الطعن بالتمييز في أحكام محكمة الجنايات الكبرى

الطعن بالتمييز في أحكام محكمة الجنايات الكبرى

في مستهل الحديث عن الطعن بالتمييز في أحكام محكمة الجنايات الكبرى ، لابد أن أشير إلى أن القضاة بشر معرضين للخطأ والنسيان مهما بلغوا من العلم والثقافة والخبرة، لذا كان لابد من وسيلة لتدارك تلك الأمور التي قد تعتري حكم القضاة أملاً في الوصول للهدف المنشود وهو تحقيق العدالة بين المتقاضين وكشف الحقيقة.
– ومن هذا المنطلق وجد المشرع ضالته المنشودة في وسائل الطعن على الأحكام  لتحقيق العدالة ولإيصال الحقوق لأصحابها، وإظهار للحقيقة بشكل واضح لا لبس فيها ولا غموض، فأوجد نظام الطعن بالتمييز كأحد الطرق غير العادية للطعن في الأحكام الجزائية، والذي يتسم بذاتيته الخاصة والتي تميزه عن غيره من طرق الطعن الأخرى.
– ولتحقيق ذلك الغرض أنشأ المشرع الأردني محكمة التمييز عام 1951 بموجب القانون رقم 71 لسنة 1951الخاص بتشكيل المحاكم النظامية ومقرها عمان، والذي عدل القانون رقم 17 لسنة 2001 ونص في المادة (9) منه على إنشائه تشكيل محكمة التمييز، وأنها تؤلف من رئيس واحد وعدد من القضاة وتنعقد من خمسة قضاة على الأقل ويرأسها أقدم القضاة، وتصدر قراراتها بالإجماع أو بالأكثرية، وبذلك القانون استقر المشرع الأردني على الأخذ بنظام الطعن للتمييز في الأحكام الجزائية مثل كافة الأنظمة القانونية في مختلف دول العالم.

وتماشياً مع ما تم ذكره سوف أحاول في هذا المقال الهام تسليط الضوء على الطعن بالتمييز في أحكام محكمة الجنايات الكبرى، وذلك من خلال العناصر الآتية:

أولاً: ماهية الطعن بالتمييز في أحكام محكمة الجنايات الكبرى.

ثانياً: أسباب الطعن بالتمييز في أحكام الجنايات الكبرى.

ثالثاً: آثار الطعن بالتمييز في أحكام محكمة الجنايات الكبرى.

رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية فيما بتعلق بالطعن بالتمييز في أحكام محكمة الجنايات الكبرى.

خامساً: الخاتمة

أولاً: ماهية الطعن بالتمييز في أحكام محكمة الجنايات الكبرى.

1- – مفهوم الطعن بالتمييز
بادئ ذي بدء ينبغي أن أؤكد على أن المشرع الأردني لم يضع تعريفاً واضحاً دقيقاً للطعن بالتمييز وترك هذا الأمر للفقه القانوني، وترتب على ذلك أن تعددت التعريفات الفقهية للطعن بالتمييز، وذلك على النحو التالي:

فبعض الفقهاء وضعوا تعريفاً مقتضباً للطعن بالتمييز وعرفوه بأنه: ( طريق غير عادي من طرق الطعن يتوخى من ورائه الحصول على حكم يتطابق مع القانون)،([1]) والبعض الآخر عرف الطعن بالتمييز بأنه: ( طريق غير عادي من طرق الطعن في الأحكام يهدف إلي محاكمة الحكم المطعون فيه، ويبنى على أسباب قانونية وليست واقعية، ولا يتطلب إجراء تحقيق موضوعي، كما أنه لا يطرح الدعوي على محكمة النقض في صورة خاصة).([2])
هناك جانب آخر من الفقهاء يرون أن تمييز الأحكام أو نقضها طريق أُجيز للخصوم أن يلجئوا إليه في الأحكام النهائية الصادرة عن آخر درجة في الجنايات، أو عن محكمة الاستئناف، أو القرارات الصادرة من النائب العام في منع المحاكمة، ويستهدف فحص الحكم للتحقق والتأكد من مطابقته للقانون سواء من حيث القواعد الموضوعية التي طبقها أو من حيث إجراءات نشؤه، أو الإجراءات التي يستند إليها والتأكد من صحة التكييف القانوني للوقائع.([3])
ويستفاد من التعريفات السابقة أن الطعن بالتمييز له عدة خصائص، حيث يقتصر دور محكمة التمييز عند نظر الطعن بالتمييز علي البحث في الجوانب القانونية دون التعرض للوقائع، فهي محكمة قانون وليست محكمة وقائع، ويترتب على ذلك أنها ليست درجة من درجات التقاضي، كذلك فإن الطعن بالتمييز يعد طريق غير عادي للطعن في الأحكام الجزائية.

