الاختصاص القضائي الدولي في المسائل المستعجلة

الاختصاص القضائي الدولي في المسائل المستعجلة

أدي التقدم الذي شهده العالم في العديد من المجالات إلى سهولة التعامل بين الأفراد على اختلاف جنسياتهم، ولقد أدى ذلك لحدوث بعض المنازعات فيما بينهم،  مما يثير تساؤلا هل هذه المنازعات تخضع للاختصاص القضائي الوطني، أم أن هناك تنازع اختصاص قضائي، كما أن المحاكمة قد تستغرق وقتاً طويلاً يخشي معه ضياع الحقوق حتي لو صدر حكم لصالح صاحبه، وهو الأمر الذي قرر معه المشرع تنظيم القضاء المستعجل الذي بدورة يتم بناء على طلب أحد الخصوم عندما تكون مصالحهم مهددة ويخشي عليها من الضياع، وذلك من أجل إضفاء الحماية القانونية لهذه المصلحة.

ـ وسوف نحاول من خلال هذا المقال بيان الاختصاص القضائي الدولي في المسائل المستعجلة والتي يخشي عليها من الضياع وتتطلب حكم مؤقت حفاظاً عليها وحمايتها قانونياً وذلك على النحو التالي:

أولا: ماهية القضاء المستعجل وشروطه

ثانيا: ماهية الاختصاص القضائي الدولي وخصائصه

ثالثا: الاختصاص القضائي الدولي في المسائل المستعجلة

رابعا: بعض التطبيقات القضائية بشأن الاختصاص القضائي الدولي

 

أولا: ماهية القضاء المستعجل وشروطه

إذا كان الأصل العام المتفق عليه والمعمول به في كافة التشريعات هو ضرورة قيام المحاكم بالفصل في النزاعات المعروضة عليها بشكل قاطع ومنهي للخصومة بين الأطراف، وأن الحكم الصادر منها ما هو إلا عنوان للحقيقة ومؤكد عليها، إلا أن الفصل في بعض الدعاوى أمام المحكمة قد يستغرق وقتاً طويلاً من أجل إبداء الخصوم دفوعهم ومستنداتهم اللازمة للفصل في الدعوى، وهو الأمر الذي معه قد يطول أمد التقاضي، ومن ثم قد تتسبب هذه الإطالة في هلاك أو فساد أو ضياع أو عدم المحافظة على الحق المطالب به، وهو الأمر الذي ترتب عليه اللجوء إلى فكره القضاء المستعجل، والذي يعد بمثابه قضاء مؤقت لا يمس أصل الحق وإنما هو حماية لخطر محدق أو دفع لضرر محقق بأصل الحق.

أ ـ تعريف القضاء المستعجل: برغم ما لهذا القضاء من أهمية بالغة في كافة التشريعات بصفه عامة والتشريع الأردني بصفه خاصة إلا أن قانون أصول المحاكمات الأردني لم يقم بوضع تعريف محدد وواضح للقضاء المستعجل، وقد عرفه البعض ” حكم مؤقت بتدبير وقتي أو تحفظي يصدر في المسائل المستعجلة التي يخشي عليها من فوات الوقت دون التعرض لأصل الحق”. [1]

ـ وقد عرفه البعض بأنه ” أحد فروع القضاء المدني يختص بالفصل في المسائل التي يخشي عليها من فوات الوقت أو التي تعد مستعجلة بموجب نص قانوني، فهو قضاء وقتي لا يمس أصل الحق “.  [2]

ـ أما القضاء الأردني ممثلا في محكمة التمييز الأردنية  فقد عرفه في حكمها رقم (3237) لسنة 1999 بأنه ” الخطر المحدق بالحق المطلوب حمايته بإجراء وقتيلا تسعف فيه إجراءات التقاضي العادية ولتحقيق ركن الاستعجال إذا استبان لقاضي الأمور المستعجلة أن الإجراء الوقتي المطلوب اتخاذه محافظة على الحق الذي يخشى عليه من أمر لا يحتمل الانتظار حتي يعرض أصل النزاع على قضاء الموضوع، وعليه فإن اختصاص القضاء المستعجل يقف عند حد اتخاذ إجراء وقتي مبناه ظاهر الأوراق ولا يمس أصل الحق وأنه لا يجوز الاتفاق على إسباغ اختصاص يجاوز هذا الحد “.

