المسئولية الجزائية للقاضي النظامي في القانون الأردني
يمثل القضاة ضمير المجتمع، وهم الأمناء على حماية الحقوق والحريات، والقائمين على تنفيذ القانون وتطبيقه على كل الوقائع المعروضة عليه، والمحافظين على استقرار القضاء ووحدته واستقلاليته.
ونتيجة لهذه المكانة التي وضع فيها القاضي نفسه ورسخت في نفوس الناس، فانه حرص على أن تكون جميع تصرفاته بما يليق مع تلك المكانة العالية، وبما يجعله ينال احترام الناس، لذلك فانه ينبغي أن تكون جميع أفعاله فوق الشبهات. وإذا لم يراع القاضي هذه الأفعال فانه سيكون عرضة للسؤال وبالتالي للمسئولية الجزائية المنصوص عليها في القانون متى ارتكب فعلا من الأفعال المجرمة.
أولا: مفهوم المسئولية الجزائية للقاضي النظامي
ثانيا: شروط مسائلة القاضي النظامي
ثالثا: حالات قيام المسئولية الجزائية للقاضي النظامي
رابعا: حالات انتفاء المسئولية الجزائية للقاضي النظامي
خامسا: إجراءات مسائلة القاضي النظامي
أولا: مفهوم المسئولية الجزائية للقاضي النظامي
يمكن تعريفها بأنها العقوبة التي يتم إنزالها بالقاضي نتيجة ارتكابه فعلا مجرما، وذلك أثناء قيامه بعمله القضائي أو بسببه، والذي لا يمكن أن يتم مسائلته إلا بعد موافقة المجلس الأعلى للقضاء.
ولم يعرفها المشرع الأردني، إلا أن الفقه قد عرفها بأنها” الالتزام بتحمل الجزاء الذي ترتبه القواعد القانونية كأثر للفعل الذي يمثل خروجا على أحكامها ([1]).
وعلى ذلك فتقوم المسئولية الجزائية للقاضي النظامي متى ارتكب هذا القاضي جرما جزائيا أثناء قيامه بعمله أي فعل مس بالحق العام وأخل بالأمن القضائي والأمن الاجتماعي كأن يقوم بالتزوير، أو طلب رشوة، أو إفشاء مداولات المحاكمة، أو نشر وقائع جلسة سرية ([2]).
فالقاضي النظامي هو كل قاض جرى تعينه قاضيا نظاميا في أيه محكمة من محاكم المملكة الأردنية الهاشمية بموجب قانون استقلال القضاء، وبناء على ذلك يعد قاضيا كلا من: رئيس النيابات العامة ومساعدوه ونوابه والنواب العامون وكافة المدعين العاميين ومساعدو النواب العامون والمحامي العام المدني ومساعده ورؤساء وقضاة المحكمة الإدارية العليا والمحكمة الإدارية الابتدائية ورئيس جهاز التفتيش القضائي وقضاة التفتيش والأمين العام لوزارة العدل ([3]).
ثانيا: شروط مسائلة القاضي النظامي
1- استئذان القضاء أو اللجنة الخاصة المشكلة لهذا الأمر لا يتم مسائلة القاضي النظامي إلا بعد استئذان المجلس الأعلى للقضاء أو لجنة خاصة مشكلة من القضاة ([4]).
2- حصول الادعاء العام على إذن سابق قبل تحريك الدعوى الجزائية ضد القاضي أو عضو النيابة.
3- أن يكون سبب رفع الحصانة القضائية عنهم هو ارتكابهم لجريمة ([5]).
4- القبض على القاضي وتوقيفه.
5- مباشرة إجراءات التحقيق ورفع الدعوى العامة بحقه ([6]).
6- رفع الأمر إلى المجلس الأعلى للقضاء في مدة الأربع والعشرين ساعة التالية في حالة تلبس القاضي بجريمة جنائية، وللمجلس وحده اتخاذ القرار بعد سماع أقوال القاضي إما الإفراج عنه بكفالة أو بغير كفالة وإما الاستمرار في توقيفه للمدة التي يقررها له وله تمديد هذه المدة.
وهو ما نصت عليه المادة \28 من قانون استقلال القضاة رقم \29لسنة2014 على أنه” أ. 1. في غير حالات التلبس بجريمة جنائية لا يجوز ملاحقة القاضي أو القبض عليه أو توقيفه إلا بعد الحصول على إذن من المجلس.
