الوفاء بواسطة الشيك وأثره في إبراء ذمة المدين
في مستهل الحديث عن الوفاء بواسطة الشيك ينبغي أن أشير إلى أهمية الشيك كورقة تجارية، تقوم بدور هام في الحياة التجارية والمعاملات الاقتصادية، فهو أداة وفاء للالتزامات أيا كان نوعها مدنية كانت أم تجارية، ولا يخفى عن الفطنة أن هناك آثار قانونية تترتب على تحرير الشيك مرتبطة بمقابل الوفاء ويتوقف عليها براءة ذمة المدين من عدمه، ولبحث هذه الآثار لابد من معرفة التكييف القانوني للوفاء بواسطة الشيك، وفيما إذا كان الوفاء معتبراً أم لا ، ويلاحظ على موقف المشرع الأردني أنه لا يعتبر قبض الشيك مبرأً لذمة المدين في الالتزام الصرفي، بل اشترط لبراءة ذمة المدين صرف الشيك بالفعل، حيث أشار إلى ذلك في المادة ( 272 ) من قانون التجارة الأردني والذي أكد فيها على أن قبول الدائن تسلم الشيك من قبل المدين لا يبرأ ذمة المدين، لأن ذمة المدين لا تبرأ إلا بالوفاء بقيمة الشيك فعلاً.
- وترتيباً على ما تقدم سأحاول في هذا المقال تسليط الضوء على الوفاء بواسطة الشيك، وبيان أثره في إبراء ذمة المدين ، وذلك من خلال العناصر الآتية:
ثانياً: أثر الوفاء بواسطة الشيك في إبراء ذمة المدين:-
ثالثاً: مسؤولية الجهة التي يقدم إليها الشيك عن الوفاء.
رابعاً: أثر إهمال الحامل في تقديم الشيك للوفاء في براءة ذمة المدين.
أولاً: عملية الوفاء بالشيك
1- أطراف الوفاء بالشيك:
تجدر الإشارة بداية إلى أن المشرع الأردني قد عرف الشيك في المادة( 123/ج ) بأنه: (أمراً صادراً من شخص وهو الساحب، وموجهاً إلى شخص آخر هو المسحوب عليه، بأن يدفع لشخص ثالث أو لأمره أو لحامل الشيك وهو المستفيد، مبلغاً معيناً بمجرد الاطلاع على الشيك )، ويلاحظ من استقراء النص السالف بيانه أن أطراف الشيك ثلاثة: الساحب وهو المدين الأصلي للشيك، والمسحوب عليه وهو البنك، والمستفيد وهو الشخص الذي حرر الشيك لمصلحته، سواء كان شخصاً طبيعياً أو معنوياً فرداً أو متعدداً.([1])
والجدير بالذكر أن يوجد علاقة قانونية تنشأ عن اطراف الشيك وهما:
العلاقة الأولي: بين الساحب والمسحوب عليه:
فالمسحوب عليه مديناً للساحب بمقابل الوفاء، ولذلك يوجه الساحب أمره للمسحوب عليه بالدفع، إذا لم يكن المسحوب عليه مديناً بمقابل الوفاء للساحب، فإنه لن يكون ملتزماً تجاه المستفيد بدفع قيمة الشيك.
العلاقة الثانية: بين الساحب والمستفيد:
وفى هذه العلاقة يكون الساحب مدينا للمستفيد، ولذلك فيحرر الشيك ويسلمه للمستفيد، فالشيك يعد أداة وفاء، وبتسليم الشيك إلى المستفيد تنشأ علاقة أخري من الشيك ذاته، بين المستفيد والمسحوب عليه، يكون فيها المستفيد هو الدائن والمسحوب عليه هو المدين، ويحق للمستفيد أن يتوجه للمسحوب عليه ويطالبه بالوفاء بالشيك،([2]) والوفاء بقيمة الشيك يكون وفاء بالتزام الساحب الصرفي ويتم من المسحوب عليه إلى المستفيد.
2- صاحب الحق في تقديم الشيك للوفاء
من المسلم به أن صاحب الحق في تقديم الشيك للوفاء قد يكون المستفيد الذي حرر الشيك باسمه أو لأمره، وقد يكون المظهر إليه الذي انتقل إليه الشيك بالتظهير، وقد يكون المستفيد الحامل، أو من انتقل إليه الشيك بالمناولة، أو بحوالة الحق إذا حرر باسم شخص معين مع ذكر عبارة ليس لأمر لأنه حينئذ لا يقبل الشيك التداول بالتظهير، بل ينتقل بحوالة الحق المدنية.
