اختصاصات محكمة الجنايات الكبرى وفق التشريع الأردني
تختص محاكم الجنايات الكبرى بعدد من الجرائم على سبيل الحصر، ولا يجوز لغيرها التصدي لتلك الجرائم أو الفصل فيها، ذلك لأن مهامها ومناط اختصاصها قد تم تحديده من قبل المشرع بموجب قانون خاص وأفرد له نصوص قانونية وهو قانون محاكم الجنايات الكبرى رقم (19) لسنة 1986 والملحق بتعديل بقانون مؤقت رقم (13) لسنة 2010، وقد أوكل لها المشرع بموجب هذا القانون بنظر القضايا التي تعد من قبيل القضايا شديدة الخطورة على المجتمع بأسره، وفي هدي هذا التشريع سنفرد لاختصاص تلك المحاكم ونشأتها وتشكيلها من خلال تسليط الضوء على العناصر الأساسية التالية:
(أولا): نشأة محكمة الجنايات الكبرى وتشكيلها
(ثانيا): الطبيعة القانونية لمحكمة الجنايات الكبرى وبعض الانتقادات التي وجهت لها
(ثالثا): الاختصاص الأصيل لمحكمة الجنايات الكبرى
(رابعا): الاختصاص الشامل لمحكمة الجنايات
(خامسا): اجتهادات محكمة التمييز بشأن اختصاص محكمة الجنايات الكبرى
(أولا): نشأة محكمة الجنايات الكبرى وتشكيلها
أصدر المشرع الأردني قانون العقوبات الرقيم (16) لسنة 1960 حتى يتسنى له معاقبة كل من خالف أو أخل بالقانون، وحدد العقوبات الجنائية كأصل بالمادة (14) منه وهي:
1.الإعدام.
2.الأشغال الشاقة المؤبدة.
3.الاعتقال المؤبد.
4.الأشغال الشاقة المؤقتة.
- الاعتقال المؤقت.
- وقد عمل على تقسيم الجرائم إلى ثلاث صور وهي جنايات وجنح ومخالفات، إلا أنه في ذلك التوقيت لم يذكر أن هناك جناية كبرى وجناية صغرى، كما أنه لم يميز بين المواطنين حسب ما جاء في الدستور الأردني في المادة (1/6) منه بمقالة أن (الأردنيون أمام القانون سواء لا تميز بينهم في الحقوق والواجبات، وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين).
-
وكان تنظيم المحاكم في الأردن يبنى على أساس وحدة القضاء المدني والجزائي، وكانت المحاكم العادية تنظر في القضايا المدنية والجزائية معاً [[1]]، وذلك العمل كذلك حتى أصدر المشرع الأردني القانون رقم (19) لسنة 1986، بإنشاء محكمة خاصة بالجنايات الكبرى، أسماها محكمة الجنايات الكبرى، وجاءت المادة (1) من هذا القانون بالنص على أن (يسمى هذا القانون قانون محكمة الجنايات الكبرى لسنة 1986 ويعمل به من تاريخ 1976/6/16م).
-
على أن تختص تلك المحاكم بنظر بعض الجنايات التي حددها هذا القانون بحق النظر فيها وبقيت الجنايات الأخرى من اختصاص المحاكم العادية كما سنبين لاحقاً، إلا أن حقيقة الأمر وغرابته تكمن في عدم وجود مثل هذا القانون في التشريعات العربية، حيث إن جرائم الجنايات بشكل عام ودون تخصيص تتصدى لها محاكم الجنايات التي تشكل من ثلاثة مستشارين من محكمة الاستئناف وتعتبر محكمة الجنايات جزءاً من التنظيم القضائي في هذه التشريعات التي تقوم على أساس وحدة القضاء.
-
أما عن تشكيل محاكم الجنايات الكبرى فقد نصت المادة (3) من القانون المشار إليه سلفاً على أن: (أ. تشكل محكمة خاصة تسمى (محكمة الجنايات الكبرى) تكون ضمن ملاك وزارة العدل وتنعقد برئاسة قاض لا تقل درجته عن الثانية وعضوية قاضيين لا تقل درجة كل منهما عن الثالثة.
ب. تتولى أعمال النيابة العامة لديها هيئة خاصة تتألف من نائب عام ومساعدين له ومدعين عامين حسب الحاجة.
