شروط الشاهد في الإثبات المدني
نظراً لما تتمتع به الشهادة من أهمية وحجية قانونية بالغة في الإثبات، ومن ثم يقع على الشاهد الذي يدلو بشهادته التزامات أخلاقية وقانونية أوجبها عليه التشريع والعرف والفقه الإسلامي، ومن أهم تلك الالتزامات ويعدّ التزام الشاهد بقول الصدق التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، حيث يتوجّب على الشاهد قول الحقيقة انتصارًا للحقّ وتحقيقًا للعدالة، وإذا لم يقل الحقيقة وثبت للمحكمة كذب شهادته يلاحق بجريمة الزور المنصوص عليها في قانون العقوبات، ذاك لأن الأصل في الإنسان أن يقول الصدق ولو لم يحلف اليمين القانونية؛ لأنّ الصدق هو واجب أخلاقيّ قبل أن يكون واجبًا قانونيًّا، فضلاً عن الشروط الموضوعية والقانونية التي أوضعها المشرع الأردني بتنظيم وسائل الإثبات من خلال قانون خاص وهو قانون البينات رقم (30) لسنة 1952 وتعديلاته، كما نظم قواعد عامة في أدلة الإثبات بنصوص القانون المدني رقم (43) لسنة 1976.
وانطلاقاً من هذا الأساس، يمكن حصر الركائز الأساسية لهذا المقال في تعريف الشهادة وأهميتها، وأنواع شهادة الشهود، والشروط الواجب توافرها في كل من الشاهد والشهادة لكي يعول عليها القضاء ويؤخذ بها ويطمئن إليها كوسيلة إثبات في القانون الأردني، والحالات التي يجوز فيها الشهادة من خلال بشيء من الإيجاز والتوضيح:
(أولاً): تعريف شهادة الشهود وأهميتها
(ثانيا): أنواع الشهادة ودرجاتها
(ثالثاً): شروط الشهادة في القانون الأردني
(رابعاً): بعض أحكام التمييز الأردنية والمبادئ القانونية بشأن شهادة الشهود
(أولاً): تعريف شهادة الشهود وأهميتها
لم يتضمن التشريع الأردني على نص قانوني يحدد فيه مفهوم الشهادة، ولكن جرى تعريف الشهادة قانوناً من خلال بعض الآراء الفقهية على أنها: تقرير الإنسان لما سمعه أو أبصره أو أدركه بإحدى حواسه في الواقعة التي يشهد عليها، كما عرفت أيضاً في موطن أخر بأنها: إخبار الإنسان أمام مجلس القضاء بثبوت حق لشخص على آخر، حيث تنصب الشهادة مباشرة على واقعة منتجة في الدعوى أدركها الشاهد بإحدى حواسه الخمس نتيجة اتصاله المباشر بالواقعة المشهود عليها، أما إذا كان الشاهد أبكمَ أو أصمّ يتم سماع شهادته عن طريق كتابة أجوبة الأسئلة التي توجه إليه من مجلس القضاء، وإذا كان لا يستطيع الكتابة يتم الاستعانة بمترجم قانونيّ لمساعدته، وتعدّ الشهادة دليلًا مهمًّا في الإثبات لذلك يحظى باهتمام بالغ بشأن تطبيقها وإعمال أثارها من قبل قاضي الموضوع.