2- أوجه التشابه والاختلاف بين الطعن بالتمييز وغيره من طرق الطعن غير العادية:

أ- الطعن بالتمييز والطعن بإعادة المحاكمة:

يبدو التشابه كبير بين الطعن بالتمييز والطعن بإعادة المحاكمة فكلاهما من طرق الطعن غير العادية، وبالرغم من ذلك لا يخفي عن الفطنة أن بينهما عدة اختلافات تظهر في أسباب كلاً منهما، فالطعن بالتمييز يستند إلي خطأ في القانون أو في الإجراءات، فأسباب التمييز وردت في المادة( 274 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني على سبيل الحصر، أما طلب إعادة المحاكمة  فلا يتعلق بالقانون بل لخطأ في الوقائع، فقد وردت أسبابه في المادة( 292 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني والتي جاء فيها: ( يجوز طلب إعادة المحاكمة في دعاوي الجناية والجنحة أيا كانت المحكمة التي حكمت بها والعقوبة التي قضت بها، وذلك في الأحوال التالية:
– إذا حكم على شخص بجريمة القتل وقامت بعد ذلك أدلة كافية تثبت أن المدعي قتله وهو حي.

  • إذا حكم على شخص بجناية أو جنحة وحكم فيها بعد على شخص آخر بالجرم نفسه وكان الحكمان لا يمكن التوفيق بينهما ونتج عن ذلك ما يؤيد براءة أحد المحكوم عليهما.
  • إذا حكم على شخص وبعد صدور الحكم قضي بالشهادة الكاذبة على من كان قد شهد عليه بالمحاكمة فلا تقبل شهادة هذا الشاهد في المحاكمة الجديدة.
  • إذا وقع أو ظهر بعد الحكم حدث جديد أو أبرزت مستندات كانت مجهولة حين المحاكمة وكان من شأن ذلك إثبات براءة المحكوم عليه).
  • وعلاوة على ما سبق فإن طلب إعادة المحاكمة لا يخضع لأي قيد زمني فلم يشترط قانون أصول المحاكمات الجزائية ميعاد معين لتقديمه، وعلى النقيض فقد حدد المشرع الأردني مواعيد للطعن بالتمييز حيث نصت المادة( 275 / 1 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني على أن 🙁 ميعاد التمييز بالأحكام الصادرة للدرجة الأخيرة في الجنايات ماعدا أحكام الإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة والاعتقال المؤبد: أ- خمسة عشر يوماً للمحكوم عليه والمسؤول بالمال والمدعي الشخصي ويبدأ هذا الميعاد من اليوم الذي يلي تاريخ صدور الحكم إذا كان وجاهياً أو من تاريخ تبليغه إذا كان غيابياً، ب- ستون يوماً لرئيس النيابات العامة وثلاثون يوماً للنائب العام ويبدأ هذا الميعاد من اليوم الذي يلي تاريخ صدور الحكم).

  • وأخيراً فإن طلب إعادة المحاكمة لا يكون إلا في دعاوي الجناية والجنحة، أما بالنسبة للطعن بالتمييز فإنه لا يكون إلا في دعاوي الجناية، فإذا كانت الدعوي جنحة أو مخالفة لا تقبل الطعن بالتمييز، استنادا لنص المادة( 270 ) من قانون أصور المحاكمات الجزائية الأردني.

