الدفع بعدم الدستورية
مما لا شك فيه أن القواعد الدستورية تسمو القواعد القانونية لذلك يجب أن تكون جميع القوانين والأنظمة على اختلاف أنواعها غير مخالفة للدستور، ومن ثم أعطى الدستور للسلطة القضائية الحق في رقابة القوانين والأنظمة وجعل من بين طرق تحريك الرقابة القضائية على دستورية القوانين والأنظمة هي الدفع بعدم الدستورية وهو ما سوف نتحدث عنه تفصيلاً في المقال في النقاط التالية:
أولاً: المقصود بالدفع بعدم الدستورية
ثانياً: شروط الدفع بعدم الدستورية
ثالثاً: إجراءات الدفع بعدم الدستورية
رابعاً: حجية الحكم الصادر بالدفع بعدم الدستورية
خامساً: بعض التطبيقات القضائية لمحكمة التمييز الأردنية بشأن الدفع بعدم الدستورية
أولاً: المقصود بالدفع بعدم الدستورية
يقصد بالدفع بعدم الدستورية: “منح الحق للخصوم بالدفع بعدم دستورية أي نص في القانون أو في النظام الواجب التطبيق على دعوى منظورة أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي.”[1]
فالدفع بعدم الدستورية هو إحدى طرق تحريك الرقابة القضائية على دستورية القوانين حيث أن الرقابة القضائية على دستورية القوانين والأنظمة إما أن تتم عن طريق دعوى أصلية مباشرة أو عن طريق دعوى غير مباشرة.
- والدعوى الأصلية المباشرة تتمثل في قيام صاحب الشأن في رفع دعوى مباشرة أمام المحكمة الدستورية من أجل إلغاء نص قانوني غير دستوري فتحكم المحكمة بحكم قطعي بإلغاء هذا النص إذا تأكدت من عدم دستوريته، إلا أن هذا الطريق مقتصر فقط على السلطات العامة المتمثلة في مجلس الأعيان ومجلس النواب بعد موافقة ما لا يقل عن ربع عدد الأعضاء، ومجلس الوزراء طبقاً لنص (المادة60/1) من الدستور الأردني.
-
أما الدعوى الغير مباشرة أو الدفع بعدم الدستورية فيتمثل في قيام صاحب الشأن بالدفع أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية النص القانوني المراد تطبيقه على النزاع فإذا رأت محكمة الموضوع جدية الدفع أحالت الأمر للمحكمة الدستورية لتفصل في مدى دستورية النص القانوني من عدمه فإن كان غير دستوري قضت بإلغائه، وقد أكدت على ذلك نص (المادة 60/2) من الدستور الأردني بقولها: “2. في الدعوى المنظورة أمام المحاكم يجوز لأي من أطراف الدعوى إثارة الدفع بعدم الدستورية وعلى المحكمة إن وجدت أن الدفع جدي تحيله إلى المحكمة الدستورية وفق أحكام القانون.”
ثانياً: شروط الدفع بعدم الدستورية
يجب توافر عدة شروط ليكون الدفع بعدم الدستورية صحيحاً وقد بينت (المادة 11) من قانون المحكمة الدستورية الأردني هذه الشروط بعد أن أحالت (المادة 61/3) من الدستور الأردني إليها بيان شروط وإجراءات الطعن أمام المحكمة الدستورية الأردنية، وسوف نبين في النقاط التالية هذه الشروط:[2]
1- أن تكون هناك دعوى قضائية منظورة أمام إحدى المحاكم
يجب أولاً أن تكون هناك دعوى مرفوعة أمام المحكمة التي تنظر النزاع إذ لم يسمح المشرع الأردني للأفراد برفع دعوى مباشرة أمام المحكمة الدستورية، وإنما قصر هذا الحق على مجلس الأعيان ومجلس النواب وكذلك مجلس الوزراء، وسمح لغير هذه الجهات وللأفراد إثارة الدفع بعدم الدستورية أمام المحكمة الدستورية بالطريق الغير المباشر أثناء نظر النزاع المعروض على محكمة الموضوع.
