عقد التجارة الدولي والقانون الواجب التطبيق عليه

عقد التجارة الدولي والقانون الواجب التطبيق عليه

تعتبر التجارة الدولية ركيزة أساسية من ركائز النمو لسائر دول العالم، وذلك لما تقدمه لتلك الدول من مساهمة هائلة في اتساع حجم النشاط الاقتصادي لها، وهو ما يجعلها من أهم الموارد التي تدعم الاقتصاد الوطني للدولة، وتستخدم التجارة الدولية العديد من الأدوات والآليات التي من خلالها يمكن للمتعاملين بها أن يتموا معاملاتهم التجارية المختلفة، ولعلنا لا نبالغ في قولنا إن العقد الدولي يعد أهم تلك الأدوات والآليات على الإطلاق، لاسيما في الآونة الأخيرة والتي بات فيها العقد الدولي يؤدي دوراً أساسياً ومحورياً في إتمام الغالبية العظمى في المعاملات التجارية الدولية.

ولعل أهم ما يواجه العقود الدولية من تحديات باعتبارها تتعدى الحدود الإقليمية للدولة، سواء في الالتزامات المترتبة على هذه العقود أو في تنفيذها، هي مشكلة تحديد القانون المختص بالتطبيق عليها، خاصة وأنه لا يوجد تنظيم قانوني منفصل ومستقل يحكم العقود المبرمة في سبيل المعاملات التجارية الدولية، وهو ما يجعل تحديد هذا القانون من الإشكاليات القانونية الهامة التي تواجه عقود التجارة الدولية، وتعد بمثابة حجر عثرة في طريق بعض الراغبين في إبرام عقد من عقود التجارة الدولية، لذا فقد وقع اختيارنا على هذا الموضوع ليكون محل المناقشة والتوضيح في مقالنا اليوم.

 

أولاً: ماهية العقد الدولي

ثانياً: إشكالية القانون واجب التطبيق والعقود النموذجية

ثالثاً: التحديد الاتفاقي للقانون واجب التطبيق على عقود التجارة الدولية

رابعاً: غياب التحديد الاتفاقي للقانون واجب التطبيق على عقود التجارة الدولية

خامساً: نموذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

سادساً: الخاتمة

 

أولاً: ماهية العقد الدولي

نظراً لكون مقالنا يتمحور بشكل رئيسي حول العقد الدولي، فإننا سوف نستهل المقال بتحديد ماهية العقد الدولي، وهذا بدوره يتفرع إلى فرعين، الفرع الأول هو التوضيح بماهية العقد، ثم بيان متى يكتسب هذا العقد الصفة الدولية.

1- التعريف بالعقد

إذا ما طالعنا أحداث حياتنا اليومية سنجد أنها لا تخلو من عقد يتم إبرامه بيننا وبين آخرين، فعلى سبيل المثال نجد أن استخدام المواصلات العامة ينشئ علاقة تعاقدية بين الراكب وبين شركة أو جهة النقل، كما أن شراء الطعام وإيجار المنزل وغيرها من التعاملات التي ندريها في حياتنا، بغض النظر عن كونها متجددة وتتم بشكل يومي أو على فترات متباعدة أو حتى مرة واحدة في الحياة، فهي تعد علاقات تعاقدية سواء كان عقدها مفرغاً في شكل مكتوب أو لا.

والعقد في حد ذاته – وفقاً للتعريفات الفقهية – هو التقاء وتوافق أكثر من إرادة على ترتيب أثر قانوني مشروع[1]، وهو أيضاً تصرفاً قانونياً يستند على التقاء إرادتين متوافقتين أو أكثر بغرض إنشاء التزام أو تعديله أو إنهائه، وغيرها من التعريفات الأخرى التي لم تخرج في مضمونها عن تعريف المشرع الأردني للعقد في القانون المدني رقم 43 لسنة 1976 في مادته رقم (87) بأنه (هو ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الآخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للآخر).

وبالتالي فإن العقد هو نتاج ارتباط واتصال إيجاب أحد الطرفين المتعاقدين بقبول الطرف المتعاقد معه، وذلك بصورة ينتج عنها نشوء التزامات قانونية على عاتق كل طرف تجاه الطرف الآخر، ولا يقتصر إبرام العقد على طرفين فقط، ولكن يمكن أن يكون هناك أكثر من طرفين، فالعبرة هنا بأن يكون الحد الأدنى لأطراف العقد هو طرفين.

