حالات الاعتداد بالغبن في القانون المدني الأردني

حالات الاعتداد بالغبن في القانون المدني الأردني

عني المشرع بالعقود بصفة عامة، وخاصة العقود التي من شأنها التأثير في حياة الناس كعقد البيع ولما يترتب عليه من نقل ملكية، وحرصا منه على صحة انعقاد هذه العقود أكد على ضرورة احترام إرادة المتعاقدين، بأن يكون الرضا خاليا من أي عيوب.

ولقد تنوعت صور عيوب الرضا، منها الغلط والإكراه والتدليس والاستغلال والغبن، ونص عليها المشرع وبين حالاتها وما يترتب عليها من آثار تمس أصل العقد وتؤثر على وجوده.

أولا: مفهوم الغبن

ثانيا: ارتباط الغبن مع التغرير

ثالثا: شروط فسخ العقد للغبن

رابعا: أنواع الغبن

خامسا: حالات سقوط الحق في الفسخ للغبن الفاحش المصحوب بتغرير

سادسا: أحكام محكمة التمييز

 

أولا: مفهوم الغبن

يمكن تعريف الغبن بأنه استعمال أحد المتعاقدين وسائل من شأنها جعل المتعاقد الآخر يبالغ في التزاماته المترتبة على العقد تجاه الآخر بما لا يكون معادلا لحقوقه الناتجة عن هذا الالتزام، بأنه جعله بأفعاله يقوم بدفع ثمنا أعلى ولا يتناسب مع ما استلمه من بضاعة بموجب هذا العقد.

ولقد عرف البعض الغبن بأنه” عدم التعادل بين الأداءات المتقابلة، بين ما يعطي الشخص وما يأخذ بين المنافع أو التضحيات التي اتفق عليها الطرفان في العقد، بحيث يكون ما يأخذه أحدهما أقل مما يعطيه وبحيث يختل التوازن الذي يضعه المتعاقدان عادة موضع الاعتبار”([1]).

ثانيا: ارتباط الغبن مع التغرير

عندما قرر المشرع الأردني، الحديث عن الغبن ربطه مع التغرير وجعلهما سببين مجتمعين لفسخ العقد، حيث منح المتعاقد المغبون الحق في فسخ العقد، وذلك بشرط أن يكون الغبن فاحشا.

وعرف المشرع الأردني التغرير والغبن في المادة \143 من القانون المدني بأنه” هو أن يخدع أحد المتعاقدين الآخر بوسائل احتيالية قولية تحمله على الرضا بما لم يكن ليرضى به بغيرها”.

وهو ما نص عليه المشرع الأردني في المادة\ 145 من القانون المدني الأردني على أنه” إذا غرر أحد المتعاقدين بالآخر وتحقق أن العقد تم بغبن فاحش كان لمن غرر به فسخ العقد”.

ثالثا: شروط فسخ العقد للغبن

 

1- أن يقترن الغبن بالتغرير

ربط المشرع الأردني الغرر بالغبن وذلك كي يمنح المتعاقد المغبون الحق في فسخ العقد واشترط المشرع لفسخ العقد أن يرتبط بذلك الغبن تغرير للمتعاقد الآخر، فلا يمكن أن يفسخ العقد بدون تغرير إلا في حالات معينة وهي:

أ- مال المحجور

ب- مال الوقف

ج- أموال الدولة

وهو ما نصت عليه المادة \149 من القانون المدني الأردني على أنه” لا يفسخ العقد بالغبن الفاحش بلا تغرير إلا في مال المحجور ومال الوقف وأموال الدولة”.

2– أن يكون الغبن فاحشا

اشترط المشرع الأردني لفسخ التعاقد أن يقترن التغرير بالغبين الفاحش، وهو ما نص عليه المشرع الأردني في المادة \ 145من القانون المدني على أنه” إذا غرر أحد المتعاقدين بالآخر وتحقق أن العقد تم بغبن فاحش كان لمن غرر به فسخ العقد”.

ولقد عرف المشرع الأردني في المادة \146الغبن الفاحش على أنه” الغبن الفاحش في العقار وغيره هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين”.

3– أن يصدر التغرير عن أحد المتعاقدين

بطبيعة الحال يشترط أن يكون التغرير صادرا من أحد المتعاقدين كي يكون من حقه فسخ العقد.

وشدد المشرع في اعتبار التغرير، فاعتبر السكوت عمدا من المتعاقد الآخر عن واقعة معينة وهو يعلمها تغريرا إذا ثبت أن المغرور ما كان ليبرم العقد لو كان قد علم بذلك.

وهو ما نصت عليه المادة \144 على أنه” يعتبر السكوت عمدا عن واقعة أو ملابسة تغريرا إذا ثبت أن المغرور ما كان ليبرم العقد لو علم بتلك الواقعة أو هذه الملابسة “.