ج. يخضع القضاة في المحكمة وأعضاء النيابة العامة لديها للأحكام والأوضاع القانونية التي تنطبق على القضاة النظاميين).
(ثانيا): الطبيعة القانونية لمحكمة الجنايات الكبرى وبعض الانتقادات التي وجهت لها
اختلفت أراء الفقه القانوني حول الطبيعة القانونية لمحكمة الجنايات الكبرى وهل هي تعد محكمة خاصة أم محكمة نظامية؟ في حين أن هناك البعض من صنفها على بوصفها محكمة جزائية خاصة، [[2]] إلا أن السوابق القضائية قد استقرت على اعتبارها من المحاكم النظامية وسندها في ذلك نص (المادة3/ج) من قانون محكمة الجنايات الكبرى والتي نصت على أن: (يخضع القضاة في المحكمة وأعضاء النيابة العامة لديها إلى الأحكام والأوضاع القانونية التي تنطبق على القضاة النظاميين).
- وهدياً بما نصت عليه (المادة الثالثة) من قانون محكمة الجنايات الكبرى المشار إليها بالفقرة السابقة يستبان منه أن المشرع الأردني أراد من تشكيل هذه المحكمة أن تكون (خاصة) بالمقصد المعني (في المادة 102) من الدستور الأردني التي نصت على أن: (تمارس المحاكم النظامية في المملكة الأردنية الهاشمية حق القضاء على جميع الأشخاص في جميع المواد المدنية والجزائية بما فيها الدعاوي التي تقيمها الحكومة أو تقام عليها باستثناء المواد التي قد يفوض بها حق القضاء إلى محاكم دينية أو محاكم خاصة بموجب أحكام هذا الدستور أو أي تشريع آخر نافذ المفعول)، لذا فإن محكمة الجنايات الكبرى وكما صنفها الدستور الأردني تعتبر محكمة خاصة لأنها تتصدى للقضايا التي خرجت من اختصاص المحاكم النظامية، وفوضت إليها، وهي تمارس حق القضاء والفصل فيها وفقاً لقانونها الخاص الذي يمثل عدواناً صارخاً على حقوق الدفاع وإهداراً للكثير من الضمانات التي كفلها الدستور للمتهم في مراحل محاكمته، فضلاً عن شذوذ الإجراءات التي اختلفت عن تشريعات غالبية الدول العربية، ومن أهمها حرمان الخصوم من مرحلة الاستئناف إلى أحكام محكمة الجنايات الكبرى مما يمثل تعدي صارخ على مبدأ التقاضي على درجتين، هذا وتتولى أعمال النيابة لدى محكمة الجنايات الكبرى هيئة خاصة تتألف من نائب عام ومساعدين له ومدعين عامين حسب الحاجة إلى ذلك، وهذا جانب أخر من جوانب الانتقاد لهذا النوع من المحاكم، حيث يمثل ذلك إرهاق بالغ للموازنة المالية في البلد، بالإضافة إلى أن قانون محكمة الجنايات الكبرى بنصوص مواده لم يتطرق إلى اختصاصات كل من النائب العام ومساعديه والمدعين العامين وإنما جاءت المادة الثالثة بنصها الجاري على أن: (تمارس المحكمة والنيابة العامة الاختصاص والصلاحيات المنوطة بها وفقاً لقانون العقوبات والأصول الجزائية والقوانين الأخرى المعمول بها بما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون).
(ثالثا): الاختصاص الأصيل لمحكمة الجنايات الكبرى
كقاعدة عامة تختص محكمة الجنايات الكبرى بالنظر في الجرائم التي انتزعت من اختصاص المحاكم النظامية، وعلى سبيل الحصر حيثما وقعت في المملكة، حيث إن الاختصاص المكاني لها ضمن النطاق الإقليمي العام للدولة.
- وقد نصت المادة (4) من القانون رقم (19) لسنة 1986 على أن: (تختص المحكمة بالنظر في الجرائم التالية حيثما وقعت في المملكة:
أ. جرائم القتل المنصوص عليها في المواد (326) و (327) و (328) و (330) و (338) من قانون العقوبات المعمول به.
