مسئولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية
من البديهي أن الدولة تفصل بين سلطاتها الثلاث بحيث لا تتصارع واحده مع الأخرى، ولا تتدخل سلطة في شئون الأخرى، وتتمتع السلطة القضائية بالاستقلال عن الدولة من الناحية القضائية أو تطبيق القانون.
ولقد عملت الدولة على تأكيد ذلك فمنحتها سلطات واسعة بحيث لا يتدخل أحد في أعمال سلطته، ذلك أن تحقيق العدالة يستوجب أن تكون الأحكام الصادرة منها بحيادية تامة.
كما يقتضي تحقيق العدالة عدم التدخل في أعمال القضاء وذلك استنادا إلى مبدأ حجية الأحكام أو قوة الشيء المقضي به، وعدم مسائلتهم عن أخطائهم الناتجة عن ممارستهم لأعمالهم وذلك تحقيقا وضمانا لحسن أدائهم لأعمالهم.
أولا: مفهوم العمل القضائي ومسئولية الدولة
ثانيا: سيادة الدولة ومسئولية الدولة
ثالثا: أوجه الأخطاء في حق السلطة القضائية
أولا: مفهوم العمل القضائي ومسئولية الدولة
1- العمل القضائي
يمكن تعريفه بأنه العمل الذي يقوم به عضو ينتمي إلى السلطة القضائية، على أن يكون هذا العمل في نطاق القانون.
وعرفه البعض الآخر بأنه” تقرير قانوني يؤديه باسم الدولة عضو مستقل محايد وفي نطاق إجراءات خاصة تعرف بالإجراءات القضائية ولهذا التقرير قوة الحقيقة القانونية”([1]).
ثانيا: سيادة الدولة ومسئوليتها
ساد قديما بسبب المعتقدات الإلهية الباطلة أو الحق الإلهي المقدس كذلك، مبدأ سيادة الدولة والذي كان بمقتضاه أن الدولة ذات سيادة مطلقة لا تسأل عن أعمال سطاتها المختلفة، وبالتالي لا يترتب على أخطاء تابعيها من السلطات أيه حقوق للمضرور، ولا يحق المطابة بالتعويض ([2]).
كما لا يجوز أن يلجأ هؤلاء إلى القضاء ولا ينظر القضاء هذه الدعاوى استنادا لفكرة السيادة بمفهومها المطلق الذي ساد في تلك الفترة.
1- سيادة الدولة
ويقصد به أن الدولة غير مسئولة عما يصدر عن سلطاتها العامة من أفعال أو تصرفات تسبب ضررا للغير وبالتالي لا يملك أحدا اللجوء للقضاء للمطالبة بالتعويض عما حدث من ضرر نتيجة تصرفات الدولة، حيث كانت ترفض دعواه على أساس تمتع الدولة بالسيادة.
ويمكن تعريفه بأنه هيمنة الدولة بسلطة عليا تعلوا كافة سلطاتها وبما يؤدي إلى تجردها من الخطأ ([3])، وحرمان الكافة من إقامة دعاوى ضدها أو المطالبة بالتعويض عن أية أضرار.
2- مسئولية الدولة
ويمكن تعريفه بأنه تحمل الدولة نتيجة جميع أخطائها وأخطاء جميع تابعيها بما يمكن المضرور من المطالبة أمام القضاء بالتعويض.
ومسئولية الدولة تشمل جميع الأعمال التي تصدر عن الدولة وما يصدر عنها من أفعال وما يترتب عليها من أضرار عدا أعمال السيادة وأعمال السلطة القضائية ما لم ينص المشرع على غير ذلك وهو المبدأ المعمول به في مصر.
ثالثا: أوجه الأخطاء في حق السلطة القضائية
والقاضي بشر مثله مثل أي شخص قد يخطأ في عمله وبسببه وأثناء ممارسته لعمله، فقد يتهم قاضي التحقيق أثناء عمله شخصا بريئا ويحبسه على ذمة التحقيق لأسبوع أو أكثر، ويحد من حريته ثم يتحصل بعد ذلك هذا المتهم على أمر بألا وجه لإقامة الدعوى أو ببراءته.
وقد يقرر قاضي التحقيقات الحبس الاحتياطي لمتهم وبعد إجراء التحريات يثبت أنه ليس له صله بالجريمة.
قد يصدر ممثل النيابة أمرا بضبط وإحضار شخص بناء على تحريات غير سليمة ويوقفه لمدة أسبوعين أو أكثر ثم بتكثيف التحريات يتضح انه ليس له علاقة بالجريمة.
وكذلك رجال الضابطة القضائية ومساعدو القضاء قد يتسببون في إلحاق أضرارا بسبب التوقيفات غير القانونية والتفتيشات غير الشرعية والحجوز التعسفية والتبليغات غير الصحيحة وما يترتب على ذلك من أضرار للأشخاص المقصودين منها.
وما قد يصدر من القاضي من قرار بالمنع من السفر لشخص معين تحت تحريات غير دقيقه ويترتب على ذلك ضياع فرصة سفر، ثم يثبت بعد ذلك عدم دقة التحريات المتخذة ضده.