2- وفي حالات تلبس القاضي بجريمة جنائية على النائب العام عند القبض عليه أو توقيفه أن يرفع الأمر إلى المجلس في مدة الأربع والعشرين ساعة التالية، وللمجلس أن يقرر بعد سماع أقوال القاضي إما الإفراج عنه بكفالة أو بغير كفالة وإما الاستمرار في توقيفه للمدة التي يقررها وله تمديد هذه المدة.
ب.1. على الرغم مما ورد في أي تشريع آخر، لا يلاحق القاضي عن أي شكوى جزائية تتعلق بأعمال وظيفته أو بسببها أو ناجمة عنها أو في أثناء قيامه بها إلا بإذن من المجلس.
1- للمجلس في أي شكوى جزائية ورد النص عليها في البند (1) من هذه الفقرة، وبعد سماع أقوال المشتكي والقاضي ومطالعة النائب العام أو الاطلاع على أي بينة أخرى بما في ذلك سماع أقوال الشهود أن يقرر حفظ الشكوى أو أن يأذن وحسب الأصول بملاحقة القاضي إذا تأكد من جدية الشكوى وللمجلس اتخاذ الإجراءات المنصوص عليها في الفقرة (أ) من هذه المادة من حيث القبض على القاضي أو توقيفه أو الإفراج عنه.
إذا قرر المجلس حفظ الشكوى فلا يجوز ملاحقة القاضي عن تلك الشكوى بعد انتهاء خدمته”. 2-
ثالثا: حالات قيام المسئولية الجزائية للقاضي النظامي
بطبيعة الحال فان قيام مسئولية أي إنسان، حتى لو كان قاضيا هو ارتكابه لفعل يشكل جريمة منصوص عليها في قانون العقوبات، وفي حالة القاضي النظامي وبعد استئذان المجلس الأعلى للقضاة واتخاذ الإجراءات القانونية للقبض عليه بتوقيفه أولا ورفع الحصانة القضائية عنه، تمهيدا لمسائلته.
فقد نصت المادة \16من قانون استقلال القضاء سالف الإشارة على أنه” أ. على القاضي أن يلتزم بواجبات وظيفته وبشرف مهنته وبقواعد السلوك القضائي التي يصدرها المجلس وألا يسلك بفعل أو امتناع سلوكاً يحط من قدرها.
ب. لا يجوز للقاضي أن ينظر في أي نزاع له مصلحة فيه أو لأي من أقاربه حتى الدرجة الرابعة أو أصهاره أو إذا سبق له النظر فيه أو أبدى الرأي أو الترافع أو الوكالة عن أي طرف فيه.
ج. لا يجوز للقاضي أن يتغيب عن عمله قبل الحصول على موافقة مرجعه المسؤول وان لا ينقطع عن عمله بسبب غير مفاجئ قبل أن يسمح الرئيس له خطياً بذلك.
د. لا يجوز للقاضي أن يؤخر البت في الدعاوى دون سبب مشروع.
هـ. لا يجوز للقاضي الجمع بين وظيفة القضاء ومزاولة الأعمال التجارية أو عضوية مجلس إدارة أي شركة، أو مؤسسة، أو سلطة، أو وظيفة، أو مهنة أخرى وذلك تحت طائلة المسؤولية.
و. لا يجوز للقاضي أن يقوم بأي عمل أو تصرف يحقق منفعة له أو لأقاربه.
أمثلة على بعض الجرائم المرتكبة:
1- جريمة الرشوة
وتعتبر جريمة الرشوة من الجرائم الأولى المتصور ارتكابها من القاضي أو أن يقع فيها القاضي لارتباط ذلك بعمله كقاضي وفرصة عرض الرشوة عليه ليحيد عن الحق وذلك بالقيام بعمل من أعمال الوظيفة على نحو مخالف لطبيعة الأمور أو الامتناع عن عمل من أعمال الوظيفة بشكل يضر بمصلحة أحد الخصوم في قضية.
2- جريمة التزوير
تعتبر جريمة التزوير من الجرائم الهامة التي تبني حق ليس بحق عن طريق التزوير مستند بتحريفه أو بالإضافة إليه أو بتعديله أو بمحوه أو خلافه، لذلك لقد جرمها المشرع وحرمها على كل إنسان سواء كان قاضيا نظاميا أو غيره.
