المصالحة الجزائية الجمركية
تناولت السياسة الجنائية المعاصرة إلى إتباع منهج الصلح في الدعاوي الجنائية بعد فشل الأسلوب العقابي في الردع عن ارتكاب الجريمة وتكرارها، وذلك بعد ما ارتأت أن الصلح وسيلة فعالة في الحد من النزاع وإنهاء الخصومة بشكل يحقق تنمية ثقافة الحوار والتسامح، ويعمل على ترسيخ قواعد الأمن والاستقرار وإشاعة روح السلم الاجتماعي في كافة الأركان المجتمعية من خلال احتواء رد الفعل المخالف، وتجنيب المتهم وصف المجرم الذي يترتب على الإدانة الجنائية، مما ينبني عليه خروج طرفي الخصومة بعد إتمام عملية التصالح بعلاقات إيجابية متصلة، وليست علاقات عدائية مفصلة كما هو الحال في النظام العقابي التقليدي، ومن ثم أصبح نظام الصلح الجنائي نظاماً قانونياً هادفاً ومتكاملاً في إدارة الدعوى الجنائية ينهض على إلزام المتهم بالتعويض الجابر للأضرار التي خلفتها جريمته للمجني عليه أفراداً أو جهات أو هيئات، وترتيباً على ذلك فإن المصالحة الجمركية هي إجراء إداري من اختصاص إدارة الجمارك، وضعه المشرع الأردني في متناول مرتكب الجريمة الجمركية، من أجل أن يطلب هذا الأخير من إدارة الجمارك تسوية النزاع الجمركي وديا دون اللجوء إلى القضاء، هذا ويشترط التشريع الجمركي الأردني للمصالحة توافر مجموعة من الشروط بعضها يتعلق بمحل المصالحة، والبعض الآخر يتعلق بالإجراءات الشكلية الواجب إتباعها، وقد أولى المشرع الأردني للمصالحة الجمركية عناية خاصة نظرا لما يترتب عليها من نتائج بالغة الأهمية، وهو الأمر الذي سيتم تناوله بسطور هذا المقال من خلال العناصر التالية:
أولاً: تعريف الدعوى الجزائية الجمركية في ضوء الفقه القانوني
ثانياً: الإطار الوصفي لعملية المصالحة الجمركية وفق قانون الجمارك
ثالثاً: الطبيعة القانونية للمصالحة الجمركية
رابعاً: إجراءات المصالحة الجمركية في قانون الجمارك
خامساً: الأثار القانونية للمصالحة الجمركية الجزائية
سادساً : بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن المصالحة الجمركية
أولاً: تعريف الدعوى الجزائية الجمركية في ضوء الفقه القانوني
باستقراء قانون الجمارك الأردني رقم (20) لسنة 1998، نجد أنه قد خلى من تعريف محدد لمفهوم الدعوى الجزائية الجمركية، واكتفى بالنص على إجراءاتها الإدارية والقضائية، وشروط تحريكها، والجزاء المترتب عليها، وكذا المحكمة المختصة بنظرها، وكيفية عقد التسوية الصلحية فيها، وألية الاستعاضة عن الجزاءات والغرامات المالية الجمركية فيها، كما أن محكمة التمييز هي الأخرى لم تتعرض لبيان مفهوم الدعوى الجمركية الجزائية، وصدرت غالبية أحكامها بشأن ثبوت المسؤولية، والجزاءات المترتبة عليها، وأثارها وكيفية سقوطها، فضلاً عن عدم تعرض الفقه الأردني لشرح مفهوم تلك الدعوى إلا نادراً وفي حدود ضيقه جداً، ولكن وبالمقارنة بالفقه المصري فقد تميز بتناول قانون الجمارك بوصف شامل عام لكل ما يتعلق بالعملية الجمركية، ومن ضمن هذا الشمول تصديه لشرح مفهوم الدعوى الجمركية الجزائية والتي عرفها بأنها: تلك التي تنشأ عن جرائم التهريب الجمركي[[1]]، والتي من خلالها تطالب النيابة العامة تجريم أفعال وعمليات التهريب بشتى صورها وعقاب مرتكبيها، ومن ثم فهي مجموعة من الإجراءات بموجب نصوص قانونية بغية الوصول إلى حكم قضائي رادع ضد مرتكب جريمة التهريب[[2]]، ومن ثم فهي حق المجتمع في ردع الجناة عن ارتكابهم تلك الجرائم مرة أخرى.