ب. جرائم الاغتصاب وهتك العرض والخطف الجنائي المنصوص عليها في المواد من (292) إلى (302) من قانون العقوبات المعمول به.
ج. الشروع في الجرائم المبينة في الفقرتين (أ) و (ب) من هذه المادة).
- ثم جاء المشرع بقانون مؤقت رقم (13) لسنة 2010 بتاريخ 1/6/2010 وأضاف إليها اختصاصات جديدة في الجرائم المنظورة لها وفي تشكيل المحكمة، وذلك من خلال النصوص التالية:
نصت المادة (2) من القانون المشار إليه على أن: (يلغى نص المادة (3) من القانون الأصلي ويستعاض عنه بالنص التالي:
المادة (3): أ. تشكّل محكمة جزائية تسمى (محكمة الجنايات الكبرى) وتؤلف من رئيس وعدد من القضاة يعينهم المجلس القضائي وفق أحكام قانون استقلال القضاء النافذ.
ب. تنعقد المحكمة من هيئة أو أكثر يشكلها رئيس المحكمة تتألف كل منها من رئيس لا تقل درجته عن الثانية وعضوين لا تقل درجة كل منهما عن الرابعة.
ج. على الرغم مما ورد في الفقرة (ب) من هذه المادة، تنعقد المحكمة من قاض منفرد عند النظر في القضايا الجنحوية).
- كما جاءت المادة (3) من ذات القانون بنصها الجاري على أن: (يلغى نص المادة (4) من القانون الأصلي ويستعاض عنه بالنص التالي:
المادة (4): (أ. تختص المحكمة بالنظر في الجرائم التالية حيثما وقعت في المملكة:
- جرائم القتل المنصوص عليها في المواد (326) و(327) و(328) و(338) من قانون العقوبات النافذ.
- الجنايات المنصوص عليها في المواد من (292) الى (302) من قانون العقوبات النافذ.
- الجرائم المنصوص عليها في الفقرة (2) من المادة (323) وفي كل من المادتين (330) و (372) من قانون العقوبات النافذ.
- الجرائم المنصوص عليها في المادة (187) من قانون العقوبات النافذ.
- الشروع في الجرائم المذكورة في البندين (1) و(2) من هذه الفقرة.
ب. يعتبر خاضعاً لصلاحية المحكمة التدخل في أي من الجرائم المذكورة في الفقرة (أ) من هذه المادة والتحريض على ارتكابها.
ج. للمحكمة أن تحيل أي دعوى حق شخصي منظورة أمامها الى المحكمة المدنية المختصة وفق أحكام التشريعات النافذة إذا وجدت أن النظر فيها سيؤخر الفصل في دعوى الحق العام، ويكون قرار الإحالة غير قابل للطعن لدى أي محكمة أخرى).
- ثم أتبعتها المادة (4) من القانون بنصها على أن: تعدّل المادة (5) من القانون الأصلي باعتبار ما ورد فيها الفقرة (أ) منها وإضافة الفقرة (ب) إليها بالنص التالي: (ب. ينشأ قسم للتنفيذ القضائي من قوة الأمن العام في مقر المحكمة يتولى تنفيذ طلبات النيابة العامة والمحكمة بما فيها إجراء التبليغات بالسرعة اللازمة، ويكون هذا القسم مرتبطاً بكل من رئيس المحكمة والنائب العام).
وجاءت المادة (5) بالنص على أن: تعدل الفقرة (أ) من المادة (7) من القانون الأصلي باعتبار ما ورد فيها البند (1) منها وإضافة البند (2) إليها بالنص التالي: (2. على الرغم مما ورد في المادة (137) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، للمدعي العام، ولسببٍ مبرر، أن يحيل أي جريمة من غير الجرائم المنصوص عليها في الفقرتين (أ) و (ب) من المادة (4) من هذا القانون الى المدعي العام المختص وفق أحكام التشريعات النافذة وذلك في أي مرحلة من مراحل التحقيق وقبل إصدار قرار الظن، على أن يخضع قرار الإحالة لتصديق النائب العام).
كما جاءت المادة (6) بالنص على أن: تعدل المادة (9) من القانون الأصلي على النحو التالي: (أولاً: بإضافة كلمة (جنائية) بعد عبارة (أية قضية) الواردة في الفقرة (أ) منها.