2- متى تتحقق الصفة الدولية للعقد؟

الوقوف على تحديد توافر الصفة الدولية للعقد التجاري من عدمه تعد مسألة على جانب كبير من الأهمية، وترجع هذه الأهمية إلى أنه وبمجرد ثبوت الصفة الدولية للعقد يتم منحه مميزات ومواصفات لا يتمتع بها العقد الداخلي، لذلك فإنه من الضروري أن يتم تحديد طبيعة العقد في البداية، وما إذا كان عقد داخلي أم دولي حتى يمكن الوقوف على مدى تمتعه بتلك المميزات من عدمه.

فالعقد لا يخرج عن إطار كونه عقداً وطنياً متى توافرت له جميع مقومات العقد وعناصره في نطاق دولة واحدة، وبالتالي يكون خاضعاً لقانون وحيد وهو قانون هذه الدولة، ومتى قام نزاع بشأن هذا العقد سواء كان مرتبطاً بتفسيره أو تنفيذه، فإن الاختصاص بنظره يقع ضمن اختصاصات القاضي الوطني بتلك الدولة، والذي يقوم بتطبيق نصوص قانونه الوطني بشكل مباشر على هذا النزاع[2].

في حين يكون العقد دولياً متى كانت آثار هذا العقد تتخطى حدود دولة وحيدة، فتصل إلى دولتين أو أكثر، وهو ما يجعل خضوعه لأكثر من قانون يمكن تطبيقه عليه هو أمر حتمي، لا سيما وأن آثاره تمتد إلى أكثر من دولة، وبالتالي متى قام نزاع بشأنه فإن القانون الوطني لكل من تلك الدول التي يمتد إليها العقد يعد قابلاً للتطبيق على هذا النزاع، ويكون على القاضي الذي ينظر هذا النزاع أن يقرر أي هذه القوانين هو الأنسب لتطبيقه على هذا العقد، ليقوم بنظر النزاع في ظل القواعد القانونية التي يتضمنها هذا القانون.

ونظراً لعدم وجود شكل ثابت أو نموذج محدد للعقود الدولية يمكن من خلاله معرفة العقد الدولي بمجرد رؤيته، فقد اتجه الفقه إلى تحديد معايير يمكن من خلالها تحيد توافر الصفة الدولية للعقد من عدمه، وخلص الفقه إلى أن تلك المعايير هي المعيار الاقتصادي والمعيار القانوني والمعيار المزدوج أو المختلط.

أ- المعيار الاقتصادي

وفقاً للمعيار الاقتصادي في تحديد ما إذا كان العقد دولياً أم لا فإن العقد يعد دولياً متى كان متضمناً لعمليات تبادل للأموال أو الخدمات بشكل عابر للحدود، فيكون تنفيذ العقد متمثلاً في انتقال مال محدد أو خدمة معينة من حدود دولة إلى حدود دولة أخرى أو أكثر.

وبالتالي يكون العقد دولياً في ظل ذلك المعيار متى كانت الالتزامات الناشئة عن العقد هي التزامات يلزم لتنفيذها أن تعبر أموال أو خدمات معينة خروجاً من حدود دولة إلى داخل حدود دولة أخرى أو أكثر، فإذا ما توفر في العقد ذلك الشكل من أشكال تنفيذ التزامات العقد فإنه يعد عندئذ عقداً دولياً.

ب- المعيار القانوني

يختلف المعيار القانوني عن المعيار الاقتصادي في منظور تحديد الصفة الدولية للعقد، ففي حين يقوم المعيار الاقتصادي على فكرة انتقال التزامات أو محل العقد من حدود دولة إلى أخرى، فإن المعيار القانوني يقوم على فكرة العنصر الأجنبي في العقد، حيث يعتبر أن العقد يأخذ الصفة الدولية متى كانت العناصر القانونية لهذا العقد تنتمي إلى أنظمة قانونية متعددة[3]، وسنوضح ذلك المعيار بشكل أكثر وضوحاً.

فالمقصود بانتماء عناصر العقد القانونية إلى أنظمة قانونية متعددة هو أن تكون عناصر العقد الأساسية التي تتعلق بانعقاده وتنفيذه ترتبط بعدة قوانين لدول مختلفة، وعلى سبيل المثال لتلك العناصر القانونية جنسية أطراف العقد أو موطنهم أو محل إقامتهم، وأيضاً مكان وجود محل العقد ومكان تسليمه، وغيرها من العناصر القانونية الأخرى للعقد.

وبالتالي فإن العقد الدولي من منظور هذا المعيار هو العقد الذي يشتمل على عنصر أجنبي، سواء كان هذا العنصر يخص أطراف هذا العقد، أو محل إبرامه، أو محل تنفيذه، أو يخص موضوعه، بحيث يترتب على ذلك وجود أكثر من قانون يختص بالتطبيق عليه.