3- الجهة التي يتم تقديم الشيك إليها للوفاء
يجب على الحامل الشرعي للشيك التقدم إلى المصرف للوفاء بقيمته لأنه المدين الملزم بوفائه وفقا للمادة( 231 ) من قانون التجارة، وهو شرط هام وضروري قبل الرجوع على الساحب والملتزمين الآخرين، فإذا تعذر تحصيل قيمة الشيك بالامتناع عن الوفاء من قبل البنك، يتم إثبات ذلك إما بتنظيم احتجاج وفق الأصول، أو ببيان صادر عن المسحوب عليه، أو ببيان صادر عن غرفة المقاصة، وللحامل بغرض الرجوع على المظهرين والساحب وغيرهم من الملتزمين به إذا قدمه في الوقت المحدد، وفقاً لما تقضي به المادة( 260 ) قانون التجارة.
4- التكييف القانوني للوفاء بالشيك
لعله من المفيد التأكيد على أن قبول تسلم الشيك من قبل الدائن لا يبرأ ذمة المدين، لأن ذمة المدين لا تبرأ إلا بالوفاء بقيمة الشيك كما ورد في المادة( 273 ) من قانون التجارة، وهناك من يعتبر تسليم الشيك وفاء حكما معلقا على شرط فاسخ وهو عدم تحقق الوفاء بالشيك، فإن لم يتم تحصيل قيمة الشيك اعتبر الوفاء كأن لم يكن، وفي المقابل هناك من لا يتفق مع من ينظر إلى إصدار الشيك أو تظهير على أنه وفاء حكميا معلق على شرط فاسخ، وذلك منعاً من بقاء براءة ذمة المدين متوقفة على إرادة الحامل إن شاء قدم الشيك للوفاء وإن لم يشأ يقدمه، والأصح أن براءة ذمة المدين لا تحدث إلا حين الوفاء الفعلي بالشيك، وليس الوفاء الحكمي.
- وترتيباً على ما تقدم لا يمكن القول بتطبيق القواعد العامة بالوفاء على الشيك، ولا يمكن أيضا القول بعدم تطبيقها على إطلاقها، لأن الوفاء بواسطة الشيك يمر بمرحلة تداول الشيك التي قد تنتهى بالوفاء، وقد تنتهي بغير الوفاء فيجب بحث كل مرحلة على حدة.
ثانياً: أثر الوفاء بواسطة الشيك في إبراء ذمة المدين:-
1- مدى جواز تطبيق القواعد العامة للوفاء على المدين الساحب
إذا تحقق الوفاء بالشيك فعلا، فإن الالتزام الصرفي يكون قد انقضى بالوفاء فعلا، ويكون محل البحث هو مصير الوفاء، وليس مصير الالتزام الصرفي لأن الوفاء سواء بواسطة شيك، أو بغيره هو ثمرة اتفاق، ولا يجوز أن يكون الموفي له نقدا بأفضل حال من الموفي له بواسطة الشيك، وما دام انتهى الأمر إلى الوفاء فعلا، فإنه تبرأ ذمة المدين، فلا يكون للتقرير بالفسخ، أو بالبطلان من أثر إلى الحد الذي يتم فيه إغفال ما تحقق من وفاء، والتقرير بإعادة المتعاقدين إلى ما كانا عليه قبل التعاقد، أما إذا انتهت مرحلة التداول بدون صرف الشيك، فإن التقرير بالبطلان، أو بالفسخ سيكون من شانه التقرير بمنع مطالبة الساحب، أو المظهر بحسب الأحوال لأنه لا يمكن اعتبار إصدار الشيك بحد ذاته وفاء، وفيما يتعلق بالمشرع الأردني، فإنه وبالاطلاع على المادة( 253 ) من قانون التجارة، فإنها تشير إلى أن من يوفي بقيمة الشيك دون معارضة يعتبر وفاؤه صحيحا مع مراعاة ما ورد في المادة( 270 ) المتعلقة بمسؤولية البنك عن الوفاء بالشيك المزور، وبالتالي، فإنه لا يمكن اعتبار الوفاء صحيحا من جهة واعتبار الاستيفاء غير صحيح في حالة عدم وجود المعارضة. الأمر الذي يبقى معه الأثر القانوني للدفع بنقصان الأهلية، أو انعدامها حصرا بين المدين والدائن المباشر سواء كانا بين الساحب والمستفيد، أو بين المظهر والمظهر إليه. أما الحامل حسن النية، فإنه لا يمكن مساءلته عن انعدام أهلية الساحب، أو المظهر غير المباشر.
- والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل يجب على البنك رفض الوفاء إذا تبين له بأن الساحب ناقص الأهلية، أو أنه فاقد الأهلية؟، كأن يكتشف المسحوب عليه أن الساحب قدم له عند فتح الحساب أوراقا مزورة لإيهامه بلوغ سن الرشد على خلاف الحقيقة.
-
لقد ذهب البعض إلى القول بأن المسحوب عليه لا يجوز له الامتناع عن الوفاء إلا في حالة عدم وجود رصيد، أو عدم انتظام سلسلة التظهيرات، وأنه يبقى تبعا لذلك ملزما بالوفاء في مواجهة الحامل وصولا إلى القول بأنه يتوجب على البنك تحمل وزر إهماله بشان التحري عن أهلية الساحب عند فح الحساب، أو تسليمه دفتر الشيكات.([3])
2- مدى تطبيق القواعد العامة في الوفاء على المستفيد
بادئ ذي بدئ لابد من الإشارة إلى أنه، وبدلالة المادة( 241 ) من قانون التجارة والمادة( 146 ) من ذات القانون التي اعتبرت حامل السند هو الحامل الشرعي، فإنه يفهم منها أن البنك ملزم بالتحقق من شخصية الحامل، ويفهم ذلك أيضا من مجمل نصوص المواد( 239 ) وما بعدها. هذا بالإضافة إلى أن ما يقتضيه طبيعة العمل المصرفي من وجوب حفظ السجلات يفرض على البنك التأكد من شخصية من يتم الوفاء له، والتحقق من أهليته خاصة إذا ظهرت على المستفيد حداثة السن، أو الجنون، أو العته.([4])
ولقد ذهب بعض الفقه إلى القول بأنه، وعلى الرغم من أن الشيك المسحوب للمستفيد ناقص الأهلية هو شيك صحيح إلا أن الوفاء به لا يجوز أن يتم إلا لوليه إعمالا للمادة( 241 ) من قانون التجارة.
- وهناك من ينتقد الرأي المذكور ويري أنه غير صحيح، لأن الوفاء قد تحقق فعلاً وبالتالي يكون من الواجب إعمال نص المادة( 321 ) من القانون المدني باعتبارها القاعدة العامة في الوفاء، واعتبار الوفاء صحيحا ما لم يثبت أنه ضاع منه، أو هلك في يده على أن نميز بين حالتين كما يلي:
الحالة الأولى: تقديمه للصرف
إذا قام المستفيد القاصر بتقديم الشيك للصرف، فإن الوفاء يجب أن يكون للولي. فإن تم الوفاء له شخصيا، وضاع منه المبلغ، أو بدده كان للولي مطالبة المدين بالدين. إلا أن البنك يكون مسؤولا في مواجهة الولي لأنه قام بالوفاء لغير كامل الأهلية، هذا بالإضافة إلى مسؤولية الساحب لأنه سلم أداء الوفاء لمن لا يصح الوفاء له.
الحالة الثانية: حالة تظهير الشيك
إذا ما قام المستفيد بتظهير الشيك، ولكن المبلغ ضاع منه، فإن المظهر له يكون مسؤولا في مواجهة الولي، ويكون الساحب أيضا مسؤولا في مواجهته لأنه أيضا سلمه أداء الوفاء.
ثالثاً: مسؤولية الجهة التي يقدم إليها الشيك عن الوفاء.