ثانياً: باعتبار ما ورد فيها فقرة (أ) منها وإعادة ترقيم الفقرتين (أ) و(ب) الواردتين فيها لتصبحا البندين (1) و (2) من تلك الفقرة وإضافة الفقرة (ب) إليها بالنص التالي:
ب. يصدر المدعي العام قرار الظن في القضية الجنحوية خلال مدة لا تزيد على ثلاثة أيام من تاريخ إقفال التحقيق فيها، ويحيل إضبارة الدعوى مباشرة الى المحكمة).
- ومن نافلة القول في هذا الصدد أن المدعي العام لمحكمة الجنايات الكبرى والمقيم في العاصمة عمان له الصلاحية الإقليمية كاملة، وله أن ينيب عنه في حدود اختصاصه أي مدع عام نظامي في المنطقة التي ارتكبت بها الجريمة باستثناء إصدار قرار الظن ويكون المدعي العام المناب مقيداً بإجراءاته وبأحكام قانون محكمة الجنايات الكبرى تطبيقاً للمادة (7) من القانون رقم (19) لسنة 1986 بنصها على أن: (أ. يعتبر المدعي العام لدى المحكمة مختصاً بالتحقيق في أية جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون والقيام بالإجراءات القانونية اللازمة لذلك في أي مكان في المملكة.
ب. عند وقوع أية جريمة تنطبق عليها أحكام هذا القانون يقوم المدعي العام لدى المحكمة النظامية التي وقعت الجريمة في منطقة اختصاصها بمباشرة التحقيق الفوري فيها، على أن يبلغ المدعي العام لدى المحكمة ليتسلم التحقيق فيها بالسرعة الممكنة.
ج. للمدعي العام أن ينيب عنه أي مدعي عام آخر لدى المحاكم النظامية للقيام بأي من وظائفه باستثناء إصدار قرار الظن بحق المتهم ويكون المدعي العام المناب مقيداً في إجراءاته بأحكام هذا القانون).
- وبعد إصدار قرار الظن من المدعي العام الأصلي لدى الجنايات الكبرى يصدر النائب العام أو أحد مساعديه قرار الاتهام ويحيل الملف إلى محكمة الجنايات الكبرى، ويلتزم مدعي عام الجنايات الكبرى بإصدار قرار الظن خلال سبعة أيام من تاريخ إقفال التحقيق في الدعوى كما يلتزم أن يودع الدعوى لدى النائب العام خلال ثلاثة أيام من تاريخ إصداره لقرار الظن وعلى النائب العام إصدار قرار الاتهام وإعادة الدعوى للمدعي العام خلال مدة لا تزيد على سبعة أيام من تاريخ إيداع قرار الظن لديه والمدعي العام أن يقدم المتهم إلى المحكمة خلال ثلاثة أيام من إعادة القضية إليها إعمالاً لنص المادة (9) من ذات القانون المشار إليه سلفاً والتي قررت أن: ( أ. على المدعي العام أن يصدر قرار الظن بحق المتهم في أية قضية تنطبق عليها أحكام هذا القانون خلال مدة لا تزيد على سبعة أيام من تاريخ إقفال التحقيق فيها وان يودعها لدى النائب العام خلال ثلاثة أيام من إصداره لقرار الظن.
ب. يصدر النائب العام قرار الاتهام في القضية ويعيدها للمدعي العام خلال مدة لا تزيد على سبعة أيام من تاريخ إيداع قرار الظن لديه، وعلى المدعي العام أن يقدم المتهم إلى المحكمة بلائحة اتهام خلال ثلاثة أيام من إعادة القضية إليه).
- وقد نصت (المادة العاشرة) من ذات القانون على أن: (تبدأ المحكمة بالنظر في أية قضية ترد إليها خلال مدة لا تزيد على عشرة أيام من تاريخ تقديمها وتعقد جلساتها لهذا الغرض في أيام متتالية ولا يجوز تأجيل المحاكمة لأكثر من ثمان وأربعين ساعة إلا عند الضرورة ولأسباب تذكرها في قرار التأجيل).