كما أنه من التعريفات الشرعية للشهادة ما جاء بمذهب الحنفية بأنها: إخبار صدق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء ولو بلا دعوى [[1]]
- وتعتبر الشهادة من الأدلة الشفوية لأنها تؤدى في مجلس القضاء بصورة شفوية، ويجب على القاضي أن يُهيئ للشاهد الحرية الكاملة في أدائه للشهادة دون أدنى تدخل من قبل الخصوم أو هيئة الدفاع أو الهيئة القضائية ذاتها، ولكن من الجائز أن يتاح لمحامي الخصم بعد موافقة مجلس القضاء بتوجيه بعض الأسئلة إلى الشهود ضمن الحدود القانونية وفي إطار الموضوع محل الشهادة، وبعد الانتهاء من سماع شهادة الشاهد، يتم تدوين شهادته بلغة أقرب إلى لغته في محضر الجلسة، وتكمن أهمية الشهادة في كونها من أدلّة الإثبات المعتبرة في قوانين الإثبات المختلفة، حيث تعدّ الشهادة تضميناً يقدّمه الإنسان حول وقائع معينة أدركَها بنفسه بإحدى حواسه المعينة للإدراك المادي، كما أنه من الواجب على كل إنسان متى طلب منه ذلك أن يقوم بأداء الشهادة كما أدركها دون زيادة عليها أو نقصان منها في أي وقت يدعى فيه إلى ذلك، لا سيما في بعض الأحيان من الممكن أن تكون الشهادة هي الدليل الوحيد المعتبر في الدعوى، والتي من خلال الإدلاء بها على وجهها الصحيح قد يتغيّر وجه الرأي في الدعوى، كما أنّها خير سبيل للقاضي في تكوين عقيدته والوصول إلى حكمٍ صحيح يتفق مع وقائع الدعوى وملابساتها وإصابة موطن الحقيقة فيها، وهو الأمر الذي جعل الشهادة من أكثر وسائل الإثبات شيوعاً وانتشاراً في المحاكم، إلا أن النصوص القانونية أوجبت عليها عدة قيود[[2]] تتعلق بشخص الشاهد، وأخرى بالشهادة ذاتها كما سيتم العرض لذلك لاحقاً.
وتتميز الشهادة وفقاً للتعريفات السابقة ببعض الخصائص التالية:
(1) -الشهادة لا تكون إلا في مجلس القضاء.
(2) -تصدر الشهادة عن شخص أجنبي عن الخصومة في الدعوى.
(3) -حجية الشهادة غير قاطعة، لأن ما يثبت بها يجوز نفيه بشهادة أخرى.
(4) -الشهادة حجيتها نافذة في حق كافة الخصوم.
ومن نافلة القول أن الشهادة في الفقه القانوني والشرعي فرض كفاية يحملها بعض الناس عن الآخرين، إلا في موضع لا يكون فيه من يحمل ذلك، ففي تلك الحالة تكون الشهادة فرض عين، كما أن الشهادة نوع من أنواع الأمانات يجب أداؤها عند طلبها، فإن عجز الشاهد عن أداؤها أو تضرر منها لا تجب عليه، وهو الأمر الذي لم يخالفه التشريع الأردني في ذلك حيث نص في المادة (81/6) من قانون أصول المحاكمات الأردنية على أنه:( إذا تبلغ الشاهد تكليفاً صحيحاً وتخلف عن الحضور، ولم يكن للشاهد مقدرة مشروعة في تخلفه، يجوز للمحكمة أن تصدر مذكرة إحضار بحقه تتضمن تفويض الشرطة إخلاء سبيله بالكفالة، وإذا حضر الشاهد ولم تقنع المحكمة بمعذرته، فلها أن تحكم عليه بالحبس لمدة لا تزيد عن أسبوع أو بغرامه لا تزيد عن عشرة دنانير، ويكون قرارها قطعياً)، الأمر الذي يتضح معه من مفهوم هذا النص وجوب حضور الشاهد للتبليغ والحضور دون أي اختيار له في ذلك إجابة لطلب المحكمة أو طلب الخصوم بعد موافقة مجلس القضاء.
(ثانيا): أنواع الشهادة ودرجاتها
باستقراء نصوص قانون البينات والقانون المدني الأردني، والآراء الفقهية الشارحة يتضح أن الشهادة متنوعة ومتباينة حسب درجتها ونوع العلم بها، فهناك الشهادة الأصلية، والشهادة الثانوية، وشهادة سماع وفقاً للشرح الموجز التالي:
(أ)-الشهادة الأصلية: وهي كما وردت بالفقه القانوني، قيام الشاهد بالإدلاء أمام مجلس القضاء بما أدركه بواسطة سمعه وبصره بشكل شخصي ومباشر دون أي صورة من صور الاعتماد على الغير في ذلك [[3]]، وتعتبر هذه الدرجة هي أقوى درجات الشهادة كدليل إثبات قانوني معتبر.