ومما سبق من وصف وتعريف للدعوى الجمركية يتبين وبجلاء ارتباط تلك الدعوى بوجود جريمة تهرب جمركية قد وقعت، باعتبار أن تلك الدعوى هي أقوى وسيلة للتصدي لمرتكبي جرائم التهرب الجمركي، ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن المشرع الأردني قد أحال اختصاص جرائم التهرب الجمركي ونظر الدعوى الجزائية المنبثقة عنها لمحكمة الجمارك الابتدائية، وجوباً بنص المادة(222) من قانون الجمارك، ومنع تحريك تلك الدعاوي دون وجود طلب خطي من مدير عام الجمارك أو من ينوب عنه في حالة غيابه.
ثانياً: الإطار الوصفي لعملية المصالحة الجمركية وفق قانون الجمارك
مما لاشك فيه أنّه بارتكاب الجريمة الجمركية تلازمها دعوى عمومية متفرعة عنها ومترتبة عليها كأثر من أثارها، وتمثل الدعوى العمومية حق المجتمع في توقيع العقاب الرادع على مرتكب الجريمة، وفي هذا يتماثل القانون الجمركي مع القواعد ومبادئ الإجراءات الجزائية، كما يتفرع أيضاً عن ذات الجريمة دعوى أخرى تسمى بالدعوى الجبائية أو دعوى المطالبة بالعقوبات المالية، وهي دعوى ذات طبيعة مالية تحركها إدارة الجمارك بهدف قمع الجريمة الجمركية وعدم تكرارها، و تحصيل الحقوق و الرسوم المستحقة للخزينة العامة المتمثلة في الغرامة و المصادرة، فمجرد وقوع الجريمة الجمركية بكامل أركانها يثبت حق المجتمع في توقيع العقاب على مرتكبها[[3]]، بيد أنه في بعض الأحيان لا تطبق العقوبة السالبة للحرية دائما على مرتكبها، لما أوجبه قانون الجمارك الأردني بالنص على إمكانية تصالح إدارة الجمارك مع الشخص المخالف، كتطبيق لسياسة التحول عن الإجراءات القضائية، وكبديل عن ممارسة الإجراءات العقابية المتبعة بشأن الدعوى الجزائية، فلم يضحى إتباع منهج الصلح قاصر فقط على الدعاوي المدنية، أو حقوق المجني عليه المدنية في الدعاوي الجزائية، بل ارتأى المشرع الأردني تطبيق هذا المنهج أيضاً كعقوبة مالية على بعض الجرائم ومنها الجرائم الجمركية.
في حين أنه قد خلت نصوص قانون الجمارك من تعريف المصالحة الجمركية، واكتفى بالنص على شروطها وأحكامها، وقد عرفها جانب الفقه بأنها: سبب من أسباب انقضاء المتابعات الجزائية من قبل الشخص المخالف، شرط أن يدفع مبلغا معيناً كتصرف قانوني إجرائي وقائي يصدر عن المتهم المخالف الذي يسمح له أن يقبل دفع المبلغ المقرر قانونا أو الأشياء التي يلزم أن يسلمها للإدارة الجمركية، أو رفض تلك الشروط التي يحددها القانون في سبيل إتمام عملية التصالح، فلا تتم عملية المصالحة، و تتخذ الإجراءات الجنائية ضده وينال العقوبة المقررة في ذلك.[[4]]
- وفي هذا السياق نص المشرع الجمركي على المتابعة الجزائية لمرتكب المخالفة الجمركية كأصل عام، ومحاكمته أمام الجهات القضائية المختصة طبقا لقانون الجمارك وقانون الإجراءات الجزائية، وفي الوقت ذاته منح للإدارة الجمركية صلاحية التصالح مع المخالفين بناء على طلبهم بالنص على ذلك بموجب المادة (212) من القانون المشار إليه والتي جرى منطوقها على أن:( (أ)- للوزير أو من يفوضه عقد التسوية الصلحية في جرائم التهريب أو ما في حكمه سواء قبل إقامة الدعوى أو خلال النظر فيها وقبل اكتساب الحكم القضائي الصادر بالدعوى الدرجة القطعية، وذلك مع جميع المسؤولين عن التهريب أو مع بعضهم عن كامل الجرم وضمن الشروط الواردة في عقد المصالحة .
(ب)-للوزير بتنسيب من المدير أن يتجاوز عن أية مخالفه أو جـرم تهـريب أو ما في حكمه قبل رفع الدعوى أو خلال النظر فيها وقبل صدور الحكم البدائي عند وجود أسباب مبرره، والتي لا تتجاوز مقدار الغرامات المقررة لها (500) دينار وفي جميع الأحوال لا تكون من الأسباب المبررة إلا ما كان متصلا بقضايا المسافرين بما يتعلق باستعمـالهم الشخصي.