ج- المعيار المزدوج أو المختلط

سمي هذا المعيار بذلك المسمى نتيجة لكونه يجمع بين المعيارين السابقين معاً، حيث يرى أنصار هذا المعيار أن كلاً من المعيارين الاقتصادي والقانوني لا يسعهما وضع ضوابط دقيقة لتحديد الصفة الدولية للعقد متى تم تطبيق أحدهما بصورة منفردة دون الآخر، لذلك ارتأى أنصار هذا المعيار أن الصفة الدولية للعقد تستدعي في تحديدها استخدام كلا المعيارين معاً، فيتم تقييم العقد وفقاً للمعيار الاقتصادي، وفي ذات الوقت يتم تقييمه وفقاً للمعيار الاقتصادي أيضاً، ووفقاً للتقييمين معاً يتم تحديد ما إذا كان العقد دولياً أم لا.

وبالتالي يعد العقد دولياً متى كانت الصفة الدولية متحققة فيه من وجهتي نظر المعيارين الاقتصادي والقانوني، ولا يكفي في تلك الحالة توافر وجهة نظر أحدهما فقط بل يلزم كليهما معاً، كما هو الحال في أن يكون العقد متضمناً لعملية نقل وتبادل أموال أو خدمات عبر الحدود، فإنه يجب أيضاً وبالتزامن مع ذلك أن تكون عناصره القانونية مرتبطة بأكثر من نظام قانوني.

وقد عزى الفقه القانوني ظهور هذا المعيار إلى الطبيعة التي أصبحت تتسم بها التجارية الدولية في عصرنا الحالي، حيث باتت تتداخل فيها العلاقات الاقتصادية والقانونية وتتشابك بشكل كبير لا يمكن معه فصلها أو التعامل مع كل منها على حدة، وهو ما استلزم وجود معيار مختلط يعمل على تحديد صفة الدولية للعقد من الناحيتين الاقتصادية والقانونية.

  • ويعد المعيار الأخير في رأينا الشخصي هو المعيار الأكثر رجاحة، وذلك باعتباره معيار محكم ودقيق، ويتضمن كافة العناصر التي تقوم عليها التجارة الدولية، سواء العناصر الاقتصادية أو القانونية.

ثانياً: إشكالية القانون واجب التطبيق والعقود النموذجية

على الرغم من أهمية عقود التجارة الدولية، والتعاظم الهائل في دور هذه العقود في عصرنا الحالي، لاسيما بعد أن أصبحت التجارة الدولية هي عصب الحياة لكثير من دول العالم، إلا أن غياب تنظيم قانوني مستقل تخضع له هذه العقود لا يزال يمثل حجر عثرة في طريق تحديد القانون الواجب التطبيق على تلك العقود وما ينشأ عنها من منازعات، وهو ما يجعل البعض من المتعاملين في التجارة الدولية إلى الإحجام عن إبرام مثل هذه العقود.

وهو ما قد حدا بالجهات الدولية المختصة إلى الاتجاه لوضع نماذج لعقود التجارة الدولية كحل لتلك الإشكالية، بحيث يكون العقد له صيغة ثابتة في كل نوع من أنواع المعاملات التجارية الدولية، ومتضمناً لشروط عامة وجامعة يمكنها أن تنطبق على هذا النوع من أنواع المعاملات التجارية التي يمكن إبرامها، وتتوافق مع طبيعة ذلك النوع من المعاملات ومتطلباته.

إلا أن أغلب المتعاقدين في التعاقدات التجارية الدولية قد أحجموا عند إبرام عقودهم عن اللجوء إلى هذه العقود النموذجية، خاصة وأنه لكل تعاقد ظروفه وملابساته واشتراطاته حتى داخل النوع الواحد من أنواع التجارة، وهو ما يخل بتوازن موقف كل من طرفي العقد، ويجعل مراكزهما غير متساوية[4]، وذلك بجانب العديد من الإشكاليات الأخرى التي تعوق تطبيق العقود النموذجية، والتي يمكن أن نذكر أهمها وهي:

  • على الرغم من أن العقود النموذجية تصب أغلب تركيزها على تنظيم التفاصيل الخاصة بالتعاقد، إلا أنها تغفل وضع مبادئ شاملة وقواعد عامة يمكن من خلالها تنظيم العلاقة التعاقدية بأكملها، ونقصد بقولنا “مبادئ شاملة وقواعد عامة” الأسس والأصول القانونية التي تخضع لها العلاقة محل العقد، وهو ما يصيب العقود النموذجية بقدر كبير من القصور في هذا الإطار.
  • تختلف التشريعات الوطنية لكل دولة عن نظيرتها في الدول الأخرى سواء من حيث تنظيمها للمعاملات، أو من حيث المفاهيم الخاصة ببعض المسميات والمصطلحات القانونية، وهو ما قد يترتب عليه غياب بعض المصطلحات التي ترد بالعقود النموذجية في القوانين والتشريعات الداخلية لأحد المتعاقدين، وهو ما قد يدخل اللبس على هذا الطرف، ويوقعه في الغلط عند إبرام العقد النموذجي.
  • خلو العقود النموذجية من التنظيم القانوني الذي تخضع له تلك العقود، والذي يمكن الرجوع إليه سواء في تفسيرها، أو تنفيذها، أو في اقتضاء الحقوق في حالة الإخلال بالالتزامات التعاقدية، وهو ما يجعل العقود النموذجية حلاً غير فعال في شأن تحديد القانون واجب التطبيق على العقد الدولي.

