الإجراءات الجزائية الخاصة بالأحداث في التشريع الأردني

الإجراءات الجزائية الخاصة بالأحداث في التشريع الأردني

قرر المشرع الأردني وضع بعض الأسس والأحكام القانونية التي يجب على  السلطة التنفيذية وكذلك القضائية الالتزام بها عند التعامل مع الحدث المنسوب إليه ارتكاب احد الجرائم الجزائية، و يظهر ذلك بشكل واضح من خلال مجموع الأحكام التي تناولها المشرع الجزائي فيما يتعلق بالإجراءات الجزائية الخاصة بالأحداث والتي تناولها قانون الأحداث وكذلك نظام مراقبة سلوك الأحداث، خاصة فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الحدث الجانح من وقت البدء في محضر جميع الاستدلالات حتى الانتهاء من محاكمته، ولما كانت هذه الإجراءات شديدة الأهمية والخصوصية فقد راينا ضرورة تناولها بشكل مفصل على النحو الآتي:

أولا: المقصود بالحدث

الإجراءات الجزائية الخاصة بالأحداث في مرحلة جمع الاستدلالات ثانيا:

ثالثا: الإجراءات الجزائية الخاصة بالأحداث في مرحلة التحقيق الابتدائي

رابعا: الإجراءات الجزائية الخاصة بالأحداث في مرحلة المحاكمة

خامسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالإجراءات الجزائية الخاصة بالأحداث

سادسا: الخاتمة

 

أولا: المقصود بالحدث

عرف المشرع الأردني الحدث في المادة (2 (من قانون الأحداث بقوله: (كل من لم يتم الثامنة عشرة من عمره). وترتيبا على هذا التعريف فمفهوم الحدث يشمل كل الأشخاص الذين لم يبلغ عمره الثامنة عشر فما دونها إلا أن المشرع قد عرف الحدث تعريف مغايرا في قانون مراقبة سلوك الأحداث حيث عرف الحدث في المادة) 2 (من هذا القانون بأنه: (كل شخص أتم السابعة ولم يتم الثامنة عشرة من عمره ذكرا كان أو أنثى) وبالتالي فقد أخرج هذا التعريف الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن سبع سنوات من مفهوم الحدث.

  • وقد عرفت قواعد الأمم المتحدة النموذجية المشهورة باسم قواعد بكين الحدث في مادتها (2/2/أ) بأنه: (كل طفل أو شخص صغير السن يجوز بموجب النظم القانونية ذات العلاقة مساءلته عن جرم بطريقة تختلف عن طريقة مساءلة البالغ).
  • ولما كان الحدث من المعرض أن يقع في انحراف أو جنوح يؤدي إلى ارتكابه جريمة يعاقب عليها القانون بعقوبة جزائية، وكان الحدث في هذه السن الصغيرة لا تتوافر فيه المسئولية الجزائية الكاملة لحداثة سنه وضعف بنيانه وعقله وتفكيره، ما دعي إلى وضع قواعد وتشريعات قانونية خاصة بالأحداث الجانحين، وذلك من وقت ضبطهم بارتكاب واقعة محل تجريم وحتى التحقيق معهم فيها انتهاء بمحاكمتهم وهو ما سوف تطرق إليه فيما هو آت.

الإجراءات الجزائية الخاصة بالأحداث في مرحلة جمع الاستدلالات ثانيا:

تعرف الاستدلالات بأنها: (عبارة عن جمع المعلومات والبيانات الخاصة بالجريمة عن طريق التحري عنها، والبحث عن فاعليها بشتى الطرق والوسائل القانونية، إضافة إلى إعداد العناصر اللازمة للبدء في التحقيق الابتدائي بمعناه الضيق إذا كان له وجه، أو في المحاكمة مباشرة). [1]
– جدير بالذكر أن المشرع الأردني لم يترك عملية ضبط الحدث والتعامل معه في مرحلة جمع الاستدلال للجهة المختصة قانونا بضبط واجراء الاستدلالات للبالغين، بل اوكل مسالة ضبط الحدث واجراء الاستدلالات الخاصة بالجريمة المتهم بها لشرطة متخصصة تسمى (شرطة الأحداث) بحيث لا يجوز لغيرها التعامل مع الحدث في  هذه الفترة، وقد عرفت المادة( 2) من قانون الأحداث شرطة الاحداث بقولها          : ( إدارة شرطة الأحداث المنشأة بموجب أحكام هذا القانون في مديرية الأمن العام والمختصة بشؤون الأحداث).
– ويرجع السبب في تخصيص شرطة مخصصة لجرائم الأحداث هو اتساقا مع السياسية الجزائية الحديثة فيما يتعلق بجنوح الأحداث وما تستهدفه من إعادة تأهيل وإصلاح الحدث الجانح، والذي يقتضي بالضرورة اسناد عملية التعامل معه أثناء فترة جمع الاستدلالات من قبل جهة شرطية على دراية بأحوالهم و على خبرة كافية في التعامل معهم، لذلك رأى المشرع ضرورة استحداث أحكام جديدة لتواجه الضرورات التي فرضها الواقع.[2]

  • وفي هذه المرحلة يقوم موظفو الضابطة العدلية بجمع المعلومات حول الجريمة المرتكبة وتحديد مرتكبها وافراغ تلك المعلومات في محاضر ضبوطات بالشكل المقرر قانونا، ويلتزموا بإرسالها إلى المدعي العام للبدء في التحقيق بها وفقا لما نصت عليه المادة( 49 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائي الأردني، إلا أن المشرع الأردني قد قرر بعض الإجراءات الاستثنائية في مرحلة جمع الاستدلالات إذا كان المتهم حدثا وذلك مراعاة لمصلحة الحدث، حيث نصت المادة( 3 ) من نظام تسوية النزاعات في قانون الأحداث على    : ( تراعى مصلحة الحدث الفضلي وحمايته واجراءات إصلاحه وتأهيله ورعايته عند تسوية النزاعات مع الأخذ برأيه وفقاً لسنه وقدراته ) ، وتمثل مصلحة الحدث في هذه المرحلة في جواز قيام شرطة الأحداث بتسوية النزاع دون ملاحقة الحدث إلى جانب عزل الحدث اثناء إجراءات الاستدلال وأخيرا إعمال  الدور الرقابي لمراقب السلوك اثناء مرحلة اجراء الاستدلالات على التفصيل الآتي:

أ- تسوية النزاع أثناء مرحلة جمع الاستدلالات

  • راعى المشرع الطبيعة القانونية لجرائم الأحداث وصغر سن الحدث مما جعل من الضرورة وضع بعض الاستثناءات على تحريك الدعوى الجزائية ضدهم، ومن أهم تلك الاستثناءات هو عرض تسوية النزاع في بعض الجرائم الجنحوية والمخالفات وقد عرفت المادة (2) من نظام تسوية نزاعات الأحداث بأنها: (إجراءات قانونية رضائية تقوم بها الجهة المختصة بتسوية النزاعات في القضايا التي يكون الحدث طرفا فيها).
  • واستثنى من هذا النظام  جرائم الجنايات من عرض تسوية النزاع، وقد تناول قانون الأحدث إجراءات تسوية النزاعات مع الأحداث، حيث نصت المادة( 13/أ  ) منه على : ( ‌أ. تتولى شرطة الأحداث تسوية النزاعات في المخالفات والجنح التي لا تزيد عقوبتها عن سنتين بموافقة أطراف النزاع على التسوية وذلك من الجرائم التي يتوقف النظر فيها على شكوى المتضرر…..)، كذلك ما قررته المادة ( 4 ) من نظام تسوية النزاعات في قضايا الأحداث ‌ حيث نصت على : ( تتولى شرطة الأحداث تسوية النزاعات في المخالفات والجنح التي لا تزيد عقوبتها على سنتين ويتوقف النظر فيها على شكوى المتضرر).
  • وباستقراء النصوص السابقة نجد أن المشرع قد قصر إجراءات تسوية النزاعات المتهم فيها أحد الأحداث  على جميع المخالفات و على الجرائم الجنحوية التي لا تزيد عقوبتها عن سنتين، وكذلك الجرائم التي لا يتم تحريك الدعوى الجزائية فيها إلا بناء على شكوى من المجني عليه، كما يلاحظ أن المشرع وضع شرطا بوجوب اتفاق طرفي النزاع وهم المجني عليه وولي الحدث أو الوصي عليه  على اجراء التسوية، ويعتبر تدخل الأجهزة الشرطية في مرحلة جمع الاستدلالات بقصد الوصول إلى تسوية ودية بين الأطراف وتحقيق مصلحة الحدث الجانح استثناء خاص قصد به النأي بالحدث بعيدا عن تحريك الدعوى الجزائية ضده.
  • وقد وضع المشرع عدة احكام خاصة بتلك التسوية يظهر منها أيضا ما يهدف إليه المشرع من صناعة سياج حول الحدث الجانح يحميه من أي ضرر قد يلحق به سواء من خلال فرض السرية على إجراءات تسوية النزاع، أو منع توقيف الحدث اثناء تلك المرحلة انتهاءً بحق الأطراف في طلب تسوية النزاع في أي حالة كنت عليها الدعوى الجزائية، حيث نصت المادة (14) من قانون الأحداث على: (‌أ. تعتبر إجراءات تسوية النزاع سرية ولا يجوز الاحتجاج بها أو بما تم فيها من تنازلات من أطراف النزاع أمام أي محكمة أو أي جهة كانت. ‌

ب. لا يجوز توقيف الحدث أثناء مرحلة التسوية

‌ج. لأطراف النزاع وفي أي مرحلة من مراحل إجراء التسوية الطلب من الجهة التي تتولاها إحالة النزاع إلى المحكمة المختصة على أن يتم ذلك من خلال قاضي تسوية النزاع).

  • ويجب الإشارة إلى أن البدء في هذه التسوية يستلزم أولا اعتراف الحدث بارتكابه للواقعة محل التسوية ورغبته في انهاء النزاع، فإذا توافرت الشروط السابقة وتوافق طرفي النزاع على انهاء النزاع بالتسوية يقوم موظف الضابطة العدلية بإرفاق هذه التسوية المكتوبة ضمن أوراق محضر الضبوطات، اما إذا لم يتمكن الأطراف من الوصول إلى تسوية للنزاع فقد الزم المشرع موظف الضابطة العدلية بإحالة الامر إلى  القاضي المختص بتسوية النزاعات التي يكون طرف المتهم فيه حدث، و قد أجاز المشرع لقاضي التسوية تولي مسألة حل النزاع بالتسوية بنفسه أو بإسناده إلى أحد الجهات المختصة والمعتمدة من وزارة التنمية لكي تنهي مسألة تسوية ذلك النزاع بما يحقق مصلحة الحدث.

ب- حظر عزل الحدث أو تقييده

حاول المشرع تحقيق كامل الحماية النفسية والجسدية للحدث الجانح فقرر منع تقييد الحدث بالقيود أو وضعه في الأماكن المعدة لحجز المتهمين البالغين، وكذلك منع عزله بشكل انفرادي بعد القبض عليه، كما لا يجوز استخدام القوة ضد الحدث عند القبض عليه أو بعد القبض عليه أو استخدام  العنف اللفظي ضده إلا أن ذلك مشروطا بامتثال الحدث لأوامر الشرطة، إلا أنه يجوز للشرطة استخدام القوة في مواجهة الحدث الذي يتمرد على تنفيذ الأوامر أو يقاوم الشرطة مقاومة مادية، مع الاخذ في الاعتبار أن تكون القوة المستخدمة في حدود السيطرة عليه وعدم استخدام القوة والشدة المفرطة، وقد نصت المادة ( 4 / د ) من قانون الأحداث على      : ( د. يحظر تقييد الحدث أو استعمال القوة ضده أو عزله إلا في الحالات التي يبدي فيها تمرداً أو عنفاً وفي حدود ما تقتضيه الضرورة ).