أ- الطعن بالتمييز والنقض بأمر خطي:

  • جدير بالذكر أن النقض بأمر خطي هو 🙁 طريق غير عادي للطعن في الأحكام الجزائية أجازه المشرع لأي دعوي جزائية يوقع فيها إجراء مخالف للقانون أو صدر فيها قرار أو حكم مخالف للقانون، إما بترك العمل بنص قانوني لا يتحمل التأويل أو لخطأ في تطبيق القانون بإعمال نص قانوني لا ينطبق على الدعوي، أو إعطاء النص الواجب تطبيقه معني غير معناه السليم والصحيح، ولم يسبق لمحكمة التمييز التدقيق في هذا الإجراء أو القرار أو الحكم الذي اكتسب الدرجة القطعية، ويكون الطعن بناء على أمر وزير العدل من تلقاء نفسه أو بناء على موافقته على طلب المحكوم عليه أو المسؤول بالمال، فإذا اقتنع وجه أمراً خطياً إلي رئيس النيابة العامة ليطعن في الحكم المذكور أمام محكمة التمييز).([4])
  • وتأسيساً على ما تقدم فإن الجامع المشترك بين الطعن بالتمييز والنقض بأمر خطي أنهما من الطرق غير العادية للطعن في الأحكام الجزائية وعلى الرغم من ذلك لا يمكن إنكار ما يوجد بينهما من اختلافات، فالنقض بأمر خطي جائز في جميع الدعاوي سواء في المخالفة أو الجنحة، بعكس الحال فيه الطعن بالتمييز الذي يقتصر علي الجناية فقط، كما أن النقض بأمر خطي لا يرتب آثاراً إلا إذا وقع لصالح المسؤول بالمال أو المحكوم عليه، وذلك إذا قدم الطلب من وزير العدل إلي رئيس النيابة العامة، أما الطعن بالتمييز فلا شك يرتب عدة آثار هامة، وعلاوة على ذلك فحالات الطعن بالتمييز وردت على سبيل الحصر، أما النقض بأمر خطي فهو جائز في حال لم يسبق لمحكمة التمييز التدقيق في الإجراء أو الحكم أو القرار المطعون فيه.

  • ثانياً: أسباب الطعن بالتمييز في أحكام الجنايات الكبرى.

    1 – الأسباب الشكلية للطعن بالتمييز

    لقد أكد قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني في الفقرة الأولي من المادة (274) على وجوب إتباع إجراءات معينة أثناء نظر المحكمة لموضوع الدعوي، واعتبر أن عدم اتباعها يعد سببا للطعن بالتمييز، وقد تكون هذه الإجراءات التي تمت مخالفتها سابقة على المحاكمة.