رابعا: موقف المشرع الأردني
لقد كان موقف المشرع الأردني شأنه شأن باقي المشرعين في الدول العربية، إذ أنه كان في بداية الأمر أخذ بمبدأ عدم مسئولية الدولة عن أخطاء القضاء هادفا من ذلك إحاطة القضاء بسياج من الحماية والضمانات اللازمة لكفالة تحقيق العدالة، غير أن أمام الانتقادات المتكررة والتطور والتغيير في النظرة نحو المسئولية عن بعض أعمال السلطة القضائية، فقد اتجهت أنظار المشرع الأردني نحو إصدار استثناءات قضائية.
فقد أصدر المشرع الأردني قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية رقم \24لسنة1988 والذي لم ينص فيه صراحة على حق الخصوم في مخاصمة القضاة كما فعل المشرع المصري في قانون المرافعات المدنية والتجارية إلا أنه يستشف منه ذلك، إذ يمكن للخصوم رفع دعوى مخاصمة القاضي لما ترتب على خطأه من أضرار لحقت به أثناء ممارسته لعمله القضائي.
- دعوى مخاصمة القضاة
ويقصد بها هي الدعوى التي يرفعها الخصم المضرور على القاضي لسبب من الأسباب التي نص عليها القانون، فهي نظام خاص لمساءلة القضاة مدنيا عن أعمالهم الوظيفية، وفي ذات الوقت وضع لها إجراءات وشروط حتى لا يساء استعمالها من جانب الخصوم.
ولقد عرفتها المحكمة الإدارية العليا المصرية في أحد مبادئها في حكم لها بأن” دعوى المخاصمة هي نوع من الرقابة الخاصة على أعمال وتصرفات الهيئة القضائية, وهي مُكْنَة منحها المشرع للمتضرر والدفاع ليتمكن بها من تصحيح أخطاء الهيئة القضائية, فهي دعوى تعويض، وأيضًا دعوى بطلان الحكم, وتعد طريق طعن غير عادي في الأحكام- تستند دعوى المخاصمة إلى قيام القاضي بعمل أو بحكم مشوب بعيب من العيوب التي تتضمنها أسباب المخاصمة, وقد قررها القانون بقصد حماية المتقاضين من القاضي الذي يخل بواجبه إخلالا جسيمًا- وازن المشرع بين حق القاضي في توفير الضمانات له, فلا يتحسب في قضائه سوى وجه الحق, ولا يهتز وجدانه من مظنة النيل منه, ولا يستنفد الجهد في سبيل الرد على من ظن به الجور وآثر الكيد له، وبين حق المتقاضي في الاطمئنان إلى قاضيه, مُقَيَّدًا بالعدل في حكمه، فإن جنح عنه, كان له أن يسلك طريق الخصومة التي يدين بها قَضَاءَهُ ويبطل أَثره- كل هذا يجد حدَّهُ الطبيعي في أن القضاء ولاية تقدير, وأمانة تقرير، وأن مجرد الخلاف أو الخطأ لا يَسْقُطُ بهما منطقُ العدلِ، وإنما يُسْقِطُهُ الجورُ والانحرافُ في القصد- سبب المخاصمة قد يقع من قاضٍ بمفرده، كما قد يقع من دائرة بأكملها”([4]).
فلقد أحاط المشرع القاضي بسياج من الحماية يضمن له الحرية الكاملة أثناء أدائه لعمله بعيدا عن تسلط الخصوم ويحميهم من إسراف الخصوم في رفع الدعاوى للكيد بهم ورغبة من هم فب الكيد بهم.
فالأصل هو عدم مساءلة القاضي عن أي أخطاء، ذلك أن المشرع ترك له حرية التقدير في أي أمر من الأمور المعروضة عليه، إلا أنه هناك حالات قد أجاز المشرع مساءلة القاضي فيها كما لو انحرف القاضي في أدائه لعمله وأساء استعمال وظيفته أو انحرف عن واجبات وظيفته.
وتقتصر تلك الدعوى على الأعمال الوظيفية للقاضي فقط دون الأخطاء التي تقع منه خارج نطاق عمله والتي يخضع فيها للقواعد العامة للمسئولية المدنية.
ويمكن أن نجمل الحالات التي نص المشرع فيها على مخاصمة القضاة من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري وهي:
لقد نصت المادة \ 494من قانون المرافعات على أنه” تجوز محاكمة القضاة وأعضاء النيابة في الأحوال الآتية:
1- إذا وقع من القاضي أو عضو النيابة في عملهما غش، أو تدليس، أو غدر، أو خطأ جسيم”.
الحالة الأولى: الغش والتدليس
ويقصد به اتجاه إرادة القاضي إلى الانحراف عن العدالة وسوء نية لأسباب تربطه بأحد الخصوم وتتنافى مع النزاهة الوظيفية، بشكل يتبين منه أنه عمد إلى الانحراف عن أعمال وظيفته بما يؤدي إلى تحقيق منفعة أو مصلحة لأحد الخصوم على حساب الآخر.