(ج)-للوزير بتنسيب من المدير أن يتجاوز عن القضايا الجمركية المتعلقة بمعاملات الجهات الرسمية).
- كما نصت المادة (213) من ذات القانون على أن:(أ-للوزير أو من يفوضه عند عقد التسوية الصلحية الاستعاضة عن الجزاءات والغرامات الجمركية المنصـوص عليها في المادة (206) من هذا القانون بما يلي:
1 – غرامه جمركيه لا تقل عن 50% من الحد الأدنى للتعويض المدني.
2 – مصادرة البضائع الممنوعة المعينة والبضائع الممنوع استيرادها أو تصديرها.
3 – يجوز أن يتضمن عقد التسوية الصلحية إعادة البضاعـة المحجوزة واستيفاء الرسوم الجمركية والرسـوم والضرائب الأخرى المتوجبة عن البضائع المسموح باستيرادها أو تصديرها أو البضائع المحصور استيرادها شريطة موافقة جهة الحصر.
4 – يجوز أن يتضمن عقد التسوية الصلحية إعادة وسائط النقل والمواد التي استخدمت في التهريب لقاء غرامه لا تقل عن 20% من قيمة البضاعة المهربة ولا تزيد على 50% من قيمة واسطة النقل.
ب– على الوزير أن يصدر دليلا للتسويات الصلحية على أن ينشر في الجريدة الرسمية).
- أما على نظير التشريع الدولي، فقد ورد تعريف المصالحة الجمركية في بروتوكول تعديل الاتفاقية الدولية لتبسيط الإجراءات الجمركية، والتي سميت باتفاقية ” كيوتو” بنصها الاتي: يقصد بالتسوية الإدارية للمخالفات الجمركية، هو ذاك الإجراء المنصوص عليه في التشريع الوطني، الذي يخول الجمارك الفصل في المخالفات الجمركية، من خلال إصدار الأحكام بشأنها، والتوصل إلى تسوية وسطية، ويقصد بعبارة التسوية الوسطية : هو الاتفاق الذي يتيح للجمارك بمقتضاه إلى التخلي عن بعض الإجراءات القضائية، فيما يتعلق بمخالفة جمركية، شريطة تقييد الشخص أو الأشخاص المتورطين في تلك الجريمة بقيود معينة، والمقصود بالمخالفة هنا: هي انتهاك قانون الجمارك أو الشروع في انتهاكه.
ثالثاً: الطبيعة القانونية للمصالحة الجمركية
على الرغم من حرص المشرع الأردني بقانون الجمارك على تضمين ذلك القانون بالنصوص التشريعية التي تبيح المصالحة في الدعوى الجزائية الجمركية، إلا أنه لم يتطرق بشأن بيان الطبيعة القانونية للمصالحة الجمركية، الأمر الذي حدا بالفقه القانوني إلى الاختلاف بشان بيان تلك الطبيعة القانونية التي تحكم مبدأ المصالحة، خاصة فيما يخص تقييم فعالية هذا الإجراء، وهو ما ترتب عليه انقسام الفقه لفريقين، أحدهما يرى أن المصالحة القانونية يجري عليها القواعد العامة في العقود باعتبارها نوع من أنواع العقود، والفريق الأخر يرى أنها نوع من أنواع الجزاء، وهو ما سنتناوله من خلال الطرح الفقهي على النحو الآتي :
(الفريق الأول) المصالحة الجمركية عقد من العقود
يرى جانب من الفقه أن المصالحة الجمركية هي ذات طبيعة عقدية في جميع الأحوال فقط مع اختلاف صغير في تصور العقد الذي يتضمنها، وبهذا تخضع المصالحة الجمركية للقواعد العامة في القانون المدني للعقود بجميع صورها، وذلك لتقارب شكلها وموضوعها مع نص المادة (647) من القانون المدني الأردني بنصها الجاري على أن: الصلح عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة بين المتصالحين بالتراضي، وذلك بأن يتنازل كل منهما على وجه التبادل على حقه، فأساس كلاهما هو التراضي – الإيجاب و القبول، بما يماثل عقد العوض في شروطه القانونية، كما يشتركان أيضاً في حسم النزاع و انقضاء الحقوق بالصلح و تثبيتها ونسبية آثارهما، وكذا المسؤولية المدنية التضامنية في ذلك، فضلاً خضوعهما لنفس أسباب البطلان الواردة في القانون المدني، إلا أن هذا الرأي يعيبه أنه فطن إلى مواطن الاتفاق بين المصالحة الجمركية والعقود، ولم يأبه بمواطن الاختلاف بينهما والتي من ابرزها عدم احتمالية وجود النزاع في القضايا الجمركية كما هو الشأن بصدد العقود، بل هو موجود وجوباً وتسيطر عليه الإدارة الجمركية، إضافة إلى اختلاف المراكز القانونية التي يكون عليها الأطراف في المصالحة الجمركية، حيث يتفوق فيها مركز الإدارة الجمركية على مركز المخالف، بخلاف أطراف العقد المدني الذين يتمتعون بمراكز قانونية متساوية ومتقابلة خلافا للمصالحة الجمركية.