2- أن يثار الدفع من أحد أطراف الدعوى
فيجب أن يكون الدفع مثاراً من أطراف الدعوى المنظورة أمام محكمة الموضوع ولا يملك غير أطراف الدعوى إثارة مثل هذا الدفع وهو ما أكدت عليه (المادة 11/1) من قانون المحكمة الدستورية بقولها: “1.لأي من أطراف دعوى منظورة أمام المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها الدفع بعدم دستورية أي قانون أو نظام واجب التطبيق على موضوع الدعوى.”
3-أن ينصب الدفع على قانون أو نظام
بينت (المادة 11/1) من قانون المحكمة الدستورية الأردني بأن موضوع الدفع بعدم الدستورية يكون مقتصراً فقط على القوانين والأنظمة التي تكون واجبة التطبيق، ويقصد بالقوانين : ” جميع القواعد القانونية العامة والمجردة الصادرة عن السلطة التشريعية أو قوانين مؤقتة صادرة عن السلطة التنفيذية ضمن شروط وضوابط إصدارها.”
ويقصد بالأنظمة: جميع أنواع الأنظمة سواء أكانت أنظمة مستقلة أو أنظمة تنفيذية أو أنظمة الضبط أو أنظمة الضرورة.
- ويشترط أن تكون القوانين والأنظمة التي يثار الدفع بعدم دستوريتها نافذة وقت الدفع بعدم دستوريتها أمام محكمة الموضوع وهو ما نصت عليه (المادة4/أ) من قانون المحكمة الدستورية الأردني بقولها: “تختص المحكمة بما يلي: أ. الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة.”
وبناء على ذلك إن كان الدفع الذي أثير من أحد الخصوم أثناء نظر الدعوى الموضوعية بعدم دستورية نص قانوني غير نافذ فإن المحكمة تقضي بعدم الاختصاص أو برد الدفع من الناحية الشكلية، وقد أكدت على ذلك المحكمة الدستورية الأردنية في حكمها رقم 1لسنة 2016 الصادر بتاريخ 30/3/2016 بقولها: “..بعد التدقيق والمداولة وبالرجوع إلى نظام أسواق الجملة للخضار والفواكه رقم 42لسنة 2014 وتعديلاته والذي صدر استناداً إلى قانون البلديات رقم 13لسنة 2011 نجد أن (المادة19) من هذا النظام تضمنت صراحةً إلغاء نظام أسواق الجملة رقم 47لسنة 2004 محل الطعن، وحيث أن المحكمة الدستورية وفقاً للفقرة الأولى من (المادة 59) من الدستور تختص بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة دون غيرها.. فإن محكمتنا تكون غير مختصة في الطعن المقدم في هذه الدعوى بما يتعين معه رده من حيث الشكل.”
وعلى الرغم مما سبق يوجد بعض الأعمال القانونية التي لا تخضع للرقابة القضائية وفقاً لرأي بعض الفقه والقضاء ومنها:
1- أعمال السيادة:
يقصد بأعمال السيادة هي تلك الأعمال الصادرة عن السلطة التنفيذية بوصفها جهة حكم لا جهة إدارة تختص بسيادة الدولة داخلياً وخارجياً، وهذه الأعمال المتعلقة بسيادة الدولة داخلياً وخارجياً تخرج عن نطاق الرقابة القضائية فإذا أثير دفع بعدم دستورية مثل هذه الأعمال أمام محكمة الموضوع ثم أحيل إلى المحكمة الدستورية وتبين لها أنها تتعلق بأعمال السيادة يتعين عليها القضاء بعدم الاختصاص.