1- المسؤولية بوجه عام
حتى يقع الوفاء من قبل البنك صحيحا، فإنه يجب على المسحوب عليه التحقق من بيانات الشيك، وشروطه الشكلية ومن توقيع الساحب بالمقارنة مع التوقيع المحفوظ على النموذج لديه، وكذلك التحقق من خلو الشيك من أي كشط، أو تغيير ما لم يكن موقعا عليه حسب الأصول، والتحقق كذلك من عدم وجود معارضة في الوفاء.([5]) كما يجب عليه التحقق من توافر أهلية حامل الشيك، ومن أنه هو الحامل الشرعي، وبالتالي صاحب الحق الشرعي في مبلغ الشيك. فإن كان الشيك محررا للحامل كان هو صاحب الحق الشرعي في المبلغ، فإن أوفى البنك الحامل اعتبر وفاءه صحيحا، وأما إن كان الشيك لأمر، فيجب التحقق من أن الحامل هو المستفيد الأول الذي حرر الشيك باسمه، أو لأمره، أو أن الحامل هو من انتقل الشيك إليه بالتظهير وفق الأصول دون أن يكلف بالتحقق من صحة توقيعات المظهرين لعدم معرفته بهم (م 253/2 تجارة)، وإنما فقط التحقق من عدم انقطاع سلسلة التظهيرات، أما إن كان الشيك باسم شخص معين، وليس لأمره، فعليه أن يتحقق من أن الحامل هو الشخص الوارد اسمه في الشيك. أو من انتقل إليه الحق الثابت في الشيك وفق الحوالة المدنية (م293/2 تجارة) ويعتبر حاملاً شرعيا من ينتقل إليه الشيك عن طريق الميراث، أو الوصية.([6])
- ويعتبر وفاء البنك بالشيك بحسن نية ودون خطأ منه وفاء صحيحا حتى لو اتضح أن الوفاء في الواقع قد وقع لمن ليس له حق في الوفاء، وهو ما أكدت عليه المادة( 253 ) من قانون التجارة التي اعتبرت الوفاء الذي يقع دون معارضة وفاء صحيحا، إلا أن الإطلاق الذي جات عليه المادة المذكورة لا يمتد ليشمل الوفاء لمعدوم الأهلية، أو لناقص الأهلية لأنه بإمكان البنك التحقق من الأهلية عند الصرف، والسبب في وجود هذا النص في قانون التجارة هو أن إبراء الذمة في القانون المدني لا يتحقق في الأصل إلا إذا حصل للدائن الحقيقي فعلا، فإن وقع لغير الدائن لم يبرأ المدين من الوفاء، ويكون عليه الوفاء مرة أخرى، أما الورقة التجارية، فإنها معدة للتداول، ويكون البنك في مواجهة حامل لا يعرفه، وهو حامل الشيك دون أن يكون لديه الوقت الكافي للتحقق من أحقيته سوى من الاطلاع على الورقة ذاتها وبياناتها الأمر الذي يعتبر معه وفاءه صحيحا إن كان الوفاء قد تم لغير الدائن الحقيقي ما دام البنك قد بذل الاحتياطات اللازمة من جهة التحقق من سلامة الورقة، وأهلية الحامل، وشخصيته.([7])
2-المسؤولية عن وفاء الشيك المزور أو المحرف
تنص المادة( 270 ) من قانون التجارة على أنه :(1- يتحمل المسحوب عليه وحده الضرر المترتب على شيك مزور أو محرف إذا لم يكن نسبة أي خطا إلى الساحب المبين اسمه في الصك. 2-وبوجه خاص يعتبر الساحب مخطأً إذا لم يحافظ على دفتر الشيكات المسلم إليه بما ينبغي من عناية).
- ويلاحظ أن العميل يعتبر مخطئا إذا لم يحافظ على دفتر الشيكات المسلم إليه بما ينبغي من العناية، فعندما يفقد دفتر الشيكات في يد الغير الذي يقوم بتقليد التوقيع، ثم يعرضه على البنك الذي لا يكون بوسعه كشف التقليد عندما يكون متقنا، فيقوم بالوفاء بقيمته، فعلى الرغم من أن الوفاء يجب أن يتم لشيك موقع من العميل إلا أن البنك في هذه الحالة لا يتحمل المسؤولية لأن الساحب قصر في المحافظة على الشيك. أما إن كان التزوير واضحا، ويمكن كشفه من البنك، فإن البنك يتحمل المسؤولية في مواجهة العميل، وأما إن كان الخطأ مشتركاً فإن كلا منهما يتحمل المسؤولية بقدر نسبة خطاه، وأما إن ضاع الشيك، أو تمت سرقة الشيك من الحامل، وتم تظهيره بتقليد التوقيع، فإنه لا يكون هناك خطا من البنك لأنه لا يعتبر مسؤولا عن التحقق من صحة تواقيع المظهرين، كما أن الساحب لم يصدر منه خطا للقول بمسؤوليته، فتنتفي حينئذ مسؤولية كل من البنك والساحب([8]).