ثالثا: الإجراءات الجزائية الخاصة بالأحداث في مرحلة التحقيق الابتدائي

تتمثل الإجراءات الجزائية التي قررها المشرع الأردني بخصوص التحقيق مع الحدث في وجوب سرية التحقيقات وإسناد مهمة التحقيق مع الحدث إلى نيابة متخصصة واشتراط إرفاق تقرير مراقب السلوك الاجتماع قبل التحقيق مع الحدث، إلى جانب حق الحدث في حضور محامي معه أثناء التحقيق وذلك على التفصيل الآتي:
أ- النيابة المختصة في التحقيق مع الأحداث

بالرجوع إلى قانون الأحداث وخصوصا المادة (7) منه نجد أنها قد ألزمت المجلس القضائي بأن يسند عملية التحقيق في الجرائم المرتكبة من الأحداث إلى أعضاء نيابة عامة مخصصين لذلك، حيث جاء نصها: (على المجلس القضائي تخصيص أعضاء من النيابة العامة للنظر في قضايا الأحداث).

  • إلا أن الواضح من عمومية النص أنه لا يشترط أن يكون عضو النيابة المتولي التحقيق في قضايا الأحداث منقطعا لهذه المهمة فقط، بل من الممكن أن يقوم بمباشرة أعمال التحقيق في الجرائم الجنائية بشكل عادي، ثم يندب للتحقيق في جريمة مرتكبة من حدث، إلا اننا نرى ضرورة أن يكون عضو النيابة العامة المنتدب لإجراء التحقيق مع الحدث مؤهل التأهيل الكافي لهذه المهمة ومدرب بشكل يسهل عملية التحقيق ويحفظ للحدث حقوقه ومصالحه، وأن تكون أولوياته تقديم مصلحة الحدث على أي اعتبارات أخرى مادام كان ذلك لا يناهض قواعد العدالة.

أ- سرية التحقيق مع الحدث

يعتبر مبدأ سرية التحقيقات من المبادئ المستقر عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية، بحيث لا يجوز أن تكون التحقيقات وما تناولتها من أحداث مصدر علانية أو افشاء بين الافراد، نظرا لخصوصية هذه المرحلة وهو الأصل العام وفقا لمفهوم المواد (64 و70) من قانون أصول المحاكمات الجزائية ولا شك أن مقتضيات تحقيق مصلحة الحدث الجانح أن يطبق هذا المبدأ عليه فلا يجوز بأي حال أن تكون التحقيقات معه في صورة علانية.

ب- حق الحدث في الاستعانة بمحام

رغم أن حق المتهم عموما في طلب حضور محامي معه حق أصيل قررته القواعد العامة في قانون أصول المحاكمات الجزائية وتناولته بالتفصيل، خاصة في المواد ( 63 و  63 مكرر و 65 ) من ذات القانون إلا أن المشرع ميز بين المتهم البالغ والحدث فيما يتعلق بوجوب حضور محامي في التحقيقات، فبينما لم يشترط المشرع حضور محامي مع المتهم البالغ إلا في الجنايات التي تزيد مدة عقوبتها عن عشر سنوات، نجد أن المشرع قد أوجب حضور محامي مع الحدث الجانح ما دامات الجريمة المعاقب عليها جناية، بغض النظر عن مدة العقوبة المقررة لها، ويرجع ذلك إلى خطورة الجنايات بشكل عام وقسوة عقوباتها، وما قد يلحق الحدث من تردد وخوف اثناء مرحلة التحقيقات يجعله قد يبدي أقوالا تسوئ مركزه القانوني، إضافة إلى جهله المفترض بالقانون، الأمر الذي حدى بضرورة وجود محام معه اثناء مرحلة التحقيق، ولا يشترط أن يكون المحامي قد وكل بمعرفة الحدث في حالة عجز الحدث عن توكيل محامي لأسباب مادية  فيتولى المعدي العام مسالة تعيين محامي للحدث.
– وينتقد البعض ونحن نؤيده ما اتجه إليه المشرع من المساواة بين الحدث والبالغ في مسالة عدم وجوب تعيين محام له إذا كانت الجريمة من قبيل الجرائم الجنحوية، إذ أن الأفضل هو تمييز الحدث الجانح عن البالغ في هذه المسألة واشتراط حضور محامي مع الحدث في التحقيق الابتدائي حتى في الجرائم الجنحوية لما في ذلك من تحقيق مصلحة الحدث.

ج- عدم التحقيق مع الحدث إلا في وجود مراقب السلوك وبعد تقديم تقرير مفصل عن الحدث

يقصد بمراقب السلوك بأنه : الشخص الذي يسند إليه مسألة الإشراف الاجتماعي على الحادث الجانحين وذلك عن طريق مراقبتهم من جميع النواحي النفسية والاجتماعية والسلوكية، ويتولى مهمة تقديم تقرير عن حالة الحادث النفسية والاجتماعية، كما يعرف أيضا أنه الشخص المسئول عن مراقبة وتوجيه وراعية الحدث وتقديم النصيحة والمشورة له للتخلص من عاداته أو سلوكياته السيئة و ومساعدته على التخلص مها وإصلاح نفسه أمام المجتمع والقانون، [3]  وقد عرفت المادة( 2 ) من قانون الأحداث مراقب السلوك بأنه     : ( الموظف في الوزارة الذي يتولى مراقبة سلوك الأحداث وفقاً لأحكام هذا القانون والأنظمة الصادرة بمقتضاه ).

  • وقد رأى المشرع الأردني أهمية دور مراقب السلوك في محاولة فهم أفكار الحدث الجانح والأوضاع المحيطة به، فأوجب قيام مراقب السلوك الاجتماعي بتحقيق اجتماعي حول الحدث وكيفية السيطرة على جنوحه وعلاجه وبيان الظروف الاجتماعية التي تحيط بالحدث وتقديم تقرير مفصل للنيابة العامة حول هذه الأمور ليتم وضعها في الاعتبار عند تقرير العقوبة الجزائية المناسبة على الحدث، وقد نصت المادة (11) من قانون الأحداث على: (أ‌. على مراقب السلوك أن يقدم للمدعي العام عند مباشرة التحقيق تقريراً خطياً مفصلاً يتضمن المعلومات المتعلقة بأحوال الحدث وأسرته والظروف المحيطة به بما في ذلك المادية والاجتماعية والبيئة التي نشأ وتربى فيها، وبمدرسته وتحصيله العلمي، وعلى مراقب السلوك تقديم تقارير لاحقة للمحكمة بهذا الخصوص كلما استدعت الحاجة ذلك.

