طرق التزوير الإلكتروني المادية والمعنوية

طرق التزوير الإلكتروني المادية والمعنوية

لم تعد الجرائم الإلكترونية محدودة ومقصورة على نوع معين من الجرائم، أو على فئة محددة من البشر، ولكنها باتت متعددة الأنواع ولا يسلم أحد من التعرض لإحداها، ولم تعد أضرارها تقتصر على الأفراد فقط، بل تعدت ذلك لتصبح خطراً يهدد دولاً في اقتصاداتها أو أمنها وسلامتها، فباتت تلك الجرائم تؤرق المجتمع الدولي بشكل كبير، ولعل من أهم وأخطر الجرائم الإلكترونية وأكثرها تحققاً على أرض الواقع هي جرائم التزوير الإلكتروني، لاسيما وأنها الجريمة الإلكترونية التي تثير إشكاليات قانونية متعددة، منها صعوبة تحديد القانون الذي تخضع له تلك الجريمة متى ارتكبت في أكثر من دولة، علاوة على صعوبة تحديد زمن ووقيت وقوعها، وغيرها من الإشكاليات القانونية الأخرى التي تثيرها تلك الجرائم.

وسيكون هذا المقال مخصصاً للتعريف بالتزوير الإلكتروني، وتوضيح ما إذا كان يخضع في تحققه لذات الطرق التي يتحقق بها التزوير كجريمة تقليدية أم لا، فمن المتعارف عليه أن التزوير التقليدي يتم من خلال طرق مادية وأخرى معنوية، فهل تنطبق ذات الطرق على التزوير الإلكتروني؟ أم أن الاختلاف بين طبيعة كل منهما يجعل للتزوير الإلكتروني طرق مستقلة؟ وغيرها من الأسئلة التي سيكون موضوع هذا المقال متضمناً الإجابة عليها.

 

أولاً: المقصود بالتزوير الإلكتروني

ثانياً: الكيفية التي يتم بها التزوير

ثالثاً: نموذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

رابعاً: الخاتمة

 

أولاً: المقصود بالتزوير الإلكتروني

1- تعريف التزوير في اللغة

بالعودة إلى معاجم اللغة العربية وبالبحث عن أصل لفظ “التزوير”، تبين أنه يجد أصله في الفعل “زور”، ويقصد به الكذب ومخالفة الحقيقة، والتزوير هو تغيير الحقيقة بتحريفها، والتغيير في شكله وقوامه[1]، وكما سنجد فإن المفهوم القانوني للتزوير لا يخرج أيضاً عن المفهوم اللغوي له، فهو يدور أيضاً حول تحريف وتغيير الحقيقة.

2- تعريف التزوير في القانون

لم تختلق التعاريف الفقهية التي وضعها فقهاء القانون الجنائي للتزوير كثيراً، فهي كانت تدور في فلك ذات المضمون، والذي يخلص إلى أن التزوير هو أي تحوير أو تغيير أو إخفاء للحقيقة في محرر، ويكون ارتكابه مرتبطاً بنية الغش، ويتم من خلال إحدى الطرق المقررة قانوناً، ويترتب عليه ضرراً يصيب الغير[2].

وهناك جانب من الفقه أورد ذات التعريف للتزوير، ولكنه أضاف له جزئية أخرى ليعد التزوير جريمة، وتتمثل تلك الجزئية المضافة في أن ما يتم من تحوير وتغيير لحقيقة المحرر يكون بغرض استخدامه في الغرض الذي من إعداده من أجله، ولكن المشرع الأردني قد فصل بين جريمة تزوير المحرر وبين جريمة استخدامه، حيث جعل كل منهما جريمة مستقلة، بحيث يعاقب المزور على جريمة التزوير، ويعاقب مستخدم المحرر المزور على جريمة استعماله، في حين أن من يرتكب جريمتي تزوير المحرر واستخدامه يعد مرتكباً لجريمتين وليس لجريمة واحدة.