وفي هذا أود أن أشير إلى أن الأصل أن يكون وفاء البنك نهائيا دون أن يكون للبنك الحق في الرجوع على من قبض المبلغ إلا في حالة وجود خطأ مادي جسيم، أما في حالتي الضياع، أو السرقة، فإنه لا يكون للحامل الذي سرق منه الشيك، أو ضاع إلا المعارضة في وفاءه. ولا يكون له الرجوع على الساحب، أو المظهرين، أو الموقعين الأخرين لأن نفاذ الرصيد بوفاء الشيك أو تجرد الحامل من حيازة الشيك يؤدي إلى براءة ذمة كل من المذكورين في مواجهة الحامل. ولا يكون أمامه سوى مطالبة المسحوب عليه بالوفاء مرة ثانية إذا اثبت خطا المسحوب عليه في الوفاء الأول.([9])
وقد ذهب جانب من الفقه بأن قيام البنك بصرف الشيك قبل التاريخ الوارد عليه قد يعرضه للمسؤولية إذا ما قام الساحب بإصدار شيك أخر غير مؤرخ التاريخ، ولم يصرفه البنك بسبب عدم وجود رصيد ناشئ عن صرف الشيك الأول،([10]) إلا أن المشرع الأردني وفي المادة (245/2( منه أشار إلى هذه الحالة، فأشارت المادة المذكورة إلى أن الشيك المقدم للوفاء قبل التاريخ المثبت فيه كتاريخ إصدار يكون واجب الوفاء يوم تقديمه. هذا ويشار هنا إلى أن المادة ( 275/1 (قد فرضت غرامة على كل من وضع تاريخا غير صحيح على الشيك. ([11])
رابعاً: أثر إهمال الحامل في تقديم الشيك للوفاء في براءة ذمة المدين.
1- صور إهمال الحامل
أ- عدم تقديم الشيك للوفاء في المواعيد
يقع على حامل الشيك التزام بتقديم الشيك في الميعاد المحدد قالونا، فإن لم يفعل، فإنه يكون في الأصل قد عرض حقة للسقوط بسبب الإهمال، ولم يتضمن قانون التجارة الأردني حصرا للحالات التي يعتبر فيها الحامل مهملا، ولكنه فرض التزامين على حامل الشيك، وهما تقديم الشيك للبنك، وطلب وفاءه خلال الميعاد المحدد قانونا، وإجراء الاحتجاج أو ما يقوم مقامه خلال الميعاد المذكور، فإن لم يقم بهاذين الالتزامين فإنه يعتبر مهملا إلا أنه وعلى الرغم من اعتباره مهملا، فإن المادة( 183/ 10 ) من قانون التجارة لم ترتب السقوط على الإهمال المذكور من حيث المبدأ سواء في مواجهة الساحب، أو في مواجهة المظهرين، إلا أنه، وإذا ما قام الساحب بتقديم مقابل الوفاء، ولم يقم الحامل بتقديم الشيك للوفاء في المواعيد المحددة، فإن حقه في الرجوع على الساحب يسقط في حالة هلاك الرصيد بعد انقضاء مواعيد التقديم بفعل غير منسوب للساحب، كما لو افلس المسحوب عليه. لأنه من غير المقبول تحمل الساحب تبعة إهمال الحامل لأن من شان ذلك تحميل المسحوب عليه مقابل الوفاء مرتين.([12])
- ويرى أحد شراح قانون التجارة الأردني، وبحق، أن المادة( 260 ) من قانون التجارة الأردني وإن كانت لم تنص على سقوط حق الحامل المهمل إلا أن مفهوم المخالفة للمادة المذكورة يفيد بسقوط حق الحامل المهمل إلا أن الإحالة الواردة في المادة( 262 ) على المادة ( 183 ) أعادت التناقض لموقف المشرع الأردني من المسالة لأن المادة ( 183/10 ) تعفي الحامل المهمل من جزاء السقوط في حالة إهماله تقديم الشيك للوفاء أو تحرير احتجاج عدم الوفاء وألزمته بالتعويض.([13])