- وهناك اتجاه فقهي أخر يتبع هذا الفريق يرى أن المصالحة الجمركية بمثابة عقد إذعان، لأنه عقد يصدر دون مناقشة موضوعه ويأخذ فيه الاتفاق شكل البنود و ليس شكل الشروط، كما أن مضمونه يتحدد بإرادة واحدة ممثلة في إدارة الجمارك دون أدنى اعتبار لإرادة الشخص المتهم في ذلك، وهذا الطرح مردود عليه بعدم التوفيق في المعيار الذي تبناه، ذلك لأن المسؤول عن الجريمة الجمركية ليس مجبرا على الرضوخ لرغبات الإدارة الجمركية دائما، فله عدم إجراء المصالحة و تفضيل إجراءات التقاضي الاعتيادية طبقاً للنصوص العقابية المقررة، حتى ولو كان الفرض الثاني أسوء حالا من المصالحة.[[5]]
-
وأخيراً في هذا المقام هناك رأي اختلف عن سابقه ويرى أن المصالحة الجمركية عقد إداري تأسيساً على المعيار الموضوعي المحدد للعقود والمنازعات الإدارية، حيث أن أحد طرفي العقد شخص من أشخاص القانون العام وهي إدارة الجمارك، كما أن تلك الإدارة تهدف بالمصالحة الجمركية حماية مصلحة عامة وطنية وهي حماية حقوق الخزينة العامة، مع الأخذ في الاعتبار ما قد تستعمله الإدارة أثناء عقدها للمصالحة الجمركية من شروط غير مألوفة في نطاق المبادئ العامة المدنية، وما تتميز به في ذلك من صلاحيات السلطة العامة، وأية ذلك قيام إدارة الجمارك بفرض مبلغ المصالحة الجمركية فرضاً إجباريا على الطرف الأخر دون أي مناقشة في ذلك، غير أن هذا الرأي أيضاً لم يسلم من النقد على أساس أن سلطات الإدارة في العقد الإداري، أوسع من سلطاتها في المصالحة مع المخالف الذي يملك دائما حق قبولها أو رفضها، ولأن الإدارة في العقد الإداري تملك صلاحية تعديل شروط العقد وعقاب المخالف على عدم التنفيذ، ولا تملك تلك الصلاحية في المصالحة الجمركية.
وبالتالي فقد اختلفت الآراء الفقهية بشأن التكييف الوصفي لعقد المصالحة الجمركية، إلا أنهما اتفقوا فيما بينهما أن المصالحة الجمركية تعد بمثابة عقد من العقود وإن اختلفت صوره وتستمد خطوطها الرئيسية من القانون المدني أو من القانون الإداري.
(الفريق الثاني) المصالحة الجمركية نوع من أنواع الجزاءات: بعد توجيه الانتقادات اللاذعة لكافة الآراء التي توجهت نحو وصف المصالحة الجمركية بأنها عقد من العقود وخضوعها للقواعد العامة للعقود بالقانون المدني، ظهر اتجاه فقهي آخر يؤكد على الطبيعة الجزائية للمصالحة الجمركية، وقام هذا الاتجاه وأسس على أنه وعلى الرغم تضمين المصالحة لصفات عديدة من القواعد المدنية والإدارية معاً، ولكن في ذات الوقت لا يمكن إنكار منشئها الإجرامي المتخلف عن الجريمة الجمركية، ومصيرها الحتمي في حالة نجاحها باستكمال شروط أعمالها وفق إجراءات قانونية صحيحة، وهو انقضاء الدعوى العمومية بالتصالح، الأمر الذي حدا بهذا الاتجاه الفقهي إلى وصفها بأنها نوع من أنواع الجزاءات، ذلك أن المصالحة الجمركية تعد عقوبة جزائية لأنها تنتقص من الحقوق المالية للمسؤول عن الجريمة الجمركية مثلها في ذلك مثل العقوبة، فضلاً عن خضوعها لمبدأ الشرعية والمسؤولية الجزائية طبقا لنص المادة (205) من قانون الجمارك، حتى وإن لم يحدد المشرع مقدار غرامة المصالحة وترك أمر تقديره للإدارة الجمركية في ضوء نص المادة (194) من ذات القانون التي تضمنت أن: تعتبر الغرامات الجمركية والمصادرات المنصوص عليها في هذا القانون تعويضا مدنيا للدائرة ولا تشملها أحكام قوانين العفو العام.
