الشرط الكتابي في العقد الإلكتروني

الشرط الكتابي في العقد الإلكتروني

تعتبر الكتابة هي وسيلة التعبير الأولى التي يستعملها الكافة في استخراج أفكارهم إلى الواقع وإثبات محتواها في عقد مبرم فيما بينهم بقصد توثيقه وحفظه للرجوع إليه في أي وقت.

ونظرا للتطور الكبير في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فقد أخذت الكتابة في الفترة الأخيرة شكلا إلكترونيا عبر وسائل الاتصال الحديثة عبر الإنترنت وخاصة في مجال التجارة الإلكترونية.

وأدى الانتشار الكبير لاستعمال الإنترنت في مجال التجارة الإلكترونية إلى الاعتداد بالكتابة الإلكترونية واعتبرت شرطا لتوثيق العقد الإلكتروني وإثباته، فلم يعد الأمر قاصرا على الكتابة الورقية فحسب، بل اتخذت الكتابة الإلكترونية وسيلة لإثبات العقد الإلكتروني وهو ما ساعد بشكل كبير على رواج التجارة الإلكترونية وبث الثقة في نفوس المتعاملين بها.

أولا: مفهوم العقد الإلكتروني والكتابة الإلكترونية

ثانيا: شروط الكتابة الإلكترونية المعتبرة كسجل إلكتروني

ثالثا: أهمية الكتابة في العقد الإلكتروني

رابعا: مبدأ مساواة الكتابة الإلكترونية بالمحرر الورقي والتوقيع الخطي

 

أولا: مفهوم العقد الإلكتروني والكتابة الإلكترونية

1- العقد الإلكتروني

عرفه البعض بأنه” وصف العقد بانه إلكتروني ليس راجعا إلى محله ولا إلى انتمائه إلى طائفة معينة من العقود وإنما إلى الوسيلة التي استخدمت في إبرامه فهو عقد أبرم بواسطة الإنترنت”([1]).

وعرفه المشرع الأردني في قانون المعاملات الإلكترونية رقم 15اسنة2015 في المادة \2 منه على أنه” السند الذي يتم إنشاؤه والتوقيع عليه وتداوله إلكترونياً”.

2- الكتابة الإلكترونية: فقد عرفها البعض بأنها” تلك التي يتم إدراجها على دعامة إلكترونية قابلة للاسترجاع والاستنساخ بواسطة جهاز الحاسب الآلي مهما كان نوعه أو درجة تقدمه أو مكوناته المادية”([2]).

وعرفها قانون المعاملات الإلكترونية في المادة \2 منه بأنها” البيانات، أو النصوص، أو الصور، أو الرسومات، أو الأشكال، أو الأصوات، أو الرموز، أو قواعد البيانات وما شابه ذلك”.

فالكتابة الإلكترونية تُـستَـمد من كلمات أو رموز أو إحصاءات حيث ينبني عليها التعبير الإرادي اللازم للتعاقد الإلكتروني ([3]).

ثانيا: شروط الكتابة الإلكترونية المعتبرة كسجل إلكتروني

تعتبر الكتابة الإلكترونية كالكتابة العادية تستخدم للدلالة على فكرة معينة تجسدها، وينبغي أن تكون دلالة تلك الكتابة واضحة تبين هذه الفكرة لمن يقرأها، وعلى ذلك فانه يشترط عدة شروط لكي تعتبر الكتابة الإلكترونية كسجل إلكتروني ثابته لمحتوى ومضمون العقد الإلكتروني:

1- أن تكون الكتابة واضحة الدلالة

رغم أن المشرع الأردني لم ينص على ذلك الشرط إلا أن المشرع المصري قد نص عليه في قانون رقم \15اسنة2004 الخاص بالتنظيم الإلكتروني عندما نص في المادة \1 منه عند تعريفه للكتابة الإلكترونية على أنه” كل حروف، أو أرقام، أو رموز، أو أي علامات أخرى تثبت على دعامة إلكترونية، أو رقمية، أو ضوئية، أو أية وسيلة أخرى مشابهة وتعطي دلالة قابلة للإدراك”.