ـ فالقضاء المستعجل يعد بمثابة نظام قانوني يهدف إلى حماية الحق مؤقتاً حتي يتم الفصل في النزاع من محكمة الموضوع، ولا يمس هذا النظام بأصل الحق وإنما يقتصر على الحكم باتخاذ إجراء وقتي ملزم لأطراف الخصومة بقصد المحافظة على الأوضاع القائمة أو صيانة المصالح بينهم. [3]

ـ ويتميز القضاء المستعجل ببساطة ومرونة الإجراءات وسهولتها كونه مستعجلة بطبيعتها وخصوصاً في مواعيد إعلان الخصوم وتحديد جلسة النظر والبت في الطلبات وكيفية إصدار الأحكام الخاصة بها وتنفيذها والطعن عليها، كما أن القضاء المستعجل قضاء مؤقت بطبيعته فالهدف منه إضفاء الحماية القانونية للحق المتنازع عليه لحين الفصل في موضوع الدعوى، ومن ثم فإن هذه الأحكام لا تحوز حجية الأمر المقضي به فهي حجية مؤقتة لحين صدور حكم قضائي فاصل في النزاع.

ب ـ شروط القضاء المستعجل: حدد المشرع الأردني الشروط الواجب توافرها لانعقاد الاختصاص للقضاء المستعجل، حيث اشترط وجود استعجال وذلك خوفاً من خطر حقيقي محدق للحق محل النزاع يتطلب سرعة درء هذا الخطر للمحافظة على الحق، ويجب أن يكون هذا الاستعجال قائم أثناء رفع الدعوى وأن يستمر خلال نظرها أمام المحكمة، ومن الشروط الواجب توافرها كذلك أن يكون الإجراء المراد نظره مؤقت وليس موضوعي لأن المختص بالأخير هو القضاء العادي وليس القضاء المستعجل، كما يجب أن لا يتعرض القضاء المستعجل لأصل الحق وإنما يتقيد بالإجراءات الوقتية للحفاظ على الحق المتنازع عليه ولا يمس اصل الحق، وهو ما أكدت عليه المادة رقم (32) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني رقم (24) لسنة 1988 وتعديلاته على : ” يحكم قاضي الأمور المستعجلة بصفة مؤقتة مع عدم المساس بالحق بالأمور التالية، على أن هذا لا يمنع من اختصاص محكمة الموضوع أيضاً بهذه المسائل إذا رفعت لها بطريق التبعية: 1ـ المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت .

2ـ النظر في طلبات تعيين وكيل أو قيم على مال أو الحجز التحفظي أو الحراسة ومنع السفر.

3ـ الكشف المستعجل لإثبات الحالة.

4ـ دعوى سماع الشاهد الذي يخشى فوات فرصة الاستشهاد به على موضوع لم يعرض بعد على القضاء ويحتمل عرضه عليه . وتكون مصروفاته كلها على من طلب  “.

ـ ويترتب على ذلك أنه لا يجوز للقضاء المستعجل توجيه اليمين الحاسمة أو المتممة للخصوم، ولا يجوز له أن يكلف الخصوم بتقديم مستندات أو بيانات لم يتم تقديمها في الطلب المستعجل لمساس ذلك بأصل الحق، وحال كون الطلب المستعجل المقدم للمحكمة يمس أصل الحكم فعلى القاضي رد الطلب لعدم الاختصاص وليس رفضه،  ويشترط لقبول الدعوى المستعجلة توافر شرط المصلحة، وذلك وفقاً لنص المادة الثالثة من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني رقم 24 لسنة 1988 وتعديلاته والتي نصت على ” 1ـ لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون.

2ـ تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه”، كما يجب أن تتوافر الصفة لمقدم الطلب حيث أنه لا يمكن قبول الطلب الخاص بالدعوى المستعجلة بدون توافر الصفة في مقدمه، وبالتالي فعدم توافر الصفة لهو قرينة على جواز القضاء بعدم قبول الطلب، كما يجب أن تتوافر الأهلية القانونية اللازمة قانوناً لمقدم الطلب وقت رفع الدعوى وأثناء النظر فيها، فلا يجوز لعديم الأهلية أن يتقدم برفع دعوى أو طلب مستعجل، غير أنه حال فقده الأهلية أثناء نظر الدعوى لأي سبب يجوز أن يتم توكيل من يقوم مقامة قانوناً”.