كما نصت المادة (195) على أن: عند تعدد المخالفات تتوجب الغرامات عن كل مخالفه على حده، ويكتفى بالغرامة الأشد إذا كانت المخالفات مرتبطا بعضها ببعض بشكل لا يحتمل التجزئة.
ثم تصدت المادة (197) لطريقة وكيفية فرض الغرامات الجمركية بنصها الجاري منطوقه على أن: تفرض غرامة جمركيه لا تزيد على مثل الرسوم على:
(أ)-البضائع المستوردة أو المصدرة تهريبا، ولا تزيد قيمتها على 100 دينار ولم تكن من البضائع الممنوعة المعينة.
(ب)-الأمتعة والمواد المعدة للاستعمال الشخصي والأدوات والهدايا الخاصة بالمسافرين التي لا تتجاوز قيمتها 500 دينار، ولا يصرح عنها في المركز الجمركي عند الإدخال أو الإخراج ولم تكن معفاة من الرسوم، ويجوز في الحالتين إعادة البضائع المحجوزة إلى أصحابها كلا أو جزءاً شرط أن تراعى في ذلك القيود التي تقضي بها النصوص النافذة.
وبإعمال ما ورد بتلك النصوص يتضح أن المصالحة الجمركية تستهدف أولاً الإيلام القصدي بالنيل من الذمة المالية للمتهم واستقطاع جزء منها لارتكابه الجريمة الجمركية، وبالتالي فهي ذات طبيعة جزائية.
ولكن هذا الرأي مثل نظائره من الآراء تعرض لنقد بالغ، مفاده افتقار المصالحة لسمات أساسية تتضمنها العقوبة، وهي الصفة القضائية التي تتوافر في العقوبات الجزائية، بمعنى أنه يجب لاعتبار المصالحة القضائية عقوبة جزائية، فلابد من خضوع المصالحة لإشراف القضاء وتصدر منه، في حين أن المصالحة الجمركية تتم بإصدار وإشراف إداري وليس قضائي، كما أن المصالحة الجمركية يباح فيها للإدارة الجمركية ما يمتنع على القضاء، حيث يجوز للإدارة الجمركية إفادة المخالف بالظروف المخففة للمخالفة، بينما لا يسمح بذلك مطلقاً للقضاء إذا ما أحيلت المنازعة الجمركية إلى القضاء، ولعل أهم ما يرتكن إليه أصحاب الرأي الناقد هو عدم تقيد المصالحة الجمركية بمبدأ شخصية العقوبة كما هو الحال بشأن النظام العقابي، وذلك عند إلزام الورثة بدفع مقابلها عند وفاة المخالف الأصلي .