وفي هذا الإطار فإن تحديد القانون واجب التطبيق على عقد التجارة الدولي لا يخرج عن فرضين، الفرض الأول هو وجود اتفاق بين طرفي العقد على القانون الواجب التطبيق على العقد، والفرض الثاني هو خلو عقد التجارة الدولي من مثل هذا الاتفاق، وسوف نتناول القانون واجب التطبيق في كل من هذين الفرضين بشكل مستقل.

ثالثاً: التحديد الاتفاقي للقانون واجب التطبيق على عقود التجارة الدولية

يعد اتفاق طرفي العقد التجاري الدولي على القانون الواجب التطبيق على عقدهما من أحد أهم الحلول التي يمكن من خلالها تحديد القانون واجب التطبيق على العقد التجاري الدولي، وييسر الأمر على قاضي النزاع في شأن تحديده لهذا القانون، ولكي نوضح هذا الفرض الذي يتحقق فيه مثل هذا الاتفاق يجب علينا أن نتعرض إلى السند القانوني له، وأيضاً إلى الآثار المترتبة على تحققه في العقد التجاري الدولي.

1- الأساس القانوني للتحديد الاتفاقي

في العلاقات الداخلية أو المحلية التي تتم بين أطراف وطنية وداخل إقليم دولتهما، فإن التعاقد الذي يبرم فيما بينهما يخضع لقانون الدولة، وعلى النقيض لذلك فالعقد التجاري الدولي نظراً لاختلاف وتعدد القوانين التي يخضع لها، فإن هناك متسع أمام طرفيه لاختيار القانون الذي يحكم علاقتهما التعاقدية، وما قد ينشأ عنها مستقبلاً من منازعات، ويطلق على هذا القانون عندئذ قانون الإرادة، ويستند إلى مبدأ سلطان الإرادة[5].

ويعتبر مبدأ سلطان الإرادة من المبادئ القانونية المستقرة، ويدور في مضمونه حول وجوب احترام حرية الإرادة لطرفي التعاقد، ومن ضمن ذلك احترام حريتهما في الاتفاق على القانون الذي يختص بالتطبيق على علاقتهما التعاقدية، وذلك متى كانت تلك العلاقة ستخضع لقوانين دولتين أو أكثر.

وقد قررت القوانين الداخلية هذا المبدأ ورسخته في نصوصها، حيث نجد في القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 في مادته رقم (20/1) قد نص على أن (1- يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطناً، فإذا اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد، هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك)، وهو ما يتبين أن المشرع الأردني قد اعترف بحرية إرادة طرفي التعاقد في الاتفاق على القانون الذي يطبق على علاقتهما، ورهن ذلك بالحالة التي يختلفا فيها في الموطن الخاص بكل منهما، أي بعبارة أخرى في العقود ذات الصفة الدولية.

وكما اعترفت التشريعات الداخلية بهذا المبدأ، فقد اعترف المجتمع الدولي أيضاً بمبدأ سلطان الإرادة، لاسيما وأن الدعامة الرئيسية للتعاملات التجارية هي إرادة أطراف هذه التعاملات، ويجد هذا المبدأ أثره في العديد من المواضع في الاتفاقيات الدولية المختلفة التي تم إبرامها بشأن التجارة الدولية، وعلى سبيل المثال لذلك:

  • ما جاء بنص المادة رقم (2) من اتفاقية لاهاي 1955 والخاصة بالقانون واجب التطبيق على البيوع الدولية للبضائع، وذلك حيث قرر هذا النص أن (القانون الواجب التطبيق هو القانون الوطني للبلد الذي عينه أطراف العقد).
  • ما جاء بنص المادة رقم (6) من اتفاقية فيينا المبرمة في عام 1980، والتي يعرفها البعض بـ “اتفاقية الأمم المتحدة بشأن البيع الدولي للبضائع”، والتي تم إبرامها لتكون بمثابة قانوناً منظماً وحاكماً للبيوع الدولية، حيث تضمنت تلك المادة أنه (يجوز للطرفين استبعاد تطبيق هذه الاتفاقية، كما يجوز لهما – فيما عدا الأحكام المنصوص عليها في المادة 12 – مخالفة نص من نصوصها أو تعديل آثاره).