ثانيا: ماهية الاختصاص القضائي الدولي وخصائصه

إذا كان القانون الدولي الخاص وكما سبق أن ذكرنا يهتم بتنظيم العلاقات الخاصة الدولية، أو علاقات الأفراد التي تتم عبر الحدود، من خلال تمتعهم بالحقوق التي تنشأ عن تلك العلاقات وتنظيم كيفيه استعمالها، فإن هذا القانون يقوم أيضاً على الحماية القضائية لهذه الحقوق حال نشوب نزاع بين الأطراف.

أ ـ مفهوم الاختصاص القضائي الدولي: اكتفت غالبية التشريعات ومن بينها المشرع الأردني بتنظيم أحكام الاختصاص القضائي الدولي دون وضع تعريف محدد له، وهو الأمر الذي أدي إلى قيام الفقه بوضع تعريفات متعددة للاختصاص القضائي الدولي، فقد عرفه البعض بأنها مجموعة من القواعد القانونية التي بموجبها يتم تحديد اختصاص للمحاكم الوطنية بالمنازعات التي تتضمن خصم أجنبي وذلك في مواجهة محاكم الدول الأخرى.

ـ وعرفه البعض الآخر بأنه الاختصاص الذي ينعقد لقضاء إحدى الدول كانعقاد الاختصاص للقضاء الدولي الأردني، وهو ما يميزه عن الاختصاص الداخلي لمحاكم الدولة التي تتولي الفصل في المنازعات الداخلية.[4]

ـ كما أن هناك من عرفه بأنه ” ذلك الاختصاص الذي يخص علاقة قانونية يشوبها عنصر أجنبي وذلك في مقابلة الاختصاص الداخلي الذي يشمل المنازعات التي لا صلة لها بدولة أخرى وإن عناصر العلاقة القانونية فيها كلها وطنية من حيث الأشخاص والسبب والموضوع”[5].

ـ ومن هنا نلاحظ أن هناك جملة أمور يجب أخذها في الاعتبار حال تحديد مفهوم الاختصاص القضائي الدولي، وهي أن الاختصاص القضائي الدولي يخص المنازعات التي تنشأ عن العلاقات الخاصة ذات الطبيعة الدولية دون المنازعات الخاصة ذات الطبيعة الوطنية، ويترك أمر تحديد قواعد الاختصاص وفق ما يقوم المشرع الوطني لكل دولة بمنح محاكم الدولة السلطة في الفصل في هذه المنازعات، وعليه فإن تحديد الاختصاص القضائي الدولي لمحاكم دولة ما يتم وفقاً لقواعد قانون دولة المحكمة، حيث أنه لا يوجد مبدأ عام لقواعد دولية تلزم الدول بعقد اختصاص محاكمها في أحوال معينة أو باستبعاد بعض المنازعات من اختصاص هذه المحاكم،[6] فثبوت الاختصاص لمحكمة دولة ما يترتب عليه قيام تلك المحكمة بتكييف العلاقة القانونية موضوع النزاع وفقاً لقانونها، ثم بعد ذلك تقوم بتطبيق قواعد الإسناد الوطنية الخاصة بالعلاقة لتعيين القانون الواجب التطبيق، كما أن انعقاد الاختصاص للمحاكم الوطنية يؤدي إلى تطبيق قواعد القانون الوطني على المسائل الإجرائية للدعاوى القضائية، كالمواعيد وحضور الخصوم وغيابهم وسير الجلسات والمرافعة وسير الخصومة ووقفها وانقطاعها أو انقضائها والحكم في الدعوى والطعن عليه، ومن هنا تتضح أهمية الاختصاص القضائي الدولي بالنسبة لتطبيق قواعد القانون الوطني في المنازعات الخاصة الدولية وهو ما يؤدي بالضرورة إلى توحيد القانون المطبق في مسألة النزاع، كما أن المشرع الوطني لا يتدخل في تحديد اختصاص القضاء الداخلي لمحاكم دولة أخرى في نزاع يعرض على القاضي الوطني، فكل دولة لها سيادتها وقوانينها المستقلة التي يختص المشرع الداخلي لكل دولة بوضعها وتنظيمها، ومن ثم لا تستطيع دولة أن تفرض تنظيم الاختصاص القضائي لدولة أخرى وفق قواعد الدولة الأولي.