حيث نص على أنه يجب أن تكون ذات دلالة واضحة قابلة للإدراك، أي قابلة للفهم لا تحتاج إلى تفسير، يستطيع القارئ أن يفهمها ويستنبط منها أحكام العقد.

2- إمكانية الحفظ والاسترجاع

كما يجب أن تكون الكتابة محفوظه بشكل يمكن استرجاعها في أي وقت يشاء وبشكل آمن، بحيث يمكن الرجوع إليها عند الحاجة للإثبات أو الاعتداد بها، وكذلك حفظها بشكل يضمن عدم إحداث أي تغيير بمحتواها.

ولقد نص المشرع الأردني على هذا الشرط في المادة \7 من قانون المعاملات الإلكترونية على أنه” أ- إذا اشترط أي تشريع تقديم النسخة الأصلية من أي قيد، أو عقد، أو مستند، أو وثيقة فيعتبر السجل الإلكتروني مستوفياً لهذا الشرط بتوافر ما يلي: –

1- حفظه بالشكل الذي تم به إنشاؤه أو إرساله أو تسلمه وبشكل يضمن عدم إجراء أي تغيير أو تعديل على محتواه.

2- حفظه على نحو يتيح الوصول إلى المعلومات الواردة فيه واستخدامها والرجوع إليها في أي وقت.

ب- لا تطبق الشروط الواردة في الفقرة (أ) من هذه المادة على المعلومات المرافقة للسجل الإلكتروني التي يكون القصد منها تسهيل إرساله وتسلمه.

ج- يجوز للمنشئ أو المرسل إليه إثبات الشروط الواردة في الفقرة (أ) من هذه المادة بوسائل الإثبات كافة مع مراعاة القواعد المقررة بموجب القوانين ذات العلاقة.

3- معرفة منشئ الكتابة الإلكترونية

فيجب معرفة الشخص الذي أنشأ الكتابة الإلكترونية والوقت الذي أنشأها فيه، ولقد نص المشرع الأردني على هذا الشرط في المادة 7 \3 على أنه” 3- التمكن من التعرف على المنشئ والمرسل إليه وتاريخ ووقت إنشائه أو إرساله أو تسلم”.

4- قابلية المحرر الإلكتروني للقراءة

وذلك بمعنى أن يكون المحرر المتضمن الكتابة المراد جعلها دليلا ناطقا بما فيه أي أن يكون مفهوما وواضحا من خلال كتابته بحروف، أو رموز، أو أرقام، أو بيانات مفهومة حتى يتسنى استيعابه وإدراك محتواه ([4]).

فعلى الرغم من أن لغة الكتابة في المحررات الإلكترونية والتي تعد بواسطة الحاسب الآلي هي لغة الآلة إلا أن هذه اللغة من الممكن ترجمتها إلى لغة الإنسان باستخدام جهاز الحاسب الآلي أيضا وتكون مفهومة ومقروءة ([5]).

وقد أكد على هذا المعنى قانون اليونسترال في المادة \6منه على أنه” عندما يشترط القانون أن تكون المعلومات مكتوبة فإن رسالة البيانات- أي المحرر الإلكتروني- تستوفي ذلك الشرط إذا تيسر الاطلاع على البيانات الواردة فيها على نحو يتيح استخدامها بالرجوع إليها لاحقا”([6]).

ثالثا: أهمية الكتابة في العقد الإلكتروني

إن انعقاد أي عقد يتطلب أن يكون العقد مكتوبا حتى ينعقد بين طرفيه وخاصة إذا كان هذا العقد إلكترونيا فينبغي أن يكون العقد مكتوبا حتى يتم تسجيله وهو ما تطلبه المشرع في بعض العقود كما في عقود العقارات والسيارات، لذلك فيتضح دور الكتابة من خلال جعلها شرطا للانعقاد من ناحية والتسجيل من ناحية أخرى:

1- ضرورة الكتابة للانعقاد

تعتبر الكتابة شرط شكلي لصحة انعقاد العقد في بعض أنواع العقود، فحتى يكون العقد صحيحا ومنتجا لآثاره القانونية ينبغي أن يكون مكتوبا، ولم يشترط المشرع طريقة معينة للكتابة أو بخط معين وإنما المهم هو أن تتم الكتابة لكي يكتمل الشكل وينعقد العقد، فتحديد مفهوم الكتابة والمقصود منها يجب أن يتم في ضوء وظيفة الكتابة والغرض منها وليس على أساس طريقة الكتابة أو المادة المستخدمة في الكتابة أو طريقة صياغتها ([7]).