2- المعاهدات الدولية:
يقصد بالمعاهدات الدولية اتفاق بين دولتين أو أكثر على تنظيم العلاقات فيما بينهما وتعتبر من أعمال السيادة، وهذه المعاهدات الدولية بعد التصديق عليها ونشرها تصبح نافذة ويتعين على الجهات القضائية تطبيقها وتصبح في حكم التشريع العادي أو أعلى منه إذا كان هناك تعارض بينها وبين التشريع الداخلي.
- ولم ينص المشرع الأردني على مدى إخضاع المعاهدات الدولية للرقابة الدستورية إلا أن بعض الفقه يرى ضرورة إخضاع هذه المعاهدات الدولية للرقابة الدستورية، وقد أخذ القضاء المصري بهذا الاتجاه وأخضع المعاهدات الدولية للرقابة الدستورية حيث قضت المحكمة الدستورية العليا المصرية في الطعن رقم 10لسنة 14قضائية دستورية في الجلسة الصادرة بتاريخ 19/6/1993 بدستورية معاهدة إنشاء المصرف العربي الدولي.
3- الأنظمة البرلمانية
يقصد بالأنظمة البرلمانية: هي اللوائح القانونية الصادرة عن مجلس الأعيان ومجلس الأمة من أجل تنظيم العمل الداخلي فيها.
- ويرى بعض الفقه القانوني أنه يجب إخضاع الأنظمة البرلمانية للرقابة الدستورية استناداً لعمومية نص (المادة 59/1) من الدستور الأردني بقولها: “1.تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة..” وكذلك نص (المادة4/أ) من قانون المحكمة الدستورية الأردني بقولها: “تختص المحكمة بما يلي: أ. الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة.” فهذه النصوص كانت عامة ومطلقة من غير قيد وبناءً على ذلك يجب إخضاع جميع الأنظمة أياً كان نوعها للرقابة الدستورية.
أ- أن يكون الدفع جدياً
حتى يمكن إحالة الدفع بعدم دستورية النص القانوني المقدم من أحد طرفي النزاع أمام محكمة الموضوع إلى المحكمة الدستورية ينبغي أن يكون هذا الدفع جدياً، ويجب على محكمة الموضوع أن تتأكد من جدية الدفع بعدم الدستورية المقدم إليها طبقاً لنص (المادة 60/2) من الدستور الأردني بقولها: “2. في الدعوى المنظورة أمام المحاكم يجوز لأي من أطراف الدعوى إثارة الدفع بعدم الدستورية وعلى المحكمة إن وجدت أن الدفع جدي تحيله إلى المحكمة الدستورية وفق أحكام القانون.”، وكذلك نص (المادة11/ج/1) من قانون المحكمة الدستورية الأردني بقولها: “ج.1.مع مراعاة أحكام الفقرة (د) من هذه المادة إذا وجدت المحكمة الناظرة للدعوى أن القانون أو النظام الذي أثير الدفع بعدم دستوريته واجب التطبيق على موضوع الدعوى وأن الدفع بعدم الدستورية جدي توقف النظر في الدعوى وتحيل الدفع إلى محكمة التمييز لغايات البت في أمر إحالته إلى المحكمة، ويكون قرار المحكمة الناظرة للدعوى بعدم الإحالة قابلاً للطعن مع موضوع الدعوى.”
ويشترط لاعتبار الدفع بعدم الدستورية دفعاً جدياً الشروط التالية:
أ- أن يكون الفصل في الدفع منتجاً
فيجب أن يكون النص القانوني الذي دفع أحد الخصوم بعدم دستوريته لازماً للفصل في موضوع النزاع بجانب أن يكون الخصم الذي أثار هذا الدفع ذا مصلحة في الحكم بعدم دستوريته.
