القانون واجب التطبيق على عقود الاستثمار الأجنبي وفق التشريع الأردني
كان الاستثمار الأجنبي ومازال من الأولويات التي يهتم بها كلاً من الفِكر القانوني والاقتصادي في المجتمع، نظراً لأهميته البالغة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وتتنوع أشكال الاستثمارات الأجنبية في البلدان النامية إلى عدة أنواع، وتنقسم الاستثمارات الأجنبية تبعاً لمعيار السيطرة والإشراف على المشروع الاستثماري إلى استثمارات أجنبية مباشرة تنصب على الأصول المادية الملموسة وأخرى غير مباشرة تنصب على محفظة الأوراق المالية، والناظر بعين الاعتبار لهذا المشهد يجد أن معظم الدول النامية اهتمت بالاستثمارات الأجنبية المباشرة، وذلك لما يُحدثه الاستثمار الغير مباشر من أزمات اقتصادية في الدولة المضيفة عند خروج هذه الأموال بطريقة مفاجئة، فضلاً عن أهمية الاستثمار المباشر بما يحمله من تدفقات مالية كبيرة تعود بالنفع على الاقتصاد المحلي، وذلك من خلال تطوير البنية الأساسية وتحويل طبيعة الدولة من دولة ذات إنتاج استهلاكي إلى إنتاج تصديري، فضلاً عن تقليل معدلات البطالة في تلك الدول، لذا حرصت معظم الدول النامية على إيجاد تشريعات قانونية تعمل على خلق بيئة اقتصادية ملائمة لاستقطاب وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعتبر الأردن من تلك الدول التي عملت على سن قانون يهدف إلى تشجيع الاستثمار، وهو قانون الاستثمار رقم 30 لعام 2014، ومن خلال هذا المقال سنتطرق إلى القانون الواجب التطبيق على عقود الاستثمار الأجنبي من خلال العرض لتلك الركائز التالية:
(أولاً): ماهية عقد الاستثمار الأجنبي وتحديد أطرافه وطبيعته القانونية.
(ثانياً): طرق تسوية المنازعات الاستثمارية الأجنبية وفقاً للتشريع الأردني.
(ثالثاً): القانون واجب التطبيق على عقود الاستثمار الأجنبي.
(رابعاً): بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية لبعض منازعات عقود الاستثمار الأجنبي.
(خامساً): خاتمة.
(أولاً): ماهية عقد الاستثمار وتحديد أطرافه وطبيعته القانونية.
أ- تعريف عقد الاستثمار: عرف قانون الاستثمار الأردني رقم (30) لسنة 2014 في المادة (2) المستثمر بأنه: “ الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يمارس نشاطاً اقتصادياً في المملكة وفق أحكام هذا القانون “، كما يفهم من المادة (41) من ذات القانون أن رأس المال المستثمر بمسمى “رأس المال الأجنبي” هوما يستثمره غير الأردني من أموال نقدية أو عينية أو حقوق مادية أو معنوية لها قيمة مادية بما فيها العلامات التجارية وبراءات الاختراع .
ويستوجب علينا حينما نتحدث عن المفهوم القانوني للاستثمار الأجنبي المباشر فإننا لابد أن نتعرض لعقد الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث يعرف عقد الاستثمار الأجنبي المباشر على أنه عقد يبرم بين طرفين وهما الدولة المضيفة للاستثمار والمستثمر الأجنبي سواء كان شخصاً طبيعياً أو معنوياً، يرتب أثاراً قانونية فيما بينهما تنصرف، ويتم نفاذاً لهذا العقد قيام المستثمر بنقل الموارد المالية أو الخبرات الفنية والتكنولوجيا أو أساليب الإدارة الحديثة إلى الدولة المضيفة، ويهدف في مجمله إلى تحقيق الربح والتنمية الاقتصادية، ويخضع المستثمر الأجنبي بموجب هذا العقد لأحكام القوانين النافذة في الدولة المضيفة.