ويتضح من هذا النص أن المحكمة ملزمة بنظر الدعوى في أيام متتالية ولا يجوز لها أن تؤجلها إلى أكثر من ثمان وأربعين ساعة، والواقع أن النظر بالدعوى في أيام متتالية إلى أن تفصل بها هو اتجاه محمود لإرساء قواعد العدالة في المجتمع، والفصل في الدعوى بأمد قصير، حتى لا يكون هناك فاصل زمني طويل بين وقوع الجريمة وصدور الحكم فيها، ومعاقبة المجرم بشكل رادع وسريع يطمئن المجتمع إلى مقدرة الدولة في الاقتصاص من المجرم ويدعم ثقتهم في عدالة القضاة. [[3]]
- هذا وقد نصت المادة (12) من ذات القانون على أن: (تصدر المحكمة قرارها في أية قضية ختمت المحاكمة فيها بالسرعة الممكنة وخلال مدة لا تزيد على عشرة أيام من تاريخ ختام المحاكمة وللمحكمة تأجيلها لذلك الغرض مرة واحدة فقط ولمدة لا تزيد على سبعة أيام).
وفي حقيقة الأمر فإن هذا النص سالف الهدي يتعارض مع مقتضيات العقل والمنطق والقواعد العامة في إرساء العدالة، وذلك لأن بعض القضايا قد تشتمل على وقائع كثيرة وعدة أشخاص ومحاضر عديدة من أطراف الخصومة وقد يحتاج الحكم إلى وقت ليس بالقليل للتسبيب والرد على الدفوع المبداه في الدعوى الجنائية والاستعانة في سبيل ذلك لأبحاث ومراجع قانونية، لهذا كله فإن تحديد مدة إصدار الحكم في غير محله، ويمكن أن يكون سبباً في إفلات المجرم من العقاب أو ظلم لأحد المتهمين.
- أما بالنسبة للمادة (13) من قانون الجنايات الكبرى فقد نصت على أن: (أ. مع مراعاة أحكام الفقرتين (ب) و (ج) من هذه المادة تكون قرارات المحكمة قابلة للطعن لدى محكمة التمييز خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تفهيمها إذا كانت وجاهية ومن تاريخ تبليغها إذا كانت غيابية وذلك بالنسبة للنائب العام والمحكوم عليه والمسئول بالمال والمدعي الشخصي.
ب. لرئيس النيابات العامة الطعن في قرارات المحكمة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدورها.
ج. الحكم بالإعدام أو بعقوبة جنائية لا تقل عن خمس سنوات تابع للتمييز ولو لم يطلب المحكوم عليه ذلك، ويترتب على النائب العام في هذه الحالة أن يرفع ملف القضية لمحكمة التمييز خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدور الحكم مع مطالعته عليه، ويجوز لمحكمة التمييز في هذه الحالة أن تنظر في القضية موضوعا).
مما يستبين معه من خلال مطالعة هذا النص أن المشرع أخذ بمبدأ التقاضي على درجة واحدة في الجنايات الكبرى وألغى حق الاستئناف وجعل الأحكام الصادرة قابلة للطعن لدى محكمة التمييز رغبة في اختصار إجراءات التقاضي والحد من إطالة المحاكمات.
- والواضح أن مصادرة استئناف أحكام هذه المحكمة ومخالفتها لمبدأ حق التقاضي على درجتين هو هدر وخرق لضمانة هامة وهي ضمانة الدفاع، حيث لا يجوز بأي حال من الأحوال حرمان المتهمين في الجرائم المشمولة لهذه المحكمة من هذا الحق، وعلة ذلك:
أ. لأن الاستئناف يؤدي إلى إصلاح الأخطاء التي قد تلامس الحكم الذي يصدر عن هذه المحكمة وهذه الأخطاء ربما تكون ضارة وكبيرة، إما نتيجة الجهل، أو عدم الخبرة، أو نتيجة التعجل في إصدار الحكم، أو لغير ذلك من الأسباب، وأن حرمان المتهمين من هذه الضمانة قد يؤدي بدوره إلى هدم الثقة بين المواطنين والمحاكم وزعزعة إيمانهم بالعدالة. [[4]]
ب. كما أن القول بأن محكمة الاستئناف هي من البشر أيضاً وقد تخطئ هو قول صحيح، ولكنه لا يجوز التعويل عليه كسبب في إلغاء درجة من درجات التقاضي، فضلا عن وجود لفظ قد مفاده الاحتمالية التي تعني أنها قد تصيب وقد تخطئ وهي سوف تنظر الدعوى التي أصدرت بالمحكمة الأولى حكمها بعد إعداد نطاق الدعوى ووقائعها بالكامل، بهذا فهي تسترشد ببحث محكمة الدرجة الأولى مما ينير لها دربها ويسهل مهمتها أثناء بحثها لعناصر الدعوى الجنائية، مما يرتب بالضرورة احتمالية حكمها أن يكون أقرب إلى الصواب وهي أكثر خبرة وعلماً.