أما إن كان الأمر على خلاف ذلك بأن كان النص غير لازم للفصل في موضوع النزاع أو لم يكن للخصم مصلحة في هذا الدفع فيتعين على محكمة الموضوع أن ترفض إحالة الدفع للمحكمة الدستورية، وقد أكدت المحكمة الدستورية الأردنية على شرط أن يكون الفصل في الدعوى منتجاً في الحكم رقم 1لسنة 2014الصادر بتاريخ 15/5/2014 بقولها: “يجب أن يكون النص المطعون بعدم دستوريته واجب التطبيق على موضوع الدعوى الأصلية التي أثير الدفع بعدم الدستورية من خلالها وأثناء نظرها وحيث أن النصوص المطعون فيها في واقع الأمر وحقيقة الواقع ليس من ضمن النصوص الواجبة التطبيق على الدعوى الأصلية ولا ترتبط بها فإن الطعن بهذه النصوص يكون غير مقبول قانوناً ويتعين رده شكلاً لذا نقرر رد الطعن شكلاً.”
ويشترط في المصلحة التي تكون للخصم الذي أثار الدفع بعدم الدستورية عدة شروط حتى تكون مقبولة وهي:
1- ارتباط المصلحة في الدعوى الدستورية بالمصلحة في الدعوى الموضوعية
فيجب أن تكون المصلحة في الدعوى الدستورية التي يرغب الخصم في إقامتها وكذلك المصلحة في الدعوى الموضوعية واحدة بحيث يكون النص القانوني الذي دُفع بعدم دستوريته سيطبق في النزاع على الخصم الذي أثار هذا الدفع ومن شأن تطبيق النص القانوني الغير دستوري عليه إلحاق ضرر به أو تهديد بإلحاق ضرر به فيدفع بعدم دستوريته لإزالة هذا الضرر.
2- أن تكون المصلحة قانونية وشخصية ومباشرة
ويقد بالمصلحة القانونية: أنها تستند إلى مركز قانوني يحميه الدستور، بحيث يكون النص الذي دفع بعدم دستوريته يخل بحق كفله الدستور للخصم الذي أثار هذا الدفع.
أما المصلحة الشخصية والمباشرة فيقصد بها: أن النص القانوني الغير دستوري من شأنه أن يلحق ضرر مباشر الخصم الذي سيطبق عليه هذا النص، وقد أكدت على هذا المعنى المحكمة الدستورية الأردنية في الحكم رقم 1لسنة 2013الصادر بتاريخ 7/3/2013 بقولها: “..إن مناط المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية وهي شرط قبولها أن يكون هناك ارتباط بينها وبين موضوع الدعوى.”
3-أن تكون المصلحة قائمة
أي أن النص المطعون فيه بعدم الدستورية قد ألحق ضرراً بالخصم الذي أثار الدفع فيه بعدم الدستورية لاعتدائه على مركز قانوني يحميه الدستور، إلا أن بعض الفقه القانوني يرى أنه لا يلزم وقوع الضرر بالفل بل يكفي أن يكون هذا الضرر محتملاً بحيث تكون المصلحة محتملة وليست قائمة.
4- وجود شبهة في دستورية النص المطعون فيه
فيجب على محكمة الموضوع حينما يثار أمامها دفع بعدم دستورية أحد النصوص القانونية التي ستطبق في موضوع الدعوى أن تنظر في مدى دستوريته من عدمه بحيث إن شكت في عدمت دستوريته أحالت الدفع إلى محكمة التمييز الأعلى منها حتى تتثبت هي الأخرى من دستورية النص القانوني محل الدفع من عدمه، فإن رأت وجود شبهة في دستوريته أحالته للمحكمة الدستورية صاحبة الاختصاص في الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة للبت في دستورية هذا النص، أما إن رأت محكمة الموضوع عدم وجود شبهة في دستورية النص القانوني الذي دفع بعدم دستوريته فإنها لا تحيل أمر هذا الدفع لمحكمة التمييز، ولكن يمكن للخصم الذي أثار هذا الدفع أن يطعن على قرار محكمة الموضوع برفض الدفع بعدم الدستورية عند الطعن على موضوع الدعوى.