ولقد عرف المشرع الأردني التزوير في قانون العقوبات في المادة \260على أنه” ……. تحريف مفتعل للحقيقة في الواقع والبيانات التي يراد إثباتها بصك أو مخطوط يحتج بها، نجم أو يمكن أن ينجم عنه ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي”.
ومن الصور التي من الممكن أن يرتكبها القاضي النظامي عن طريق التزوير، إتلاف مستند بصورة كلية أو جزئية، اصطناع صك، إساءة استعمال إمضاء أو ختم أو بصمة إصبع، أو إدخال تغيير على مضمون مستند.
3- التهديد
وتتمثل جريمة التهديد التي من الممكن أن يقترفه القاضي النظامي كما لو قام قاضي في محكمة صلح جزائية أثناء نظره دعوى جزائية موضوعها الإيذاء بتهديد المشتكي إذا لم يسقط حقه عن المشتكي عليه بتهديده بتوقيفه بلا سبب، أو توقيف أحد أصوله، أو فروعه، أو زوجه دون أن يكون أي من هؤلاء طرف في الدعوى ([7])
4- نشر ما يحظر نشره
جرم المشرع الأردني هذا الفعل في قانون العقوبات في المادة \ 225على أنه” يعاقب بالغرامة من خمسة دنانير إلى خمسة وعشرين دينارا من ينشر:
1- وثيقة من وثائق التحقيق الجنائي أو الجنحي قبل تلاوتها في جلسة علنية
2- محاكمات الجلسات السرية.
3- المحاكمات في دعوى السب.
4- كل محاكمة منعت المحكمة نشرها”.
فقد يقوم القاضي بنشر أخبار عن محاكمة ممنوع النشر فيها بحكم القانون أو أن يشيع أخبار عن حكم قبل أن ينطق به أو أخبار عن قضية سرية أو منظورة بشكل سري.
5- التأثير على الإجراءات القضائية
كما لو توسط القاضي إلى آخر زميل له في دعوى منظورة أو محتمل أن تنظر أمامه على نحو فسه محاباة لطرف في الدعوى.
6- القيام بعمل يعرقل سير العدالة
كما لو قام القاضي بإخفاء مستند هام في الدعوى يغير سير الدعوى لصالح خصم فيها، وغيرها من الجرائم التي من الممكن أن يركبها القاضي النظامي ويسأل عنها في قانون العقوبات.
7- جريمة استغلال النفوذ
تعتبر هذه الجريمة من الجرائم التي يرتكبها القاضي باستمرار كمحاباة لبعض أقاربه أو للاستفادة منها لشخصه، كما لو قام القاضي بفرض نفسه على شخص معين بقصد الحصول على خدمة ليست من حقه باستغلال صفته كونه قاضيا.
رابعا: حالات انتفاء المسئولية الجزائية للقاضي النظامي
هنالك بعض الحالات التي قد تصاحب القاضي أثناء عمله، الا أن المشرع لم يأخذها على اعتبارها جريمة، ومن الأمثلة على ذلك:
1- الخطأ في الاجتهاد القضائي
أثناء ممارسة القاضي عمله القانوني كقاضٍ نظامي، فقد يقع في خطأ جسيم، هذا الخطأ الجسيم قد يكون في صورة تطبيق خطأ لنصوص القانون على جريمة معينة أو النزول عن الحد الأدنى لعقوبة في جريمة أو تجاوز الحد الأقصى لعقوبة في جريمة.
ويمكن تعريف الخطأ الجسيم بأنه الخطأ الذي يرتكبه القاضي دون تبصر منه أو مراعاة للقواعد الأساسية في عمله بشكل يجعله يخطأ في عمله بشكل لا يمكن أن يقع فيه القاضي العادي وليس الحريص.
ولقد عرفته محكمة النقض المصرية في حكم لها بأنه” الخطأ الذي يرتكبه القاضي في عمله وما كان ليتم لو اهتم بواجباته الاهتمام العادي أو لإهماله في عمله إهمالا مفرطا ويستوي أن يتعلق بالمبادئ القانونية أو بوقائع القضية الثابتة في ملف الدعوى”([8]).
ولا يسأل القاضي عن الخطأ الذي يقع منه أثناء عمله جزائيا رغم أنه خطأ جسيم، مهما بلغ الضرر المترتب عليه.