ب ـ  خصائص قواعد الاختصاص القضائي الدولي: تتميز قواعد الاختصاص القضائي الدولي بعده خصائص يمكن بيانها على النحو التالي:

1ـ قواعد منظمة وفق النصوص القانونية: حيث أن المشرع نظم القواعد الخاصة بكل من الاختصاصين القضائيين الدولي والداخلي، ومن ثم وجب على المحاكم احترام هذه القواعد والعمل على تنفيذها والالتزام بها، ومن هنا يمكن القول بأن القواعد المنظمة للاختصاص القضائي الدولي ما هي إلا قواعد قانونية ملزمة للجميع.

 

2ـ قواعد الاختصاص القضائي الدولي قواعد موضوعية: تقوم قواعد الاختصاص القضائي الدولي بتحديد الحالات التي يجوز فيها للقضاء الوطني الفصل في المنازعات التي يكون أحد الخصوم فيها أجنبي بشكل مباشر، وتعتبر هذه القواعد قواعد متعلقة بسيادة الدولة، ولا يجوز مخالفتها.

3ـ قواعد الاختصاص القضائي الدولي قواعد فردية داخلية: حيث أن هذه القواعد تصدر من كل دولة على حده وفقاً لقوانينها الداخلية، فتقوم كل دولة بمفردها ودون تدخل من أحد بتحديد اختصاص المحاكم الوطنية بالمنازعات التي يكون أحد أطرافها يحمل جنسية دولة أخرى، فالمشرع الوطني وحده هو المختص بذلك، وكما لا يجوز لأي دولة أخرى تحديد الاختصاص القضائي لدولة ما فإنه لا يجوز للمشرع الوطني تحديد اختصاص محاكم دولة أخرى، فقواعد الاختصاص القضائي الدولي قواعد أحادية الجانب تصدر بصورة منفردة كون المشرع الوطني لا يستطيع تكليف محاكم دولة أخرى بالفصل في المنازعات التي يحددها، حيث أن ذلك يعد تدخل في الشؤون الداخلية للدول ومن ثم اختراق لمبدأ سيادة الدولة، فهذه القواعد من عمل المشرع الوطني تطفي عليها الدولة رقابتها وتنظيمها وتطبيق القواعد الإجرائية الداخلية المتعلقة بها، كما أن قواعد الاختصاص القضائي الدولي قواعد خاصة تقوم على تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع.

ـ كما أن المشرع الأردني عقد الاختصاص القضائي الدولي في المنازعة التي يكون أحد أطرافها شخص أجنبي يحمل جنسية دولة أخرى وليس له محل إقامة أو موطن معلوم داخل المملكة، ولكن له موطن مختار فيها، أو أن الأشياء المتنازع عليها سواء كانت أموال أو غير ذلك متواجدة داخل المملكة، أو أن يكون الالتزام قد نشأ فيها، أو أن لأحد المدعى عليهم موطن أو محل إقامة فيها، وفي هذه الحالات ينعقد الاختصاص للمحاكم الأردنية للنظر في مثل هذه الدعاوى التي ترفع على الأجنبي، وقد أكدت على ذلك المادة (28) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني رقم (24) لسنة 1988 وتعديلاته بالنص على أن : ” تختص محاكم الأردن بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في الأردن وذلك في الأحوال الآتية: 1ـ  إذا كان له في الأردن موطن مختار.

2ـ إذا كانت الدعوى متعلقة بمال موجود في الأردن أو كانت متعلقة بالتزام نشأ أو نفذ أو كان واجباً تنفيذه فيها أو كانت متعلقة بإفلاس أشهر فيها.

3ـ إذا كان لأحد المدعى عليهم موطن أو محل إقامة في الأردن “.