- وقد أكدت على ذلك نص المادة(11/ج/1) من قانون المحكمة الدستورية الأردني بقولها: “ج.1.مع مراعاة أحكام الفقرة (د) من هذه المادة إذا وجدت المحكمة الناظرة للدعوى أن القانون أو النظام الذي أثير الدفع بعدم دستوريته واجب التطبيق على موضوع الدعوى وأن الدفع بعدم الدستورية جدي توقف النظر في الدعوى وتحيل الدفع إلى محكمة التمييز لغايات البت في أمر إحالته إلى المحكمة، ويكون قرار المحكمة الناظرة للدعوى بعدم الإحالة قابلاً للطعن مع موضوع الدعوى.”
5- رفع الدعوى الدستورية خلال الميعاد المحدد
لم يحدد المشرع الأردني ميعاد محدد لرفع الدعوى الدستورية أمام المحكمة الدستورية وإنما ألزم محكمة الموضوع التي أثير أمامها الدفع بعدم دستورية النص القانوني أن تحيل هذا الدفع إلى محكمة التمييز إن رأت وجود شبهة في دستورية هذا النص وإذا وجدت محكمة التمييز وجود شبة أيضاً في دستوريته أحالته بدورها إلى المحكمة الدستورية للفصل فيه.
أما التشريع المقارن كالمشرع المصري فقد ألزم الطاعن برفع الدعوى أمام المحكمة الدستورية خلال ثلاثة أشهر بعد أن تقدر محكمة الموضوع جدية الدفع فإذا لم يقم برفع الدعوى أمام المحكمة الدستورية خلال المدة المحددة اعتبر الدفع كأن لم يكن طبقاً لنص (المادة 29/ب) من قانون المحكمة الدستورية العليا.
ثالثاً: إجراءات الدفع بعدم الدستورية
لقد أحالت (المادة61/3) من الدستور الأردني لقانون المحكمة الدستورية بيان الإجراءات المتعلقة بالدفع بعدم الدستورية وهذه الإجراءات تنقسم إلى إجراءات الدفع أمام محكمة الموضوع وأخرى أمام المحكمة الدستورية وسوف نبين تفصيل ذلك في النقاط التالية:[3]
أ- إجراءات الدفع أمام محكمة الموضوع
إذا أثير دفع من قبل أحد أطراف الدعوى بعدم دستورية نص قانوني أمام محكمة الموضوع فينبغي اتباع الإجراءات القانونية التالية:
1- تقديم الدفع بعدم الدستورية بموجب مذكرة خطية
إن أول إجراء قانوني ينبغي للخصم الذي يرغب في الدفع بعدم دستورية نص قانوني متعلق بموضوع النزاع هو تقديم مذكرة خطية يذكر فيها الدفع الذي يثيره بحيث يجب بيان اسم القانون أو النظام الوارد به النص القانوني ورقمه، وكذلك النص القانوني الذي دفع بعدم دستوريته، وقد أكدت على ذلك (المادة11/ب) من قانون المحكمة الدستورية بقولها: “ب. يقدم الدفع بعدم الدستورية أمام المحكمة الناظرة للدعوى بموجب مذكرة يبين فيها الطاعن اسم القانون أو النظام الذي أثير الدفع بعدم دستوريته ورقمه ونطاق الدفع بصورة واضحة ومحددة وما يؤيد ادعاءه بأن ذلك القانون أو النظام واجب التطبيق على موضوع الدعوى ووجه مخالفته للدستور، ويجوز لأي طرف آخر في الدعوى تقديم رده خلال المدة التي تحددها تلك المحكمة على أأن لا تزيد على خمسة عشر يوماً من تاريخ تقديم مذكرة الدفع بعدم الدستورية.”
- و إذا قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع المقدم إليها بعدم دستورية النص القانوني محل الدفع فإنها تحيله إلى محكمة التمييز لتتأكد من شبهة دستوريته، ويلتزم الطاعن حينئذ بسداد رسوم مقداره (50) ديناراً طبقاً لنص ( المادة2)من نظام رسوم الدفع بعدم الدستورية الأردني لسنة 2019بقولها: “يستوفى رسم مقداره خمسون ديناراً من مقدم الدفع بعدم دستورية أي قانون أو نظام.”، وكذلك (المادة3) من ذات النظام بقولها: “تستوفي المحكمة الناظرة للدعوى الرسم المنصوص عليه في (المادة2) من هذا النظام عند إحالة الدفع بعدم الدستورية إلى محكمة التمييز.”