ب-أطراف عقد الاستثمار الأجنبي:
تقوم عقود الاستثمار الأجنبي مثلها في ذلك مثل باقي العقود الأخرى على أساس تلاقي إرادتين بهدف إحداث أثر قانوني، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه العقود تمتاز بخصوصية ذاتية، وهي الاختلاف في المراكز القانونية بين أطرافها، نظراً لما تتمتع به الدولة المضيفة بامتيازات خاصة بوصفها شخص سيادي في إطار كلاً من القانون الوطني والدولي على حداً سواء، وعلى الجانب الأخر يتميز المستثمر الأجنبي بالامتيازات التي اختصه بها قانون الاستثمار، وبالتالي يتألف عقد الاستثمار الأجنبي المُباشر من طرفين وهما:
الطرف الأول: الدولة المضيفة
حيث تعتبر الدولة أحد أطراف عقد الاستثمار الأجنبي المباشر، وتقوم بإبرام هذا النوع من العقود إما بصورة مباشرة بواسطة من يمثلها كرئيس الدولة أو أحد الوزراء، أو أن تقوم بإبرامها بصورة غير مباشرة وذلك بواسطة مؤسساتها أو أحد الهيئات العامة التابعة لها أو إحدى القطاعات الخاصة الموجودة فيها بتفويض منها، والجدير بالإشارة ولعدم حدوث الالتباس القانوني، فإن فكرة الدولة المضيفة تعني أن مجرد قيام المستثمر الأجنبي بالاستثمار سواء مع الدولة المضيفة نفسها بشكل مباشر أو مع أحد القطاعات الخاصة العاملة فيها فهو بحكم التعاقد مع الدولة المضيفة لهذا الاستثمار، لذا فالدولة المضيفة هي طرف أصيل من أطراف عقد الاستثمار الأجنبي.
الطرف الثاني: المستثمر الأجنبي
وينصرف معنى المستثمر الأجنبي إلى كل مستثمر ينتمي لدولة أجنبية غير الدولة المضيفة للاستثمار سواء أكان شخصاً طبيعياً أو معنوياً، وفي هذه الحالة إذا كان المستثمر الأجنبي شخصاً طبيعياً فإن هذا الأمر يثير فكرة المعيار الذي بموجبه تتحدد الصفة الأجنبية للشخص الطبيعي، حيث تأخذ غالباً معيار الجنسية باعتبارها الرابطة القانونية والسياسية بين الأشخاص مع الدول، أما في حالة كان المستثمر الأجنبي شخصاً معنوياً فإنه ينطوي غالباً على شكل الشركات، وفي النهاية تكون الدولة المضيفة حرة في الاعتماد على المعايير التي تتشكل بموجبها الصفة الأجنبية للمستثمر الأجنبي في حال كان شخصاً معنوياً، والجدير بالإشارة أنه في حال كان المستثمر سواء شخصاً طبيعياً أو معنوياً وكان يحمل جنسية الدولة المضيفة للاستثمار لكن يقيم خارج هذه الدولة وأراد الاستثمار في بلده الأم، هنا يُعامل معاملة المستثمر المحلي الوطني ويخضع لأحكام القوانين الوطنية ولا يمكنه التحلل من الخضوع للنظام القضائي للدولة المضيفة.
ج: الطبيعة القانونية لعقد الاستثمار الأجنبي
توصل فقهاء القانون بعد تباين في الآراء إلى التكييف القانوني الصحيح والسليم لعقد الاستثمار الأجنبي المباشر، بمقالة أن عقد الاستثمار الأجنبي هو عقد ذو طبيعة مختلطة، بحيث تتوافر فيه خصائص القانون الخاص والقانون العام، وعليه فإنه بموجب هذا التكييف القانوني لطبيعة عقد الاستثمار الأجنبي، نجد أن هناك قيود ترد على سيادة الدولة، فلا يسمح للدولة أن تعدل هذا العقد بإرادتها المنفردة ولا يحق لها أن تفرض جزاءات من تلقاء نفسها، كما ويحصن المتعاقد ضد أي تغييرات في التشريعات الضريبية والجمركية للدولة المضيفة.