ـ هذا وقد قرر المشرع الأردني كذلك انعقاد الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم الأردنية حال قبول المدعى عليه طواعية سواء صراحة أو ضمناً بذلك أمام المحكمة غير المختصة، أو حال ارتباط المنازعة بمنازعة أخرى سابقة رفعت أمام المحاكم الأردنية وأن الأخيرة من اختصاص المحاكم الأردنية، أو كانت الأمور بشأن إجراءات وقتية أو تحفظية تنفذ في الأردن ولو كانت المحاكم الأردنية غير مختصة بالدعوى الأصلية، وهو ما أكدت عليه المادة (27) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني رقم (24) لسنة 1988 وتعديلاته بالنص على: ” 1ـ تمارس المحاكم النظامية في المملكة الأردنية الهاشمية حق القضاء على جميع الأشخاص في المواد المدنية، باستثناء المواد التي قد يفوض فيها حق القضاء إلى محاكم دينية أو محاكم خاصة بموجب أحكام أي قانون آخر.

2ـ تختص المحاكم الأردنية بالفصل في الدعوى ولو لم تكن داخلة في اختصاصها إذا قبل الخصم ولايتها صراحةً أو ضمناً.

3ـ إذا رفعت للمحاكم الأردنية دعوى داخلة في اختصاصها فإنها تكون مختصة أيضاً في المسائل والطلبات المرتبطة بالدعوى الأصلية وفي كل طلب يرتبط بهذه الدعوى ويقتضي حسن سير العدالة أن ينظر فيها.

ـ كما تختص المحاكم الأردنية بالإجراءات الوقتية والتحفظية التي تنفذ في الأردن ولو كانت غير مختصة بالدعوى الأصلية “.

ـ غير أنه وفي حال كون المحاكم الأردنية غير مختصة بنظر الدعوى ولم يحضر الخصوم أو يقوموا بإبداء دفاعهم فإن المحكمة تحكم بعدم اختصاصها من تلقاء نفسها، وهو ما أكدت عليه المادة (29) من ذات القانون بالنص على ” إذا لم يحضر المدعى عليه وكانت المحاكم الأردنية غير مختصة بنظر الدعوى طبقاً للمواد السابقة تحكم المحكمة بعد اختصاصها من تلقاء نفسها “.

ثالثا: الاختصاص القضائي الدولي في المسائل المستعجلة

الأصل أنه إذا كان موضوع النزاع يختص به القضاء الموضوعي، والجانب المستعجل يختص به القضاء المستعجل، فإن خروج الشق الموضوعي من ولاية القضاء الموضوعي لدليل على خروج الشق المستعجل المشتق منها أو المرتبط بها عن ولاية القضاء المستعجل، فوفقاً لنص المادة (102) من الدستور الأردني فإن المحاكم النظامية هي من تمارس حق القضاء على جميع الأشخاص في المواد المدنية والجزائية، باستثناء المواد التي يتم تفويض حق القضاء فيها لمحاكم دينية أو محاكم خاصة.

ـ وإذا كان الأساس التي تقوم عليه معايير انعقاد الاختصاص القضائي الدولي تنقسم إلي معايير إقليمية وأخرى شخصية، فالأول هو ما أخذ به المشرع الأردني وعقد الاختصاص على أساس ما جاء في المادة (28) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني سالفه البيان من حيث انعقاد الاختصاص على أساس موطن المدعى عليه أو محل إقامته أو أن محل نشوء الالتزام أو موقع المال المتنازع عليه، والمعيار الثاني في انعقاد الاختصاص القضائي الدولي هو المعيار الشخصي والذي يقوم على الجنسية والذي بموجبة يتم منح الاختصاص القضائي لمحاكم الدولة حال كون المدعى عليه  أحد رعاياها ولو لم يكن مقيم على أرضها، كما أن المشرع الأردني خرج على ذلك وعقد الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم الأردنية حال قبول الشخص الأجنبي ذلك صراحة أو ضمناً، وهو ما يسمي بالخضوع الإداري، أو كان هناك ارتباط بين دعوى منظورة أمام القضاء الأردني، أو كانت الدعوى وقتية ومستعجلة.

ـ ومن هنا يمكن القول أن الأصل هو انعقاد الاختصاص القضائي الدولي في المسائل المستعجلة لمحاكم الدولة حال اختصاصها بالمسائل الموضوعية المرتبطة بالشق المستعجل إذ من يملك الاختصاص في الأصل يملك في الفرع، وأن الدعاوى المستعجلة ما هي إلا إجراء مؤقت للحفاظ على الحق الموضوعي، إلا أن المشرع الأردني خرج على ذلك وعقد الاختصاص القضائي لمحاكم الأردن حتي ولو لم ينعقد الاختصاص لها في الدعوى الأصلية، وفقا لما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة (27) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، وهو ما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك الاختصاص القضائي الدولي في المسائل المستعجلة للمحاكم الأردنية حتي ولو لم تكن مختصة بالدعوى الأصلية.