(ب)-الشهادة الثانوية: ويقصد بها الشهادة بالطريق الغير مباشر، أي يشهد فيها الشاهد نقلاً عن الغير بما سمع وليس بما أدرك، ومن ثم فهي شهادة سماعية يشهد فيها الشاهد أنه وصل علمه بالواقعة عن طريق الراوية من الغير، إلا أن هذا النوع من الشهادة قد نص المشرع الأردني على عدم قبولها إلا في حالات استثنائية محددة حصراً بموجب نص المادة (39) من قانون البينات بمنطوقها الجاري على أن: الشهادة بالسماع غير مقبولة إلا في الحالات الأتية:
(1) -الوفاة.
(2) -النسب.
(3) –الوقف الصحيح الموقوف لجهة خيرية منذ فترة طويلة.
(ج)– شهادة التسامع: ويقصد بها تصريح الشاهد بإسناد شهادته لسماع غير محدد أو معين، وتختلف شهادة التسامع عن الشهادة الثانوية، في أن شهادة التسامع هي شهادة بما يتناقله الناس ويتداول فيما بينهم بشأن واقعة معينة، أي بالرأي الشائع بين أحاد الناس عن تلك الواقعة [[4]]، وحتي يؤخذ بتلك الشهادة ويعول عليها لابد أن تتوافر بها عدة شروط:
(1) –أن تكون الشهادة سمعت من عدلين فأكثر.
(2) –سلامة الشهادة من الريب والظنون.
(3) –أن يحلف المشهود له، فلا يقضي القاضي لأحد بشهادة التسامع إلا بعد أداء اليمين.
مع الأخذ في الاعتبار أن هذا النوع من الشهادة يترك تقديرها للقاضي عند نظر الموضوع، وغالباً لا يعول عليها أو ينظر إليها بعين الاهتمام إلا في أضيق الحالات ودعم بقرائن أخرى تساندها وتؤازرها في الإثبات.
(ثالثاً): شروط الشهادة في القانون الأردني
نظم المشرع الأردني إجراءات شهادة الشهود في المادتين (82،81) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردنية رقم (24) لسنة 1988، وفي هدي هاتين المادتين نجد أن هناك شروط للشهادة تتعلق بالشاهد، وأخرى تتعلق بالشهادة ذاتها، وذلك بالتوضيح التالي:
(أ)-الشروط الواجب توافرها في الشاهد: أوجب قانون البينات الأردني عدة شروط يجب توافرها في الشاهد حتى تصح شهادته ويعول عليها قانوناً تلك الشروط المتمثلة في التالي:
(1) –أن يكون كامل الأهلية: حيث جاءت المادة (32) من قانون البينات بالتـأكيد على ضرورة توافر هذا الشرط بنصها على أن: تسمع المحكمة شهادة كل إنسان ما لم يكن مجنوناً أو صبياً لا يفهم معنى اليمين، ولها أن تسمع أقوال الصبي الذي لا يفهم معنى اليمين على سبيل الاستدلال فقط.
وباستقراء هذا النص التشريعي نلاحظ أن المشرع لم يوجب بلوغ الشاهد سناً محدداً حتى يتسنى له الإدلاء بالشهادة، بل اكتفى بأن يكون الصبي مدركاً لمعنى اليمين وبالتالي سيكون مدركاً لمعية الشهادة، كما أباح أيضاً الإدلاء بشهادة الصبي الذي لم يدرك معنى اليمين ولكنه تضمن ما مفاده أن تكون تلك الشهادة على سبيل الاستدلال وليس اليقين القطعي.