    • فمن المسلم به أن بطلان إجراءات التحقيق تؤدي إلي بطلان الحكم الجزائي، والبطلان في هذه الحالة يشوب إجراء سابق على إصدار الحكم، وهو ما أكدت عليه المادة( 100 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، حيث أن المادة المذكورة أوجبت حال القبض على المشتكي عليه وفقاً لأحكام المادة( 99 )من القانون ذاته أن يقوم موظف الضابطة العدلية بتنظيم محضر خاص موقع منه ويبلغ للمشتكي عليه أو محاميه ويتضمن هذا المحضر اسم الموظف الذي أصدر أمر القبض والذي قام بتنفيذه واسم المشتكي عليه، وتاريخ إلقاء القبض ومكانه وأسبابه، ووقت إيداع المشتكي عليه وتاريخه ومكان التوقيع أو الحجز، واسم الشخص الذي يباشر تنفيذ المحضر، وسماع أقوال المشتكي عليه فور إلقاء القبض عليه وإرساله خلال 24 ساعة إلي المدعي العام المختص، فإذا لم يتم إتباع هذه الإجراءات سالفة الذكر فيجوز الطعن بالتمييز لمخالفة الإجراءات، ويكون ذلك سبباً شكلياً للطعن بالتمييز.
    • وقد تكون الإجراءات واجبة الاتباع أثناء مرحلة المحاكمة متعلقة بحقوق المتهم ومنها نص المادة( 159 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردنية والتي جاء فيها: ( إذا لم يحضر الظنين إلي المحكمة  في اليوم والساعة المعينين في مذكرة الدعوي المبلغة له حسب الأصول، للمحكمة أن تحاكمه غيابياً، ولو كان مكفولاً)، أي يجب اتباع أصول التبليغ الواردة في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، وهذا الإجراء حماية لحقوقه وهو إجراء يجب إتباعه أثناء المحاكمة، وإذا تمت مخالفته يصلح سبباً شكلياً للطعن بالتمييز، طالما أن القاعدة التي لم يراعيها الإجراء تحقق مصلحة جوهرية للطاعن، وأن الإجراء له أثر علي الحكم بأن يستند الحكم على هذا الإجراء فيصبح بدوره معيباً.([5])
       – وهناك بعض الإجراءات التي ينبغي احترامها أثناء المحاكمة وتتعلق بالنظام العام، كمسائل الاختصاص النوعي والشخصي بل والاختصاص المكاني، كما يتفق أغلب الفقه القانوني، فمن حق المحكمة إثارتها من تلقاء نفسها في أي مرحلة من مراحل الدعوي([6])، ومن ثم فإن مخالفة هذه الإجراءات قد يكون أيضاً سبباً شكلياً للطعن بالتمييز.
    • وتجدر الإشارة أن سبب الطعن بالتمييز قد يرجع إلي بطلان الحكم الجزائي ذاته، فهناك إجراءات حددها المشرع الأردني لإصدار قرار الحكم يتعين إتباعها وإلا بطل الحكم ذاته، كوجوب تدوين الحكم  الوارد في نص المادة( 236 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وسرية المداولة، والإجراءات الواردة في المادة( 237 ) من ذات القانون المشار إليه.
    • وعلاوة على ذلك هناك بيانات معينة يجب توافرها في الحكم الجزائي مثل ذكر اسم المحكمة التي أصدرته، وتاريخ صدوره، وأسماء أطراف الدعوي، والقضاة، ووصف مفصل للجريمة، وصدور القرار باسم الملك، وإذا خلا الحكم من بعض هذه البيانات كان ذلك سبباً للبطلان الشكلي، وبالتالي يفتح الباب أما الطعن بالتمييز، كما أن هناك بيانات في غاية الأهمية بالنسبة للحكم الجزائي يترتب علي بطلانها توافر أحد أسباب الطعن بالتمييز، والتي وردت في المادة (274 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وهي بيان أسباب الحكم بصورة واضحة وغير معيبة وإلا صار الحكم باطل.

    2- الأسباب الموضوعية للطعن بالتمييز.

    لقد انفرد قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني بذكر أسباب موضوعية للطعن بالتمييز، فلم يكتفي بمخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله كسبب للطعن بالتمييز، بل أضاف إليه إغفال الفصل في أحد الطلبات، أو الحكم بما يجاوز طلب الخصم، وكذلك صدور حكمين متناقضين في موقعة واحدة.
    – وبالنسبة لمخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله، فالمقصود بالقانون هنا القانون بمعناه العام ويدخل فيه الدستور والنصوص التشريعية والأنظمة واللوائح التنفيذية لها، وأحكام الفقه الإسلامي ومبادئ الشريعة الإسلامية، والعرف، وقواعد العدالة، وكذلك المعاهدات والاتفاقيات الدولية النافذة في الدولة.
    – وترتيباً على ذلك فإن مخالفة القانون يعني إنكار المحكمة لقاعدة قانونية موجودة أو تأكيدها لقاعدة لا وجود لها، وتتحقق هذه الصورة إذا تركت المحكمة في حكمها العمل بنص قانوني لا يحتمل التأويل، ولا خلاف في  وجوب الأخذ به في الدعوي، أما الخطأ في تطبيق القانون فإنه يقوم في حالة تطبيق القاضي على وقائع النزاع المعروضة عليه قاعدة قانونية لا تنطبق عليها أصلاً، أو يطبقها على نحو يؤدي إلي نتائج قانونية مخالفة لتلك التي يريدها القانون، ولا يشترط لصحة التمسك بهذا السبب أن يكون المميز قد تمسك بالقاعدة القانونية الواجبة التطبيق، لأن من واجب المحكمة تحديد القاعدة القانونية الواجبة التطبيق على وقائع النزاع المعروضة عليها من تلقاء نفسها.([7])