ـ كما أنه وعن الإجراءات القانونية لرفع الدعوى المستعجلة فإن المشرع الأردني أوجب لرفع وإنشاء الدعوى المستعجلة أن يتم تقديم طلب للمحكمة المختصة وبناء عليه يتم تبليغ الخصوم والسير في المرافعة، ويجوز أن تقديم طلب الدعوى المستعجلة قبل رفع الدعوى الأصلية أو معها، وقد يتم تقديمة بعدها وأثناء نظرها، ويجب أن تتضمن لائحة الدعوى المستعجلة ما تتضمنه لائحة الدعوى الأصلية من بيانات، حيث نصت المادة (56) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني على: ” ترفع الدعوى بناءً على طلب المدعي بلائحة تودع قلم المحكمة ما لم ينص القانون على غير ذلك .ويجب أن تشمل لائحة الدعوى على البيانات الآتية: 1ـ اسم المحكمة المرفوع أمامها الدعوى.

2ـ اسم المدعي بالكامل ومهنته أو وظيفته ومحل عمله وموطنه واسم من يمثله بالكامل ومهنته أو وظيفته ومحل عمله وموطنه .

3ـ أ ـ اسم المدعى عليه بالكامل ومهنته أو وظيفته ومحل عمله وموطنه واسم من يمثله بالكامل ومهنته أو وظيفته ومحل عمله .

ب ـ فإن لم يكن للمدعى عليه أو من يمثله محل عمل أو موطن معلوم فآخر محل عمل أو موطن أو محل إقامة كان له .

4ـ تعيين موطن مختار للمدعي في الأردن إن لم يكن له موطناً فيها، وفق أحكام المادة (19) من هذا القانون .

5ـ موضوع الدعوى           . 6ـ  وقائع الدعوى وأسانيدها وطلبات المدعي .

7ـ توقيع المدعي أو وكيله .     8ـ تاريخ تحرير الدعوى “.

ـ كما أنه وعن إجراءات المحاكمة وصدور حكم في الدعوى المستعجلة فقد نصت المادة (33) من ذات القانون على : ” 1ـ تنظر المحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة في المسائل المستعجلة تدقيقاً دون حاجة لدعوة الخصوم إلا إذا رأت المحكمة أو القاضي خلاف ذلك .

2ـ على الطالب أن يرفق الوثائق التي يستند إليها في طلبه، وللمحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة أن يقرر تكليفه بتقديم تأمين نقدي أو كفالة مصرفية أو عدلية تحدد المحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة نوعها ومبلغها ويقدمها كفيل مليء يضمن العطل والضرر الذي قد يلحق بالمستدعي ضده إذا ظهر أن المستدعي غير محق في طلبه، ويستثنى من تقديم التأمين أو الكفالة الدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية والعامة والبلديات والبنوك العاملة في المملكة، وللمحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة التحقق من ملاءة الكفيل .

3ـ القرار الذي يصدر بقبول طلب المستدعي في المسائل المستعجلة يكون على ذمة الدعوى الموضوعية ولحين الفصل فيها “.

ـ إلا أنه واستثناء على ذلك فقد مكن المشرع الأردني من مثول الخصوم أمامه فور قيد لائحة الدعوى المستعجلة، وهو ما أكدت عليه المادة (60/1) من ذات القانون بالنص على: ” 1ـ  في الدعاوى المستعجلة يعين القاضي جلسة المحاكمة فور قيد لائحتها بدون حاجة لتبادل اللوائح “.

ـ ويكون الحضور في الدعاوى المستعجلة خلال أربعة وعشرون ساعة إلا حال في حالة الضرورة يكون الحضور خلال ساعة وفق ما حدده المادة (61/2) من ذات القانون بالنص على ”  – ميعاد الحضور في الدعاوى المستعجلة أربع وعشرون ساعة إلا إذا اقتضت الضرورة إنقاص هذا الميعاد إلى ساعة بشرط أن يحصل التبليغ للخصم نفسه “.