4– علم المتعاقد الآخر بالتغرير وقت العقد

بطبيعة الحال يشترط أن يكون التغرير من أحد المتعاقدين، ولكن قد يحدث أن يصدر التغرير من غير المتعاقدين ففي هذه الحالة وجب على المغرر به إثبات أن المتعاقد الآخر كان يعلم بالتغرير وقت العقد، ففي هذه الحالة يحق له فسخ العقد.

وهو ما نصت عليه المادة \148 على أنه” إذا صدر التغرير من غير المتعاقدين وأثبت المغرور أن المتعاقد الآخر كان يعلم بالتغرير وقت العقد جاز له فسخه”.

رابعا: أنواع الغبن

وبالتمعن في نصوص القانون المدني الأردني (المادة\ 147،146) نجد أن المشرع الأردني قد قسم الغبن إلى نوعين هما: الغبن الفاحش والغبن اليسير

إذ نصت المادة\ 146 على أنه” الغبن الفاحش في العقار وغيره هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين”.

ونصت المادة\ 147 غلى أنه” إذا أصاب الغبن ولو كان يسيرا كال المحجور عليه للدين أو المريض مرض الموت وكان دينهما مستغرقا لما لهما كان العقد موقوفا على رفع الغبن أو إجازته من الدائنين وإلا بطل”.

ويتضح من نص المادة \146 أن المشرع الأردني قد اخذ بمعيار تقويم المقومين في التفرقة بين الغبن اليسير والغبن الفاحش، أي تقدير الخبراء.

1– الغبن اليسير

وعلى اعتبار أن الغبن الفاحش هو مالا يدخل تحت تقويم المقومين، فان الغبن اليسير هو ما يدخل في تقدير المقومين لشيء محل العقد.

ولا يؤثر الغبن اليسير على رضا المتعاقد، إذ أنه نادرا أن يخلو عقد من الغبن اليسر، إلا أن المشرع الأردني قد استثنى حالتين من ذلك، فيهما يؤثر الغبن على رضا المتعاقد وهما:

 

أ- المحجور عليه للدين

ب- المريض مرض الموت

بشرط أن يكون دينهما مستغرقا لما لهما، ففي هاتين الحالتين يشترط رفع الغبن أو إجازته من الدائنين وإلا بطل العقد. وهو ما نصت عليه المادة \147 على أنه” إذا أصاب الغبن ولو كان يسيرا مال المحجور عليه للدين أو المريض مرض الموت وكان دينهما مستغرقا لهما كان العقد موقوفا على رفع الغبن أو إجازته من الدائنين وإلا بطل”.

2– الغبن الفاحش

ولقد عرفته المادة \146من القانون المدني على أنه” الغبن الفاحش في العقار وغيره هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين”.

أما تأثير الغبن الفاحش على العقد فهناك حالتين:

الأولى: إذا كان قد صدر من المتعاقد ما يفيد الغبن الفاحش وكان معه تغرير أثر على العقد وأصبح عقدا فاسدا ([2]).

الثانية: أما إذا قد صدر من المتعاقد ما يفيد الغبن ولم يكن معه تغرير فلا أثر له على العقد، ولكنه يكون له تأثير على العقد في حالتين هما:

أ- إذا كان التصرف قد تناول مال المحجور عليه بسبب الصغر أو الجنون أو السفه.

ب- أو كان التصرف قد تناول مال الوقف أو مالا من أموال الدولة.

وهو ما نصت عليه المادة \149 على أنه” لا يفسخ العقد بالغبن الفاحش بلا تغرير إلا في مال المحجور ومال الوقف وأموال الدولة”.

خامسا: حالات سقوط الحق في الفسخ للغبن الفاحش المصحوب بتغرير

ولقد نص المشرع الأردني في المادة \150 من القانون المدني على أنه” يسقط الحق في الفسخ بالتغرير والغبن الفاحش ويلزم العقد بموت من له الحق في الفسخ وبالتصرف في المعقود عليه كله أو بعضه تصرفا يتضمن الإجازة وبهلاكه عنده واستهلاكه وتعيبه وزيادته”.

وبالتمعن في هذا النص يتضح لنا أنه يلزم توافر شرطين لسقوط الحق في الفسخ للغبن الفاحش والمصحوب بالتغرير ثلاثة شروط:

أ- موت المغرور

ويعد موت المغرور أو من له الحق في الفسخ، سببا من أسباب سقوط الحق في طلب الفسخ.

ب- الإجازة الضمنية

ويفهم ذلك من النص السابق، ويقصد بالإجازة سماح المتعاقد وقبوله بالغبن الفاحش المصحوب بالتغرير الواقع عليه والتي قد تكون إجازة صريحة أو ضمنية. والإجازة الضمنية هي التي يستدل عليها من خلال تصرف المغرور في محل العقد كله أو بعضه في الوقت الذي يعلم فيه وقت التصرف بالغبن الفاحش والعيب اللاحق بالعقد ويستفاد منه قبوله بذلك وإجازته له.