وقد تصدى المشرع الأردني لتعريف التزوير بوجه عام في نص المادة (260) من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وفقاً لآخر تعديلاته، حيث عرف التزوير فيها بأنه (هو تحريف مفتعل للحقيقة في الوقائع والبيانات التي يراد إثباتها بصك أو مخطوط أو بيانات نظام معلومات رسمي يحتج بها نجم أو يمكن أن ينجم عنه ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي)، وهو تعريف لا يبتعد كثيراً عن دائرة التعريف اللغوي والفقهي للتزوير.

3- تعريف التزوير الإلكتروني

إذا ما تم التغيير في حقيقة المحررات الإلكترونية فإن ذلك يعد بمثابة تزوير إلكتروني، لاسيما وأن جريمة التزوير التقليدية لا تختلف عن جريمة التزوير الإلكترونية إلا في محل الجريمة، فمحل جريمة التزوير التقليدية هو المحررات المكتوبة، بينما محل جريمة التزوير الإلكتروني هي المحررات المستخرجة من الحواسب الآلية ونظم البيانات والمعلومات، والتي قد تكون الدعامة الموجودة عليها أوراق أو أقراص مرنة أو أسطوانات مدمجة أو غيرها من الدعامات الأخرى التي يوجد عليها المحرر الإلكتروني.

وقد عرف الفقه القانوني التزوير الإلكتروني على أنه التزوير الذي يستهدف ما تحمله ذاكرة الحاسب من مستندات ومعلومات وبيانات، بحيث يتم تغيير المعلومات التي تتضمنها بمعلومات أخرى مخالفة لها[3].

كما عرف أيضاً بأنه تغيير الحقائق الواردة في مخرج من مخرجات الحاسب الآلي، بغض النظر عما إذا كانت تلك المخرجات مطبوعة في شكل ورقي يتضمن كتابة، أو كانت تتضمن رسوماً لها دلالتها ومعناها، وسواء كانت محررة باللغة العربية أو غيرها من اللغات الأخرى التي يكون لها مدلولها ومعناها، ويكون المحرر الإلكتروني محل التزوير له أثر في إثبات أي حق من الحقوق[4].

وعرف التزوير الإلكتروني كذلك بأنه التغيير في حقيقة مستند من المستندات المعالجة آلياً أو من المستندات المعلوماتية، والذي يتم من أجل استعمال هذه المحررات بعد تغيير ما تحمله من حقيقة.

ومن مجمل هذه التعاريف يتضح أنها وإن اتفقت على مضمون فعل التزوير ذاته، إلا أن بعض منها تطلب أن يكون التزوير الإلكتروني بغرض ونية الاستخدام للمحرر الإلكتروني المزور حتى يتم التجريم لفعل التزوير، في حين اعتبر البعض الآخر أن التزوير الإلكتروني هو فعل مجرم بذاته.

ثانياً: الكيفية التي يتم بها التزوير

يتم إدخال التزوير بوجه عام والإلكتروني بوجه خاص في أحد صورتين، فهو إما يتم في صورة تزوير مادي، وإما أن يتم في صورة تزوير معنوي، وسوف نتناول كل من هاتين الصورتين بشكل مستقل.

1- التزوير المادي

عرف الفقه القانوني التزوير المادي بأنه التزوير الذي يتم بواسطة أداة مادية، ويتخلف عن تلك الأداة أثراً ملموساً في المحرر محل التزوير، بحيث يمكن أن يتم تبينها سواء بالعين المجردة أو بواسطة أهل الخبرة، ومن أبرز طرق التزوير المادي وأكثرها شيوعاً الإضافة والكشط، والتي قد تصل إلى أن يقوم الجاني بتزوير المحرر بأكمله بما يعرف بمسمى “الاصطناع”.

وقد حدد المشرع الأردني بنص المادة (262) من قانون العقوبات الأردني الصور التي يتم بموجبها إدخال التزوير المادي على المحررات، وسوف نتعرض إلى تلك الصور في النقاط التالية.