وعلى الرغم من أن المادة( 249/1 ) من قانون التجارة جاءت بصيغة الجواز عندما نصت على حق البنك في وفاء قيمة الشيك في حالة تقديمه بعد القضاء الميعاد، فإن النص المذكور يعتبر في غير محله، وغير متفق مع المركز القانوني للبنك باعتبار البنك غير ملتزم صرفيا، كما ذكرنا سابقا، وبالتالي، فإنه بصفته تلك لا يتأثر بإهمال الحامل، أو عدم إهماله لأن ما يكون الحامل تجاهه هو المطالبة بالرصيد ما دام الرصيد موجودا فلا يكون البنك الخيار في الوفاء من عدمه، وإنما يكون عليه واجب الوفاء بالشيك.([14])
وترتيبا على ما تقدم، وبما أن إهمال الحامل لا يؤدي إلى سقوط حقه فإن ذمة المدين في الالتزام الصرفي تبقى مشغولة ما دامت لم تمض المدد المحددة للتقادم الصرفي وتبقى ذمة المدين بالالتزام الأصلي مشغولة أيضا ما دامت لم تمض مدة التقادم الخاصة بها.
ب- عدم رفع الدعوى الصرفية في الميعاد
جدير بالذكر أنه يتوجب على الحامل رفع الدعوى خلال المدة التي حددها القانون سواء تم تقديم الشيك للوفاء خلال المدة المحددة قانونا، أم لم يقدم تحت طائلة سقوط حق الحامل. ويستفيد منه كل من لم يستفد من حالات السقوط بالإهمال باستثناء الساحب الذي لم يقدم مقابل الوفاء، أو قدمه ثم سحبه كلا، أو بعضا، وكذلك باقي الموقعين الذين حصلوا على ربح غير عادل.([15])
- ففي حالة عدم رفع الدعوى على الساحب خلال المدة المحددة، وهي ستة شهور، فإنه يترتب على ذلك سقوط الدعوى بمضي المدة المذكورة محسوبة من تاريخ تقديمه للوفاء، أو من تاريخ انقضاء موعد التقديم، إلا إذا كان مقابل الوفاء غير موجود عند إنشاء الشيك، أو أن الساحب سحبه كله، أو بعضه خلال المدة المحددة للتقديم، فإن حق الحامل المهمل لا يسقط بمضي الميعاد المذكور وفقا للمادة( 271/4 ) من قانون التجارة لأنه لا يجوز للساحب أن يثري بلا سبب على حساب الحامل، وكذلك المظهرون والملتزمون الذين حصلوا على كسب غير عادل، فإن الدعوى أيضا لا تسقط في مواجهتهم. بل يخضع للتقادم الطويل.([16])
وأما بشان المسحوب عليه الذي يمتنع عن الوفاء على الرغم من توافر الرصيد الكافي، أو امتناعه عن الوفاء الجزئي بحدود ما هو متوفر لديه، فإن الدعوى في مواجهته تسقط بمضي خمس سنوات محسوبة من تاريخ انقضاء موعد التقديم وفقا للمادة( 271/1( من قانون التجارة.([17])
ويترتب على قبول الدفع بالتقادم براءة المدين من التزامه الصرفي. إلا أن التقادم لا يمس حقوقا أخرى لم يعرض لها التقادم. فلا يترتب عليه انقضاء الدين الأصلي الذي حررت الورقة، أو ظهرت من أجله، فيبقي الدين الأصلي قائما ما لم ينقض التقادم الخاص به، كما أن التقادم لا يمس إلا التزام المدين الذي تمسك به.([18])
ج- موقف قانون التجارة الأردني من إهمال الحامل
الفرض الأول: في حالة إهمال تقديم الشيك في المواعيد المحددة
على الرغم من أن المادة( 260 ) من قانون التجارة الأردني لم تنص صراحة على سقوط حق الحامل المهمل في حالة عدم تقديم الشيك للوفاء في المواعيد المحددة إلا أن مفهوم المخالفة للمادة المذكورة يفهم منه بأن الحامل المهمل يفقد حقه في الرجوع على الساحب، والمظهرين، وغيرهم من الملتزمين باعتباره جزاء على إهمال الحامل. إلا أن المادة( 183) وبعد أن نظمت مواعيد الاحتجاج، والإشعار في الفقرات من 1 إلى 9 انتهت في الفقرة 10 إلى القول بأنه لا يترتب على عدم مراعاة إرسال الإشعار، أو تقديم الاحتجاج خلال المواعيد المعينة سقوط أي حق من حقوق من وجب عليه القيام بها، والى تحميله عوضا عن ذلك المسؤولية عن تعويض الضرر الذي ترتب على إهماله، أو تخلفه بما لا يزيد عن قيمة السند.