ـ إذا كان الأصل أنه لا يجوز الطعن على الأحكام الصادرة أثناء سير الدعوى ولا تنهي الخصومة ، إلا أن المشرع الأردني قد استثني من ذلك الأصل الأمور المستعجلة وأجاز الطعن عليها، حيث أنه ووفقاً لنص المادة (170/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني والتي نصت على: ” 1ـ لا يجوز الطعن في الأحكام التي تصدر أثناء سير الدعوى ولا تنتهي بها الخصومة إلا بعد صدور الحكم المنهي للخصومة كلها، ويستثنى من ذلك القرارات الصادرة في المسائل التالية:1 – الأمور المستعجلة…..”.

ـ هذا وقد حدد المشرع الأردني طرق الطعن على الأحكام الصادرة في الدعاوى المستعجلة عن طريق الاستئناف، حيث نصت المادة (176/2) من ذات القانون على :” 2ـ يجوز استئناف القرارات الصادرة في الأمور المستعجلة، أياً كانت المحكمة التي أصدرتها، وتفصل محكمة الاستئناف المختصة في الطعن المقدم إليها بقرار لا يقبل الطعن بطريق التمييز إلا بإذن من رئيس محكمة التمييز أو من يفوضه بذلك “.

ـ كما منح المشرع الأردني الغير ممن لم يكن خصم في الدعوى ولم يتم تمثيله فيها أن يعترض على هذا الحكم متي اعتبر هذا الحكم حجة عليه، وهو ما أقرته المادة (206/1) من ذات القانون بالنص على: ” 1ـ لكل شخص لم يكن خصماً ولا ممثلاً ولا متدخلاً في دعوى صدر فيها حكم يعتبر حجة عليه أن يعترض على هذا الحكم اعتراض الغير “.

ـ كما أجاز المشرع كذلك أن يتم وقف الدعوى بناء على قرار المحكمة المختصة، حيث نصت المادة (122) من ذات القانون على: ” تأمر المحكمة بوقف الدعوى إذا رأت تعليق الحكم في موضوعها على الفصل في مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم . وبمجرد زوال سبب الوقف يكون لأي من الخصوم طلب السير في الدعوى “.

ـ ويجوز وقف الدعوى كذلك بناء على طلب الخصوم واتفاقهم على ذلك، وذلك وفقاً لنص المادة (123/1، 2) من ذات القانون والتي نصت على: ” 1 – يجوز وقف الدعوى بناءً على اتفاق الخصوم على عدم السير فيها مدة لا تزيد على ستة أشهر من تاريخ إقرار المحكمة لاتفاقهم . ولا يجوز لأي من الخصوم أن يطلب خلال تلك المدة إعادة قيد الدعوى إلا بموافقة خصمه.

2- إذا لم يتقدم أحد الخصوم بطلب السير في الدعوى في مدة الأيام الثمانية التالية من نهاية الأجل (مهما كانت مدة الوقف) تسقط الدعوى “.

رابعا: بعض التطبيقات القضائية بشأن الاختصاص القضائي الدولي

1ـ قرار محكمة التمييز الأردنية رقم (1633) لسنة 2005، والذي جاء به ” 1ـ من استقراء نصوص المواد 31 – 33 و 60 من قانون أصول المحاكمات المدنية يتبين أن المشرع قد ميز بين الدعاوى المستعجلة التي تدخل في اختصاص القضاء المستعجل والدعاوى التي يوجب القانون الحكم فيها على وجه السرعة، فالأحكام الصادرة عن قاضي الأمور المستعجلة تبحث في صفة مؤقتة لا مساس لها بأصل الحق ، والدعاوى التي يوجب الحكم فيها على وجه السرعة هي الدعاوى التي يكون موضوعها استيفاء دين أو مبلغ متفق عليه من المال مستحق على المدعى عليه بالمعنى المقصود بالفقرة الثانية من المادة 60 من قانون أصول المحاكمات المدنية “.

2ـ حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في الدعوى رقم (3219) لسنة 2022، والذي جاء به “… ودون الحاجة للرد على أسباب التمييز نجد أن المستفاد من أحكام المادة (176/2) من قانون أصول المحاكمات المدنية المعدلة بالقانون رقم (31) لسنة 2017 إن الطعن تمييزاً بالقرارات الصادرة عن محاكم الاستئناف في الأمور المستعجلة لا تقبل التمييز إلا بإذن من رئيس محكمة التمييز أو من يفوضه بذلك “.