رابعاً: إجراءات المصالحة الجمركية في قانون الجمارك
من المؤكد أن المصالحة الجمركية ليست حقاً، وإنما أجازها القانون للطرفين لحل النزاع القائم بينهما بطريقة سلمية غايتها حماية حقوق الدولة المالية والاقتصادية، وفق إجراءات وشروط يجب توافرها في جهة إدارة الجمارك من ناحية، والطرف الملاحق من الناحية الأخرى، ولم يشترط المشرع الأردني لذلك شروط محددة على سبيل الحصر لإتمام عملية المصالحة الجمركية، بل اكتفى برغبة المخالف أو وكيله القانوني في إجراء عملية المصالحة بموجب طلب يقدم لإدارة الجمارك التي لها أن توافق عليه من عدمه، أو الأخذ برأي اللجان القانونية، ولم يشترط القانون شكل معين في الطلب فيجوز أن يكون كتابياً أو شفهياً، كما لم يستلزم القانون أيضاً صيغة محددة أو عبارات معينة، حيث أن مجرد إبداء الرغبة في إجراء عملية المصالحة للإدارة والموافقة عليه، يتم إبرام عقد المصالحة بين المخالف والإدارة وفق بنود واشتراطات خاصة بالاتفاق على توقيع الصلح تطبيقاً لنص المادة (212) من قانون الجمارك، مما مفاده أن عملية المصالحة الجمركية تبدأ بأولى خطواتها في تقديم الشخص المخالف لطلب إيقاع الصلح لإدارة الجمارك، ثم يتبعها موافقة إدارة الجمارك على هذا الطلب أو عدم الموافقة وذلك بالإيجاز التالي:
(1)- طلب الشخص المخالف: اشترط قانون الجمارك لإجراء عملية المصالحة الجمركية صدور طلب من الشخص الملاحق صاحب الصفة أو المصلحة لإدارة الجمارك بإتمام عملية المصالحة على الجريمة الجمركية، إلا أن هذا الطلب يظل معلقاً على شرط موافقة إدارة الجمارك عليه، لأن المصالحة ليست حق مكتسب للملاحق بل هي مكنة للإدارة وصلاحية تستخدمها وفقاً لما تراه من تحقيق المصلحة الوطنية وحماية الحقوق المالية كما سبق وأن أوضحنا، وبمطالعة واستقراء النصوص القانونية الجمركية سالفة الإشارة إليها نجد أنها لم تنص على تضمين الطلب شكل معين أو عبارات محددة، ولكن ما يؤخذ في الاعتبار بشأن هذا الصدد يفضل أن يكون الطلب المقدم من الملاحق مكتوباً لأهمية ذلك في الإثبات وقت الحاجة لذلك، كما لا يشترط في الطلب صيغة معينة، بل يكفي أن يشمل الطلب أي عبارات مفسرة لرغبة الملاحق في إجراء عملية المصالحة مع إدارة الجمارك.
أما بشأن ميعاد الطلب فيجوز لصاحب الطلب تقديمه في أي وقت بشرط قبل صدور حكم قطعي في الدعوى الجزائية نفاذا وترتيباً لنص المادة (212/أ) التي تضمنت على أن:( للوزير أو من يفوضه عقد التسوية الصلحية في جرائم التهريب أو ما في حكمه سواء قبل إقامة الدعوى أو خلال النظر فيها وقبل اكتساب الحكم القضائي الصادر بالدعوى الدرجة القطعية وذلك مع جميع المسؤولين عن التهريب أو مع بعضهم عن كامل الجرم وضمن الشروط الواردة في عقد المصالحة).
- كما لا يلزم المشرع الإدارة بالرد على هذا الطلب خلال أجل معين، أو عدم الرد بشكل عام والسكوت عنه، وفي الحالة الأخيرة لا يمكن القول بأن سكوت الإدارة عن الرد يعبر عن قبولها للطلب.
(2)- موقف إدارة الجمارك في إجابة الطلب: لما كان وفي ضوء الشرح المتقدم تم بيان أن المصالحة الجمركية ليست حقاً خالصاً لفاعل الجريمة الجمركية، كما أنها ليست من ضمن الإجراءات الإدارية الملزمة لجهة الإدارة حتى يتعين عليها اللجوء إليها قبل إحالة الدعوى الجزائية للقضاء المختص، وبالتالي فهي صلاحية منحها للمشرع لإدارة الجمارك تستخدمها في حق الأشخاص الملاحقين متى توافرت بشأنهم شروط إعمالها القانونية والتنظيمية، مما يترتب عليه وإن كان القانون اشترط على شخص الملاحق تقديم طلب لإدارة الجمارك متى رغب في ذلك لإجراء المصالحة الجمركية، فلا يفرض على جهة الإدارة الموافقة على هذا الطلب أو حتى الرد عليه، مراعاة في ذلك إعلاء حق الحماية الوطنية المالية في كل وقت وحين سواء بالموافقة على الطلب أو عدم الموافقة والرد.
- ومن الجدير بالالتفات له أنه في حالة الموافقة على الطلب من جهة الإدارة تقوم الأخيرة بتجهيز ملف المصالحة الجمركية وإرفاق كافة ما يلزم من مستندات وقرارات معمول بها في هذا الشأن، وعرضه على الجهة المنوط بها إصدار قرار المصالحة، وتقوم الجهة المختصة بعد الاطلاع على الطلب ومرفقاته المستندية ودراسته دراسة دقيقة، بقبول المصالحة أو تعديل بعضها أو رفضها كلية، وفي حالة قبول المصالحة من الجهة المختصة بالدراسة يتم إعلان مقدم الطلب بذلك مع تحديد أجل معين له بسداد المبلغ موضوع المصالحة التي تمت الموافقة عليها، فإذا لم يقم الشخص الملاحق بدفع مبلغ المصالحة الذي تم الاتفاق عليه بعقدها وسداد كافة الالتزامات المالية المترتبة على المصالحة الجمركية يلغى الاتفاق المنعقد، ويعرض أمره على القضاء المختص للبت في موضوع الدعوى الجزائية طبقاً لما هو مقرر بالنصوص القانونية.
