانون من مضمونه وهذا الأمر تحديدا هو سياج في يد الدولة على المواطنين ودائما ما تحتج الدولة بأن التظاهرات ما هي إلا تعطيل لمصالح الدولة، فيجب على من يقومون بالتظاهر أن يفطنوا لتلك المسألة وألا يتعرضوا لمؤسسات الدولة وأن يطالبوا بحقوقهم بشكل سلمي متحضر لا يخالف القوانين ولا الأعراف.[5]

ج- الحصول على تصريح مسبق:

هذا الشرط هو شرط لا نعلم هل من الممكن أن تتم ممارسة الحقوق من خلال هذا الشرط، وهو عبارة عن أنه اشترط للتظاهر في بعض القوانين أن يتجه القائمين على التظاهر إلى السلطات المختصة من أجل الحصول على تصريح بالتظاهر، وفي الغالب الأعم تكون السلطة المختصة هي وزارة الداخلية داخل الدولة هي التي من حقها أن تعطي التصريح.

 ثانياً: الحق في التظاهر في القوانين والمواثيق الدولية.[6]

لم تكتف القوانين والتشريعات الداخلية بالنص على حق الإنسان في التظاهر ولكن لما من هذا الحق من ارتباط وثيق بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية فكان لابد للمجتمع الدولي أن يقر هذا الحق أيضا بين نصوصه ومواثيقه عن طريق إعلانات ومواثيق يصدرها وتكون ملزمة للدول  أعضاء المجتمع الدولي أيًا كان الشكل الذي يصدر به هذا الحق، إما من خلال إعلانات أو مواثيق أو معاهدات يلتزم بها جميع الدول الأعضاء في المجتمع الدولة.

  • وبالتالي إن الحق من التظاهر قد ورد في العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية وعلى سبيل المثال منها نجد أن القانون الدولي لحقوق الإنسان والذي نص على حق التظاهر فيه بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تتصف بالعمومية والتجريد والتي ارتضتها الجماعة الدولية وقامت بإصدارها في صورة معاهدات دولية ملزمة بغرض حماية حقوق الإنسان بوصفه إنسان وعضو في الجماعة الدولية من عدوان سلطته الحاكمة أو تقصيرها، وبالتالي تحتل الحد الأدنى من الحماية التي لا يجوز للدول الأعضاء النزول عن الحد الأدنى لها أو التحلل من التزاماتها عدا الاستثناءات التي أقرها القانون.

سنستعرض فيما يلي أهم ما ورد في المواثيق والقوانين الدولية بشأن حماية حق التظاهر.

2-الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 من خلال توصية اللجنة التحضيرية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي المتعلقة بتشكيل لجنه حقوق الإنسان مقدمة هذا الإعلان العديد من الحقوق الأساسية للإنسان باعتباره إنسان ومن ضمن هذه الحقوق الحق في التعبير وحرية الراي والتي لا شك أنه يندرج ضمنها الحق في التظاهر.[7]

2- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

كان اتجاه الأمم المتحدة بعد إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لمنظور آخر وهو تحويل المبادئ التي أقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى قواعد قانونية دولية من خلال المعاهدات تلتزم بها الدول فتم النص عليها باعتبار عنايه من الحقوق السلبية ، التي تلتزم الدول بعدم التدخل في ممارستها.

  • وبناء عليه تم النص في المادة( 21 ) من هذا العهد بأن يكون الحق في التجمع السلمي معترف به ولا يجوز أن توضع قيود على ممارسه هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقا للقانون وتشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي لصيانه الأمن الوطني والسلامة العامة أو النظام العام أو حمايه الصحة العامة أو الأداب العامة أو حمايه حقوق الأخرين وحرياتهم.

3- الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

  • هذه الاتفاقية صدرت عام 1965 في حادث هذه الاتفاقية على حماية حق الإنسان وكرامته وحريته والتأكيد لما جاء بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان فقد نصت هذه الاتفاقية في المادة الخامسة على للأفراد على قدم المساواة التمتع بالحقوق والحريات العامة، وفي الفقرة( ٨، 9) نصت على حريه الرأي والتعبير والحق في حرية الاجتماع السلمي.[8]

4- اتفاقية حقوق الطفل.