ب‌. إذا أخل مراقب السلوك بأي من الواجبات الموكولة إليه فللمحكمة طلب استبداله بغيره ومخاطبة الوزير لاتخاذ الإجراء التأديبي المناسب بحقه).

د- توقيف الحدث كأحد إجراءات التحقيق الابتدائي

رغم أن توقيف الحدث هو أحد طرق تقيد حريته لمدة معينة لحين الانتهاء من التحقيق الابتدائي إلا أنه في بعض الأحيان يكون وسيلة من وسائل حماية الحدث من خطر أو ضرر قد يلحق به في حال إطلاق سراحه، وبالتالي يكون ذلك الإجراء بغرض تحقيق مصلحته، إضافة إلى مبررات التوقيف الأساسية كعدم العبث بالأدلة أو التأثير على الشهود. [4]
– وقد أجاز المشرع الأردني للنيابة العامة المختصة بتحقيق جرائم الأحداث بإصدار قرارها بتوقيف الحدث احتياطيا على ذمة التحقيقات، إلا أن هذا القرار يجب أن يراعى فيه عدة شروط منها:
1- عدم وضع الحدث في الأماكن المخصصة بتوقيف البالغين وايداعه أحد دور الرعاية الخاصة بالأحداث.
2- أن يكون القرار الصادر بتوقيفه صادر من النيابة العامة المختصة بتحقيق جرائم الأحداث في مرحلة التحقيق،  أو المحكمة المختصة بمحاكمته إذا كان قرار التوقيف قد صدر بعد إحالة الدعوى الجزائية إليها.
– وتأكيدا لذلك فقد نصت المادة( 8 ) من قانون الأحداث على  : ( على الرغم مما ورد في أي تشريع آخر، لا يجوز توقيف الحدث أو وضعه في أي من دور تربية الأحداث أو تأهيل الأحداث أو رعاية الأحداث المنصوص عليها في هذا القانون إلا بموجب قرار من الجهة القضائية المختصة).
3- أن لا تزيد مدة توقيف الحدث عن عشرة أيام مع مراعاة مصلحة الحدث، و إذا كانت هناك حاجة ملحة لتمديدها يرفع المدعي العام الأمر إلى المحكمة المختصة للنظر في امر تمديد التوقيف من عدمه.
4- وجوب اخلاء سبيل الحدث الموقوف إذا قدم سند كفالة مالية أو تعهد شخصي أو تامين نقدي يضمن حضوره مراحل التحقيق والمحاكمة، إلا إذا رأت النيابة العامة أو المحكمة المختصة أن مصلحة الحدث تكمن في توقيفه أبقت على قرار التوقيف ساريا، حيث نصت المادة( 9 ) من قانون الأحداث على : ( على الرغم مما ورد في أي تشريع آخر، لا يجوز توقيف الحدث أو وضعه في أي من دور تربية الأحداث أو تأهيل الأحداث أو رعاية الأحداث المنصوص عليها في هذا القانون إلا بموجب قرار من الجهة القضائية المختصة).

رابعا: الإجراءات الجزائية الخاصة بالأحداث في مرحلة المحاكمة

لم تتوقف عناية المشرع الأردني بالحدث الجانح وتوفير الضمانات والخصوصية اللازمة عند مرحلة جمع الاستدلالات أو التحقيق الابتدائي فقط، بل امتدت أيضا إلى مرحلة المحاكمة، وفي هذا المبحث سوف نبين الإجراءات الجزائية الخاصة بالحدث، سواء في مرحلة المحاكمة أو فيما يتعلق بالمحكمة المعقود لها الاختصاص بنظر قضايا الأحداث على التفصيل الآتي:

أ- إجراءات محاكمة الأحداث

تعتبر إجراءات محاكمة الأحداث من أهم النقاط التي ميزت محاكمة الحدث عن البالغين، ويظهر ذلك بشكل واضح وجلي من خلال اشتراط إجراء محاكمة الحدث في سرية تامة وأيضا من منح محاكمة الأحداث صفة الاستعجال على التفصيل الآتي:

1- سرية محاكمة الأحداث

إذا كان الأصل العام المقرر في أصول المحاكمات الجزائية يقتضي أن تكون المحاكمة في جو من العلانية، باعتبارها  أحد صور الضمانات المقررة لحسن سير العدالة وتمكين المواطن من مراقبة تطبيق العدالة، وأن الأصل أن البطلان هو الجزاء المقرر للمحاكمة إذا تمت في سرية مالم تكن هناك أسباب تستدعي  ذلك مثل المحافظة على النظام العام، إلا أن هذا الأصل يستثنى منه حالة كون المتهم من الأحداث إذ أن في السرية ما يحقق مصلحة الحدث وأن العلانية في هذه الحالة قد تلحق به أو بذويه الخطر، [5] لذلك رأى المشرع وجوب محاكمة الحدث في محاكمة سرية لا يحضرها سوى الأطراف التي خولها القانون حضور هذه المحاكمة، مثل الحدث نفسه أو وصيه أو وليه ومن ترى المحكمة لزوم حضوره، وكذلك اشترط المشرع حضور مراقب السلوك إلى جانب محامي الحدث، حيث نصت المادة( 17 ) من قانون الحدث على : ( تجري محاكمة الحدث بصورة سرية تحت طائلة البطلان، ولا يسمح لأحد بحضور المحاكمة باستثناء مراقب السلوك ومحامي الحدث ووالديه أو وليه أو وصيه أو حاضنه ، حسب مقتضى الحال ومن تقرر المحكمة حضوره ممن له علاقة مباشرة بالدعوى ).