ج. تعد محكمة التمييز هنا محكمة قانون وليست محكمة موضوع، فإن مهمتها المنوطة بها هي مراقبة تطبيق المحكمة للقانون على الوقائع وليس من مهمتها استماع الوقائع مجدداً، وأن كفالة حسن سير العدالة تقتضي أن تكون الأحكام بحاجة إلى مراجعة من قبل محكمة أعلى من حيث الموضوع تبحث نظر الوقائع مجدداً وتعمل على إنزال الحكم الصحيح والمعتبر قانوناً عليها. [[5]]
د. إن القول بأن نظام التقاضي على درجتين يؤدي إلى البطء وإطالة أمر المحاكمة غير صحيح، لأن بطء الإجراءات لا يرجع إلى تعدد درجات التقاضي وإنما سببه عقم القوانين التي تحكم إجراءات المحاكمات، وتخلفها عن روح العصر وقصور الأجهزة المعاونة للقضاء في تبليغ الشهود مثلاً، وتنفيذ قرارات المحكمة الإعدادية مما يدفع المحكمة إلى تأجيل المحاكمة جلسة بعد أخرى حتى تستكمل الدعوى كامل إجراءاتها بالإضافة إلى تراكم القضايا وقلة عدد القضاة وعدم الدقة في اختيارهم.
ز. العدالة ليست بسرعة فصل القضايا وإنما تتحقق العدالة بالتأني والتروي والتدقيق، والعدالة البطيئة خير من (الظلم السريع)، فإذا كانت من الصالح العام أن يفصل في القضايا بالسرعة، فيجب أن يتم ذلك دون المساس بمبادئ العدالة وبالقواعد الأساسية التي وصلت إليها الدول المتحضرة في نطاق القانون.
(رابعا): الاختصاص الشامل لمحكمة الجنايات
يقصد بالاختصاص الشامل لمحكمة الجنايات الكبرى: هو تخويل هذه المحكمة سلطة الفصل في الدعاوى المرفوعة أمامها ولو لم تكن مختصة بها أصلاً طبقاً لقواعد الاختصاص النوعي، ويقوم هذا الاختصاص على عدة أسباب وقواعد هدياً بالشرح التالي:
1- امتداد الاختصاص للارتباط أو التلازم
يقصد بالامتداد القانوني للاختصاص: هو تخويل محكمة ما سلطة الفصل في دعوى تخرج أصلاً من اختصاصها سواء من حيث نوع الجريمة أو شخص المتهم أو بالنسبة للمكان، وفي مثل هذه الحالة يمتد اختصاص القاضي الجزائي إلى دعاوى لا يختص بنظرها أصلاً طبقاً لقواعد توزيع الاختصاص، وهذا الامتداد يقوم عندما يوجد ارتباط أو تلازم بين جريمتين أو أكثر يجعل من صالح العدالة أن تنظر تلك الدعاوى الجزائية أمام قاض واحد، وذلك إما بقصد جمع الأدلة أو لتلافي تضارب الأحكام، [[6]] وهذا ما أكده المشرع الأردني في المادة (136) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي نصت على أن: (يصدر النائب العام قراراً واحداً الجرائم المتلازمة المستفادة من الأوراق المعروضة عليه فإذا كان بعضها من نوع الجناية والبعض الآخر من نوع الجنحة تحال القضية برمتها إلى المحكمة المختصة للنظر بها سويةً).
كما نصت المادة (137) من ذات القانون على أن تكون الجرائم متلازمة: (1 – إذا ارتكبها في آن واحد عدة أشخاص مجتمعين.
2 – إذا ارتكبها أشخاص متعددون في أوقات وأماكن مختلفة بناءً على اتفاق فيما بينهم.
