حق المستهلك في العدول عن العقد الإلكتروني
أدى التقدم الكبير في تكنولوجيا الاتصالات وخدمات الإنترنت إلى انتشار استخدام الشبكة العنكبوتية بشكل كبير وحاصة في مجال التجارة الإلكترونية، ولقد أدى الانتشار الكبير لتلك التجارة إلى تنافس العديد من دول العالم حول كيفية الوصول إلى الأسواق العالمية والاستحواذ عليها.
ودفع ذلك الشركات التابعة لتلك الدول إلى اتباع العديد من الطرق والوسائل التي تساعدها على ذلك ومنها إتباع طريق الدعاية الترويجية للسلع والخدمات عبر الإنترنت بكافة وسائله، وفي مجال هذا التنافس عملت غالبية تلك الشركات على المبالغة في الدعاية الترويجية للسلع والخدمات بشكل يضلل عقول المستهلكين وكذلك وهمهم بمزايا في تلك السلع ليست موجودة بالمعنى الدقيق.
إذ كان لذلك الأسلوب المتبع أثره السيء على المستهلكين والتسبب لهم في الأضرار، مما دفع المشرع في معظم دول العالم إلى إصدار تشريعات تمنح الحق للمستهلك بالعدول عن العقد الإلكتروني.
أولا: مفهوم حق العدول عن العقد الإلكتروني
ثانيا: التكييف القانوني للحق في العدول
رابعا” مبررات حق العدول عن العقد الإلكتروني
أولا: مفهوم حق العدول عن العقد الإلكتروني
1- العقد الإلكتروني
عرفه البعض الآخر بأنه” الاتفاق الحاصل بواسطة شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) أو غيرها من شبكات الاتصال الحديثة المفتوحة باستخدام وسائل تقنية مسموعة ومرئية يلتقي عبرها الإيجاب الصادر من أحد العاقدين بقبول الآخر بشكل متزامن عن التفاعل الآتي بين الطرفين ويرتب العقد التزامات وحقوقا على عاتق طرفيه ولمصلحتهما تبعا لنوع العقد وشرائطه”([1]).
2- حق العدول عن العقد الإلكتروني
عرف البعض حق العدول بأنه” حق يثبت للمشتري للتراجع عن العقد خلال مدة معينة يحددها القانون ويمارس هذا الحق دون تبريرات أو جزاءات”([2]).
وعرفه البعض الآخر بأنه” سلطة أحد المتعاقدين بالانفراد بنقض العقد والتحلل منه دون توقف ذلك على إرادة الطرف الآخر”([3]).
3- المستهلك
عرفه المشرع الأردني في قانون حماية المستهلك رقم \7لسنة2017 في المادة \2 منه على أنه” الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يحصل على سلعة أو خدمة بمقابل أو بدون مقابل إشباعا لحاجاته الشخصية أو لحاجات الآخرين ولا يشمل ذلك من يشتري السلعة أو الخدمة لإعادة بيعها أو تأجيرها”.
ثانيا: التكييف القانوني للحق في العدول
ذهب جانب من الفقه إلى أن العدول حق، ولكنهم اختلفوا حول طبيعة هذا الحق وهل ما إذا كان حقا شخصيا أم حقا عينيا:
1- العدول حق شخصي
وذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن العدول من قبيل الحقوق الشخصية، وهذا الحق الشخصي يمثل سلطة للدائن قبل مدينه إذ يطال بمقتضاها الدائن المدين بأن ينقل حقا عينيا أو يقوم بعمل أو يمتنع عن عمل، وبالتالي فهو يندرج ضمن الحقوق الشخصية طالما أن العلاقة الدائنة التي تميز الحق الشخصي متوفرة في العدول، فهو يتضمن علاقة قانونية واضحة بين من تقرر له العدول ومن يمارس العدول في مواجهته حيث بإمكان من تقرر له العدول تنفيذ العقد أو العدول عنه، وبذلك قد اكتملت في العدول الحق الشخصي وجوهره ([4]).
2- العدول حق عيني: وذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن العدول حق عيني، والحق العيني هو عبارة عن سلطة مباشرة لشخص معين على شيء معين بموجب القانون، فيعطي الحق العيني السلطة على الشيء والذي يحتج به وينتج أثره في مواجهة الكافة ([5])، وذلك بحجة أن العدول يقع على عين معينة فيكون لصاحبها سلطة مباشرة عليها فيمكن العدول للمستهلك بنقض العقد أو تنفيذه.