ومن أمثلة الغش تغيير الشهادة الثابتة في الدعوى أو التحريف في المستندات المودعة في الدعوى لصالح أحد الخصوم، وتحريف أقوال الخصوم أو تغيير في مسودة الحكم، ومن الغش أيضا اتجاه القاضي نحو تحريف تقديره بشكل يحقق مصلحة لأحد الخصوم على حساب الآخر ([5]).
الحالة الثانية: الخطأ المهني الجسيم
ولقد عرفته محكمة النقض المصرية في حكم لها بأنه” الخطأ الذي يرتكبه القاضي لوقوعه في غلط فاضح ما كان ليساق إليه أو اهتم بواجباته الاهتمام العادي أو بسبب إهماله في عمله إهمالا مفرطا أو لجهل لا يغتفر، فهو الخطأ الذي لا يرتكبه القاضي المتبصر الحريص في عمله”([6]).
ويختلف الخطأ الجسيم عن الغش والتدليس، إذ أن الخطأ ناتج عن الإهمال أما الغش فهو يتوافر فيه الجانب العمدي من القاضي.
ولا يعتبر خطأ جسيما، خطأ القاضي في تقدير الوقائع أو في تكييفها أو في تفسير القانون على وقائع الدعوى أو في تسبي الحكم طالما كان القاضي حسن النية\، كما أنه لا يعتبر تخلف أحد القضاة عن التوقيع على الحكم سببا للمخاصمة.
ويشترط في الخطأ لكي يكون جسيما ألا يمكن تداركه، كما لو كان لا يمكن الطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن، أما إذا كان يمكن تداركه فانه لا يكون خطأ جسيم.
الحالة الثالثة: حالة امتناع القاضي عن الإجابة على عريضة قدمت له
وهو ما جاء بنص المادة \494\2 من القانون المدني المصري على أنه” 2- إذا امتنع القاضي من الإجابة على عريضة قدمت له أو من الفصل في قضية صالحة للحكم وذلك بعد إعذاره مرتين على يد محضر يتخللهما ميعاد أربع وعشرون ساعة بالنسبة إلى الأوامر على العرائض وثلاثة أيام بالنسبة إلى الأحكام في الدعاوى الجزئية والمستعجلة والتجارية وثمانية أيام في الدعاوى الأخرى ولا يجوز رفع دعوى المخاصمة في هذه الحالة قبل مضي ثمانية أيام على آخر إعذار”.
الحالة الرابعة: في أي حالة يقضي فيها القانون بمسئولية القاضي والحكم عليه بالتعويضات.
لم ينص المشرع الأردني في القانون على الحكم بالتعويض على القاضي بصورة مباشرة، إلا أن المشرع المصري قد فعل ذلك في حالة واحدة فقط في المادة \179 من قانون المرافعات المصري على أنه” يوقع رئيس الجلسة وكاتبها نسخة الحكم الأصلية المشتملة على وقائع الدعوى والأسباب والمنطوق وتحفظ في ملف الدعوى وذلك خلال أربع وعشرون ساعة من إيداع المسودة في القضايا المستعجلة وسبعة أيام في القضايا الأخرى وإلا كان المتسبب في التأخير ملزما بالتعويضات”.
الخاتمة:
لقد تبدلت أنظار المشرع في غالبية الدول العربية ونص في قوانين بلاده على مسئولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية ولكن ليس بصفة مطلقة، وإنما أصدر نصوص مواد تمنح الخصوم رفع دعوى تعويض على القاضي بسبب خطأه، وهو ما جاء صريحا في قانون المرافعات المصري كما بينا في هذا المقال، ولم يكن المشرع الأردني على ذات الكيفية وإن كان في مجمل نصوصه منح الخصوم الحق في ذلك، ونحن نناشد المشرع الأردني أن يحذو حذو المشرع المصري في هذا الصدد ويصدر نصوصا بشكل واضح تبيح مخاصمة القضاة كما فعل المشرع المصري إذ أن ذلك أدعى لتحقيق العدالة.
كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي
دكتوراه القانون المدني
([1]) القطب محمد طبلية، العمل القضائي في القانون المقارن، رسالة دكتوراه، دار الفكر العربي، القاهرة، 1965، ص143.
([2]) د. شريف يوسف خاطر، بحث منشور، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، ع54،2013، ص121.
([3]) د. ثروت بدوي، أصول الفكر السياسي والنظريات والمذاهب السياسية الكبرى، 1976، ص102.
([4]) حكم إدارية عليا مصري، طعن رقم\ 22026لسنة 60ق(عليا)، جلسة 24\12\2014.
([5]) د. أحمد المليجي، أصول قانون المرافعات المدنية والتجارية، الدار الجامعية الجديدة للنشر، ج6، الإسكندرية، 2002، ص54.
([6]) حكم نقض مصري، طعن رقم\ 1لسنة2004، جلسة 30\4\2007، مجموعة أحكام النقض، ص54.