3 – إذا كان بعضها توطئة للبعض الآخر أو تمهيداً لوقوعه وإكماله أو لتأمين بقائه بدون عقاب.
4 – إذا كانت الأشياء المسلوبة أو المختلسة أو التي حصل عليها بواسطة جناية أو جنحة قد اشترك عدة أشخاص في إخفائها كلها أو بعضها).
- وبمطالعة هذا النص يتضح أنه لزاماً على النائب العام أن يصدر قراراً واحداً في الجرائم المتلازمة على أن تكون إحدى هذه الجرائم من نوع الجناية ولا أثر للقضية الأخرى أن كانت جنحة أو مخالفة، بحيث تحال القضية برمتها إلى المحكمة المختصة للنظر بهما سويا، [[7]] مما يتضح معه أن الاختصاص الأصلي الشامل يقصد به تغليب المحاكم صاحبة الولاية العامة على غيرها.
والجدير بالذكر في هذا التناول أن اعتبار الجرائم مرتبطة ببعضها ارتباطاً غير قابل للتجزئة من المسائل الموضوعية، التي تستقل بها محكمة الموضوع، ولا رقابة لمحكمة التميز على سلطه المحكمة فـي تقديرها، إلا إذا أخطأت من حيث ملاءمة الاستنتاج والتسبيب، وأن الفقه والقضاء مجمع على أن حالات التلازم لم ترد في القانون على سبيل الحصـر، وأن التلازم يتحقق متى توافرت ظروف فعلية، تجعل الارتباط واقعاً بالفعل ولو لـم تـكـن هـذه الحالات ضمن ما نص عليه القانون، وبهذا الاتجاه أخذت محكمة التميز بقولها:( إن أحوال الارتباط والتلازم بين الجرائم تجيز رؤية الدعاوى الناشئة عنها بمعرفه محكمة واحدة وبقرار اتهام واحد لا تدخل تحـت حصـر، وإنما تشمل كل حالة توجد في الجرائم في ظروف تجعل بينها صله بحيث يكون من مصلحة العدالة نظرها مع بعضها أمام محكمة واحدة ولو لم تكن داخلة في عداد الأحوال المنصوص عليهـا قانوناً)، والناظر في حالات التلازم المنصوص عليها في (المادة 137) من قـانون أصـول المحاكمات الجزائية، يجد أنها هي ذات الحالات التي نص عليها المشرع الفرنسي في (المادة 203) من قانون الإجراءات الفرنسي والتي وصفها الفقه بحالات الارتباط وأن حـالات عـدم التجزئة قد تركها المشرع للفقه والقضاء ليرسي قواعدها وأساسها.
2- الجرائم المتلازمة والمحاكم المختلفة بالنوع والدرجة
ذهب رأي إلى القول بأنه لم يرد نص في القانون الأردني يبين المحكمة التي تختص بمحاكمه الجرائم المرتبطة ارتباطاً وثيقاً [[8]]، وهذا الرأي غير صائب فقد عالج المشرع ذلك نسبياً في قانون أصول المحاكمات الجزائية بالشكل المتقدم شرحه بموجب نص المادتين (136،137) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وبهذا يكون المشرع قد وضع حلاً وأعتبر المحكمة المختصة بها جميعاً هي المحكمة المختصة بمحاكمة الجريمة ذات الوصف الأشد وهي الأعلى درجة، ولكن ما يوجب أخذه في الاعتبار أن قانون أصول المحاكمات الجزائية لم يتعرض إلى الجرائم المتلازمة التي تكون جميعها من درجة جنائية من اختصاص محاكم مختلفة عادية وخاصة أو استثنائية. [[9]]
- و قد اختلفت الآراء الفقهية وتباينت بشأن الجرائم المتلازمة الداخلة ضمن اختصاص محاكم عادية وأخـرى خاصة، كما تضاربت السوابق القضائية أيضاً بين ما إذا كان امتداد الاختصاص بمناسبة حالة عدم التجزئة لمحكمة الجنايات الكبرى، وبين ما إذا كان المحاكم الجزائية الخاصة الأخرى، حيث لم يرد في قانون محكمة الجنايات الكبرى نصوص تفسيرية توضح مدى اختصاص المحكمة فـي الجـرائم المتلازمة التي هي ليست من اختصاصها أصلاً، إلا أن اجتهادات محكمة التمييـز الأردنية قد أخذت بالقاعدة العامة في الجرائم المتلازمة التي توجب أن تنظرهـا محكمة واحدة هي صاحبة الاختصاص للنظر في الجريمة الأشد إذا ما كانت إحـدى الجرائم المتلازمة مع غيرها من اختصاص محكمة الجنايات الكبرى والأخرى مـن اختصـاص محكمة عادية حتى لو عدلت وصف التهمة التي تدخل في اختصاص إلى وصف يخرجهـا عن اختصاصها.