    • وجدير بالذكر أن الخطأ في تكييف الواقعة ينطوي على خطأ في تأويل القانون، وذلك بأن تخطأ المحكمة في فهم المراد بالقصد الجرمي فتعتبر الجريمة جنحة قتل خطأ في حين أنها ضرب أفضي إلي الموت، وهذا الخطأ في التأويل يؤدي في النهاية إلي خطأ في تطبيق القانون.
    • ومن ضمن أسباب الطعن التمييز عدم تسبيب الأحكام الجزائية فالحكم يبطل إذ لم يتضمن أسباب مفصلة ومتسقة فيما بينها وبين المنطوق، وكذلك إذا تضمن أسباب مبهمة أو متناقضة فيما بينهما، وكذلك في حالة القصور في التسبيب وهو كل حالة تعجز فيها المحكمة عن تحقيق الرقابة على الحكم بأن لم تستطع المحكمة من خلال أسباب الحكم الوقوف علي موجبات إصداره على النحو الذي صدر فيه.([8])

    ثالثاً: آثار الطعن بالتمييز في أحكام محكمة الجنايات الكبرى.

    نصت المادة( 13 ) من قانون محكمة الجنايات الكبرى علي أنه:( تكون قرارات المحكمة قابلة للطعن لدي  محكمة التمييز خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تفهيمها إذا كانت وجاهية، ومن تاريخ تبليغها إذا كانت غيابية، وذلك بالنسبة للنائب العام والمحكوم عليه والمسؤول بالمال والمدعي الشخصي).
    – وهناك حالات يجوز لمحكمة التمييز نظر الطعن في الأحكام الجزائية الصادرة عن محكمة الجنايات الكبرى بصفتها محكمة موضوع، وذلك في حال كان الحكم الصادر منها بالإعدام أو بعقوبة جنائية  لا تقل عن خمس سنوات وفقاً للفقرة ( ج ) من المادة( 13 ) المشار إليها سابقاً.

    – وبالنسبة للآثار المترتبة على الحكم بالطعن بالتمييز فهي كالتالي:

    1 – الآثار المترتبة على رد التمييز
    وفقاً للمادة( 286 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية فإنه يترتب علي رد استبعاد التمييز صيرورة الحكم مبرماً بحق مقدمه، ولا يجوز له بأي حال أن يميزه مرة ثانية، وفي حال قدم منه مرة أخري فإنه يستوجب الرد شكلاً، بيد أن هذا الأثر ينصب فقط علي مقدمه دون غيره من أطراف الدعوي الآخرين اللذين يجوز لهم الطعن في الحكم الجزائي، وباستقراء نص المادة ( 279 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني فإنه يجوز الطعن بإعادة النظر في الدعوي من جديد بعد رد استدعاء التمييز لأي سبب شكلي وليس موضوعي.

    2- الآثار المترتبة على نقض الحكم المطعون فيه

     

    1- نقض الحكم المطعون فيه وإعادة الدعوي إلى المحكمة مصدرة الحكم
    إذا كانت محكمة التمييز هي محكمة قانون وليست موضوع، فمن البديهي أنه إذا قررت نقض الحكم لأنها يجب أن تعيد ملف الدعوي إلى المحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه، ويمتد إثر النقض على المحكوم عليهم جميعاً وإن لم يتقدموا بتمييز الحكم الجزائي وذلك في حال كان مقدم الطعن أحدهم، وكانت الأسباب التي بني عليها النقض تتصل بباقي المحكوم عليهم لما في ذلك من انسجام مع مبادئ العدالة. ([9])