إن المتتبع للأمر يجب أنه قد حدثت نقلة نوعية في حماية الحقوق والحريات فلم يقتصر على حماية حقوق البالغين في التجمع السلمي ولكن امتد ليشمل أيضا حق الأطفال في تكوين التجمعات، حيث تنص المادة 15 على أن تعترف الدول الأطراف بحقوق الطفل في حرية تكوين الجمعيات وحرية الاجتماع السلمي ولا يجوز تقييد ممارسة هذه الحقوق بأي قيود غير تلك القيود المفروضة طبقًا للقانون، والتي تقتديها الضرورة في مجتمع ديمقراطي لصيانة الأمن الوطني والسلام العام أو النظام العام أو لحماية الصحة العامة أو الأداب العامة أو لحماية حقوق الغير وحرياتهم .

ثالثًا: التظاهر في القانون الأردني .

إن مملكة الأردن قد شهدت تطورًا جذريًا في مجال الحريات العامة الأمر الذي تم نتيجة التعديل الجوهري الذي تم إدخاله على قانون الاجتماعات العامة رقم ٧ لسنة 2004 وتعديلاته لكي يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، فقد كان لابد من موافقة الحاكم الإداري لعقد الاجتماعات العامة وتنظيم المسيرات والاكتفاء بمجرد إشعار يقوم من قبل من يقومون بتنظيم الاجتماع موضح فيه الزمان والمكان وأسماء المنظمين والهدف منها، فهذا الأمر قد تم إلغائه، فقد أتى هذا التعديل لكي يتوافق مع الدستور الأردني، والذي في المادة( 16) منه قد كفل الحق في التجمع السلمي دون فرض قيود أو استثناءات عليه فلا يتم فرض شروط من خلال القانون تقيد ممارسة هذا الحق .[9]

  • ولكن على الرغم من هذا التطور الهائل في نطاق احترام الحقوق والحريات واحترام الدستور ومؤكداً لنفاذ التزامات الأردن الدولية طبقًا للقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية التي كانت طرفًا فيها، هو في مقدمتها العهد الدولي لحقوق الإنسان الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ولكن هذا الأمر قد شهد انتقاص كبير في حقوق الإنسان في ممارسة هذا الحق بل في بعض الأحيان قد تم إهداره، والمثال على ذلك ما حدث في الأردن عام 2018 من منع بعض الفعاليات بما يقارب من الثمان فعاليات عكس عام 2017 من منع ثلاث عشرة فعالية، وغير ذلك مما يهدد الحق في التجمع السلمي والحرية في التعبير شريطة عدم مخالفه القانون فلا يحق للدولة أن تقنع المظاهرات السلمية طالما أنها في اطار سلمي ولا يخالف أحكام القانون والمواثيق الدولية التي أقرتها ويجب على الدول احترامها.[10]
  • وتأسيساً على ما تقدم نجد القضاء الأردني داعماً لحرية التعبير والاجتماع والحق في التظاهر ولكن بشرط عدم الإساءة لأي فرد أو مؤسسة أو التجمهر غير المشروع، وذلك كمثال الحكم رقم 4965 لسنة 2021 الصادر من محكمة صلح جزاء الزرقاء الصادر بتاريخ 27-2-2022 حيث جاء في حيثيات الحكم أنه: ( بناءً على قرار الإحالة الصادر في ملف الدعوى التحقيقية رقم 3037/2021 بتاريخ 13/6/2021 ملخص وقائعها بتاريخ 5 /5/2021 بقيام المشتكى عليه ببث مقطع فيديو أثناء مشاركته بالتجمع قرب الحدود الأردنية وقيامه بتصوير أفراد القوات المسلحة /حرس الحدود والإساءة لقوات المسلحة.