أ- تذييل المحرر بتوقيع أو ختم أو بصمة مصطنعة

يقصد بهذه الصورة ما يقوم به مرتكب جريمة التزوير من وضع توقيع أو ختم أو بصمة على محرر ليتم نسب هذا المحرر إلى شخص من الغير لا علاقة له به، والتوقيع يقصد به كتابة اسم شخص آخر على المحرر، أما البصمة فهي تؤدي ذات الدور الذي يؤديه التوقيع ولكنها تخص من لا يجيد الكتابة حيث يستبدل توقيعه ببصمة إصبعه، في حين أن الختم يكون إما مقلداً وإما حقيقياً تم اختلاسه من صاحبه وتذييل محرر به لنسبته إلى صاحب الختم.

وفي جريمة التزوير التقليدية يكون ذلك بتقليد توقيع لشخص آخر، أو وضع ختم أو بصمة على المحرر يتم الزعم بكونها تخص شخص آخر حتى يمكن نسبة المحرر إليه، فيكون توقيع الجاني على المحرر باسم المجني عليه أو ختم أو بصمة إصبع يتم الزعم بكونها تخص المجني عليه.

وفي جرائم التزوير الإلكتروني فإن تذييل المحرر الإلكتروني بتوقيع أو ختم أو بصمة مصطنعة يتم بالعديد من الطرق أبرزها:

  • أن يقوم الجاني بالحصول على صورة التوقيع أو البصمة أو الختم من مستند آخر، ويقوم بمعالجتها على برامج الفوتوشوب المختلفة، ليتمكن من وضعه على المحرر الإلكتروني المراد نسبته إلى المجني عليه.
  • قيام الجاني بإبرام صفقات وهمية أياً كان نوعها عبر شبكة الإنترنت، واستخدام أسماء أو هويات وهمية في إبرام تلك الصفقات، بحيث لا تنسب إلى القائم بها – الجاني – ولكنها تنسب إلى أشخاص آخرين يمثل كل منهم مجني عليه في جريمة التزوير الإلكتروني.

  • استخدام الماسح الضوئي لنقل التوقيع أو الختم أو البصمة كصورة على شاشة الحاسب، ثم وضع تلك الصورة على المستند المراد نسبته إلى صاحب التوقيع أو الختم أو البصمة.

ونود أن ننوه إلى أن التزوير الإلكتروني للتوقيع يختلف عن نظيره التقليدي، ففي الأخير يكون هذا التوقيع مقلداً يختلف عن التوقيع الأصلي الخاص بصاحبه، وتتضح تلك الاختلافات متى تمت عملية المضاهاة بين الأصلي والمقلد، في حين أن تزوير التوقيع الإلكتروني يعد مطابقاً بشكل كامل للتوقيع الأصلي، وذلك متى كان الجاني قد تمكن من تهكير النظام الإلكتروني الخاص بالمجني عليه، وحصل منه على التوقيع الإلكتروني الخاص به، فيكون التوقيع المقلد كما لو كان صادراً من صاحبه، إلا أنه لا يعد توقيعها قانونياً للحصول عليه ضد إرادة ورغبة صاحبه[5].

ب- التغيير في مضمون المحرر الإلكتروني أو نظام معلومات رسمي

المقصود بالتغيير هنا هو التعديل في المضمون الذي يحتويه المحرر ذاته، فنحن بتلك الصورة قد انتقلنا من التوقيع على المحرر إلى مضمون المحرر ذاته، وقد أضفنا نظام المعلومات الرسمي باعتباره كالمحرر الإلكتروني يقع كمحل لجريمة التزوير نظراً لتجريم ارتكاب جريمة التزوير عليه بموجب التعديلات الأخيرة التي أدخلها المشرع الأردني على قانون العقوبات، والتي نرى وجاهتها خاصة في إضافة نظم المعلومات الرسمية لمحل جرائم التزوير، لاسيما وأن المحرر الإلكتروني هو في أصله معلومة توجد في نظام المعلومات، فيمكن أن يقع عليه التزوير المادي قبل طباعته، بحيث تنصب جريمة التزوير على المعلومات الموجودة داخل نظام المعلومات، وهو ما يضعه في نفس مرتبة المحرر الإلكتروني في جريمة التزوير.