2-تقديم مذكرة إلى محكمة التمييز
لقد نصت (المادة11/ج/2) من قانون المحكمة الدستورية الأردني على حق أطراف الدعوى تقديم مذكرة إلى محكمة التمييز عند إحالة الدفع بعدم الدستورية من محكمة الموضوع إليها خلال 15 يوم من تاريخ إحالة الدفع.
وتقوم محكمة التمييز بالتأكد من جدية الدفع المقدم إليها بعدم دستورية النص القانوني فتنعقد بهيئة مكونة من ثلاثة أعضاء على الأقل وتصدر قرارها خلال 30يوماً من تاريخ ورود الدعوى إليها، فإذا تبينت وجود شبهة دستورية في النص القانوني أحالته للمحكمة الدستورية للفصل في الأمر وتبلغ أطراف الدعوى بأمر الإحالة وهو ما أكدت عليه (المادة11/ج/3) من قانون المحكمة الدستورية الأردني، ويسترد الطاعن الرسم الذي دفعه وفقاً لنص (المادة4) من نظام رسوم الدفع بعدم الدستورية الأردني لسنة 2019.
ب- إجراءات نظر الدفع أمام المحكمة الدستورية
إذا تثبتت محكمة التمييز من جدية الدفع المحال إليها من محكمة الموضوع بشأن عدم دستورية النص القانوني محل الدفع فإنها تحيل الدعوى إلى المحكمة الدستورية لتباشر اختصاصها في الفصل في دستورية النص القانوني من عدمه وينبغي حينئذ اتباع الإجراءات القانونية التالية:
أ- تسجيل الدفع في سجل الطعون
نصت (المادة2) من تعليمات إجراءات الفصل في الطعون وطلبات التفسير الصادرة عن الهيئة العامة للمحكمة الدستورية على أنه: “يجري إعداد سجل للطعون وآخر لطلبات التفسير يدون في كل منهما بأرقام متسلسلة تاريخ ورود الطعن أو طلب التفسير واسم الجهة الطاعنة أو طالبة التفسير وخلاصة عن موضوع الطعن أو طلب التفسير وخلاصة عن الأحكام والقرارات وتاريخ كل منها.”
وبناءً على ذلك فإن الطعون التي تحال إلى المحكمة الدستورية يتم تسجيلها في سجل خاص ويدون برقم متسلسل تاريخ ورود هذا الطعن واسم الجهة الطاعنة وملخص موضوع الطعن.
ويتولى الإشراف على هذا السجل المكتب الفني بالمحكمة الدستورية طبقاً لنص (المادة 3) من التعليمات السابقة.
ب- تقديم مذكرة خطية إلى المحكمة الدستورية
أجازت (المادة12) من قانون المحكمة الدستورية الأردني لأطراف الدعوى أن يقدموا مذكرة خطية للمحكمة الدستورية بعد تبليغهم قرار الإحالة من محكمة التمييز خلال 15يوماً من تاريخ تبليغهم بأمر الإحالة وأن يبينوا فيها اسم القانون أو النظام الذي أثير الدفع بعدم دستوريته وكذلك النص القانوني ووجه مخالفته للدستور، كما أجازت لأطراف الدعوى الذين قدموا مذكرات خطية تقديم رد على المذكرات التي قدمها الطرف الآخر وذلك في مدة 30يوماً على الأكثر من تاريخ تبليغه بقرار الإحالة.
- إلا أنه يشترط تقديم المذكرات الخطية إلى المحكمة الدستورية بواسطة محام أستاذ مارس المحاماة لمدة 5سنوات أو عمل في وظيفة قضائية لمدة مماثلة قبل ممارسته للمحاماة وفقاً لنص (المادة12/3) من قانون المحكمة الدستورية الأردني.