وانتهت المحكمة بقولها: تقتضي جريمة القيام بتجمهر غير مشروع إتيان سلوكاً إيجابياً من قبل سبعة أشخاص فأكثر وذلك بالقيام بالتجمع والاجتماع في مكان معين وأن يكون السلوك المادي المخالف للقانون قد صدر عنهم بغية ارتكاب جرم ، أو كانوا مجتمعين بقصد تحقيق غاية مشتركة فيما بينهم وأن يقوموا بأفعال من شأنها أن تحمل الغير على التوقع أن تكون أفعالهم هذه تفضي إلى خلق شرخ في الأمن العام المجتمعي ونشوء حالة من التوتر وعدم الاستقرار ومن صور الأفعال المادية التي أوردها النص أنهم يرمون من خلال تجمهرهم هذا خلق حالة استفزاز بدون ضرورة أو سبب معقول لدى أشخاص آخرين للإخلال بالأمن العام وذلك من خلال القيام بتشجيع أشخاص آخرين على مشاركتهم في التجمهر ، وإنّ النتيجة الجرمية جراء القيام بهذه الأفعال المادية تتمثل بتقويض الأمن والنظام العام والإخلال به .

وتأسيسا على ما تقدم تقرر المحكمة:

  1. عملا بأحكام المادة177 )) من قانون أصول محاكمات الجزائية إدانة المشتكى عليه بجرم التجمهر غير المشروع بحدود المواد 165 )و164 ) من قانون العقوبات وإدانة سندا لإحكام المادة بالغرامة 25 دينار والرسوم
  2. عملا بإحكام المادة(  177 )من قانون اصو محاكمات الجزائية إدانة المشتكى عليه بجرم ذم هيئة رسمية بحدود المادة191 )) من قانون العقوبات وإدانة سندا لأحكام المادة بالحبس ثلاث اشهر والرسوم .
  3. عملا بأحكام المادة72 )) من قانون العقوبات تنفيذ العقوبة الشاد الصادرة بحق المشتكى عليه وهي الحبس ثلاث اشهر والرسوم[11] .(

رابعا: أهم ما ورد من ملاحظات على هذا الموضوع .

إن كافة الإعلانات والمواثيق الدولية لم تعطي تعريفاً دقيقا للتظاهر، وبالتالي تم ترك الأمر للفقه من أجل وضع تعريفاً للتظاهر ،الأمر الذي أدى أيضا إلى اختلاف الفقه في تعريف التظاهر ، حيث ذهب جانب من الفقه الى أن مفهوم التظاهر يندرج أو يدخل ضمن مفهوم حريه الشخص في  الاجتماع ،لأنه عبارة عن تجمع اكبر عدد من الأشخاص بينما بجانب أخر من الفقه أن مفهوم التظاهر يدخل ضمن حريه الراي والتعبير وهذا ما يجد النص عليه في المادة( 19 ) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

  • من الملاحظ أيضا أنه من الممكن أن يتم ارتكاب جرائم أثناء عملية التظاهر السلمي والذي يخرج عملية التظاهر عن كونها سلمية الأمر الذي قد يجعل مرتكب هذه الجرائم يدخل تحت مسؤولية  جنائية دوليه حيث أن هذه الجرائم تعتبر جرائم ضد الإنسانية وأنها تكون ضد أشخاص بأعينهم كان يتم ارتكاب الجرائم ضد فئة بالكلية، ويكون الاعتداء عليهم على نطاق واسع مما يجعل مرتكب هذه الجرائم يخضع للمحكمة الدولية الجنائية طبقا لحالات النصوص عليها في النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية والذي ينص على انه في حاله ارتكاب أية جريمة من الجرائم الأربعة وهي الجرائم ضد الإنسانية والجرائم العدوان والجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب فتلك الأربعة جرائم لخطورتها الشديدة تختص بها  المحكمة الدولية الجنائية دون غيرها.
  • كما يلاحظ أيضا أنه توجد آليات حقيقية قد تم النص عليها في العديد من المواثيق والقوانين الداخلية حتى التشريعات الإقليمية والمواثيق الدولية فقد ورد بها تنظيم الحق بالتظاهر السلمي والعمل على عدم تعطيل هذا الحق وتفعيله، ومن أبرز هذه الاتفاقيات الدولية هي المعاهدة الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، وليس على المستوى الدولي فحسب ولكن أيضا على المستوى الإقليمي نجد الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الإفريقية، فهذه الأليات تتيح للأشخاص وتبيح لهم حق تقديم الشكاوى عن الانتهاكات التي ترتكب في حقوقهم والقيود التي تفرض عليهم