ولقد تطلب القانون الكتابة في بعض الأحيان كما هو الحال في حالة الاستغلال المالي على المصنف الذي يبرمه المؤلف حيث اشترط القانون لقيام هذا التصرف أن يكون مكتوبا، وهو ما نص عليه المشرع الأردني في قانون حماية المؤلف رقم \22لسنة1992 في المادة\ 13\1 على أنه” للمؤلف أن يتصرف بحقوق الاستغلال المالي لمصنفة ويشترط في هذا التصرف أن يكون مكتوبا وأن يحدد فيه صراحة وبالتفصيل كل حق يكون محلا للتصرف مع بيان مداه والغرض منه ومدة الاستغلال ومكانه”.

فمن المعلوم أن المؤلف صاحب حق استئثاري على مؤلفه ويدخل ضن ذلك حق استغلاله ماليا وبذلك له التصرف فيه للغير ([8]).

والحكمة من تقرير الكتابة للمؤلف هي حمايته من الاعتداء على حقه من قبل الغير في استغلال مصنفه، إذ أن كتابة العقد تحول وبشكل كبير دون الاعتداء عليه حيث إنها تحفظه وتعتبر توثيق له حتى لا يتمكن أحد من نسبته إليه.

2- ضرورة للتسجيل لانعقاد العقد

إذا كانت الكتابة شرط لانعقاد العقد من الناحية الشكلية في بعض الأحيان، فانه يكون تسجيل العقد في بعض الأحيان شرطا لانعقاده صحيحا، إذ أن المشرع قد تطلب في بعض العقود تسجيلها كي تنعقد صحيحه كما هو الحال في العقود الخاصة بالعقارات أو السيارات، فيطلب الأمر حضور أطراف العقد أمام الموثق والتعبير عن ذلك أمامه وإفراغ ذلك في السجل المخصص لذلك.

وتلك العقود الخاصة بالعقارات والتي تطلب القانون تسجيلها لا تسري عليها أحكام قانون المعاملات الإلكترونية، وهو ما نصت عليه المادة \3 \ب على أنه” ب- لا تسري أحكام هذا القانون على ما يلي ما لم ينص أي قانون آخر على خلاف ذلك: –

1- إنشاء الوصية وتعديلها.

2- إنشاء الوقف وتعديل شروطه.

3- معاملات التصرف في الأموال غير المنقولة والأموال المنقولة التي تتطلب التشريعات تسجيلها بما في ذلك الوكالات المتعلقة بها وسندات ملكيتها وإنشاء الحقوق العينية عليها باستثناء عقود الإيجار الخاصة بهذه الأموال”.

وبالتالي فإنها إذا تم تطبيق قانون المعاملات الإلكترونية عليها فإنها تعتبر باطلة، إذ أنها لا تتم بوسيلة إلكترونية.

ويلعب السجل الإلكتروني الذي حدده قانون المعاملات الإلكترونية دورا كبيرا في عملية التسجيل، ولقد عرفه هذا القانون في المادة \2 منه على أنه” رسالة المعلومات التي تحتوي على قيد، أو عقد، أو أي مستند، أو وثيقة من نوع آخر يتم إنشاء أي منها أو تخزينها، أو استخدامها، أو نسخها، أو إرسالها، أو تبليغها أو تسلمها باستخدام الوسيط الإلكتروني”.