ج- إرسال نسخة من قرار الإحالة إلى رؤساء السلطتين التشريعية والتنفيذية
بينت (المادة12/ب) من قانون المحكمة الدستورية الأردني أنه يجب على رئيس المحكمة الدستورية إرسال نسخة من قرار الإحالة إليه من محكمة التمييز إلى رئيس مجلس الأعيان ورئيس مجلس النواب وكذلك رئيس مجلس الوزراء وحددت لهم مدة 10أيام تاريخ تسلمهم النسخة للرد عليها.
د- تحضير الدعوى لإصدار الحكم
بعد أن تنتهي الإجراءات السابقة يقوم المكتب الفني بالمحكمة الدستورية بتحضير الدعوى عن طريق إحالة ملف الدعوى مشتملاً على رأي المكتب الفني في المسألة والرأي الفقهي والقضائي فيها إلى قضاة المحكمة الدستورية، وقد دلت على ذلك (المادة5) من تعليمات إجراءات الفصل في الطعون وطلبات التفسير الصادرة عن الهيئة العامة للمحكمة الدستورية بقولها: “بعد إعادة الملف إليه يتولى المكتب الفني التحضير للموضوع وله لهذه الغاية الاتصال بالجهة ذات العلاقة للحصول على ما يلزم من إيضاحات أو أوراق ومن ثم يحيل الملف إلى المحكمة بعد انتهاء المهل المحددة للردود مشفوعاً بتقرير من المكتب يحدد فيه ما تم من إجراءات والمسائل الدستورية والقانونية المتعلقة بالطعن أو الطلب ورأي المكتب فيهما.”
رابعاً: حجية الحكم الصادر بالدفع بعدم الدستورية
إذا وصل الدفع المقدم من أحد خصوم الدعوى بعدم دستورية النص القانوني الذي سيطبق في موضوع الدعوى إلى المحكمة الدستورية فإن المحكمة تفصل في النزاع إما بعدم دستورية النص أو برفض الدفع وفي كلا الأمرين يكون للحكم الصادر حجية وسوف نوضح مدى هذه الحجية هل هي حجية مطلقة أما حجية نسبية في النقاط التالية:[4]
1- حجية الحكم الصادر بعدم الدستورية
- لقد نصت (المادة 15/أ) من قانون المحكمة الدستورية على أنه: “أ. تصدر المحكمة حكمها في الطعن المقدم لديها باسم الملك ويكون الحكم الصادرة عنها نهائياً وملزماً لجميع السلطات والكافة.”، وكذلك (المادة 59/1) من الدستور الأردني على أنه: “1.تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتصدر أحكامها باسم الملك وتكون أحكامها نهائية وملزمة لجميع السلطات وللكافة…”
ويستنتج من النصوص السابقة أن حجية الحكم الصادر من المحكمة الدستورية بعدم دستورية النص القانوني هي حجية مطلقة تسري على الجميع وليست حجية نسبية تسري على أطراف النزاع فقط.
2- حجية الحكم الصادر برفض الطعن
إذا صدر حكم من المحكمة الدستورية برفض الطعن المحال إليها سواء شكلاً أو موضوعاً فإن حجية هذا الحكم قد اختلف فيه على قولين:
أ- ذهب بعض من الفقه والقضاء إلى اعتبار الحكم الصادر من المحكمة الدستورية برفض الطعن سواء أكان من الناحية الشكلية أو الموضوعية أنه يتمتع بالحجية النسبية التي تقتصر على أطراف النزاع فقط ومن ثم يمكن إثارة الدفع بعدم دستورية هذا النص مرة أخرى.