- فضلاً عن أن المشرع الأردني بقانون أصول المحاكمات الشرعية نجد أنه لم ينص على أي شروط تتعلق بالشهود، وإنما ترك أمر تقدير أهلية الشاهد لتقدير المحكمة الشرعية، حيث جاءت المادة (67) من القانون سالف الذكر بالنص على أن: (إذا اقتنعت المحكمة بشهادة الشهود حكم بموجبها وإلا ردتها دون حاجة إلى إجراء تزكية مع بيان أسباب ذلك في الحالتين بناء عل تحقيقات المحكمة)، ومن ثم وهدياً بما جاء بهذا النص أن مسألة تقدير الشاهد لأداء شهادته هو أمر يرجع إلى المحكمة الشرعية أثناء نظر الدعوى، ولم يقيد هذا النص القاضي الشرعي بسن معين أو بالبلوغ حتى تقبل شهادته، وترك مناط الأمر لتقديره، فإن اقتنع حكم بموجب تلك الشهادة، وإن لم يقتنع ردها عليه مع إلزامه بتسبيب الرد في حالة إعماله، ومن ناحية أخرى نجد أن المشرع الأردني لم يتطرق بالتحديد صراحة للتاريخ الذي يتم فيه إدراك الصبي المميز لمعنى اليمين، هل هو وقت الواقعة المطلوب إجراء الشهادة عنها، أم وقت الحضور لمجلس القضاء لأداء الشهادة، ولكن من نافلة القول أنه يفهم باستقراء النص أن التاريخ المعني في هذا المقام هو تاريخ حضور الصبي إلى مجلس القضاء لأنه هو التاريخ الذي يتوجب فيه على القاضي التحقق من كون هذا الصبي مدرك لمعنى اليمين من عدمه.
-
وأخيراً وجب التنبيه عن القصور التشريعي والغموض الشديد الذي أحاط بنص المادة (32) من قانون البينات سالف الذكر، حيث أجاز النص للمحكمة أن تستمع إلى شهادة الصبي الغير مميز بدون يمين على سبيل الاستدلال، حيث لم يفرق هذا النص بين الصبي غير المميز الذي لم يبلغ سن السابعة، وبين الصبي المميز الذي بلغ سن السابعة ولكنه غير مدرك لمعنى اليمين.
-
فمن ناحية وجوب عدم وجود عارض من عوارض الأهلية بالشاهد وهو ما اشترطته نص المادة محل الحديث، حيث يجب أن يكون الشاهد عاقلاً، الأمر الذي استوجب الرجوع إلى أحكام القانون المدني الأردني للوقوف على هذا المعنى لنجد أن نص المادة (43/1) من القانون المدني قد عرفت الإنسان كامل الأهلية بقولها بأنه: (كل شخص يبلغ سن الرشد متمتعاً بقواه العقلية ولم يحجر عليه، يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية، ثم لحقتها الفقرة الثانية من ذات المادة لتحدد سن الرشد ببلوغ الشخص ثمانية عشرة عاماً كاملاً).
-
ومن الجدير بالذكر أن العارض الذي قد يصيب الإنسان من الممكن أن يفقده العقل كلية كحال المجنون ومن في حكمه تطبيقاً لنص المادة (44/1) من ذات القانون بنصها الجاري على أن: ( لا يكون أهلاً لمباشرة حقوقه المدنية من كان فاقد التمييز لصغر سن أو عته أو جنون)، ومن ثم فإن الشخص الذي يصاب بعارض الجنون لا يصلح بأي حال من الأحوال لأداء الشهادة، ويتفرع عن ذلك إجازة لكل ذي مصلحة أن يثبت بكافة طرق الإثبات أن الشخص المطلوب لأداء الشهادة مصاب بالجنون حتى يمنع عن الإدلاء بالشهادة لعدم أهليته في ذلك.
-
وباستعراض هذا المقام وجب التنبيه على وجود حالة قد يختلط الأمر فيها ما بين الجنون والإفاقة مثل مريض الصرع، فقد يدخل الشخص في حالة مؤقته تفقده التمييز والإدراك، وحيناً أخر يخرج من تلك الحالة لحالة العقل واليقظة والإفاقة، مما حدا بالمشرع الأردني إلى التعرض لتلك الحالة بموجب نص المادة (128/2) من القانون المدني بمقالة أن:( المجنون المطبق هو في حكم الصغير الغير مميز، أما المجنون غير المطبق فتصرفاته في حال إفاقته كتصرفات العاقل)، وبالتالي يشترط لتوافر الأهلية للمجنون غير المطبق لأداء الشهادة، أن يكون قد شهد الواقعة موضوع الشهادة وأدرك تفاصيلها وقت إفاقته، كما يجب إفاقته أيضاً وقت الإدلاء بالشهادة وهو الأمر الذي يتفق مع مقتضيات العقل والمنطق.