- أما المادة( 190) فإنها وبعد أن نصت على وجوب مراعاة الفقرة 10 من المادة( 183 ) من قانون التجارة نصت على سقوط حق الحامل تجاه المظهر، والساحب، وغيرهم من الملتزمين يمضي المواعيد المعينة للتقديم، أو المحددة للاحتجاج، أو المحددة للتقديم للوفاء في حالة اشتراط الرجوع بلا مصاريف على أنه لا يقع السقوط تجاه الساحب إلا إذا اثبت انه قدم مقابل الوفاء في تاريخ الاستحقاق، وانتهت المادة إلى القول بأنه لا يكون للحامل حينئذ إلا الدعوى علي المسحوب عليه.([19])
ونخلص مما ذكر إلى أن المشرع قد وقع في التناقض فبينما يفهم من المادة( 260 ) سقوط حق الحامل المهمل، إلا أنه يفهم عدم سقوطه من المادتين( 183 و190 ) المشار إليهما إلا إذا زال مقابل الوفاء يفعل غير منسوب للساحب بعد انقضاء ميعاد تقديم الشيك، كما هو في حالة إفلاس المسحوب عليه، فإن الساحب حينئذ لا يتحمل تبعة إهمال الحامل، وتكون ذمته قد برئت حينئذ.([20])
الفرض الثاني: في حالة عدم رفع الدعوى في المواعيد المحددة
غني عن البيان أن المشرع الأردني ميز بين دعوى الحامل على المسحوب عليه، وبين دعواه على الساحب، أو المظهرين، وباقي الملتزمين، إذ تسقط وفقا للمادة( 271/1( دعوى الحامل على المسحوب عليه بمضي خمس سنوات محسوبة من تاريخ انتهاء الميعاد المحدد للتقديم، بينما تسقط وفقا للمادة( 271/2 ) دعوى الحامل على الساحب والمظهرين، وباقي الملتزمين بمضي ستة اشهر محسوبة من تاريخ انتهاء موعد التقديم.
- وفيما يتعلق بدعوى رجوع الملتزمين بعضهم على بعض، فإن المدة تكون ستة اشهر محسوبة من اليوم الذي أوفي فيه الملتزم، أو من اليوم الذي خوصم فيه بدعوى الرجوع.
أما بخصوص الساحب الذي لم يقدم مقابل الوفاء، أو استرده جزءا، أو بعضا، وكذلك باقي الملتزمين الذين حصلوا على كسب غير عادل، فإن دعوى الحامل عليهم لا تسقط بمضي المواعيد أعلاه وفق المادة (271/4) وهو اتجاه مختلف عما أخذت به بعض التشريعات التي وحدت المدة التي تسقط فيها دعوى الحامل، واعتبرتها ستة أشهر في مواجهة الساحب، وباقي الملتزمين في جميع الأحوال سواء كان الساحب قد قدم مقابل الوفاء، أو لم يقدمه، وسواء سحبه كلاء أو بعضا بعد أن قدمه، أم لم يسحبه، وكذلك باقي الملتزمين،([21]) ولذلك جاء نص المادة 185/1 من قانون التجارة الأردني بدلالة المادة 262 من ذات القانون على ذكر الملتزمين دون المسحوب عليه، فأشارت إلى أن ساحب السند، وقابله ومظهره، وضامنه الاحتياطي مسؤولون جميعا تجاه حامله على وجه التضامن.