ب- ذهب البعض الآخر من الفقه والقضاء إلى التفرقة بين ما إذا كان الحكم الصادر من المحكمة الدستورية برفض الطعن شكلاً أم موضوعاً بحيث إن كان الرفض لأسباب شكلية كانت الحجية نسبية تقتصر فقط على أطراف النزاع ويمكن إثارة الدفع مرة أخرى عند تصحيح الإجراءات، أما إن كان الرفض لأسباب موضوعية فإن الحجية تكون مطلقة وتسري على الكافة لعمومية النص القانوني والدستوري.
خامساً: بعض التطبيقات القضائية لمحكمة التمييز الأردنية بشأن الدفع بعدم الدستورية
1- قضت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في القضية رقم 3253/2021 الصادر بتاريخ 13/9/2021 بما يلي:
“..وبتاريخ 25/11/2020 تقدم وكيل المميز بالاستدعاء رقم (3/ط/2021) إلى محكمة التمييز يطلب فيه إحالة الدعوى إلى المحكمة الدستورية للنظر في عدم دستورية نص (المادة137/ج) من قانون العمل على سند من القول بأن (المادة 137/ج) من قانون العمل تخالف نص الفقرتين (1و3) من (المادة6) من الدستور.
وبتاريخ 1/7/2021 أصدرت محكمة التمييز قرارها في الطلب المتضمن عملاً بأحكام (المادة11) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15) لسنة 2012 إحالة هذا الدفع إلى المحكمة الدستورية للبت فيه ووقف النظر في الطعن التمييزي رقم (3253/2021) لحين البت في الدفع وتبليغ أطراف الدعوى بهذا القرار.
ونجد أن المحكمة الدستورية أصدرت حكمها رقم (4/2021) تاريخ 17/8/2021 والذي جاء فيه وجوب تطبيق (المادة137/ج) من قانون العمل المعدل رقم 14لسنة 2019 ودستورية المادة المذكورة وأن الطعن بعدم دستورية (المادة137/ج) من قانون العمل النافذ لا يستند لأساس قانوني ورد الطعن.”
سادسا: الخاتمة
لم يجعل المشرع الأفراد بمنأى عن مراقبة القوانين بشكل مطلق بحيث لا يسمح لهم الاعتراض على النصوص التي تخالف حقوقهم الدستورية الممنوحة لهم بل أعطى لهم الحق في الدفع بعدم دستورية النص الذي يرونه يمثل اعتداء على حق لهم كفله الدستور، وقد نظم المشرع هذا الحق وبين شروط تقديم الدفع التي من بينها أن يكون الدفع جدياً لتفادي الدفوع الكيدية التي تعيق نظر الدعوى، كما بين أيضاً إجراءات تقديم الدفع وحجية الحكم الصادر فيها سواء أكان بعدم دستورية النص أم برفض الطعن.
إعداد: أبرار سيد
[1] انظر: حتر، سيف فيصل، حجية الحكم الصادر بالدفع بعدم دستورية القوانين: دراسة مقارنة (الأردن، مصر) موقع دار المنظومة، ص12، وانظر: الكفاوين، أحمد إبراهيم محمود، الضوابط القانونية للدفع بعدم الدستورية في ظل قانون المحكمة الدستورية الأردنية لسنة2012، موقع دار المنظومة، ص29، وانظر: شطناوي، فيصل عقله خطار، جدية الدفع بعدم الدستورية أمام قاضي الموضوع، ص369، وانظر: أعمرستي، محمد أمين، الرقابة الدستورية على القوانين: دراسة مقارنة، موقع دار المنظومة، ص232.
[2] انظر: الكفاوين، أحمد إبراهيم محمود، المرجع السابق، ص50وما بعدها، وانظر: حتر، سيف فيصل، المرجع السابق، ص34 وما بعدها، وانظر: شطناوي، فيصل عقله خطار، المرجع السابق، ص369.
[3] انظر: الكفاوين، أحمد إبراهيم محمود، المرجع السابق، ص84وما بعدها، وانظر: حتر، سيف فيصل، المرجع السابق، ص45وما بعدها.
[4] المرجع السابق، ص54 وما بعدها.