–  واعتبر المشرع أن مخالفة نص المادة (17) بوجوب سرية محاكمة الحدث يكفي وحده لبطلان هذه المحاكمة لمخالفتها القانون، كما يلاحظ أن نطاق سرية المحاكمة لا يمتد إلى جلسة النطق بالحكم إذ يجوز نطقه بصورة علانية وفقا لمفهوم (101 /3) من الدستور الأردني والتي قررت: (3. جلسات المحاكم علنية إلا إذا قررت المحكمة أن تكون سرية مراعاة للنظام العام أو محافظة على الآداب، وفي جميع الأحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية).
– و هدف المشرع الأردني من اقراره سرية جلسات محاكمة الحدث الحفاظ على نفسية الحدث ووضع الحماية اللازمة على حياته الخاصة وحياة أسرته من التشهير به أو بأسرته، إلى جانب تجنيب الحدث الأثر النفسي الذي قد يلحق به إذا كانت المحاكمة علنية، سواء فيما يتعلق بمواجهته للمواطنين أو مثوله أمام القضاء وغيرها من آثار قد تلحق به وهو في هذه السن الصغيرة، وإزاء أهمية تلك السرية رأى المشرع أن جزاء بطلان المحاكمة هو جزاء كافي لمواجهة مخالفة سرية محاكمة الأحداث واعتبرها من النظام العام. [6]

2- صفة الاستعجال في محاكمة الأحداث

تسبغ المشرع الأردني على المحاكمات الجزائية للأحداث الجانحين صفة الاستعجال، وذلك مراعاة للمصلحة الفضلى للحدث خاصة في التي قد تثبت فيها براءة الحدث، فقد رأى المشرع أن في بقاء الحدث معلقا لفترة طويلة حتى صدور حكم براءته أو ادانته ما يلحق ضررا نفسيا كبيرا بالحدث يلزم النأي بالحدث عنه، وتأكيد لذلك فقد نصت المادة (4 / ط) من قانون الأحداث على: (ط‌. تعتبر قضايا الأحداث من القضايا المستعجلة).

  • كما تتضح صفة الاستعجال من بعض الاحكام التي قررها المشرع الأردني في المادة( 20 ) من قانون الأحداث مثل عدم جواز تأجيل محاكمة الحدث لأكثر من سبعة أيام وفي حالة وجود حاجة للتأجيل لأكثر من المدة المحددة أن يسبب القاضي قرار التأجيل، كذلك ما قرره المشرع الأردني من الزام المحكمة التي تفصيل في الجرائم الجنحوية المرتكبة من الأحداث الفصل فيها بحكم خلال مدة لا تزيد عن ثلاثة اشهر من وقت وصوول الدعوى الجزائية إلى المحكمة المختصة، أما بالنسبة للجنايات المتهم فيها أحداث فقد الزم المشرع المحكمة المختصة بالفصل فيها خلال مدة لا تزيد عن ستة أشهر من وقت وصول الدعوى الجزائية إلى المحكمة المختصة.
  • واستثناء على تلك المواعيد أجاز المشرع للمحكمة المختصة التأخر في الفصل في قضايا الأحداث عن المواعيد المحددة لها إذا كانت هناك ضرورة ملحة لذلك، مثل أن يتوقف الفصل في الدعوى الجزائية على تقرير طبي مؤثر في الدعوى الجزائية أو توقفها على سماع شهادة أحد الشهود الذي تعذر حضوره خلال الفترة المحددة وقد نصت المادة (20) من قانون الأحداث على: (أ‌. تباشر المحكمة النظر في القضية ولا يجوز تأجيل الجلسات لأكثر من سبعة أيام إلا إذا اقتضت الضرورة غير ذلك على أن يبين ذلك في محضر المحاكمة.

  • ب‌. يجب أن تفصل المحكمة في قضايا الجنح خلال ثلاثة أشهر من تاريخ ورودها إلى قلم المحكمة، وأن تفصل في قضايا الجنايات خلال ستة أشهر من تاريخ ورودها إلى قلم المحكمة، وذلك باستثناء الحالات التي يتوقف فيها الفصل في القضية على ورود تقرير طبي قطعي أو سماع شهادة شاهد (.

    3- حضور محامي ومراقب السلوك  مع الحدث اثناء المحاكمة
    فرق المشرع الأردني بين الجرائم التي لا يجب حضور محامي مع الحدث فيها والجرائم التي يجب حضور محامي فيها مع الحدث، حيث جعل جرائم الجنايات مهما كانت مدة عقوبتها من الجرائم التي يجب حضور محامي فيها مع الحدث المتهم، بل وفي حالة رفضه لتوكيل محامي أو عدم مقدرته المادية على الوفاء بأتعابه أن تتولى المحكمة تعيين محامي للحدث للدفاع عنه في تلك الجناية، وذلك بخلاف إذا كانت المحاكمة خاصة بجريمة جنحوية إذ لم يشترط حضور محام مع الحدث فيها، حيث نصت المادة ( 21 ) من قانون الأحداث على : ( أ‌. على المحكمة تعيين محام للحدث في القضايا الجنائية أن لم يكن له محام أو كان غير قادر على توكيل محامي، وتدفع أتعابه من خزينة الدولة وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية.

    ب‌. على المحامي الوكيل عن الحدث حضور جميع مراحل التحقيق والمحاكمة ).
    – وفيما يتعلق بحضور مراقب السلوك فقد رأى المشرع ضرورة حضور مراقب السلوك لإجراءات محاكمة الحدث وعدم ترك الامر للمحكمة من ناحية الحصول واستنباط معلومات عن الحدث ومعرفة أحواله الاجتماعية والنفسية عن طريق استجوابه أو سماع الشهود أو غيرها،  إذ أن هذا الأمر من أعمال الخبراء الاجتماعيين مثل مراقب السلوك والذي يستوجب قيامهم هم بهذا الدور وأن تجري المحاكمة في حضورهم، وقد أكدت المادة ( 22 / أ ) من قانون الأحداث على أهمية حضور مراقب السلوك مع الحدث أثناء المحاكمة، كما اهتمت ذات المادة بتعداد بعض الإجراءات والأحكام التي يجب اتباعها عند محاكمة الحدث، حيث جاء نصها : ( أ. لا يجوز محاكمة الحدث إلا بدعوة أحد والديه أو وليه أو وصيه أو حاضنه حسب مقتضى الحال وبحضور مراقب السلوك ومحامي الحدث. ‌

    ب. تفهم المحكمة الحدث عند البدء بالمحاكمة التهمة الموجهة إليه وتسأله عنها بلغة بسيطة يفهمها. ‌

    ج. 1. إذا اعترف الحدث بالتهمة يسجل اعترافه بكلمات أقرب ما تكون إلى الألفاظ التي استعملها في اعترافه.
    -2 لا يكون مجرد اعتراف الحدث بينة كافية للحكم عليه ما لم تقتنع المحكمة به. ‌

    د. إذا رفض الحدث الإجابة يعتبر غير معترف بالتهمة وتأمر المحكمة بتدوين ذلك في محضر المحاكمة.