وغيرها من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بتنظيم البيوع والتعاقدات الدولية الأخرى، والتي تضمنت جميعها ما يجيز لطرفي العقد أن يتفقا على القانون واجب التطبيق على علاقتهم التعاقدية.

وهو ما يمكننا معه القول إن إرادة طرفي التعاقد تؤدي دوراً على جانب كبير من الأهمية والتأثير في تحديد القانون واجب التطبيق على العلاقة التعاقدية، فهي في ظل القانون الدولي الخاص تستطيع أن تخرج العلاقة التعاقدية من ظل تطبيق قانون دولة ما وإدخاله في إطار اختصاص قانون دولة أخرى، فتصبح إرادة طرفي التعاقد هي ضابط الإسناد عند حدوث تنازع في القوانين الواجبة التطبيق على العقد الدولي[6].

2- طرق التحديد الاتفاقي للقانون واجب التطبيق

متى رغب طرفي العقد التجاري الدولي في تحديد القانون الذي ينظم علاقتهما التعاقدية، فإن رغبتهما تلك يتم إما في صورة صريحة أو في صورة ضمنية.

ويقصد بالاتفاق الصريح على تحديد القانون واجب التطبيق هو أن يتم ترجمة ذلك الاتفاق في شكل بند من بنود العقد الدولي المبرم بين الطرفين، ويتم تضمينه نصاً صريحاً يدل على القانون واجب التطبيق على علاقتهما التعاقدية.

فالاتفاق الصريح على القانون واجب التطبيق يتسم بكونه تعبيراً واضحاً وصريحاً على تعيين القانون الذي تستهدفه إرادة طرفي العقد، وهذه الإرادة التي يعلنان عنها بشكل صريح في العقد، كما هو الحال في أن يتضمن العقد بنداً يتفق فيه طرفي العقد على أن يكون القانون واجب التطبيق على العقد هو قانون دولة محددة، والذي يكون على القاضي عند نظر أي نزاع ينشأ عن العقد أن يقوم بتطبيق هذا القانون، وذلك متى ثبت لديه أن هذا العقد من العقود الدولية.

أما الاتفاق الضمني على القانون واجب التطبيق فهو الاتفاق الذي لا يرد صريحاً بالعقد الدولي، ولكنه يستشف من مضمون العقد وما اشتمل عليه من بنود، وتكون مهمة القاضي في هذه الحالة أكثر صعوبة منها في الاتفاق الصريح، فهنا تكون مهمته ليس تطبيق القانون فقط ولكن يلزم عليه بداية أن يكشف عن إرادة طرفي العقد الضمنية وتحديد هذا القانون، وذلك من خلال تصديه بالبحث والتمحيص لمحتوى العقد، وما أحاط بعملية إبرامه من ظروف وملابسات وتفسيرها بصورة يتم الوصول من خلالها للقانون الذي اتجهت إليه الإرادة الضمنية لهما ليكون القانون واجب التطبيق على التعاقد.

وعلى سبيل المثال لذلك أن تكون بنود العقد الدولي متضمنة لبعض الأحكام المتفرقة، والتي يمكن للقاضي أن يردها إلى قانون دولة أحد طرفي العقد، أو أن يقف على تحديد هذا القانون من خلال مكاتبات ومراسلات طرفي العقد أثناء إبرامه، أو غيرها من الطرق الني يستطيع من خلالها قاضي النزاع الوصول إلى حقيقة القانون الذي استهدفت إرادة الطرفين تحديده كقانون واجب التطبيق على تعاقدهما.

3- الآثار المترتبة على التحديد الاتفاقي

متى كان طرفي التعاقد قد اتفقا بإرادتهما – سواء كانت صريحة أو ضمنية – على القانون الذي تخضع له علاقتهما التعاقدية، فإن هذا الاتفاق يترتب عليه جملة من الآثار والنتائج التي يصعب إيرادها حصراً، لذا فسوف نتعرض إلى أهمها في النقاط الآتي بينها.

أ- جواز الاتفاق على تحديد عدة قوانين يخضع لها العقد الدولي

من المنطقي أنه متى كان يحق لطرفي العقد التجاري الدولي الاتفاق على القانون واجب التطبيق على تعاقدهما، فإن هذا بدوره يسمح لهما بأن يتفقا على أن يكون هناك أكثر من قانون واجب التطبيق على علاقتهما التعاقدية وليس قانون واحد فقط.