ويتم التغيير في مضمون المحرر الإلكتروني أو نظام المعلومات الرسمي بطريقتين رئيسيتين حددهما المشرع بنص المادة (262/1) من قانون العقوبات، وهاتين الطريقتين هما:

  • التغيير بالحذف: ويقصد بالحذف هنا هو إزالة حرف أو كلمة أو رقم أو معلومة من نظام المعلومات الرسمي، أو إزالة أي شيء يمكن أن يغير من مضمون المحرر أو المعلومات ويغير من الدلالة التي وضع من أجلها، ويمكن الاستدلال على الحذف من خلال وكود كشط أو شطب أو مساحات بيضاء واسعة في أماكن معينة من المحرر الإلكتروني، أو نقص في معلومات يتضمنها نظام معلومات رسمي لا يفترض به أن يخلو منها.
  • التغيير بالإضافة: ويقصد بالإضافة هنا أن يتم زيادة حرف أو كلمة أو رمز أو معلومة من المحرر الإلكتروني أو نظام المعلومات الرسمي، بحيث يتغير معه مضمون ودلالة المحرر الإلكتروني أو نظام المعلومات الرسمي ومخرجاته، ويمكن الاستدلال على فعل الإضافة من بعض الدلالات كوجود تحشير في الكلمات والعبارات والمسافات الموجودة بمضمون المحرر، أو إضافة معلومات زائدة في نظام المعلومات الرسمي الذي لا يجدر به أن يتضمنها، وذلك بما يؤثر على مضمونه ومضمون مخرجاته ودلالة كلاً منهما.

ونود أن نوضح أن شرط اعتبار هذا التغيير سواء كان بالحذف أو الإضافة تغييراً يشكل جريمة التزوير هو أن يكون قد تم دون علم وموافقة أصحاب الشأن، والذي يكونون دوماً هم من ينسب إليهم المحرر الإلكتروني أو نظام المعلومات الرسمي، أما إذا كان التغيير قد تم بعلمهم وموافقتهم، فإن هذا التغيير يخرج من نطاق التجريم.

والتغيير في جريمة التزوير الإلكتروني يكون أكثر سهولة منه في التزوير التقليدي، خاصة وأن إجراء التغيير فيه لا يقتضي سوى التعديل على مضمون المحرر بإضافة أو حذف أياً من محتوياته التي يتغير معها مضمونه ودلالته، فيكون كما لو كان هو الأصل في ظاهره، بينما يكمن التزوير في مضمونه.

ج- اصطناع المحرر الإلكتروني

الاصطناع كما سبق وأن أشرنا هو قيام الجاني بإنشاء محرر لم يكن له وجود مسبق، ونسبة هذا المحرر إلى شخص آخر خلاف من قام بإنشائه، ويتم ذلك في إطار التزوير الإلكتروني بطريقة مختلفة عنها في التزوير التقليدي، ففي الأخير يكون الاصطناع بالكتابة أو الطباعة المباشرة التي يقوم بها الجاني بعيداً عن المجني عليه، ثم بعد الانتهاء منه يقوم بنسبته إلى المجني عليه، بينما في إطار الاصطناع في التزوير الإلكتروني فهو يتم بشكل إلكتروني خاص يتم على عدة خطوات، تبدأ بقيام الجاني بالوصول إلى نظام المعلومات الخاص بالمجني عليه، ثم يضيف ما يريده من معلومات وبيانات تمثل المضمون والمحتوى المراد تزويره، ثم إعادة استخراج تلك البيانات والمعلومات من نظام المعلومات في شكل مطبوع ينسب إلى صاحب هذا النظام وهو المجني عليه.

2- التزوير المعنوي

يقصد بالتزوير المعنوي التزوير الذي يمس بمغزى المحرر ومضمونه دون مادياته، ويكون معاصراً لإنشاء المحرر، ويكون من الصعب إثباته لكونه لا يخلف أي آثار مادية يمكن ملاحظتها.