خامساً: الأثار القانونية للمصالحة الجمركية الجزائية
يفترض لقيام المصالحة الجمركية أن يكون هناك دعوى جزائية جمركية تفرع عنها نزاع قام بين طرفين، أحدهما جهة عمومية ممثلة في إدارة الجمارك والأخر الشخص المخالف الملاحق مرتكب المخالفة الجمركية، إلا أن طرفي هذا النزاع اتفقا فيما بينهما على عدم عرض النزاع على القضاء بإجراء وإتمام عملية المصالحة الجمركية، التي يترتب عليها في حال إتمامها بإجراءات صحيحة، خالية من العيوب، ووفق ما تم نصت عليه القواعد القانونية والتنظيمية بشأنها عدة آثار بالنسبة لأطرافها وبالنسبة للغير وفق الشرح التالي:
(أ)- أثار المصالحة الجمركية بالنسبة لأطرافها: تتجلى أثار المصالحة الجمركية بعد إتمامها في التزام إدارة الجمارك بما ورد في عقد المصالحة فيما يتعلق برفع الحظر عن البضائع المحجوزة، و تسوية ملف المنازعة الجمركية، كذلك إبراء ذمة الملاحق من أي التزامات مالية تتعلق بالمخالفة الجمركية، وذلك بعد سداد المبالغ موضوع المصالحة، واستيفاء إدارة الجمارك لكافة الرسوم الجمركية والرسـوم والضرائب الأخرى المتوجبة عن البضائع المسموح باستيرادها أو تصديرها، أو البضائع المحظور استيرادها، والمصالحة الجمركية قد تكون قبل تحريك الدعوى الجزائية ففي تلك الحالة لا يصل العلم للجهات القضائية بأي صورة عن الجريمة الجمركية موضوع المصالحة، ويتم تسوية النزاع بين طرفي عقد المصالحة فقط، وقد تكون المصالحة بعد تحريك الدعوى الجزائية وإحالتها للجهات القضائية المختصة ولكن قبل صدور حكم قطعي فيها، وبالتالي يكون من أثار المصالحة الجمركية هو سقوط الدعوى الجنائية بالتصالح وفقاً للفقرة (أ) من المادة (212) من قانون الجمارك، وكذا نص المادة (214) الذي جرى على: سقوط الدعوى الجنائية عند إجراء المصالحة عليها .
(ب)- أثار المصالحة الجمركية بالنسبة للغير: من الجدير بالذكر أن أثار المصالحة الجمركية ذات طابع نسبي، أي لا تشمل إلا أطراف عقد المصالحة فقط دون غيرهما من الفاعلين الآخرين أو الشركاء أو المستفيدين من الغش الذين لم يقوموا بإجرائها مع الإدارة، فلا ينتفع منها الغير وكذلك لا يضار منها، ولا يلزمون بدفع مقابلها، إلا إذا طلبوا المصالحة بدورهم وبصفاتهم وأسمائهم الشخصية، لذلك ووِفقا لهذا المفهوم لا يمكن للملاحق الذي ألزمته الإدارة بدفع مقابل المصالحة بعد عقدها ممارسة دعوى الرجوع بالتضامن على المخالفين الآخرين المشتركين في ذات المخالفة الجمركية لاستيفاء ما تم سداده مقابل المصالحة منهم، ما لم يتصالحوا مع الإدارة وبذات الإجراءات التي قام بها المتهم، وفي جميع الأحوال لا تحول المصالحة دون ممارسة حق المطالبة بالتعويضات في حالة توافر مسبباتها من تضرر من الجريمة الجمركية في ضوء قواعد ونصوص المسؤولية التقصيرية والعقدية بأحكام القانون المدني.