ج- عدم إمكانية إعادة الحالة إلى ما كانت عليه قبل التعاقد

من الطبيعي أنه يترتب على مجرد فسخ العقد أن يعود المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها وقت التعاقد. فيسقط حق المغرور في فسخ العقد إذا استحال على المغرور المصحوب بالغبن الفاحش إعادة المعقود عليه للطرف الآخر بالحالة التي كانت عليها وقت التعاقد.

  • مدة سقوط الحق في العقد

لم يحدد المشرع الأردني مدة زمنية معينه يحق للمغرور أن يطلب فسخ العقد فيها، وإنما فعل ذلك المشرع المصري عندما نص في المادة \ 140 من القانون المدني على أنه” 1- يسقط الحق في إبطال العقد إذا لم يتمسك به صاحبه خلال ثلاث سنوات 2- ويبدأ سريان هذه المدة في حالة نقص الأهلية من اليوم الذي يزول فيه هذا السبب وفي حالة الغلط أو التدليس من اليوم الذي ينكشف فيه وفي حالة الإكراه في يوم انقطاعه، وفي كل حل لا يجوز التمسك بحق الإبطال لغلط أو تدليس أو إكراه إذا انقضت خمس عشرة سنة من وقت تمام العقد”.

سادسا: أحكام محكمة التمييز

1- قضت محكمة التمييز في حكم لها برقم \ 725لسنة2014، جلسة 16\7\2014بأن” وحيث أن المستدعية تستند في دعواها إلى أحكام التغرير والغبن الفاحش وتطلب بتعويضها عن الغبن الفاحش الذي لحق بها وهو المبلغ المدعى به.  وحيث أن محكمة الاستئناف قد توصلت إلى أن المدعية لا تستطيع التمسك بالعقد المعيب بعيب التغرير مع الغبن والمطالبة بالتعويض عنه لاختلاف أساس المطالبة بينهما وعلى سند القول: أن حق المستأنفة بالتعويض عن الضرر الذي لحقهما بالاستناد إلى قواعد المسؤولية التقصيرية بموجب المادة 259 من القانون المدني الذي تدعيه لا ينشأ إلا بعد ثبوت التغرير مع الغبن الفاحش للمحكمة وبعد أن يكون قد حكم بفسخ العقد.

وعلى ذلك فإنه ومن المادة 145 من القانون المدني نجد أنه لم يرد فيها ما يمنع صاحب خيار العيب أن يطالب العاقد الآخر بالفرق بين ما أعطاه للعاقد الآخر وبين ما حصل عليه مثلما له أن يطالب بفسخ العقد وأن محكمة الاستئناف قد حملت النص مالا يحتمل. وأن المادة 198 من القانون ذاته قد أعطت لصاحب خيار العيب أيضا إمساك المعقود عليه والرجوع بنقصان الثمن وكذلك تأييد هذا بنص المادة 259 من القانون ذاته والتي جاء فيها (إذا غر أحد آخر ضمن الضرر المترتب على ذلك الضرر).

ولم يرد في أن نص هذه المادة ما يشير إلى ما توصل إليه محكمة الاستئناف من أن حق المدعية (المميزة) بالتعويض عن الضرر الذي لحق بها لا ينشأ إلا بعد ثبوت التغرير مع الغبن الفاحش للمحكمة وبعد أن يكون قد حكم بفسخ العقد حيث إن المحكمة المذكورة قد حملت النص مالا يحتمله وجاء نص المادة المذكورة واضحاً من حيث إن استحقاق من غر ربه من ضمن الضرر المترتب على ذلك الغرر. وعلى ذلك فإن قرار محكمة الاستئناف المطعون فيه دون ما جاء بهذه المواد بشكل سليم ووفق نصوصها دون تحميلها مالا تحتمل فيكون القرار في غير محله.

2- وقضت محكمة التمييز فيحكم آخر برقم \ 1079لسنة 2015، جلسة 18\6\2015بأن” ” حيث نصت المادة (144) من القانون المدني اعتبرت أن التغرير بالكتمان تغريراً والمادة (145) من القانون ذاته قد رتبت على التغرير بالص على جزاء الغبن الفاحش إذ نجم عن تغرير وهو إعطاء المتعاقد المغرور به الحق في فسخ العقد وحيث أن الدعوى في أسبابها استندت على طلب فسخ عقد الوكالة لأن هذا العقد شابه عيب عدم صحة الرضا لوقوع المدعي تحت تأثير الاحتيال والتغرير من جانب المدعى عليه كما ورد بلائحة الدعوى وحيث أن المدعي أسس دعواه على فسخ عقد الوكالة للتغرير الذي لم البينات ما يثبت وقوعه وعليه يكون قرار محكمة الاستئناف واقع في محله .“

 

كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

([1]) د. وفيق حسن فرج، نظرية الاستغلال في القانون المدني، ط1957، ص1.

([2]) د. أنور سلطان، مرجع سابق، ص85.

Scroll to Top