-
وهناك نوع أخر من عوارض الأهلية قد يصاب به الشخص ولكن لا تعدم إرادته وإدراكه بشكل كامل بل تنتقص منها وهي حالة (العته)، وباستقراء النصوص القانونية التي أفردت لتلك الحالة وجدنا أن هناك تناقض بين قد وقع فيه المشرع الأردني بشأن تلك الحالة وحجية شهادتها، حيث جاءت المادة (127/1) من القانون المدني بنصها على أن: (الصغير والمجنون والمعتوه محجوران لذاتهم)، ومن ثم فقد ساوى المشروع في تلك المادة بين المجنون والمعتوه، وبالتالي فلا يجوز الأخذ بشهادة المعتوه قياساً على شهادة المجنون وتطبيقاً لتلك المادة، في حين نجد أن المادة (128/1) من ذات القانون أجازت الأخذ بشهادته بكونه في حكم الصغير المميز في حالة إدراكه لمعنى اليمين.
(2)- أن يكون الشاهد على ملة الإسلام: بمطالعة نصوص قانون البينات الأردني لم نجد فيه شرط وجوب تمتع الشاهد بديانة الإسلام، وعلى الرغم من ذلك كما سبق وأن أوضحنا أوجبت كلاً من المادة (32) من هذا القانون، وكذا المادة (81) من قانون أصول المحاكمات الأردني تحليف الشاهد حتى يؤخذ بشهادته، مما يستوجب اعتناق الشاهد للإسلام حتى يتسنى للمحكمة تحليفه للقسم، لأن من لا يجوز تحليفه لا يعتد بشهادته قانوناً وهو ما يتفق مع مجريات الأمور الطبيعية والقواعد العامة في هذا الصدد، ولكن يجوز سماع شهادة الغير مسلم بدون قسم على سبيل الاستدلال وليست كقرينة قانونية.
(3) -حسن سمعة الشاهد وسيرته المحمودة: جاء بنص المادة (33/1) من قانون البينات الأردني ما مفاده أن المحكمة تملك السلطة التقديرية لتقدير حجية شهادة الشهود بالنظر إلى أخلاقهم وسلوكياتهم وعدالة معاملتهم وما يستبين خلاف ذلك من حيثيات الدعوى وملابساتها، وبالتالي فإن المحكمة لا تملك أصلياً التحقق من عدالة الشاهد وحسن سيرته بين أحاد الناس، ولكن يقع عبء إثبات ذلك لكل ذي مصلحة من أطراف الدعوى.
(4) – ألا يكون ممنوعاً من أداء الشهادة بموجب نص قانوني: حيث أن المشرع الأردني في هدي المادة (35) قد حظر فئة معينة من الإدلاء بشهادتهم: بشأن أي معلومات، أو مضمون أوراق تتعلق بشئون الدولة الداخلية، إلا في حالة نشر تلك المعلومات أو الأوراق بالطرق والإجراءات القانونية التي تبيح ذلك، أو كانت السلطة المختصة قد أذنت بإذاعتها.
أما فيما يتعلق بالشرط الأول: فالمقصود به أن تكون السلطة المختصة قد نشرت تلك المعلومات أو مضمون تلك الأوراق بالطريق القانوني السليم المتبع في ذلك، وأن تكون نشرت في الجرائد الرسمية، وليس في الصحف المحلية.
أما الشرط الثاني: فقد أجازت المادة سالفة الذكر الإدلاء بالشهادة عن تلك المعلومات أو مضمون تلك الأوراق إذا تحصل الشاهد على تصريح من الإدلاء بالشهادة من قبل السلطات المختصة.
– ثم جاء نص المادة (36) من قانون البينات بحظر الشهادة على فئة ثانية وهم: الموظفين العموميين، وكذا المكلفون بخدمة عامة ولو بعد انتهاء مدة خدمتهم الوظيفية، إلا أن للسلطة العامة المختصة أن تأذن لهم بالشهادة متى رأت ضرورة دعت إلى ذلك بناء على طلب المحكمة أو أحد الخصوم بعد موافقة الهيئة القضائية على ذلك، ذلك أن الموظف الحكومي أو المستخدم العام غالباً ما يطلع على بعض أسرار الدولة بمناسبة وظيفته، فلا يجوز لهذا الموظف ولو بعد انتهاء فترة عمله البوح بتلك الأسرار أو الإدلاء بالشهادة عنها إلا بعد الحصول على إذن بتلك الشهادة من السلطة المختصة في ذلك.