خامساً: الخاتمة
وأخيرا وفى نهاية هذا المقال الهام لا يفوتني أن أؤكد على أن قبض الشيك من أجل استيفاء الدين لا يؤدي إلى انقضاء الالتزام الأصلي، بل يبقى قائماً ولا ينقضي التزام المدين وتبرأ ذمته إلا بالوفاء الفعلي للشيك، وأنه على الرغم من عدم وجود نص خاص في قانون التجارة الأردني يقضي ببطلان الالتزام الصرفي لناقص الأهلية أو فاقدها، إلا أن حماية أموال ناقصي وعديمي الأهلية أولي في الحماية من حماية الأمان الصرفي لذا يجوز المعارضة في هذه الحالات في الوفاء بالشيك حتى ولو في مواجهة الحامل حسن النية.
كتابة الأستاذ : جمال مرعي
[1] – انظر حداد، الياس، 1961، الأوراق التجارية في النظام التجاري السعودي، معهد الإدارة العامة، السعودية، ص 402.
[2] – انظر العكيلي، عزيز، انقضاء الالتزام الثابت في الشيك، دار الثقافة، عمان، 2011، ص 127.
[3] – انظر مسعودي، محمد، الحماية المصرفية لحامل الشيك، رسالة ماجستير، جامعة محمد الخامس، المغرب، ص 82.
[4] – انظر الحيالي، إدريس، الوفاء بالشيك كوسيلة من وسائل دفع ونقل النقود، مجلة الحقوق، محمد اوزيان، عدد 12، ص76.
[5] – انظر صالح، محمد بيك، الأوراق التجارية، 1950، مطبعة فؤاد الأول، القاهرة، ص 421.
[6] – انظر محمود، عصام حنفي، الأوراق التجارية، الكمبيالة، السند لأمر، الشيك، الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، ص 427.
[7] – انظر عوض، على جمال الدين، لأوراق التجارية، مطبعة جامعة القاهرة، 2000، القاهرة، ص 51.
[8] – انظر عوض، على جمال الدين، الأوراق التجارية، مرجع سابق، ص 251 وما بعدها
[9] – انظر عوض، على جمال الدين، الأوراق التجارية، مرجع سابق، ص 258.
[10] – انظر سامي، فوزي من شرح القانون التجاري، ج2، الأوراق التجارية، دار الثقافة، عمان 1994، ص 267.
[11] – انظر سامي، فوزي من شرح القانون التجاري، ج2، الأوراق التجارية، المرجع السابق، ص 267.
[12] – انظر الكيلاني، محمود، الموسوعة التجارية والمصرفية مرة، ج3، الأوراق التجارية، دار الثقافة، عمان، ص 344.
[13] – انظر الطراونة، مصلح احمد، المركز القانوني للحامل المهمل للورقة التجارية في القانون الأردني، دراسة مقارنة، جامعة مؤتة، عمان، ص16 وما بعدها.
[14] – انظر لكيلاني، محمود، الموسوعة التجارية والمصرفية، ج3، الأوراق التجارية، مرجع سابق، ص 341
[15] – انظر عوض، على جمال الدين، الأوراق التجارية، مرجع سابق، ص265 وما بعدها.
[16] – انظر الكيلاني، محمود، الموسوعة التجارية والمصرفية، ج3، مرجع سابق، ص343 محمود، عصام حنفي، الأوراق التجارية، مرجع سابق، ص 343. سامي، فوزي محمد، شرح القانون التجارية الأوراق التجارية، مرجع مسابق، ج2، ص304.
[17] – انظر سامي، فوزي محمد، شرح القانون التجارية الأوراق التجارية، المرجع السابق، ج 2، ص 304.
[18] – انظر على جمال الدين عوض ، ص 278، مرجع سابق.
[19] – انظر الطراونة، مصلح احمد، المركز القانوني للحامل المهمل للورقة التجارية في القانون الأردني، دراسة مقارنة مرجع سابق، ص 12 وما بعدها
[20] – انظر حداد، إلياس، الأوراق التجارية في النظام التجاري السعودي، مرجع سابق، ص 457۔
[21] – انظر العميريني، علي بن عبد العزيز بن علي (1995)، اثر التقادم في القضاء الالتزام الصرفي الناشئ عن تحرير الشيك في نظام الأوراق التجارية السعودي، عدد 11، ص 133-225، كلية الملك فهد الأمنية.