وقد منح المشرع الأردني العديد من الحقوق للمستثمر الأجنبي وهي ذاتها الحقوق التي يتمتع بها المستثمر الوطني المحلي بالمملكة، حيث ساوى المشرع في التعامل مع المستثمر الأجنبي كما يتعامل مع المستثمر المحلي، وذلك بموجب نصوص قانون الاستثمار الأردني رقم (30) لسنة 2014، وما يعنينا في هذا المقام هو حق المستثمر الأجنبي المباشر في اختيار الاختصاص القضائي والقانوني بموجب العقد الاستثماري المبرم لارتباطه بموضوع هذا المقال.
ثانياً: طرق تسوية المنازعات الاستثمارية الأجنبية وفقاً للتشريع الأردني
يتمتع المستثمر الأجنبي في المملكة الأردنية بالاتفاق مع الطرف الأخر بالعقد بالحق في حرية اختيار الاختصاص القانوني والقضائي خارج إطار النظام القانوني للدولة المضيفة في المسائل ذات الصلة بالنزاعات المترتبة على عقد الاستثمار، وذلك باختيار قانون أو تطبيق مجموعة من القواعد القانونية للفصل في النزاع، أو اللجوء إلى التحكيم بدلاً من قضاء الدولة المضيفة للاستثمار بشرط أن تختلف جنسية المستثمر عن جنسية الدولة المضيفة للاستثمار، إعمالاً في ذلك لمبدأ حرية إرادة المتعاقدين في اختيار القانون الذي يحكم نفاذ عقدهم أو النزاعات المتفرعة عنه حال وجودها، حيث نص المشرع الأردني بموجب قانون الاستثمار وتحديداً المادة (43) منه على أنه: ( تسوى نزاعات الاستثمار بين الجهات الحكومية والمستثمر ودياً خلال مدة أقصاها ستة أشهر، وبخلاف ذلك لطرفي النزاع اللجوء إلى المحاكم الأردنية أو تسوية النزاعات وفقاً لقانون التحكيم الأردني، أو اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل النزاعات باتفاق الطرفين)، وعلى ضوء هذا النص وتفسيره الفقهي والعملي يتضح أن طرق تسوية النزاعات المتفرعة عن عقد الاستثمار والتي تحكم المسؤولية المدنية للمستثمر الأجنبي تتم بإحدى الطرق التالية:
أولاً: تسوية النزاعات بشكل ودي عن طريق الصلح والتفاوض بين طرفي عقد الاستثمار:
تعد هذه الطريقة هي أحد الطرق الغير قضائية، وأحد السبل المتاحة لحل النزاع، هدياً بما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة عام (1945)، بالفصل السادس منه حول حل المنازعات حلاً سلمياً ومن ضمن هذه النزاعات التي تتعلق بالحقوق والواجبات الاقتصادية، وتقوم تلك المفاوضات على تقريب وجهات النظر فيما بين الدولة المضيفة والمستثمر الأجنبي من أجل الوصول إلى حل ودي يرضي الطرفين في حل نزاعاتهم، والناظر إلى نص المادة سالف الذكر (43) يجد أن المشرع الأردني قد حدد المدة الزمنية القصوى لحل النزاعات بين المستثمر الأجنبي والدولة المضيفة بـ ستة أشهر، وفي حال عدم التوصل إلى حل قطعي ومنهي للخصومة يتم اللجوء إلى الطرق الأخرى القضائية المقررة بذات المادة لتسوية هذه النزاعات، إلا أنه وبسبب صعوبة التوصل إلى تسوية تلك النزاعات من خلال إجراء الصلح وعملية المفاوضات فإنه غالباً ما يرغب المستثمر الأجنبي في إيجاد طريقة أخرى لتسوية تلك النزاعات حال حدوثها أكثر فعالية وحيادية بين طرفي العقد. [[1]]
ثانياً: تسوية النزاعات من خلال اللجوء للقضاء عن طريق المحاكم المختصة:
لما كان من المسلم به أن القضاء هو الأساس الدستوري والركن الركين الذي ضمنه المشرع للمتخاصمين لحل كافة أنواع نزاعاتهم بما يشملها من النزاعات الناشئة عن عقود الاستثمار، وذلك إعمالاً بما نص عليه المشرع الأردني بموجب قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، بالمادة (27 /1 ) منه والتي نصت على أنه:( تمارس المحاكم النظامية في المملكة الأردنية الهاشمية حق القضاء على جميع الأشخاص في المواد المدنية….)، فضلاً عن ما قررته نص المادة (28) من ذات القانون بأنه: (تختص محاكم الأردن بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في الأردن، وذلك في الأحوال الآتية:
(1)- إذا كان له في الأردن موطن مختار.