إلا أن ذلك لا يقصد به تحقيق حالة من حالات تنازع القوانين بحيث تكون جميع القوانين المحددة قابلة للتطبيق على العقد بأكمله، ولكن المقصود هنا بأن يتم الاتفاق على خضوع العقد لأكثر من قانون هو أن يكون هناك قانون محدد لكل مرحلة من مراحل العقد، فيكون القانون الذي يحكم العقد خلال مرحلة إبرامه وتكوينه هو قانون محدد، بينما يخضع العقد في مرحلة تنفيذه لقانون آخر، وهكذا بحيث تكون كل مرحلة مراحل العقد خاضعة لقانون يختلف عن القوانين التي تخضع لها المراحل الأخرى له.

ب- تقيد إرادة المتعاقدين بقيد وجود علاقة ارتباط بين القانون المتفق عليه والعقد الدولي

حرية المتعاقدين التي يقرها لهما القانون الدولي في شأن تحديد أكثر من قانون للتطبيق على العقد وفقاً لما سبق إيضاحه لا تأخذ شكلها الحر المطلق، بل هي تخضع لقيد هام وأساسي لا يجوز لها أن تكسره أو تتخطاه، ويتمثل هذا القيد في أن تكون القوانين المختارة للتطبيق على العقد مرتبطة به بصلة وعلاقة تبرر اختياره، وذلك للحيلولة دون تحقق أي تعارض يمكن أن يتحقق بين هذه القوانين، وينتج عنه خلل في أساسيات الرابطة العقدية وعناصرها.

ويقصد بذلك القيد أن يكون كل قانون من القوانين المتفق على خضوع العقد لها ترتبط بعلاقة إما بالعقد ذاته وإما بطرفيه أو أحدهما على الأقل، لاسيما وأن انعدام تلك العلاقة يستدل منه بشكل واضح على إن اختيار القانون المنبت الصلة بالعقد ليتم تطبيقه عليه لم يكن سوى للتهرب من القوانين ذات الاختصاص والعلاقة بالعقد، والتي تكون هي القوانين واجبة التطبيق عليه، وهو ما يعد من قبيل الغش الذي يخالف مقتضيات العلاقات التجارية.

ومتى ثبت تحقق هذا الغش الممثل في استبعاد القوانين واجبة التطبيق على العقد وإخضاعه لقانون منقطع الصلة بالعقد وطرفيه، تكون إرادة طرفي العقد قد خالفت القيد الوارد على حريتها، وهو ما يترتب عليه استبعاد القاضي للقانون المتفق عليه من نطاق التطبيق على العقد في حالة قيام نزاع بين الطرفين، وذلك استناداً إلى كونه يستند في تحديده إلى غش منهما، والغش يفسد جميع التصرفات، وتطبيق القانون الأقرب علاقة بالنزاع بدلاً منه.

ج- استبعاد تطبيق مبدأ الإحالة على العقد التجاري الدولي

الاعتراف بحرية المتعاقدين في تحديد القانون واجب التطبيق على العقد الدولي يترتب عليه استبعاد تطبيق مبدأ الإحالة على العقد التجاري الدولي، ويرجع ذلك إلى أن مبدأ الإحالة قد ينتج عنه تطبيق قانون مختلف عن القانون – أو القوانين – المتفق عليها بين طرفي التعاقد، وبالتالي يعتبر ذلك إهداراً لحرية المتعاقدين في الاتفاق على القانون واجب التطبيق، كما أنه يضع المتعاقدين تحت طائلة القانون الذي يتم الإحالة عليه، وهو قانون مبهم وغامض وغير متوقع من قبل العاقدين، وهو ما يخالف بشكل كامل الهدف الذي يرمي إليه المتعاقدين باتفاقهما، ويخرج بهما عن الإطار الذي قاما برسمه وتحديده لعلاقتهما التعاقدية.

ولذلك فإن قطاع عريض من الفقه الدولي يرى أن إرادة طرفي العقد الجاري الدولي تعد بمثابة ضابط الإسناد، والذي تتم الإحالة على القانون واجب التطبيق استناداً إليه[7].

رابعاً: غياب التحديد الاتفاقي للقانون واجب التطبيق على عقود التجارة الدولية

نأتي الآن إلى الفرض الثاني بشأن تحديد القانون واجب التطبيق على عقود التجارة الدولية، وهو الفرض الذي لا يتضمن فيه العقد التجاري الدولي أي اتفاق صريح أو ضمني يفيد تحديد القانون واجب التطبيق على العقد، فكيف يتم تحديد هذا القانون في ظل غياب اتفاق طرفي العقد عليه؟

لا تخرج إجابة هذا التساؤل عن أمرين يلزم التعرض إليهما، الأمر الأول هو إخضاع العقد لقواعد الإسناد، والأمر الثاني هو السلطة التقديرية لقاضي النزاع في تحديد هذا القانون.