وقد نظم المشرع الأردني طرق التزوير المعنوي في المادة (263) من قانون العقوبات، والتي نصت على أن (يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة السابقة: 1- الموظف الذي ينظم سندا من اختصاصه فيحدث تشويشا في موضوعه أو ظروفه إما بإساءته استعمال إمضاء على بياض اؤتمن عليه، أو بتدوينه عقودا أو أقوالا غير التي صدرت عن المتعاقدين، أو التي املوها، أو بإثباته وقائع كاذبة على أنها صحيحة أو وقائع غير معترف بها على أنها معترف بها أو بتحريفه أية واقعة اخرى بإغفاله امرا أو إيراده على وجه غير صحيح. 2- الموظف الذي يكون في عهدته الفعلية سجل أو نظام معلومات رسمي او ضبط محفوظ بتفويض قانوني ويسمح عن علم منه بإدخال قيد فيه يتعلق بمسالة جوهرية مع علمه بعدم صحة ذلك القيد).

ونلاحظ من هذا النص أن المشرع قرر بعض طرق التزوير المعنوي التي تنطبق على المحررات الإلكترونية دون نظم المعلومات الرسمية وذلك في الفقرة (1) من المادة المذكورة، كما قرر بعض الطرق التي تسري على نظم المعلومات الرسمية دون المحررات الإلكترونية وذلك في الفقرة (2) من ذات المادة.

أ- طرق التزوير المعنوي في المحرر الإلكتروني

أورد المشرع الأردني عدة طرق اعتبرها هي طرق التزوير المعنوي في المحررات التقليدية والإلكترونية، وقرر أنها في مجملها تتفق في نتيجتها المتمثلة في تشويش موضوع المحرر، وتتمثل تلك الطرق فيما يلي.

a– إساءة استخدام إمضاء أو توقيع على بياض اؤتمن عليه

تتمثل تلك الطريقة في أن يكون الجاني قد تحصل من المجني عليه على محرر موقع من الأخير على بياض، ويكون المجني عليه قد ائتمن الجاني في أن يقوم بملء البيانات المطلوبة بهذا المحرر، فيقوم الجاني يضع بيانات وفقاً لأهوائه ولا تتفق مع البيانات الذي أراد المجني عليه وضعها في المحرر.

وقد بات ارتكاب هذه الطريقة في التزوير الإلكتروني شائعة، لاسيما بعد أن أصبحت الخدمات الحكومية تتم إلكترونياً عن طريق الشبكة المعلوماتية، فيمكن أن يقوم الشخص بوضع توقيعه الإلكتروني على طلب إلكتروني ما، ثم يقوم بإرساله إلى الموظف بتلك الجهة ليملأ بيانات هذا الطلب، فيقوم الموظف – الجاني – بوضع بيانات أخرى تخالف البيانات التي يفترض به وضعها في الطلب، فيعد التزوير هنا معنوياً لأنه لم يخلف أي أثر مادي ملموس، ويعتقد من يطالع الطلب أن المجني عليه قد ملأه بالبيانات الموجودة به ثم وقعه.

b– تدوين عقود أو أقوال تخالف ما صدر عن أصحابها

تتم تلك الطريقة من طرق التزوير المعنوي من قبل الجاني في ظل عدم قدرة المجني عليه على متابعة ما يقوم بتحريره من بيانات، ويكون الجاني هنا هو موظف تكون وظيفته هي دوين تلك البيانات، فيقوم بتدوين بيانات تخالف في مضمونها ما قصد أصحاب الشأن تدوينه، ويتغير بذلك مضمون المحرر تماماً.

ويمكن تزوير المحرر الإلكتروني معنوياً من خلال اللجوء إلى تلك الطريقة، كما هو الحال في التواصل إلكترونياً مع الموظف المختص بإصدار التوكيلات الرسمية، ويتم إرسال التوكيل من الموظف للشخص الراغب في تحريره متضمناً صلاحيات للوكيل تخالف ما رغب الموكل في منحه له من صلاحيات حررها الموظف متعمداً، فيقوم المجني عليه بالتوقيع على التوكيل إلكترونياً وإعادة إرساله، فيتم توثيقه بالصورة التي تخالف رغبته.

c– إثبات وقائع كاذبة أو غير معترف بها على أنها صحيحة ومعترف بها

وفي تلك الصورة من صور التزوير المعنوي فإن التزوير ينصب على التغيير في واقعة ما وجعلها في صورة واقعة صحيحة أو معترف بتحققها، في حين تكون حقيقتها هي أنها واقعة كاذبة وغير معترف بها، والأمثلة على ذلك في مجال التزوير الإلكتروني متعددة وكثيرة، خاصة وأن مخرجات الحاسب الآلي أصبحت في عصرنا الحالي هي البديل للمعاملات الورقية.