4ـ حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في الدعوى رقم (1507) لسنة 2022، والذي تضمن ” وبناءً عليه وحيث إن السفارة (المدعى عليها) لها مقر ثابت في الأردن وحيث إن المادة (27/1) من الأحوال المدنية المشار إليها قد حددت حق القضاء على جميع الأشخاص المتواجدين على الإقليم الأردني التي جاءت بصيغة آمرة وبالتالي فهي ملزمة ولا يجوز الاتفاق على مخالفتها كونها من النظام العام وعليه فإن إبرام عقد العمل ما بين المدعية والمدعى عليها في مقر السفارة العراقية في عمان / الأردن وتنفيذ التزاماتها التعاقدية الناشئة عنه فيها. وحيث استقر الاجتهاد القضائي على استثناء الدعاوى العمالية من الحصانة الدبلوماسية نظراً لما لهذه الحقوق من طبيعة خاصة اجتماعية وإنسانية وقانونية لغايات تسهيل إجراءات التقاضي واختصار مدة الطعن وإعفائها من الرسوم وحماية العامل من أعباء وتكاليف ليس بمقدوره تحملها ( تمييز حقوق رقم 699/1990 هيئة عامة وتمييز حقوق رقم 543/2020) الأمر الذي يجعل من الدفع بعدم الاختصاص الولائي للمحاكم الأردنية لا أساس له من القانون مما يتعين نقض القرار المميز لورود هذه الأسباب عليه”.

5ـ حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في الدعوى رقم (1651) لسنة 2021 – والذي جاء به “….  يستخلص القبول الضمني من حضور المدعى عليه الأجنبي أمام المحكمة الأردنية دون أن يدفع بعدم الاختصاص في بدء الخصومة وسكوته هذا يدل على قبوله لولاية القضاء الأردني أما إذا لم يحضر المدعى عليه وكانت المحاكم الأردنية غير مختصة بنظر الدعوى تحكم المحكمة بعدم اختصاصها من تلقاء بنفسها وفقاً لأحكام المادة (29) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردنية ، وعلى ضوء ما تقدم وحيث أن الاختصاص المكاني في الدعاوى المتعلقة بالأجنبي والخارجة عن اختصاص المحاكم الأردنية يكون متعلقاً بالنظام العام فقط في حالة عدم حضور إجراءات المحاكمة أما في حال حضوره وعدم دفعه لهذا الأمر وفقاً لمتطلبات المادة (109) من قانون أصول المحاكمات المدنية فإنه يعد قبولاً بالاختصاص الدولي لمحاكم المملكة الأردنية الهاشمية. وحيث أن المدعى عليه حضر إجراءات المحاكمة ولم يتقدم بطلب لرد طلب إكساء الحكم الأجنبي صيغة التنفيذ لعدم الاختصاص المكاني مما يعد قبولاً ضمنياً منه باختصاص المحاكم الأردنية وفقاً لأحكام المادة (27/2) من قانون أصول المحاكمات المدنية. وحيث إن الدعوى أقيمت وفقاً لمتطلبات المادة (47) من قانون أصول المحاكمات المدنية التي جاء فيها:-( إذا لم يكن للمدعى عليه موطن ولا سكن في الأردن ولم يتيسر تعيين المحكمة المختصة بمقتضى الأحكام المتقدمة يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعي أو محل عمله فإن لم يكن له موطن ولا محل عمل في الأردن كان الاختصاص لمحكمة عمان “.

إعداد دكتور / محمد سعيد

 

[1] انظر نص المادة (238) من قانون المرافعات اليمني الجديد رقم (40) لسنة 2002.

[2] محمد عبد اللطيف، القضاء المستعجل، دار النشر للجامعات المصرية، الطبعة الثانية، القاهرة، 1961،صـ 5

[3] مفلح القضاة، أصول المحاكمات المدنية والتنظيم القضائي في الأردن، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، عمان، 1992، صـ 68.

[4] وليد محمد المصري، الوجيز في شرح القانون الدولي الخاص، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، عمان، 2011، صـ 293.

[5] ممدوح عبد الكريم حافظ، القانون الدولي الخاص، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 1998، صـ 243.

[6] هشام على صادق، تنازع الاختصاص القضائي الدولي، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1972، صـ 9.

Scroll to Top