    2– نقض محكمة التمييز للحكم المطعون فيه وإصدار حكم محل الحكم المنقوض
    أجاز القانون لمحكمة التمييز أن تفصل في الدعوي الجزائية ودون إعادة الأوراق إلى المحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه، وذلك إذا قررت نقض الحكم ثانيةً للأسباب التي أوجبت النقض الأول ويحدث ذلك في حالة إذا خالفت محكمة الاستئناف التي أعيد الحكم إليها منقوضاً ما ورد في قرار النقض، وميز الحكم مرة ثانية للأسباب نفسها التي قبلتها محكمة التمييز فيه قرارا النقض، وفقاً لما قررته المادة (289) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

    3- سلطة المحكمة التي تعاد لها الدعوي: يجب على هذه المحكمة التي أصدرت الحكم المنقوض أن تتبع ما جاء في قرار النقض، وينبغي عليها أن تقدم بسؤال الخصوم في الشكوى الجزائية لتحديد موقفهم من قرار النقض.

    رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية فيما بتعلق بالطعن بالتمييز في أحكام محكمة الجنايات الكبرى.

    1- قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء رقم 11/75، منشورات مركز عدالة : حيث جاء فيه بأنه: ” لمحكمة التمييز حق مراقبة الإجراءات التي أوجب القانون مراعاتها وكذلك مراقبة الخطأ في تطبيق القانون علي الوقائع التي استخلصتها البينة التي قنعت بها عملًا بالمادة (274) من قانون أصول المحاكمات الجزائية”.
    2
    – قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء رقم 43/72، مجلة نقابة المحامين لسنة 1972، ص 757: حيث قضت فيه بأنه: ” 1- إذا عدلت محكمة الجنايات التهمة من الجناية الي الجنحة واستأنف المحكوم عليه حكم محكمة الجنايات ولم تستأنفه النيابة العامة فإن قرار محكمة الاستئناف يكون قابلًا للتمييز من قبل النيابة العامة، لأن العبرة في قابلية الأحكام والقرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف في القضايا الاستئنافية للتمييز هي الوصف الذي أحيلت به التهمة إلى محكمة أول درجة بغض النظر عن تعديلها).

    3- قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء رقم 124/81، مجلة نقابة المحامين لسنة 1982، ص 388: حيث قضت فيه محكمة التمييز بأنه:” إذا كانت الدعوى كما أحالتها النيابة العامة إلى محكمة الشرطة تتعلق بجريمة الاختلاس التي هي من درجة الجناية والحكم والصادر فيها من حيث تعديل التهمة هو حكم في قضية جنائية، وعلى هذا الأساس يكون الحكم بالنتيجة قابلاً للتمييز ولو كان الوصف الجرمي بنتيجة تعديل التهمة أصبح جنحوياً).

    4- قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء رقم 52/81، منشورات مركز عدالة: حيث جاء فيه أنه: ” إذا لم ينبه المدعي العام المتهم إلى أن من حقه ألا يجيب عن التهمة إلا بحضور محام كما لم يدون مثل هذا التنبيه في محضر التحقيق، فيكون بإهماله ذلك قد خالف القانون الأمر الذي يتعين اعتبار الإفادة المعطاة على هذه الصورة باطلة على أساس أن المدعي العام قد أخل بضمانة من ضمانات الدفاع المقررة قانوناً).

    5- قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء رقم 5/72، منشورات مركز عدالة: حيث قضت بأن: ” الفقرة الثانية من المادة (215) من قانون أصول المحاكمات الجزائية توجب على رئيس المحكمة عند النظر في القضايا الجنائية أن ينبه المتهم إلى وجوب الإصغاء لما سيتلى عليه ويأمر الكاتب بتلاوة قرار الاتهام ولائحة الاتهام وقائمة بأسماء الشهود والضوابط والوثائق الأخرى. وأن مخالفة هذه الإجراءات الجوهرية قد تمس بحقوق الدفاع وعدم التقيد بها يستدعي البطلان ولو لم يرد نص على ذلك صراحة”.