ومن الأمثلة على ذلك أن يتم ذكر اعترافات أو إقرارات في المحرر الإلكتروني لم ترد من أصحابها، كما هو الحال عندما يتم تحرير عقد بيع أمام الموظف المختص، ويذكر له أن الثمن مسدد منه جزء ومؤجل منه جزء، فيقوم الموظف بتحرير العقد إلكترونياً ويضمنه ما يفيد أن المشتري قد قام بقبض كامل الثمن، ويتم التوقيع عليه على حالته المخالفة للحقيقة.

ب- طرق التزوير المعنوي في نظم المعلومات الرسمية

يتم التزوير المعنوي في نظم المعلومات الرسمية وفقاً لما نص عليه المشرع عن طريق الموظف القائم على هذا النظام، والذي يكون هذا النظام في عهدته بموجب تفويض قانوني، ويقوم بإدخال بيان أو معلومة أو قيد يتعلق بأمر جوهري وهو على علم بأن المعلومة أو البيان أو القيد غير صحيح.

وتمثل تلك الطريقة من طرق التزوير وجه من أوجه خيانة الثقة التي يقوم بها الموظف الذي يوضع في عهدته نظام معلومات، فيقوم بالتلاعب في المعلومات الموجودة به سواء بنفسه أو بتسهيل ذلك للغير، فيترتب عليه أن تكون محتويات النظام المعلوماتي ومخرجات هذا النظام مشوبة بالتزوير المعنوي، لاسيما وأن هذا النوع من التزوير لا يخلف أثراً مادياً، مما يجعله من طرق التزوير المعنوي، والذي تتغير فيه حقيقة المعلومات الموجودة في نظام المعلومات الرسمي.

ثالثاً: نموذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

  • حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية رقم 1194 لسنة 2022 والصادر بجلسة 29/6/2022، والمتضمن أنه (التزوير المادي هو التزوير الذي يدرك بصورة مادية ملموسة والتزوير قد يقع على محرر رسمي كما يقع على محرر عرفي أو خلق محرر رسمي، كما قد يقع على محرر عرفي أو خلق محرر على غير مثال سابق. أما التزوير المعنوي فهو يتضمن تغيير الحقيقة ومن صور التزوير المعنوي جعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة وقد يقع حال تحرير ورقة رسمية بواسطة موظف عمومي كما قد يقع من غير الموظف إذا حرر وقائع كاذبة للموظف ويقع أخيراً في ورقة عرفية).

رابعاً: الخاتمة

يعد التزوير الإلكتروني بصورتيه المادية والمعنوية صورة مشابهة مع التزوير التقليدي في المحررات العادية، إلا أن اختلاف طبيعة وبيئة كل من المحررين هي التي تفرز الاختلافات بينهما في وسائل وأدوات التزوير وظروفه، ولكن يمكننا القول بأن القواعد العامة للتزوير التي تطبق على المحررات العادية يمكن أن يتم تطبيقها على المحررات الإلكترونية مع مراعاة تلك الاختلافات.  

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – مجمع اللغة العربية – المعجم الوجيز – مصر – 2001 – ص296.

[2] – هشام رستم – قانون العقوبات ومخاطر تقنية المعلومات – مكتبة الآلات الحديثة – مصر – 1994 – ص323.

[3] – عبد الله بن مسعود فاعلية الأساليب المستخدمة في إثبات جريمة التزوير الإلكتروني – ط1 – جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية – المملكة العربية السعودية – 2011 – ص6.

[4] – عبد الفتاح حجازي – الدليل الجنائي والتزوير في جرائم الكمبيوتر والإنترنت – دار الكتب القانونية – مصر – 2002 – ص170.

[5] – منير الجنبيهي وممدوح الجنبيهي – التوقيع الإلكتروني وحجيته في الإثبات – دار الفكر الجامعي – مصر – 2005 – ص22.

Scroll to Top