    هـ. إذا أنكر الحدث التهمة أو رفض الإجابة أو لم تقتنع المحكمة باعترافه بها تشرع في سماع البينات.

    و‌. إذا تبين للمحكمة بعد الانتهاء من سماع بينات الإثبات أن البينة غير كافية لإدانة الحدث فعليها إصدارها قرارها ببراءته أو عدم مسؤوليته حسب مقتضى الحال، أما إذا تبين لها وجود دليل ضد الحدث فعليها أن تستمع إلى إفادته وبيناته الدفاعية بحضور محاميه في القضايا الجنائية، وبمساعدة وليه أو وصيه أو مراقب السلوك في قضايا الجنح والمخالفات، ثم تصدر قرارها.

    ز‌. تطلع المحكمة على تقرير مراقب السلوك ويجوز لها وللحدث ولمحاميه مناقشة مراقب السلوك في تقريره.

    ح‌. للمحكمة إخراج الحدث من قاعة المحاكمة في أي وقت مع بقاء من يمثله ومراقب السلوك إذا رأت المحكمة أن مصلحة الحدث تقتضي ذلك، على أن يحق له بعد ذلك الاطلاع على ما تم في غيبته من إجراءات.

    ط‌. يجوز للمدعي العام أو المحكمة، استخدام التقنية الحديثة وذلك حماية لكل من لم يتم الثامنة عشرة من عمره في إجراءات سماع الشهود والمناقشة والمواجهة وعلى أن تمكن هذه الوسائل أي خصم من مناقشة الحدث أو الشاهد أثناء المحاكمة، كما يجوز استخدام هذه التقنية الحديثة في إجراءات سماع الحدث بصفته شاهداً في أي قضية. (

    • وباستقراء هذه الأحكام فيظهر بشكلي جلي مدى اهتمام المشرع بتوفير الحماية القصوى والميزات الكبيرة للحدث في مرحلة المحاكمة، تحقيقا للمصلحة الفضلى له والتيقن من عدم إدانة الحدث إلا بناء على أدلة دامغة وأن أي تشكك في تلك الأدلة أو غموض فيها يفسر من باب أولى لصالحه.

    –  والجدير بالذكر أن المشرع الأردني زاد من الضمانات المقررة للحدث في مرحلة المحاكمة فمنع الادعاء بالحق الشخصي في مواجهة الحدث أمام محكمة الأحداث، وإن كان ذلك لا يمنع المضرور من رفع الدعوى المدنية بالتعويض عن الضرر الذي لحق به أمام المحكمة المدنية المختصة، حيث نصت المادة (28) من قانون الأحداث على: (لا تقبل دعوى الحق الشخصي أمام محكمة الأحداث وللمتضرر الحق في اللجوء إلى المحاكم المختصة).

    • كذلك يجب الإشارة إلى أن المشرع ولاعتبارات تحقيق المصلحة الفضلى للحدث قرر عدم اعتبار إدانة الحدث بجريمة جنائية سابقة من الأسبقيات، ويبدو الهدف من ذلك أن المحكمة عند نظرها الدعوى الجزائية للبالغين تنظر في مسألة ما إذا كان الجرم المرتكب قد سبق ارتكابه من قبل مما يستوجب اعمال أحكام التكرار فرأى المشرع ضرورة وضع هذا النص لمنع تطبيق الأحكام العامة في قانون العقوبات على الأحداث، [7] وقد نصت المادة (4 / ز / 1) من قانون الأحداث على: ( ز.1. لا تعتبر إدانة الحدث بجرم من الأسبقيات، ولا تطبق بحقه أحكام التكرار المنصوص عليها في قانون العقوبات أو أي قانون آخر، وعلى الجهات المختصة شطب أي قيد مهما كان عن الحدث عند إكماله سن الثامنة عشرة).

    ب- محكمة الأحداث
    1- بالنسبة للجرائم التي يرتكبها الأحداث دون شريك أو محرض بالغ

    رأى المشرع الأردني ضرورة تشكيل محاكم خاصة تفصل في الجرائم التي تقع من الأحداث دون أن يكون لهم شريك أو محرض بالغ،  حيث قرر المشرع إنشاء محكمة صلح لمحاكمة الأحداث واحدة أو كثر في كل محافظة من محافظات المملكة، كما عهد بالاختصاص لتلك المحكمة بالفصل في جرائم المخالفات و الجرائم الجنحوية التي لا تزيد مدة العقوبة فيها عن سنتين، أما الجنايات والجنح التي تزيد مدة العقوبة فيها عن سنتين فقد رأى المشرع إسناد الاختصاص بالفصل فيها إلى محكمة بداية الأحداث، وقد نصت المادة( 15)  من قانون الأحداث فيما يتعلق بالمحاكم المختصة بجرائم الأحداث على : ( ‌أ. لا يحاكم الحدث إلا أمام محاكم الأحداث المختصة وفقاً لأحكام هذا القانون. ‌

    ب. يسمى قضاة الأحداث وقضاة تنفيذ الحكم في محاكمهم من ذوي الخبرة. ‌

    ج. يراعى استمرار القاضي في النظر بقضايا الأحداث لدى محاكم الأحداث على اختلاف درجاتها.

    ‌د. تشكل محكمة صلح الأحداث في كل محافظة على الأقل، وتختص بالنظر في المخالفات والجنح التي لا تزيد عقوبتها عن سنتين وتدابير الحماية أو الرعاية.

    هـ. تشكل محكمة بداية الأحداث في مركز كل محافظة إذا دعت الحاجة إلى ذلك وتختص بالنظر في الجنايات والجنح التي تزيد عقوبتها عن سنتين.