- مما يترتب على مفهوم نص المادتين السابقتين أنه إذا شهد الشخص بأمر يتعلق بما ورد بهاتين المادتين دون الحصول على إذن أو إجازة بذلك فإن شهادته تعتبر باطلة قانوناً ولا ترتب أي أثر قبل أطراف الدعوى.
– هذا وقد حظرت المادة (37) من ذات القانون فئة ثالثة من الإدلاء بشهادتهم وهم: كل من علم من المحامين أو الوكلاء أو الأطباء عن طريق مهنته أو صفته القانونية بواقعة أو معلومات لا يجوز له أن يفشيها ولو بعد انتهاء خدمته أو زوال صفته، مالم يكن ذكرها له قصد به ارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون.
- وعليه إذا أفشى صاحب المهنة من المهن المذكورة بنص المادة سالف الذكر سر عميله في غير الاستثناءات المشار إليها بنص تلك المادة، فإن شهادته تعتبر هي والعدم سواء ولا يؤخذ بها كقرينة أو حتى استدلالاً.
– وأخر فئة محظورة من الشهادة هي ما نصت عليه المادة (38) من القانون المشار إليه التي قررت: لا يجوز للزوجين أن يفشي بغير رضاء من الأخر ما أبلغه إياه أثناء قيام العلاقة الزوجية ولو بعد حل عري تلك العلاقة، إلا في حالة إقامة دعوى قضائية من أحدهما ضد الأخر بسبب جناية أو جنحه وقعت من طرفيها على الأخر.
(5) -لابد من إتيان الشهادة على واقعة قانونية متنازع عليها: حيث يجب أن تكون الشهادة منصبه على واقعة مرتبطة بالنزاع محل الدعوى، فضلاً عن وجوب أن تكون الشهادة من شأنها التأثير على وجه الرأي في الدعوى، وجائزة الإثبات قانوناً بدليل شهادة الشهود.
(5) -عدم وجود أي شبهة لقيام مصلحة تجر نفعاً للشاهد: ذاك الشرط الذي يعد بمثابة أهم شرط من الشروط المطلوب توافرها في الشاهد، حيث يتوجب على الشاهد أثناء الإدلاء بشهادته التجرد من أي مصلحة شخصية أو نفع ذاتي من جراء تلك الشهادة تدليلاً على ما جاء بنص المادة (80) من القانون المدني الأردني بمقالة:( كل شهادة تضمنت جر مغنم للشاهد، أو دفع مغرم عنه، ترد، ومن ثم فلا تقبل شهادة الشاهد إذا تبين أن مصلحته كسب أحد الخصوم للدعوى، أو كان سيترتب ضرر يلحق به في حال خسارتها ولمحكمة الموضوع تقدير ما إذا كانت الشهادة تجر مغنماً للشاهد أو تدفع عنه مغرماً دون رقابة عليها من محكمة التمييز في ذلك، ويقع عبء إثبات بوجود مصلحة تعود على الشاهد من جراء الإدلاء بشهادته لكل ذي من أطراف الدعوى من شهادة الشاهد).