وبذلك يقوم السجل الإلكتروني بحفظ العقد أو المستند وتخزينه أو نسخه وحفظه، وهو ما نصت عليه المادة \6 من ذات القانون على أنه” مع مراعاة أحكام الفقرة (ب) من المادة (3) من هذا القانون، إذا استوجب أي تشريع تقديم أي قيد، أو عقد، أو مستند، أو وثيقة بشكل خطي، أو كتابي فيعتبر تقديم السجل الإلكتروني الخاص بأي منها منتجاً للآثار القانونية ذاتها شريطة ما يلي: –

أ- إمكانية الاطلاع على معلومات السجل الإلكتروني.

ب- إمكانية تخزين السجل الإلكتروني والرجوع إليه في أي وقت دون إحداث أي تغيير عليه”.

رابعا: مبدأ مساواة الكتابة الإلكترونية بالمحرر الورقي والتوقيع الخطي

لقد ساوت معظم التشريعات بين الكتابة الإلكترونية والمحرر الورقي والتوقيع الخطي بحيث تكون حجيتها متساوية في الإثبات.

ورجوعا إلي قانون التوقيع الإلكتروني المصري في المادة \14 منه نجد أنها نصت على” التوقيع الإلكتروني في نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية ذات الحجية المقررة للتوقيعات في أحكام قانون إثبات في المواد المدنية والتجارية إذا روعي في إنشائه  وإتمامه الشروط المنصوص عليها في هذا القانون والضوابط الفنية والتقنية التي تحددها اللائحة التنفيذية”، وجاءت المادة \15 من ذات القانون وقررت نفس الحكم بالنسبة للكتابة الإلكترونية والمحررات الإلكترونية في نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية، ثم جمعت المادة \18 من ذات القانون كل ذلك في نص واحد على أنه” يتمتع التوقيع الإلكتروني والكتابة الإلكترونية والمحررات الإلكترونية بالحجية في الإثبات إذا ما توفرت فيه الشروط الآتية……. “.

وكذلك فعل المشرع الأردني فنص في المادة \13 من قانون البينات على أنه” أ- تكون لرسائل الفاكس والتلكس والبريد الإلكتروني قوة الإسناد العادية في الإثبات ما لم يثبت من نسبت إليه إرسالها أنه لم يقم بذلك ولم يكلف أحدا بإرسالها.

ب- تكون لمخرجات الحاسب المصدقة والموقعة قوة الإسناد العادية من حيث الإثبات ما لم يثبت من نسبت إليه أنه لم يستخرجها أو لم يكلف أحدا باستخراجها”.

ويترتب على هذه النصوص أن المحرر الثابت بالكتابة الإلكترونية تكتسب قوة في الإثبات تضفيها عليها هذه النصوص القانونية بما يجعلها متساوية مع المحررات المكتوبة بالكتابة العادية، مما يترتب عليه رواج التجارة الإلكترونية وبث الثقة والطمأنينة في نفوس المتعاملين عليها.

 

كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

 

([1]) د. نائل مساعده، أركان افعل الضار الإلكتروني في القانون الأردنيـ بحث منشور، مجلة دراسات للشريعة والقانون، مجلد 32، ع1،2005،ص55.

([2]) د. نائل علي مساعده، الكتابة في العقود الإلكترونية في القانون الأردني، بحث منشور، مجلة المفرق، جامعة آل البيت، كلية القانون، الأردن، ص199

([3]) د. منى العبدالله سنور، الاتصال في عصر العولمة، دور وتحديات، بيروت، دار النهضة العربية، ط2، 2001، ص63.

([4]) بسمة فوغالي، إثبات العقد الإلكتروني وحجيته في ظل عالم الإنترنت، رسالة ماجستير، 2014\2015، ص18.

([5]) د. زياد خليف العنزي، المشكلات القانونية لعقود التجارة الإلكترونية، ط1، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان، 2010، ص38.

([6])بسمة فوغالي، مرجع سابق، ص18.

([7]) د. حسن عبدالباسط جميعي، إثبات التصرفات القانونية التي يتم إبرامها عن طريق الإنترنت، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص19.

([8]) د. عامر محمود الكسواني، الملكية الفكرية ماهيتها وحمايتها، عمان ، دار الجيب للنشر والتوزيع، ط1، 1998، ص69.

Scroll to Top