(2)- إذا كانت الدعوى متعلقة بمال موجود في الأردن أو كانت متعلقة بالتزام نشأ أو نفذ أو كان واجبا تنفيذه فيها أو كانت متعلقة بإفلاس أشهر فيها…..).
ثالثاً: تسوية المنازعات الاستثمارية الأجنبية من خلال اللجوء إلى التحكـيم:
يعد التحكيم أحد الوسائل البديلة وأفضلها تطبيقاً من الناحية العملية في تسوية المنازعات وخاصة تلك النزاعات المنبثقة عن عقود الاستثمار الأجنبي وما يتفرع عنها من مسؤولية، ولأهمية التحكيم ونجاع فاعليته أضحت غالبية عقود الاستثمار الأجنبي تتضمن صراحة النص على إعماله وقت نشوء النزاع، وإعطاءه سلطة الفصل في تلك المنازعات وقن حدوثها، مما مفاده إخراج العقد من نطاق اختصاص تطبيق القضاء الوطني وخضوعه تحت مظلة مجال التحكيم.
ونظراً لأهمية التحكيم وإعمال دوره في حل النزاعات ومن أخصها المنازعات الاستثمارية، لجأت معظم التشريعات القانونية إلى سنّ قانون ينظم التحكيم، ومن تلك التشريعات التشريع الأردني الذي عمل على تنظيم موضوع التحكيم بموجب قانون التحكيم الأردني (2001)، ويخضع التحكيم كأصل عام وباعتباره أحد طرق تسوية النزاعات الاستثمارية إلى القواعد العامة المنصوص عليها بموجب قانون الأونيسترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي (1985).
ثالثاً: القانون واجب التطبيق على عقود الاستثمار الأجنبي.
من المتفق عليه قانوناً أن عقد الاستثمار الأجنبي يخضع كأصل عام للقاعدة القانونية العامة المتعارف عليها في أحكام العقود بأن “العقد شريعة المتعاقدين” فضلاً عن خضوعه أيضاً لمبدأ سلطان الإرادة، مما مفاده أن أطراف هذا العقد الاستثماري لهم مطلق الحرية التعاقدية في تحديد القانون الذي يطبق على عقد الاستثمار الأجنبي حال قيام أي نزاع بينهم حول أحد بنود أو موضوع العقد، والجدير بالذكر أن المبدأ السائد والمعمول به في الأغلب الأعم من منازعات الاستثمار هو الذي أكدت عليه كافة المعاهدات الدولية في هذا الصدد، وتواترت عليه أحكام القضاء الدولي ومراكز التحكيم الدولي، بأنه لا قيود على مبدأ سلطان الإرادة إلا النظام العام، ومن ثم فإن خضوع عقد الاستثمار الأجنبي إلى مبدأ سلطان الإرادة يقضي تماماً على كافة مخاوف المستثمر الأجنبي من عدم حياد القانون الوطني للدولة المضيفة للاستثمار، أو قيام الدولة المضيفة بتعديل تشريعاتها التي يخضع لها عقد الاستثمار مما يؤثر في مصالح المستثمر الأجنبي.