1- خضوع العقد لقواعد الإسناد

يقصد بقواعد الإسناد القواعد القانونية التي يسنها المشرع في القانون الوطني، والتي يستطيع القاضي الاسترشاد بها لمعرفة القانون الذي يجب تطبيقه على أي علاقة قانونية يكون بها طرف أجنبي أو أكثر[8]، وهذه القواعد يتم اللجوء إليها لتحديد القانون واجب التطبيق متى خلا العقد الدولي من اتفاق على تحديده، أو تم الاتفاق تحديده ولكن بشكل يشوبه الغش على نحو ما أوضحنا سلفاً، ولكن يلزم علينا أن نوضح أنواع هذه القواعد، حيث أنها لا تقتصر على نوع واحد من القواعد من حيث إلزاميتها بل في الحقيقة هي تتفرع إلى نوعين:

  • النوع الأول: قواعد الإسناد الجامدة: ويقصد بهذا النوع من القواعد مجموعة القواعد التي يشتمل عليها القانون الوطني، والتي تشير إلى ضوابط يتقيد بها القاضي عند تحديده للقانون واجب التطبيق على العقد، والتي لا تخرج عن ثلاث ضوابط رئيسية تتمثل في ضابط قانون مكان الانعقاد، وضابط جنسية المتعاقدين، وضابط الموطن المشترك، وقد تناول المشرع الأردني هذه الضوابط في القانون المدني، حيث نجد على سبيل المثال وليس الحصر ما ورد بالمادة (20/1) من أن (1- يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطناً، فإن اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد، هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك).
  • النوع الثاني: قواعد الإسناد المرنة: تختلف قواعد الإسناد المرنة عن نظيرتها الجامدة في أن الأخيرة تفرض على القاضي بشكل مسبق ومحدد سلفاً القانون واجب التطبيق على النزاع، بحيث يقوم بتطبيقه بشكل تلقائي متى عرض عليه نزاع تتوافر فيه شروط تطبيقها، بينما القواعد المرنة تمنح القاضي المطروح عليه النزاع أن يستخدم سلطته التقديرية في تحديد القانون واجب التطبيق، بحيث يكون من سلطة القاضي أن يفحص ويمحص العقد الدولي المطروح عليه من كافة جوانبه للخروج بالقانون الأكثر ارتباطاً بالعقد، والذي يكون هو القانون واجب التطبيق على النزاع المعروض عليه، وتكون سلطة القاضي التقديرية في تلك الحالة مقيدة بأن يكون القانون الذي سيختاره ليتم تطبيقه على العقد هو قانون يرتبط بموضوعه.

2- السلطة التقديرية لقاضي النزاع

كما سبق وأن أوضحنا في قواعد الإسناد المرنة فإن القاضي يتمتع بسلطة تقديرية في تحديد القانون واجب التطبيق متى غاب اتفاق الأطراف بشأن تحديده عن العقد الدولي، وذلك في ظل قيد وحيد وجوهري وهو أن يكون القانون الذي ينتهي القاضي إلى تطبيقه هو قانون يرتبط بعلاقة بموضوع العقد، وبالتالي فإن آلية استخدام القاضي لسلطته التقديرية لا تخرج عن إطار إما اختيار أكثر القوانين علاقة بموضوع العقد، وإما عن طريق ما يعرف بآلية تجزئة العقد.

أ- تطبيق القانون الأكثر علاقة وارتباط بإرادة المتعاقدين

متى خلا العقد من تعبير صريح عن إرادة المتعاقدين عن القانون واجب التطبيق على علاقتهما التعاقدية، ولم يتمكن القاضي من استخلاص أي اتفاق ضمني بينهما في هذا الشأن، فإنه عندئذ يقوم بتحديد القانون واجب التطبيق استناداً إلى ما يعرف بالإرادة المفترضة لطرفي التعاقد، وهذه الإرادة المفترضة يقصد بها أن القاضي يضع نفسه محل المتعاقدين، ويضع تصوراً للقانون الذي كان يفترض بالمتعاقدين أن يتفقا عليه ليكون هو القانون واجب التطبيق على عقدهما، ويكون هذا القانون هو القانون الأكثر علاقة وارتباط بالإرادة الخاصة بالمتعاقدين.