سادساً : بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن المصالحة الجمركية
(1)-قرار محكمه التمييز الأردنية رقم 2248 لسنة 2018 بتاريخ 3/9/2018
- حيث جاء فيه : ( وحيث توصلت محكمة الاستئناف من خلال مناقشة البيانات أن البضاعة موضوع البيان الجمركي تعود للمميز، واستندت في ذلك إلى اعتراف الظنين (المميز) أمام المدعي العام والذي ورد فيه 🙁 لعدم علمي بالإجراءات الجمركية وشركة التخليص أعلم بها )، وأنه قام من خلال شركة التخليص بالحصول على بطاقة المستورد كونه لا يملك بطاقة مستورد وقام بالتنازل عن البضاعة وذلك لغايات إنجار البيان وإخراجها، وأن شركة التخليص قامت بإنجاز البيان الجمركي وأخرجت البضاعة إلى محله وأن جميع الإجراءات التي تمت من تفويض لشركة التخليص والتعهد من حيث الواقع الفعلي ينصرف أثره لمالك البضاعة الحقيقي ولا ينصرف أثره على شركة التخليص وحيث استندت محكمة الاستئناف في قرارها إلى بيانات لها أصل ثابت في أوراق الدعوى، واعتراف الظنين أمام المدعي العام المقترن بدليل ثابت بأوراق القضية، وعن السبب الثاني ومفاده أن المميز يرغب بإجراء المصالحة على غرامة البضاعة محتويات المعاملة الجمركية، نجد أن هذا السبب لا يصلح أن يكون سبباً تمييزياً كون المصالحة من عدمها تعود للظنين فنقرر الالتفات عنه) .
(2)- قرار محكمه التمييز الأردنية رقم 167 لسنة 2022 بتاريخ 21/2/2022
حيث جاء فيه : ( بتاريخ 31/10/2021 أصدرت محكمة الجمارك الاستئنافية قرارهاً الوجاهي المتضمن عملاً بأحكام المادة 267 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديلاته تقرر المحكمة رد الاستئناف وتأييد القرار المستأنف وإعادة الأوراق إلى مصدرها.
لم يرتض الأظناء شركة……. – الخلف القانوني لشركة…..وشركة….. و….. –بصفته الشخصية وبصفته الممثل القانوني عن المشتكى عليها الأولى وعن المشتكى عليها الثانية بهذا القرار فطعنوا فيه تمييزاً بتاريخ 29/11/2021.
وبتاريخ 7/2/2022 تقدمت المستدعية شركة…….. وآخرون باستدعاء إلى محكمتنا تطلب فيه تحديد موعد جلسة لإسقاط دعوى الحق العام موضوع الدعوى رقم (167/2022) تمييز جزاء لوقوع المصالحة عليها.
وبتاريخ 21/2/2022 حضر أطراف الدعوى لدى محكمتنا وقبلت محكمتنا التمييز شكلاً وطلب وكيل المميزين إسقاط الدعوى لوقوع المصالحة.
وبناءً على طلب الأطراف والمصالحة موضوع كتاب مدير عام الجمارك رقم (109/8/8/3185) تاريخ 23/1/2022 وسنداً إلى المصالحة نقرر نقض القرار المطعون فيه وإسقاط الدعوى البدائية الجزائية رقم (776/2020) جزاء إسقاط نهائي وما ترتب عليها من آثار مدنية وجزائية).
سابعا: خاتمة
ختاما فقد حاولنا في هذا المقال إلقاء الضوء عليه بهذا المقال تعريفاً للدعوى الجزائية الجمركية وطلب تحريكها، ومفهوم المصالحة الجمركية في ضوء الفقه والتشريع، والخلاف الفقهي بشان تحديد الطبيعة القانونية التي تحكم المصالحة الجمركية، وكذا الأثار القانونية المنبثقة عن إتمام عملية المصالحة الجمركية بالنسبة لأطرافها والغير.
كتابة الأستاذ/ محمد جلال جعفر
[1] – نبيل لوقا بباوي، الجرائم الجمركية دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، ط1، 1994، ص 388
[2] – أحمد فتحي سرور، قانون العقوبات الخاص في الجرائم الضريبية والنقدية، دار النهضة العربية، القاهرة، ط2، 1960، صـ133.
[3] – د. أحسن بوسيقعه، المنازعات الجمركية، تعريف وتصنيف الجرائم الجمركية، متابعة وقمع الجرائم الجمركية، دار هومة للنشر، الجزائر، 2015 – 2016، الطبعة الثامنة .
[4] – د. مصطفى محمد أمين، انقضاء الدعوى الجنائية بالصلح، دار النهضة العربية للنشر، القاهرة، مصر، 2002، ص 12، 13.
[5] – بن يعقوب حنان، التوجهات الحديثة في المنازعات الجزائية الجمركية، مذكرة ماجستير، فرع القانون الجنائي والعلوم الجنائية، جامعة الجزائر، كلية الحقوق، 2003 -2004، ص 102.