- و تعد مسألة تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاعات المنبثقة عن عقود الاستثمار الأجنبي مسألة هامة وضرورية للفصل في الخصومة بواسطة أحد طرق تسوية النزاعات سابق الإشارة إليها، وقد تحدث قانون الأونيسترال النموذجي الدولي للتحكيم التجاري والصادر عام 1985 والمعدل لعام 2006 عن مسألة القواعد القانونية الواجبة التطبيق على موضوع النزاعات التي تشتمل على عنصر أجنبي بما فيها المنازعات الاستثمارية بموجب نص المادة (28) منه على أنه: ( يفصل المحكمين أو الجهات المختصة بحسم النزاع في موضوع النزاع المشتمل على عنصر أجنبي وفقاً لقواعد ومبادئ القانون الذي يختاره أطراف النزاع)، مما يعني أنه وفي حال اتفاق أطراف النزاع بموجب العقد المبرم بينهما على اختصاص قانون دولة ما، فإن ذلك يؤدي حتماً إلى الاحتكام لقوانين تلك الدولة بعينها، وليس إلى قواعد تنازع القوانين في تلك الدولة ما لم يتفق الطرفان صراحةً على خلاف ذلك، وفي حال عدم تحديد القانون الواجب التطبيق مسبقاً من قبل أطراف النزاع، فإنه يضحى لزاماً على هيئات التحكيم أثناء بحثها للنزاع تطبيق القانون الذي يقرره وتؤول إليه قواعد تنازع القوانين، وكأصل عام وفي كافة الأحوال يجب على الجهة المختصة بحسم النزاع أن تحتكم أولاً إلى شروط العقد الاستثماري موضوع النزاع، ومراعاة الأعراف والعادات التجارية المنطبقة على تلك النشاطات الاستثمارية، مما يتوجب علينا إفراد السطور التالية لتوضيح ذلك:
أولاً: قانون إرادة الأطراف
وتعود أصل فكرة إعمال الإرادة في ذلك تطبيقاً لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين، والذي يعني بأنه ما دام الأطراف هم من قاموا بإبرام العقد فمن اللزوم المنطقي أن يختاروا فيه القانون الواجب التطبيق في حالة قيام نزاع أثناء نفاذة وتطبيقه، والمتعارف عليه قانوناً بقاعدة خضوع العقد لمبدأ سلطان الإرادة والذي يقوم على ركيزتين وهما ركيزة كفاية الإرادة في إنشاء التصرف القانوني، وركيزة استقلال الإرادة وقدرتها على تحديد الآثار القانونية، وبالتالي فإن قاعدة قانون الإرادة تؤكد بشكل عام حق أطراف العلاقة العقدية في اختيار وتحديد القانون الواجب التطبيق في حال نشوء نزاع بينهم، ويتحقق ويتأكد لقانون العقد عندما يقوم الطرفان بتعيين القانون واجب التطبيق بعبارات صريحة أو ضمنية في بنود العقد، وتعد قاعدة خضوع العقد لقانون الإرادة من أهم قواعد الإسناد التي أقرتها التشريعات القانونية الأردنية، حيث نص القانون المدني الأردني بالمادة (20) منه على أنه: (1. يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين اذا اتحدا موطناً فان اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد . هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك.
- على أن قانون موقع العقار هو الذي يسري على العقود التي أبرمت في شان هذا العقار).
كما أنه في حالة العقود المتعلقة بموقع عقار الدولة المضيفة فإنه في هذه الحالة يطبق قانون الدولة التي يقع ضمن نطاق سيادتها واختصاصها العقار محل العقد، كما أكدت كلٍ من اتفاقية لاهاي واتفاقية روما وقرار مجمع القانون الدولي إعمال فكرة قانون الإرادة حينما نصوا على أنه تخضع العقود المبرمة بين الدول وشخص أجنبي إلى القواعد القانونية المختارة من قبل الأطراف المتعاقدة، وبالتالي نجد بأنه يعتبر قانون إرادة الأطراف في حال تم الاتفاق عليه هو القانون الواجب التطبيق على المنازعات الناشئة عن عقود الاستثمار الأجنبي، ويتوجب على القاضي أو المحكم في سبيل ذلك حينما يقوم بالفصل بهذا النزاع أن يطبق القانون المختار بموجب العقد وإرادة أطرافه.