3- العدول لا هو حق شخصي أو حق عيني إنما هو في منزلة وسطى بين الاثنين
ولقد اعتبر أنصار هذا الاتجاه أن العدول ليس بحق شخصي أو عيني وإنما هو في منزلة وسطى بين الاثنين، وذلك لأن العدول لا يخول صاحبه السلطات التي يمنحها أي من الحقين وهو في ذات الوقت يتعدى الرخصة في كونه يخول لصاحبه قدرة معينة وإن لم يكن من شأنها جعل العدول حقا شخصيا أو عينيا، وهي مكنه جوهرها سلطة التحكم في مصير العقد الذي ثبت له العدول ([6])، وبالتالي فان العدول ينتمي إلى نوع ثالث من الحقوق وهو الحقوق الإرادية المحضة.
ونحن نؤيد الرأي الثالث من أن العدول هو مكنة يستخدمها صاحب الحق أو المستهلك بالإرادة المنفردة دون أن يتوقف ذلك على إجازة أحد أو من تمارس هذه المكنة في مواجهته.
ثالثا: خصائص حق العدول
يتميز حق العدول بعدة خصائص وهي:
1- العدول يتم بالإرادة المنفردة
يثبت العدول للمستهلك المتضرر من السلعة التي تم الاتفاق عليها في العقد الإلكتروني لأسباب يراها هو بعد تفكير وروية أن تلك السلعة تتسبب في خسارة له، وبذلك فهو وحده الذي يقوم بالعدول عن العقد بإرادته المنفردة دون دعوة من أحد ودون الرجوع إلى الطرف الآخر أو المزود، ولكن على أن يكون ذلك خلال مدة معينة وإذا لم يستعمل المستهلك العدول خلالها أصبح لبيع نافذ لا رجعة فيه.
2- الصفة الآمرة: لقد أكسب قانون حماية المستهلك الصفة الآمرة وذلك نظرا لأنه مقرر لحماية الطرف الضعيف في العلاقة، موضوع العقد الإلكتروني، فلا يستطيع المزود مخالفته أو الاتفاق على مخالفته بين طرفي العقد.
ويقع باطلا أي اتفاق يحول دون استعمال من له حق العدول عن استخدامه ([7])، وبذلك يعتبر العدول من النظام العام أي لا يجوز الاتفاق على مخالفته.
3- العدول بدون مقابل
يتم العدول من المستهلك بدون مقابل يدفعه للمزود، فقد منح المشرع الأردني المستهلك حق إرجاع السلعة إذا كانت معيبة وألزم المزود بإرجاع ثمنها، بل أنه ألزم المزود بدفع قيمة السلعة للمستهلك أو من بيد ه السلعة إذا لم يتمكن من إرجاعها لظهور العيب بها بعد استعمال المستهلك لها، ولم يلزم المستهلك بدفع أي مبالغ، وهو ما نص عليه المشرع الأردني في المادة \7 \أ \1،2 على أنه” أ- 1- يلتزم المزود في حال كانت السلعة معيبة بإرجاعها ورد ثمنها بناء على طلب المستهلك أو أي شخص آخر انتقلت إليه ملكية السلعة.
2- إذا لم يتمكن المزود من إرجاع السلعة لظهور العيب بعد استهلاك المستهلك لها يلتزم المزود بأن يدفع للمستهلك مبلغ يعادل قيمة الضرر”.
4- العدول قد يكون اتفاقي أو تشريعي
وعدول المستهلك عن العقد الإلكتروني قد يكون اتفاقي لم ينص عليه التشريع، ولكن طبقا للقواعد العامة كقاعدة العقد شريعة المتعاقدين أو مبدأ سلطان الإرادة، وقد يكون مصدره القانون، وذلك في حالة تنظيم المشرع له والنص عليه في القانون بتحديد مدة يتم العدول خلالها.
رابعا” مبررات حق العدول عن العقد الإلكتروني
يتضمن العقد الإلكتروني التزامات على كلا طرفيه المزود والمستهلك إلا أنه قد يتعرض هذا العقد لرغبة المستهلك في العدول عنه وذلك للأسباب الآتية:
1- التغرير للمستهلك
تتبع الشركات الدولية التي تمارس التجارة الدولية وسيلة الترويج لتجارتها عبر الشبكة العنكبوتية وتتخذ ذلك أسلوبا لجذب المستهلكين للسلع عن طريق نشر الدعاية الترويجية، إلا أنها عند ممارستها لذلك تتبع أسلوبا مبالغ فيه يؤدي إلى التغرير بالمستهلكين وذلك بذكر بيانات غير صحيحة بالمنتج المعروض عن الدعاية، مما يدفع هؤلاء المستهلكين إلى التعاقد على هذه السلع تحت هذا التغرير، فيقعون فريسة لهذه الشركات مما يترتب عليه أن يقوم المستهلكين بالعدول عن ذلك العقد.