    6- قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء رقم 481/95، منشورات مركز عدالة: حيث جاء في حكمها: ” أوجبت المادة (237) من قانون أصول المحاكمات الجزائية أن يشتمل الحكم على الأسباب الموجبة للبراءة أو عدمها وعلى الأدلة التي قامت عليها الواقعة المستخلصة والإشارة إليها في القرار، وعليه فإن قول محكمة الجنايات الكبرى في حكمها المميز أن سماع شهادة شاهد الدفاع – اتباعاً لحكم النقض السابق- لم يؤثر على الواقعة التي قنعت بها ثم عادت المحكة وسجلت في قرارها أن الحكم بالبراءة جاءت نزولاً عند قرار محكمة التمييز بشكل تناقضاً بينا وقصوراً في التعليل والتسبب لخلو الحكم من موجبات البراءة كما أن من سمات القضاء الأردني تغول القضاء الأعلى على القضاء الأردني مما يوجب نقض الحكم لهذا الجانب أيضا” .

    7– قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء رقم 1078/2012، منشورات مركز عدالة: حيث قضت محكمة التمييز بأنه:”1- يخضع تمييز الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات الكبرى لذات الشرائط الشكلية والموضوعية التي يخضع لها تمييز الأحكام الاستئنافية وتسوي عليهما ذات الآثار التي تترتب على الأحكام التمييزية بمقتضى المواد ( 288,287,286)من قانون أصول المحاكمات الجزائية وعليه وبالمفهوم المخالف لحكم المادة 288 فإنه لمحكمة الجنايات الكبرى إن أصرت على حكمها المنقوض أن لا تتبع النقض إذا لم يكن يتضمن رد الدعوى لعدم الاختصاص أو التقادم أو لمانع قانوني يحول دون السير بها”.

    خامساً: الخاتمة
    وفي نهاية هذا المقال لا يفوتنا أن ننوه على أن الطعن بالتمييز في الأحكام الجزائية هو طريق غير عادي للطعن في الأحكام الجزائية يتم سلوكه بعد استنفاذ طرق الطعن العادية، ونتمنى من المشرع الأردني أن يحذو حذو المشرع المصري بإدخال أحكام الجنح الصادرة عن المحاكم النظامية في نطاق الطعن بالتمييز، وألا يقتصر ذلك على الجنايات.

    إعداد الأستاذ/ جمال مرعي

     

     

    [1] – انظر المجلس، صادق حمود، 2008، الطعن بالنقض في الأحكام الجزائية في القانون اليمني: دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، جامعة عدن، الجمهورية المنية، ص8.

    [2] – انظر قرني، محمود، 2004، القصور في التسبيب كأحد أسباب الطعن في المواد الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، ص10.

    [3] – انظر نجم، محمد، 1988، قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، عمان، الأردن، ص 530.

    [4] – انظر القطاونة، إبراهيم، 2007، النقض بأمر خطي في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه، جامعة عمان العربية للدراسات العليا، عمان، الأردن، ص 17.

    [5] – انظر الكساسبة، محمود صالح، ونظام توفيق، الطعن بالتمييز (بالنقض) في الأحكام الجزائية في القانون الأردني، دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، جامعة مؤتة، 2013، ص 63.

    [6] – انظر جو خضار، حسن، 1993، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، عمان، الأردن، ص239.

    [7] – انظر الزعبي، عوض، 2003، أصول المحاكمات المدنية، الجزء الثاني، التقاضي (الأحكام وطرق الطعن)، الطبعة الأولي، دار وائل للنشر، عمان، ص 877.

    [8] – انظر نصيرات، وائل، 2007، أثر مخالفة ضوابط تسبيب الأحكام: دراسة مقارنة، أطروحة دكتوراه جامعة عمان العربية للدراسات العليا، عمان، الأردن، ص13.

    [9] – انظر السعيد، كامل، شرح قانون أصول المحاكمات الجنائية، نظريتا الأحكام وطرق الطعن فيها، دار الثقافة والنشر والتوزيع، عمان، ص 369 وما بعدها.

    Scroll to Top