ثانياً: القانون الواجب التطبيق حال عدم التحديد
الأصل أن أغلب العقود الاستثمارية عادة ما تقوم بتحديد القانون الواجب التطبيق والنفاذ في حال نشب أي نزاعات بينهما إما صراحة أو ضمناً خلال بنود العقود الاستثمارية، لكن تثور المشكلة في حال عدم تحديد الأطراف للقانون الواجب التطبيق على المنازعات اللاحقة، ومن ثم يترتب على ذلك تولي القاضي أو المُحكم أثناء بحثه للنزاع مهمة البحث عن القانون الواجب التطبيق استناداً إلى عدة خيارات على النحو التالي:
الخيار الأول: تطبيق القانون الوطني للدولة المضيفة للاستثمار
حيث يعتمد هذا الخيار على النصوص التشريعية، وذلك من خلال رجوع القاضي أو المحكم إلى النص القانوني العام والذي يقرر تطبيق قانون الدولة التي حرر العقد على أرضها بشأن كافة المنازعات الاستثمارية المنبثقة عن العقد، وذلك هدياً بما جاء بنص المادة (20) من القانون المدني الأردني التي أوجبت بأنه، يطبق على أي التزامات نص عليها العقد المبرم قانون الدولة المضيفة التي يوجد فيها البلد المشترك للأطراف المتعاقدين، وفي حال اختلافهم على الموطن المشترك يسري قانون الدولة المضيفة التي تم تنفيذ العقد فيها ما لم يتفق الأطراف المتعاقدين على قانون دولة أخرى.
الخيار الثاني: تطبيق القانون الوطني للمستثمر الأجنبي
ويفترض هذا الخيار قيام القاضي أو المحكم بتطبيق وإعمال قانون دولة المستثمر الأجنبي للفصل بالنزاع المطروح عليه، إلا أن هذا الخيار لا يطبق إلا في حالات ضيقة ونادرة جداً كونه خيار منتقد لتعارضه مع السيادة الوطنية للدولة المضيفة للاستثمار [[2]].
لخيار الثالث: تطبيق قواعد القانون الدولي العام
وفي هذا الخيار يقوم القاضي أو المحكم باللجوء إلى إعمال وتطبيق قواعد القانون الدولي للفصل بالنزاع، ويركن هذا الخيار إلى مبدأ تحرير عقود الاستثمار من هيمنة القانون الوطني للدولة المضيفة، لأن حماية الاستثمار وأرباحه هي من المسائل المنوط بها القانون الدولي العام، وعلى الرغم من ذلك تم توجيه النقد لهذا الخيار أيضاً ، وذلك لأن قواعد القانون الدولي العام وكما هي متعارف عليها لا تسري إلا على العلاقات بين الدول، في حين أن عقد الاستثمار الأجنبي يكون أحد أطرافه الدولة المضيفة والطرف الأخر شخص أجنبي، وبالتالي يخرج بذلك عن اختصاص القانون الدولي. [[3]]
الخيار الرابع: تطبيق قواعد قانون التجارة الدولية
يعهد هذا الخيار إلى قيام القاضي أو المحكم باللجوء إلى تطبيق قواعد قانون التجارة الدولية على النزاع المطروح عليه بشأن عقود الاستثمار الأجنبي، ويستند هذا الخيار إلى ذات السبب للخيار السابق وهو فكرة تحرير المنازعات الاستثمارية من سطو القوانين الوطنية الداخلية وعدم حيادها، فضلاً عن تجنب النقد الموجه إليه في أن قواعد القانون الدولي العام لا تسري إلا على الدول، يستند مؤيديه هذا الخيار إلى أن قواعد الاستثمار الأجنبي وما يتفرع عنها من منازعات تعتمد على الأعراف التجارية الدولية والمبادئ التي استقرت عليها هيئات التحكيم التجاري الدولي، ومن الجدير بالذكر أن هذا الخيار أيضاً تم نقده والنيل منه في أن قواعد قانون التجارة الدولية غير كافية بشكل تام لتغطية كافة نزاعات عقود الاستثمار، بالإضافة إلى أن قانون التجارة الدولية لا يطبق إلا على العلاقات القانونية المتعلقة بالتجارة الدولية بين الأشخاص الخاصة وليس العلاقات القانونية الدولية الخاصة التي تكون الدولة طرفاً فيها.