وهو ما أكده المشرع الأردني في قانون حماية المستهلك سالف الذكر في المادة \ 6\ ب\ 2 على أنه” ب- يعتبر إخلالا بالالتزامات التعاقدية أي من الحالات التالية:
2- عدم صحة المعلومات التي تم تزويد المستهلك بها قبل إتمام عملية الشراء بخصوص الالتزامات التي تترتب في ذمته للمزود أو حقوق المزود في مواجهته أو إخفاء المزود عن المستهلك أي معلومة جوهرية متعلقة بذلك.”
2- تضليل المستهلك بما يدفعه إلى التعاقد
وقد يلجأ المزود إلى وسائل معينة لتضليل المستهلك بما يدفعه إلى التعاقد على السلعة محل العقد الإلكتروني، ومن هذه الوسائل نشر إعلانات تضليلية بغرض إيقاعه في الخطأ من أجل حثه على التعاقد معه، ويعتبر الإعلان مضللا إذا اشتمل على بيانات خاطئة أو غير صحيحه تتعلق بطبيعة السلعة أو جودتها ومصدرها ونوع الخدمة وهوية مزود الخدمة.
وهو ما نصت عليه المادة \8 من قانون حماية المستهلك سالف الذكر على أنه” أ- يحظر نشر أي إعلان يضلل المستهلك أو يوقعه في الخطأ بخصوص السلعة أو الخدمة ويعتبر الإعلان مضللا إذا اشتمل على بيانات، أو معلومات خاطئة، أو غير صحيحة، أو غير كاملة تتعلق بما يلي:
1- طبيعة السلعة، أو جودتها، أو تركيبها، أو صفاتها الجوهرية، أو العناصر التي تتكون منها وكميتها.
2- مصدر السلعة، أو وزنها، أو حجمها، أو طريقة صنعها، أو تاريخ انتهاء صلاحيتها، أو شروط استعمالها، أو محاذير هذا الاستعمال.
3- نوع الخدمة أو المكان المتفق عليه لتقديمها أو محاذير تلقيها أو صفاتها الجوهرية.
4- شروط التعاقد ومقدار الثمن الإجمالي وطريقة تسديده. 5 خ- التزامات المعلن. 6 – هوية مزود الخدمة ومؤهلاته إذا كانت محل اعتبار عند التعاقد.
ب- يحظر نشر إعلان لسلعة أو خدمة ضارة بصحة المستهلك أو سلامته أو مجهولة المصدر”.
3- إذا ما كانت السلعة معيبه: فيحق للمستهلك العدول عن العقد الإلكتروني المتضمن بيع سلعة من المزود وذلك إذا ما كانت السلعة محل العقد معيبه واتضح له ذلك بعد إتمام التعاقد مع المزود أو أثناء تنفيذه، ففي هذه الحالات يحق له العدول عن العقد الإلكتروني.
ولقد نص المشرع الأردني على هذا الأمر وعدد الحالات التي تكون فيها السلعة معيبة فنص في المادة \6 \أ على انه” أ- تعتبر السلعة أو الخدمة معيبه في أي من الحالات التالية:
1- عدم توافر متطلبات السلامة فيها لغابات الاستعمال العادي أو المتوقع لها.
2- عدم مطابقتها للقواعد الفنية الإلزامية المطبقة.
3- عدم مطابقتها للخصائص المعلن عنها أو عدم تحقيقها للنتائج المصرح بها للمستهلك.
4- عدم تحقق مستويات الأداء أو الجودة المصرح بها في السلعة، أو الخدمة، أو وجود خلل، أو نقص فيها أو عدم صلاحيتها للاستعمال وفقا لما أعدت له للمدة التي تتناسب وطبيعتها”.
خامسا: آثار العدول
يترتب على استعمال المستهلك حق العدول أثار تتمثل في:
1– آثار العدول بالنسبة للمزود
أ- رد المزود لثمن السلعة الذي قبضه من المستهلك من أجل تسليمه السلعة.
فإذا رأى المستهلك أن يرد السلعة للمزود لأسباب معينة أو لعيب في السلعة ففي هذه الحالة يقع على المزود التزامات تتمثل في رد المزود لثمن السلعة الذي يكون المستهلك قد دفعه له، فيحق إعادة السلعة أو الخدمة أو استبدالها بأخرى إذا كانت مصلحته في الاستبدال أفضل من الرد ([8]).
وقد نص المشرع الأردني على ذلك في المادة \ 7\ أمن ذات القانون على أنه” أ-1- يلتزم المزود في حال كانت السلعة معيبه بإرجاعها ورد ثمنها بناء على طلب المستهلك أو أي شخص آخر انتقلت إليه ملكية السلعة.