والجدير بالملاحظة أن القضاء الأردني يذهب إلى اعتبار حالات التلازم المنصوص عليها في (المادة 137) من قانون أصول المحاكمات الجزائية حالات تلازم توجب الضم بالإضافة إلـى الحالات الأخرى التي قال بها الفقه.
(خامسا): اجتهادات محكمة التمييز بشأن اختصاص محكمة الجنايات الكبرى
1)- قرار محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 1968/2014، بتاريخ 30/11/2014 حيث جاء فيه: (حيث إن جرم خطف أنثى وجرم الاغتصاب وجرم القتل وهتك العرض والشروع فيهن بحدود المادة 2/302 من قانون العقوبات يدخل ضمن اختصاص محكمة الجنايات الكبرى كما تقتضيها المادة (4) من قانون محكمة الجنايات الكبرى.
حيث إنه تم قيد الدعوى لدى مدعي عام إربد وقام بالتحقيق وأصدر قرار بعدم الاختصاص وإحالة الأوراق الى محكمة الجنايات الكبرى التي أصدرت قرارها بعدم الاختصاص وإعادة الأوراق.
وحيث أن الجرم المنسوب الى المشتكى عليه هي خطف أنثى وهي من الجرائم الداخلة في اختصاص محكمة الجنايات الكبرى واستنادا إلى نص المادة 327 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تقرر تعيين محكمة الجنايات الكبرى المرجع المختص للنظر في الدعوى واعتبار الإجراءات التي قام بها مدعي عام اربد صحيحة).
2)- قرار محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 2300/2014، بتاريخ 12/2/2015 حيث جاء فيه : (حيث أنه عند تحديد الاختصاص في الجرائم المتلازمة ينظر إلى الجريمة ذات العقوبة الأشد لغايات تحديد المحكمة المختصة وحيث أن العقوبة المفروضة على جرم هتك العرض أشد من العقوبة المفروضة على جرم السرقة بظرفه المشدد، وحيث أن الجرائم المسندة إلى المشتكى عليهم هي من الجرائم المتلازمة، وأن العقوبة الأشد هي التي تحدد المحكمة صاحبة الاختصاص فعليه يكون مدعي عام محكمة الجنايات الكبرى هو المرجع المختص للنظر في الدعوى وذلك بالاستناد الى نص المادة327 من قانون أصول المحاكمات الجزائية).
كتابة الأستاذ/ محمد جلال جعفر
[1] – الكيلاني، فاروق، المحاكم الخاصة، دراسة مقارنة، ط1، 1980، ص231.
[2] -المرجع السابق ،، ص233.
[3] -المرجع السابق ،، ص237.
[4] – المرجع السابق ،ص239.
[5] المرجع السابق ، ص141.
[6] – ثروت، د. جلال، أصول المحاكمات الجزائية، الخصومات الجنائية والخصومة المدنية التابعة، مكتبة مكاوي، بيروت، سنة 1979، ص422.
[7] – الجبور، د. محمد، قواعد توزيع الاختصاص القضائي في المسائل الجزائية في القانون الأردني (دراسة مقارنة) بحث منشور، البلقاء للبحوث والدراسات، جامعة عمان الأهلية، سنة 2003، ص188.
[8] – الكيلاني، فاروق، المحاكم الخاصة، دراسة مقارنة، ط1، 1980، ص535.
[9] – الجبور، د. محمد، قواعد توزيع الاختصاص القضائي في المسائل الجزائية في القانون الأردني (دراسة مقارنة) بحث منشور، البلقاء للبحوث والدراسات، جامعة عمان الأهلية، سنة 2003، ص191.