الخيار الخامس: تطبيق قواعد القانون الدولي الخاص
جاء إعمال هذا الخيار على “منهج الأداء المميز”، وذلك من خلال وقوف القاضي أو المحكم على القواعد والمبادئ القانونية المعمول بها بشأن تنازع القوانين، حيث تنفرد كل دولة من الدول بتحديد قواعد الاختصاص القضائي الدولي لمحاكمها في شأن المنازعات التي يدخل فيه عنصر أجنبي[[4]] ويقضي هذا الخيار بتطبيق قانون الدولة التي تشكل مركز الثقل القانوني في العلاقة التعاقدية حسب ظروف وملابسات كل عقد على حدى، وقد نصت اتفاقية روما (1980) على هذا الخيار والخاصة بالقانون الواجب التطبيق على الالتزامات التعاقدية، وذلك بموجب المادة (4) منها حيث قررت أنه عند انعدام الاختيار الصريح يسري على العقد قانون الدولة التي بها أكثر الروابط وثوقاً، ويفترض أن العقد يرتبط بأوثق صلة بقانون الدولة التي يوجد بها عند التعاقد محل الإقامة المعتاد للمدين بالأداء المميز أو مركز إدارته فيما لو كان شخصاً معنوياً.
ولعل من المفيد الإشارة إلى أنه لم يرد نص خاص في كلٍ من مجلة الأحكام العدلية أو القانون المدني الأردني حول منهج الأداء المميز المنصب على تنازع القوانين، لكن نص المشرع الأردني حول منهج الأداء المميز بموجب قوانين التحكيم، حيث نصت المادة ( 36/ أ ) من قانون التحكيم الأردني لسنة 2001 بأنه: ( أ- تطبق هيئة التحكيم على موضوع النزاع القواعد القانونية التي يتفق عليها الطرفان واذا اتفقا على تطبيق قانون دولة معينة اتبعت القواعد الموضوعية فيه دون القواعد الخاصة بتنازع القوانين.
ب. اذا لم يتفق الطرفان على القواعد القانونية واجبة التطبيق على موضوع النزاع طبقت هيئة التحكيم القواعد الموضوعية في القانون الذي ترى انه الأكثر اتصالا بالنزاع).
هذا وقد عرف الفقه القانوني مفهوم تنازع القوانين بأنه: تزاحم بين قانونين متعارضين أو أكثـر بشأن قضية أو منازعة معروضة على هيئة التحكيم أو المحكمة المختصة، وتكون هذه القضية مرتبطة بدولتين أو أكثر بشأن علاقة قانونية مشتملة على عنصر أجنبي، ويكون لها قواعد إسناد تحدد القانون واجب التطبيق.
خامساً: خاتمة
لقد تناولنا في هذا المقال موضوع القانون واجب التطبيق على عقود الاستثمار الأجنبي وفق التشريع الأردني. وعرضنا لماهية عقد الاستثمار الأجنبي وأطرافه وطبيعته القانونية، كما تناولنا طرق تسوية المنازعات الاستثمارية الأجنبية وفقاً للتشريع الأردني. وخصصنا الجزء الأخير من المقال للحديث عن القانون واجب التطبيق على عقود الاستثمار الأجنبي، حيث أوضحنا أنّه يخضع كأصل عام للقاعدة القانونية العامة المتعارف عليها في أحكام العقود بأن “العقد شريعة المتعاقدين” فضلاً عن خضوعه أيضاً لمبدأ سلطان الإرادة.
كتابة الأستاذ/ محمد جلال جعفر
[1] – العنزي، أنور (2012). “النظام القانوني للاستثمار الأجنبي المباشر “دراسة في قانون الاستثمار الكويتي”، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، الأردن، صـ94.
[2] – الحداد، معاوية، (2005)، “دور التحكيم في تسوية منازعات الاستثمار”، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الدراسات العليا، جامعة النيلين. السودان، ص16.
[3] – عنز، جلال، (2012)، “عقود الاستثمار والقانون الواجب التطبيق عليها”، مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية، ص98.
[4] – الحميري، عبدالله، (2008)، “الاستثمار الأجنبي: الحوافز والحماية القانونية: دراسة مقارنة”، رسالة ماجستير غير منشورة. كلية الدراسات العليا، الجامعة الأردنية، الأردن، ص61.