ب- 1- يلتزم المزود في حال كانت الخدمة معيبه بإعادة ثمنها بناء على طلب المستهلك وذلك إذا لم يتلق المستهلك تلك الخدمة أو كان بالإمكان رجوع المزود عن تقديم الخدمة.
ب- التزام المزود بدفع قيمة الضرر
فإذا حدث عدول من المستهلك وكان على المزود التزام بإعادة السلعة، ولكنه لم يتمكن من إعادتها ففي هذه الحالة يقع عليه التزام وهو أن يدفع مبلغ من النقود يعادل قيمة الضرر الذي لحق بالمستهلك نتيجة ظهور هذا العيب.
وهو ما نصت عليه المادة 7 \ب\ 2 من ذات القانون على انه” ب- 2- إذا ظهر العيب في الخدمة بعد تلقي المستهلك لها بصورة كاملة يلتزم المزود بأن يدفع للمستهلك مبلغا يعادل قيمة الضرر “.
ج- انقضاء العقد الإلكتروني محل السلعة المعيبة
كما يترتب على عدول المستهلك عن العقد المبرم بينه وبين المزود إنهاء هذا العقد، إذ أنه بإرجاع السلعة ورد ثمنها يكون العقد قد انتهى ولم يعد هنالك رابطة عقدية بين الطرفين، وكذلك زوال أي التزام مرتبط بهذا العقد، فينتهي الفرع بانتهاء الأصل.
2- أثار العدول بالنسبة الى المستهلك
إذا قام المستهلك بإرجاع السلعة المعيبة إلى المزود ففي هذه الحالة تترتب آثار وهي:
أ- يحق للمستهلك المطالبة بالثمن الذي كان قد دفعه للمزود نظير شرائه السلعة
وهو ما نصت عليه المادة \7 من القانون سالف الذكر في الفقرة (أ) على أنه” أ- 1- يلتزم المزود في حال كانت السلعة معيبة بإرجاعها ورد ثمنها بناء على طلب المستهلك أو أي شخص آخر انتقلت إليه ملكية السلعة”.
ويجب أن تكون السلعة بنفس الحالة التي كانت عليها وقت تسلمه لها عند التعاقد دون أن يحدث فيها تغيير أو عيوب نتيجة تجريبه لها أو استعماله لها ثم يستلم ثمنه بعد ذلك ([9]).
ولا يلتزم المستهلك بدفع أية مبالغ مالية في مقابل عدوله ورد السلعة بعد أن استلمها بعد اكتشاف العيب فيها، ولم ينص المشرع الأردني على دفعه أي مقابل لذلك.
ب- التزام المستهلك بدفع أعباء رد السلعة
فإذا كان المشرع قد أعفى المستهلك من دفع أي مبالغ مقابل عدولة ورده السلعة إلا أنه يرى غالبية الفقه أنه من العدل أن يتحمل المستهلك مصاريف شحن السلعة عند ردها وتامين نقلها إلى المزود ويدخل ضمنها مصاريف الشجن ([10])، ذلك لأن المستهلك هو من قرر العدول دون أن يسأل عن الأسباب التي دفعته لذلك، فمن العدالة أن يتحمل مصاريف الانتقال والشحن والنقل والتأمين ([11]).
كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي
دكتوراه القانون المدني
([1]) د. ريان ناصر، حق الرجوع عن العقد، ط1، مكتبة زين الحقوقية والأدبية، بيروت، 2016، ص43،42.
([2]) شيماء جودي، حكيمة حجيري، حق المستهلك في العدول عن العقد الإلكتروني، رسالة ماجستير، الجزائر، 2021، ص3.
([3]) سامية بويزري، حق العدول عن تنفيذ العقد الإلكتروني، رسالة ماجستير/ الجزائر، 2013، ص12.
([4]) د. موفق حماد عبد، الحماية المدنية للمستهلك في عقود التجارة الإلكترونية، ط1، منشورات زين الحقوقية ، بيروت لبنان، 2011، ص223.
([5]) د. حسن كيره، المدخل إلى القانون، منشاة المعارف، الإسكندرية، ص475.
([6]) د. عمر محمد عبدالباقي، الحماية العقدية للمستهلك” دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون” ، منشاة المعارف، الإسكندرية، 2008، ص771.
([7]) د. عمر محمد عبدالباقي، الحماية العقدية للمستهلك”، مرجع سابق، ص770.
([8]) لخضر دايخة، حق المستهلك في العدول عن التعاقد، رسالة ماجستير، العراق، 2018، ص35.
([9]) اخضر دايخة، مرجع سابق، ص37.
([10]) د. موفق حماد عب، مرجع سابق، ص245.
([11]) د. كوثر سعيد عدنان خالد ، حماية المستهلك الإلكتروني، ط1، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2012، ص648.