    و‌. تخضع الأحكام الصادرة عن محكمتي الصلح والبداية إلى أحكام وإجراءات الطعن والاعتراض المنصوص عليها في قانون محاكم الصلح وقانون أصول المحاكمات الجزائية، حسب مقتضى الحال، ويجوز للولي، أو الوصي، أو الحاضن، أو المحامي الوكيل أن ينوب عن الحدث في هذه الإجراءات.

    ز. يكون الاختصاص المكاني للمحكمة وفقاً لما يلي:
    1. مكان وقوع الجريمة أو.
    2. مكان إقامة الحدث أو محل العثور عليه أو مكان إلقاء القبض عليه، أو
    3. مكان وجود الدار التي وضع فيها. (

    2- بالنسبة للجرائم التي يكون فيها اشتراك بين الحدث واخر بالغ

    رأى المشرع ضرورة الالتزام بما قررها سابقا في نص المادة( 15 / أ ) من قانون الأحداث السابق ذكرها من حيث عدم جواز محاكمة الحدث سوى أمام محكمة الأحداث المختصة، وبالتالي فقد قرر المشرع أنه في حالة حدوث اشتراك أو تلازم في جريمة جنائية أو جنحوية بين متهم حدث و آخر بالغ أن يتم محاكمة كل طرف منهم أمام المحكمة المختصة، وهو ما يعني محاكمة الحدث أمام ذات المحكمة بعد صدور قرار النيابة العامة بالتفريق بينهم وتنظيم ملف خاص للحدث، وقد نصت المادة( 16 ) من قانون الأحداث على  : (  إذا اشترك في الجريمة الواحدة أو في جرائم متلازمة أحداث وبالغون فيفرق بينهم بقرار من النيابة العامة وينظم ملف خاص بالأحداث ليحاكموا أمام قضاء الأحداث وفقاً لأحكام هذا القانون).

    • والجدير بالذكر أيضا أن الاحكام الصادرة من محكمة الأحداث سواء محكمة الصلح أو محكمة البداية تخضع لنفس إجراءات الطعن المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية باعتباره القانون الأم، وكذلك ما ورد من إجراءات طعن واعتراض في قانون محاكم الصلح وفقا لما قررته المادة (15 / و) من قانون الأحداث السابق ذكرها.

    خامسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالإجراءات الجزائية الخاصة بالأحداث

    1- الحكم رقم 45 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 23-1-2020 حيث جاء فيه : ( لما كانت محكمة صلح أحداث عمان مقرها في عمان منطقة طارق ضمن لواء ماركا وهي بذلك مختصة مكانياً بكافة الدعاوى ضمن حدود محافظة العاصمة عمان، وإنه بموجب نظام تشكيل محاكم الصلح والبداية وتحديد الصلاحية المكانية لمحاكم الصلح والبداية والاستئناف وتعديلاته رقم (42 لسنة 2005) فإن اختصاص محكمة بداية عمان المكاني يشمل مناطق عمان الكبرى الداخلة ضمن لواء قصبة عمان وأن اختصاص محكمة بداية شرق عمان المكاني يشمل مناطق أمانة عمان الكبرى الواقعة ضمن لواء ماركا وفقاً لنظام التقسيمات الإدارية رقم (46 لسنة 2000) وتعديلاته ، وحيث أن منطقة طارق تتبع لواء ماركا ولم يرد نص قانوني صريح يحدد محكمة بداية عمان مرجعاً استئنافياً للنظر في الطعون الموجهة لأحكام محكمة صلح أحداث عمان مما يقتضي تفعيل الأصل العام بالاختصاص بالطعون لمحاكم البداية ضمن حدود اختصاصها المكاني وفقاً لصلاحيتها المنصوص عليها في المادة الرابعة من قانون تشكيل المحاكم المشار إليها، وبما أن موقع محكمة صلح جزاء أحداث عمان يقع ضمن الاختصاص المكاني لمحكمة بداية شرق عمان فتغدو هي المختصة بالنظر في الطعون الموجهة للأحكام الصادرة عن محكمة صلح أحداث عمان لوقوعها ضمن اختصاصها المكاني، ولا يغير من ذلك أنه تم تخصيص مدعين عامين لدى محاكم البداية في عمان كافة للنظر في قضايا الأحداث وفقاً لأحكام المادة (7) من قانون الأحداث كل حسب اختصاصه المكاني وتحال قضايا الأحداث الصلحية من قبلهم جميعاً إلى محكمة صلح أحداث عمان وبالتالــــي فإن الاختصاص بنظر هذه القضية ينعقد لمحكمة بداية جزاء شرق عمان بصفتها الاستئنافية ).

    2- الحكم رقم 2856 لسنة 2018 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 25-11-2018 حيث جاء فيه: (فبالنسبة للسبب الثالث ومفاده تخطئة محكمة الموضوع بمخالفة أحكام المادتين (21و22) من قانون الأحداث من حيث عدم تعيين محامٍ عن المميز أو إمهاله لتوكيل محامٍ عن نفسه وأخذت باعترافه بالرغم من بطلان الإجراءات ولم تأخذ محكمة الاستئناف بهذا الطعن.

    ففي ذلك نجد أن المتهم أنس قد أورد في لائحة استئنافه المقدمة لدى محكمة استئناف عمان في السبب الرابع أن محكمة الدرجة الأولى قد خالفت نصي المادتين (21و22) من قانون الأحداث ولم ترد محكمة الاستئناف على هذا السبب كما لم ترد على أي من أسباب الاستئناف واكتفت بالقول إن المستأنف قد اعترف بما أسند إليه أمام المحكمة وهي بذلك قد خالفت القانون والأصول التي تلزمها بالرد على أسباب الاستئناف وإن وجدت أنها لا ترد على القرار المستأنف تبين ذلك ثم تناقش الاعتراف وتحدد ما إذا كان كافياً للإدانة أم لا.

    وكان على محكمة الاستئناف أن تلاحظ أن الطاعن لديها حدث ينطبق عليه قانون الأحداث الذي نص في المادتين (21 و22) منه أنه يتعين على المحكمة تعيين محامٍ للحدث في القضايا الجنائية أن لم يكن له محامٍ أو كان غير قادر على توكيل محامٍ ولا يجوز محاكمته إلا بحضور المحامي ومن أوردهم المشرع في نص المادة (22) وبالتالي فإن أية إجراءات بما فيها الاعتراف والسؤال عن التهمة التي تمت بدون حضور محامٍ سواء معين أو موكل باطلة ولا ترتب أثراً.