  • في حالة خروج المظاهرات عن السلمية نمني النفس أنه يجب على قوات الأمن مراعاة بعض القواعد التي يتم العمل بها على التعامل مع التظاهرات التي خرجت عن الاطار المحدد لمفهوم التظاهر السلمي ويجب عليهم أن يتحلوا بأقصى درجات ضبط النفس وحسن التعامل مع ذلك الأمر فلا يتم اللجوء الى العنف أو الاستخدام المفرط للقوه ضد أفراد المظاهرة حيث أن ذلك سيؤدي الى أضرار يصعب تداركها من قتل للمتظاهرين وكر وفر بينهم، فقد يصل الأمر الى أمور لا يحمد عقباها، ويفضل أن يتم العمل على إيجاد حلول بديلة للعنف في التعامل مع تلك الأمور كأن يتم مثلاً تحذير المتظاهرين بأن يقوموا بفضل المظاهرة وذلك اكثر من مرة فإن لم يتم الاستجابة إلى ذلك من قبل المتظاهرين يتم استخدام المياه مثلاً لتفريقهم وفض التظاهر وإن لم يأتي ذلك بفائدة يتم التهديد باستخدام العصي مثلاً فان لم يستجب أيضا يتم استخدام قنابل الغاز أو قنابل دخان، وفي الأخير ممكن أن يتم استخدام قنابل مسيلة للدموع.

  • وفي حالة لم يتم فض التظاهر بأي من تلك الأساليب السابق ذكرها من الممكن أن يتم استخدام الرصاص المطاطي ولكن يكون تحت الحزام بأن يتم توجيه الرصاص إلى الإقدام مثلاً أو من قبل أن يتم اطلاق الرصاصات المطاطية فوق المتظاهرين إن لم يتم الاستجابة لذلك توجه إلى الأقدام ويتم منع أو يحظر توجيه الرصاص المطاطي لمنطقة البطن أو الصدر.

  • ويحظر مطلقاً استخدام الرصاص الحي إلا بأمر من القائد الميداني بعد الرجوع للسلطات المختصة.

  • إعداد د: عبد الغني عطية

    [1] احمد حافظ نجم، حقوق الإنسان بين القرآن والإعلان، دار الفكر العربي، القاهرة، 1983

    [2] سعد محمد الخطيب، أسس حقوق الإنسان في التشريع الديني والدولي، منشورات الحلبي، بيروت، 2010

    [3] دكتور حسين محمد سكر، حرية الاجتماع، أطروحة دكتوراة مقدمه لكليه الحقوق جامعه النهرين، 2006

    [4] دكتور علي صادق أبو هيف، القانون الدولي لحقوق الإنسان، دراسة مقارنة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2008

    [5] منى محمود مصطفى، القانون الدولي لحقوق الإنسان، دار النهضة العربية، القاهرة، 1989

    [6] دكتور علي صادق أبو هيف، مرجع سابق.

    [7] دكتور احمد حافظ نجم، مرجع سابق

    [8] دكتور سعد محمد الخطيب، مرجع سابق

    [9] دكتور منى محمود مصطفى، مرجع سابق

    [10] دكتور حسين محمد سكر، مرجع سابق

    [11] الحكم رقم 4965 لسنة 2021 ، صلح جزاء الزرقاء، الصادر بتاريخ 2022-02-27

    Scroll to Top