ب- تجزئة العقد

الأصل هو أن العلاقة التعاقدية غير قابلة للتجزئة بل يتم التعامل معها كوحدة واحدة، ولا يجوز أن يتم تجزئتها إلا من قبل المشرع وحده، إلا أنه وكما سبق وأن أوضحنا في هذا المقال أن طرفي العقد الدولي يحق لهما أن يقوما بتجزئة العقد بحيث يخضع كل جزء منه لقانون يختلف عن القوانين التي تخضع لها باقي الأجزاء، ونقصد بالأجزاء هنا المراحل الخاصة بالعقد كما بينا سلفاً، مما يثير تساؤلاً هاماً يتعلق ببحث القاضي عن القانون الأكثر علاقة وارتباط بإرادة المتعاقدين، وبمدى جواز أن يفترض القاضي أن إرادة طرفي التعاقد قد اتجهت إلى تجزئة العقد بحيث تخضع كل مرحلة – جزء – من العقد لقانون مختلف، وبالتالي ينتهي القاضي إلى تطبيق قانون مختلف على كل مرحلة منها، فهل يجوز للقاضي ذلك؟

انقسم الفقه الدولي حول إجابة هذا التساؤل إلى فريقين:

  • الفريق الأول: وهو الفريق الذي أجاب على التساؤل السابق بنعم، حيث أجاز هذا الفريق للقاضي أن يقوم بتجزئة العقد، وإخضاع كل مرحلة منه لقانون مختلف عن القانون الذي يحكم غيره من الأجزاء أو المراحل الأخرى.
  • الفريق الثاني: أما الفريق الثاني فقد أجاب على التساؤل السابق بلا، حيث أنكر على القاضي سلطة تجزئة العقد، وألزمه عند تحديد القانون واجب التطبيق على العقد أن يتعامل مع العقد باعتباره وحدة واحدة غير قابلة للتجزئة، ويعتبر هذا هو الرأي الذي يأخذ به الفقه الدولي في عصرنا الحالي، لاسيما وأن تجزئة العقد الولي هي مسألة استثنائية لم تمنح إلا للمشرع وإرادة طرفي العقد فقط، وإن كان هناك جانب بسيط من الفقه والقضاء يأخذ برأي الفريق الأول ومنه على سبيل المثال الفقه والقضاء الألمانيين.

خامساً: نموذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

  • حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 825 لسنة 2019، والصادر بجلسة 7/10/2019 والمتضمن أن (إسناد العلاقة القانونية ذات العنصر الأجنبي إلى القانون المختص الذي تحدده قواعد تنازع القوانين تستلزم قبل كل شيء تكييف العلاقة موضوع النزاع ذلك لأن قواعد تنازع القوانين (قواعد الإسناد) تبين القانون الذي يحكم المسألة فتحديد طبيعة العلاقة القانونية المتنازع فيها وردها لنظام قانوني معين مسالة أساسية يجب حلها، وإن تحديد القانون الواجب التطبيق بالنسبة لالتزام ما يتوقف على نوعية الالتزام وما إذا كان مصدره الإرادة ( كالعقد) أو غيرها من المصادر).

سادساً: الخاتمة

على الرغم من اختلاف الفقه الدولي في بعض النقاط الخاصة بتحديد القانون واجب التطبيق على العقود التجارية الدولية، إلا أن إرادة المتعاقدين لا تزال هي المهيمنة على تحديد هذا القانون، ولها الأولوية في حسم كنهه، إلا أن ذلك لا يحول دون حقيقة هامة تتمثل في ضرورة وجود قانون دولي نموذجي، بحيث يكون هو القانون المختص بالتطبيق على العقود التجارية الدولية بشكل ثابت ومستقل.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – حسن الذنون – النظرية العامة للالتزام – الجامعة المستنصرية – العراق – 1976 – ص27.

[2] – ممدوح عبد الكريم – تنازع القوانين – الطبعة الأولى – دار الثقافة للنشر – الأردن – 2005 – ص163.

[3] – هشام صادق – القانون واجب التطبيق على عقود التجارة الدولية – الطبعة الثانية – دار الفكر الجامعي – مصر – 2001 – ص72.

[4] – حسام الدين الصغير – تفسير اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي – دار النهضة العربية – مصر – 2001 – ص17.

[5] – أحمد عبد الكريم سلامة – قانون العقد الدولي – دار النهضة العربية – مصر – 2001 – ص156 وما بعدها.

[6] – مراد المواجدة – التحكيم في عقود الدولة ذات الطابع الدولي – ط1 – دار الثقافة للنشر – الأردن – 2010 – ص 182.

[7] – مراد المواجدة – المرجع السابق – ص182.

[8] – هشام خالد – المدخل للقانون الدولي الخاص العربي: نشأته، مباحثه، مصادره، طبيعته – الطبعة الأولى – دار الفكر الجامعي – مصر – 2003 – ص207.

Scroll to Top