- ومن المفيد بالذكر في متناول تلك الفقرة أنه هناك نوع أخر من المصلحة التي قد تعود على الشاهد من شهادته وهي المصلحة المعنوية، حيث قد تكون للشاهد مصلحة معنوية من جراء شهادته، والمتمثلة في الحفاظ على صلة القرابة التي تربط بينه وبين أحد أطراف الدعوى، ذاك أن الطبيعة البشرية في بعض الأحيان قد تفرض على الشخص التعاطف مع ذويه والميل إلى إرضائهم وتحقيق نفع لهم وعلى حساب الحق والعدالة، مما حدا بالفقه القانوني إلى تقسيم تلك العلاقة على النحو التالي:
1-الشهادة بين الأصول والفروع: بالبحث في قانون البينات الأردني لم نجد نص تضمن الإشارة إلى منع شهادة الأصول للفروع أو العكس، ومن ثم فقد ترك المشرع أمر تقدير تلك الشهادة والأخذ بها من عدمه لسلطة قاضي الموضوع، إلا أن الفقه القانوني في هذا الصدد قد ميز بين حالتين:
الحالة الأولى: استقلال ذمة الشاهد عن ذمة أصله أو فرعه، فتلك الشهادة لا غبار عليها ولا مطعن ويؤخذ بها مثلها في ذلك مثل شهادة أي شخص طبيعي تتوافر فيه شروط الشهادة، مع أفضلية إعمال قواعد الحيطة والحذر والتحوط من صحة الشهادة بسبب احتمالية إدلائها تحت ضغوط نفسية معينة بسبب صلة القرابة.
الحالة الثانية: أن يكون الشاهد مازال تحت ولاية أصله، كما هو الحال بالنسبة للقاصر الذي لم يبلغ سن الرشد، وبالتالي فأصله هو من يقوم بالإنفاق عليه، أو عكس ذلك كما هو الحال بإنفاق الفرع على الأصل لكبر سن الأصل أو عجزه عن الكسب، ففي تلك الحالتين تتوافر مصلحة شخصيه للشاهد في إثراء أصله أو فرعه، الأمر الذي يستوجب على المحكمة وقتها رد تلك الشهادة لأنها تجر نفعاً أو تدفع ضرراً.
2-الشهادة بين الأخوة والحواشي: لم يحظر قانون البينات الأردني شهادة الأخ مع شقيقه أو ضده، على الرغم من صلة العلاقة القوية فيما بينهما، تاركاً أمر تقديرها لقاضي محكمة الموضوع أثناء بحث الدعوى وإنزال مضمون ما جاء بالشهادة عليها، شريطة أن تكون تلك الشهادة إعمالاً للمبدأ الأصيل والركن الركين في أن تكون لا تجر نفعاً ولا تدفع ضرراً، فإن ثبت ذلك فترد الشهادة ولا يؤخذ بها.
(ب)-شروط الشهادة: لم يتضمن التشريع الأردني بقانون البينات أو القانون المدني شكلاً خاصاً أو معيناً للشهادة، ولكن تعرض الفقه القانوني من خلال بعض التطبيقات القضائية لبعض الشروط والضوابط التي تحكم الشهادة وأدائها من خلال الطرح التالي:
(أ)-لزاماً على المحكمة وقبل إدلاء الشاهد بشهادته أن تحلفه القسم بالصيغة التي أوجبها المشرع الأردني في المادة (81/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردنية التي نصت على أن:
1-يحلف الشاهد قبل الإدلاء بشهادته اليمين التالي: “أقسم بالله العظيم أن أقول الحق ولا شيء غير الحق”، وتستمع المحكمة لشهادته دون الحضور للشهود الذين لم تسمع شهادتهم
(ب)-وجوباً لصحة الشهادة أن تصدر من شخص عاقل ومدرك لكل ما يمليه على المحكمة، فلا تصح شهادة المجنون أو شهادة الصبي الغير مدرك معنى اليمين، مع جواز الأخذ بشهادة الصبي الغير مدرك على سبيل الاستدلال فقط كما سبق التوضيح لذلك.
(ج)-يجب لصحة الشهادة أن تؤدى شفاهه أمام مجلس القضاء، فلا يجوز أن تكون الشهادة مكتوبة إلا في فيما يصعب بيانه أو استظهاره بالقول، أو كان الشاهد ممن ليس له قدرة على الكلام بسبب إعاقة أو مرض تطبيقاً لنص المادة (33/1) من قانون البينات الأردني.
(رابعاً): بعض أحكام التمييز الأردنية والمبادئ القانونية بشأن شهادة الشهود
1-قرار محكمة التمييز رقم(214/2018فصل20/3/2018) الصادر عن الهيئة العادية بتاريخ 15/1/2019
مبدأ قانوني:( وحيث أن كون الشهود هم خصوم للمميزة في قضايا أخرى لا يكفي لغايات إثبات جر مغنم لهم أو دفع مغرم عنهم وبالتالي لا تنطبق أحكام المادة (80) من القانون المدني التي توجب رد الشهادة، بالإضافة إلى ذلك فإن إثبات المطالبات العمالية جائز بكافة طرق الإثبات سنداً لأحكام المادة (15/1) من قانون العمل).