    وعليه فإن هذا السبب يرد على القرار المميز ويتعين نقضه دون حاجة للبحث في باقي أسباب التمييز في هذه المرحلة.

    لذا نقرر نقض القرار المميز بحق المميز أنس والمحكوم عليه حسن لاتصال الحكم به وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني).
    3-  الحكم رقم 259 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 6-4-2021 حيث جاء فيه : ( 1-  لا يوجد في قانون الأحداث أي نص يلزم النيابة بتوكيل محامٍ للمشتكى عليه لدى مثوله أمام المدعي العام وإنما يتم تعيين محامٍ للحدث في القضايا الجنائية أمام المحكمة أن لم يكن له محامٍ أو غير قادر على توكيل محامٍ وفقاً لما هو وارد بالمادة (21) من قانون الأحداث وعليه، وحيث أن محكمة جنايات أحداث عمان قامت بتوكيل المحامية عنود للدفاع عن المتهمين حمزة وإبراهيم والمتهم خالد وكل المحامي باسم فإن إجراءات المحاكمة تكون قد تمت بشكل أصولي وموافق لشروط وأحكام المادة (208) من قانون أصول المحاكمات الجزائية مما يتعين معه رد هذا السبب ).

    4- الحكم رقم 1491 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 13-9-2021 حيث جاء فيه : ( وحيث أن وقائع هذه الدعوى محل إسناد التهمة الثانية المسندة إليه قد وقع بعض منها قبل بلوغه سن الثامنة عشرة وتحديداً خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 الأمر الذي يغدو معه والحالة هذه انعقاد الاختصاص بنظر هذه الوقائع محل الجرم المسند إليه موضوع التهمة الثانية لمحكمة الأحداث المختصة وذلك إعمالاً لأحكام  المادة ( 15 / أ )  من قانون الأحداث رقم 32 لسنة 2014ساري النفاذ ويخرج عن اختصاص محكمتنا، وحيث أن الاختصاص من النظام العام إعلان عدم اختصاصها بمواصلة النظر بالدعوى بمواجهة المتهم بخصوص الوقائع محل إسناد التهمة الثانية المسندة إليه الحاصلة قبل بلوغه سن الثامنة عشرة وإرساله مع صورة طبق الأصل عن كامل ملف الدعوى لمدعي عام الأحداث المختص لملاحقته عن تلك الوقائع موضوع التهمة الثانية حسب الاختصاص).

      5- الحكم رقم 1660 لسنة 2015 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 3-12-2015 حيث جاء فيه: (1. من أهم ضمانات المحاكمة العادلة للأحداث وجوب محاكمته بصورة سرية وحضور ولي أمره أو مراقب السلوك وفقاً لأحكام المادة (17) من قانون الأحداث وذلك تحت طائلة البطلان في حال عدم مراعاة ذلك وحيث تمت محاكمة الحدث عبد الله الرشدان بصورة علنية ودون حضور ولي أمره أو مراقب السلوك فإن ذلك يشكل مخالفة صريحة لأحكام القانون مما يتوجب معه نقض القرار المطعون فيه فيما يتعلق بالحدث عبد الله لورود هذه الأسباب عليه).

    6- الحكم رقم 11189 لسنة 2020 – استئناف عمان الصادر بتاريخ 27-9-2020 حيث جاء فيه
    ( وبالرد على أسباب الاستئناف تجد محكمتنا :أن محكمة الدرجة الأولى قد أجرت محاكمة المستأنف ضد الحدث زيد مع الأشخاص البالغين خلافاً لأحكام المادة  5/1 من قانون الأحداث رقم 32 لسنة 2014 وليس المادة الرابعة كما جاء في استئناف النيابة العامة  كما تجد محكمتنا أن النيابة العامة لم تفصل بين الحدث والبالغين اثناء اجراءات التحقيق وفقاً لمتطلبات المادة 16 من قانون الأحداث الامر الذي يرتب بطلان إجراءات التحقيق والمحاكمة مما يجعل أسباب الاستئناف ترد على القرار المستأنف وتوجب فسخه لهذا وسنداً لما تقدم وعملاً بالمادة 269 من الأصول الجزائية تقرر المحكمة فسخ القرار المستأنف وإعادة الأوراق لمصدرها للسير بالدعوى حسب الأصول ومراعاة أحكام المواد 5و15و16 من قانون الأحداث).

    سادسا: الخاتمة

    ختاما فقد ظهر لنا من خلال هذا المقال الوجيز مدى اهتمام المشرع الأردني بالمصلحة الفضلى للأحداث، خاصة في حالة اتهامهم بارتكاب أحد الجرائم الجزائية، ويعتبر هذا الاهتمام وما تبعه من فرض حماية كافية للحدث أثناء جميع مراحل المحاكمة يتفق مع ما تنادي به الاتفاقيات الدولية خاصة اتفاقية بكين من ضرورة وضع مصلحة الحدث الفضلى فوق أي اعتبار مادامت لا تناهض مقتضيات العدالة، وهو ما عمل المشرع الأردني على تحقيقه قدر الإمكان.

     كتابة: محمد إسماعيل حنفي

    [1] رؤوف عبيد، مبادئ الإجراءات الجنائية في القانون المصري، دار الجيل للطباعة، مصر 1989، ص 208

    [2] حسن جو خدار، قانون الأحداث الجانحين، ط1، دار الثقافة والنشر، عمان 1992، ص 146

    [3] لمياء ياسين الركابي، التشرد وانحراف السلوك، ط1، دار الجنان للنشر والتوزيع، عمان 2013، ص 69

    [4] ثائر سعود العدوان، العدالة الجنائية للأحداث، ط1، دار الثقافة والنشر، عمان، 2012، ص 153

    [5] حسن جوخدار، مرجع سابق، ص 160

    [6] محد مصباح القاضي، الحماية الجنائية للطفولة، ط1 دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، ص 102

    [7] ثائر عدوان، مرجع سابق، ص 195

    Scroll to Top