2- الغش
ومن الأفعال التي يمكن أن يرتكبها القاضي النظامي ولا يعاقب عليها جزائيا غشه لأحد الخصوم بشكل يؤثر على سير الدعوى، بل وخسارتها من هذا الخصم، كأن يحدد القاضي للدعوى تاريخ جلسة ويخبر المدعي بها ثم يقوم بتغيير تاريخ تلك الجلسة دون أن يكلف بإعلان المدعي بها.
3- التدليس
ويمكن تعريفه بأنه استعمال القاضي طرق احتيالية يكون الهدف منها تمويه الحقيقة وجعلها مبهمة أو مجهولة لدى أحد الخصوم بقصد عدم إعلامه بها بغرض صدور حكم ضده.
كما لو حرف القاضي عن قصد ما أدلى به أحد الخصوم أو الشاهد من أقوال أو إذا كلف بكتابة أحد المستندات المقدمة في القضية بغير ما اشتمل عيه حتى يخدع باقي أعضاء المحكمة ([9]).
خامسا: إجراءات مسائلة القاضي النظامي
ليس القاضي كغيره من الأشخاص عند ارتكابهم الجرائم، فلا يجوز القيض عليه أو اتخاذ أي إجراءات ضده إلا بعد اتخاذ إجراءات معينة.
فلا يجوز في غير حالات التلبس القبض على القاضي أو توقيفه، وفي حالات التلبس في جريمة معينة والقبض عليه متلبسا فيجب على النائب العام أن يرفع الأمر إلى المجلس خلال أربع وعشرين ساعة التالية.
وهو ما نصت عليه المادة \ 28من قانون استقلال القضاة على أنه”أ. 1. في غير حالات التلبس بجريمة جنائية لا يجوز ملاحقة القاضي أو القبض عليه أو توقيفه إلا بعد الحصول على إذن من المجلس.
- وفي حالات تلبس القاضي بجريمة جنائية على النائب العام عند القبض عليه أو توقيفه أن يرفع الأمر إلى المجلس في مدة الأربع والعشرين ساعة التالية ، وللمجلس أن يقرر بعد سماع أقوال القاضي إما الإفراج عنه بكفالة أو بغير كفالة وإما الاستمرار في توقيفه للمدة التي يقررها وله تمديد هذه المدة.
ب.1. على الرغم مما ورد في أي تشريع آخر، لا يلاحق القاضي عن أي شكوى جزائية تتعلق بأعمال وظيفته أو بسببها أو ناجمة عنها أو في أثناء قيامه بها إلا بإذن من المجلس.
- للمجلس في أي شكوى جزائية ورد النص عليها في البند (1) من هذه الفقرة ، وبعد سماع أقوال المشتكي والقاضي ومطالعة النائب العام أو الاطلاع على أي بينة أخرى بما في ذلك سماع أقوال الشهود أن يقرر حفظ الشكوى أو أن يأذن وحسب الأصول بملاحقة القاضي إذا تأكد من جدية الشكوى وللمجلس اتخاذ الإجراءات المنصوص عليها في الفقرة (أ) من هذه المادة من حيث القبض على القاضي أو توقيفه أو الإفراج عنه.
2- إذا قرر المجلس حفظ الشكوى فلا يجوز ملاحقة القاضي عن تلك الشكوى بعد انتهاء خدمته”.
كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي
دكتوراه القانون المدني
([1]) د. محمود نجيب حسني، النظرية العامة للقصد الجرمي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1998، ص13.
([2]) د. حسين مظهر، المسئولية الجنائية للقضاة وأعضاء النيابة العامة، القاهرة، 2010، ص67 وما بعدها.
([3]) قانون تشكيل المحاكم النظامية وتعديلاته رقم \17لسنة2001.
([4]) د. جلال ثروت، نظم الإجراءات الجنائية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، ص128.
([5]) د. مدحت رمضان، الوجيز في شرح فانون الإجراءات الجزائية الاتحادي، مطبوعات جامعة الإمارات العربية المتحدة، ص95.
([6]) د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، ص152.
([7]) د. علي عوض الجبرة، د. محمد خليل أبو بكر، المسئولية الجزائية للقاضي النظامي في القانون الأردني، بحث منشور، مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الشرعية والاقنونية، ص227.
([8]) حكم نقض مصري، جلسة 19\6\1980.
([9]) د. عبدالرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ط2، دار النهضة العربية، القاهرة، 1982-1983، ص598.