2-قرار محكمة التمييز رقم (1525/2016) فصل (2/8/2016) الصادر عن الهيئة العادية بتاريخ 17/7/2018 مبدأ قانوني: (حيث إن جميع شهادات الشهود جاءت على السماع حيث ذكر جميع شهود المدعية (المميز ضدها) أن ما أدلوا به من أقوال كان بناءً على ما سمعوا من المدعية من أقوال أو معلومات وحيث إنه لا تقبل الشهادة بالسماع إلا في حالات أوردتها المادة (39) من قانون البينات على سبيل الحصر وهي (الوفاة، النسب، الوقف الصحيح الموقوف لجهة خيرية منذ مدة طويلة).
3-قرار رقم42/1989، تمييز حقوق، هيئة ثلاثية، بتاريخ 18/1/1989 حيث جاء فيه : ( لا تعتبر شهادة الطبيب على الوقائع المدونة في تقريره شهادة على السماع بالمعنى المقصود في المادة (39) في قانون البينات التي تمنع قبول الشهادة بالسماع، بل هـي شــهـادة على إقــرار المـمـيـز ضـده (المريض) بهذه الوقائع في غير مجلس الحكم المعني المقصود في المادة (46) بينات، والذي يقبل إثباته شهادة الشهود إذا سبقته قرائن قوية تدل على وقوعه).
4 -قرار رقم 891/2007، تمييز حقوق، هيئة خماسية، بتاريخ 6/6/2007 حيث جاء فيه : ( لمحكمة الموضوع تقدير ما إذا كانت الشهادة تجر مغنماً للشاهد أو تدفع مغرماً عنه وفقاً لما تقضي به المادة (80) من القانون المدني، وأن مجرد عمل الشاهد موظفاً لدى الجهة المدعي عليها لا توجب رد تلك الشهادة مالم تتحقق الشروط المنصوص عليها في المادة المذكورة).
(خامسا): خاتمه
البينة الشخصية أو شهادة الشهود وسيلة من وسائل الإثبات القانونية والمقصود منها أن يثبت المرء حقه أو يثبت ادعاءه في مجلس القضاء بأشخاص يدلو بأسمائهم لقاضي محكمة الموضوع للإدلاء بالشهادة في النزاع المطروح أمام المحكمة.
ودائما ما يلجأ الناس لإشهاد بعضهم البعض فيما بعد في معاملاتهم وحفظاً لحقوقهم من الضياع، ولكن هنالك من لم يحسن في اختيار الشاهد أو الشهود على الواقعة المراد حفظها مما يترتب عليه في المستقبل إذا حدث خلاف بينه وبين خصمه في ضياع حقه والسبب يعود لجهل الكثير من الناس في معرفة شروط الشهادة ومدى انطباقها على الشاهد أو شهود الذين أشهدهم على حقه عند الآخرين.
ومن ثم توجب علينا النظر بعين البحث من خلال هذا المقال لتسليط الضوء على أهم الجوانب الموضوعية والقانونية التي تحكم شهادة الشهود والشوط التي ألزم القانون توافرها من خلال العرض المتقدم.
كتابة الأستاذ/ محمد جلال جعفر
[1] – ابن الهمام، محمد عبد الواحد(1970)، فتح القدير شرح الهداية، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط1، ج7، ص164-365.
[2] – المنصور، أنيس منصور(2011)، شرح قانون أحكام البينات الأردني وفقاً لأخر التعديلات، إثراء للنشر والتوزيع، الأردن، ومكتبة الجامعة، الشارقة ط1، ص177.
[3] – العبودي، عباس(2005)، شرح قانون البينات، دار الثقافة، عمان، ص145.
[4] – محمد علي خليل(2009)، سلطة القاضي في توجيه إجراءات الخصومة المدنية، دراسة مقارنة، دار المسيرة، عمان، ط1، ص184.

